البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

القاعدة: "العدناني" يعاني أزمة نفسية عميقة.. (نشرت تحليلا نفسيا للكلمة التي هددهم فيها)

المحتوي الرئيسي


القاعدة:
  • عبدالله محمد
    22/10/2015 05:37

تحت عنوان (الهدنة من طرف واحد.. تعليقاً على كلمة العدناني "قل للذين كفروا") نشرت منتديات مقربة من تنظيم القاعدة مقالا لكاتبه (بخصروف اليمن) يركز فيها على تحليل الجوانب النفسية للمتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية "أبو محمد العدناني" وهو يلقي كلمته بعنوان "قل للذين كفروا" والتي هدد فيها وتوعد كافة الفصائل الجهادية المختلفة معهم وخاصة القاعدة.. طالع المقال :
 
الهدنة من طرف واحد.. تعليقاً على كلمة العدناني "قل للذين كفروا"
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذا تعليق موجز على ما ورد في كلمة المتحدث باسم "الدولة الإسلامية" أبي محمد العدناني والتي جاءت بعنوان: "قل للذين كفروا ستغلبون" وحيث أن الكلمة تناولت الكثير من الأمور التي تحتاج إلى وقفات وتعليق إلا أنني أريد أن أشير إلى أن من أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها الجوانب النفسية للمتحدث، وكما قيل فإن "المرء مخبوء تحت لسانه" وإن تحليل الجوانب النفسية التي يكشف عنها أي نص بياني سواء كان شعراً أو نثراً هو أحد أهم أركان النقد والقراءة الكاشفة وصدق الإمام الجرجاني -رحمه الله- عندما قال في أسرار البلاغة ما معناه أن "البيان مهمته الإبانة عن دواخل النفوس وما تنطوي عليه" وإن حديث المرء كاشف عن عقله ونفسه، ومختصر ما أريد قوله هنا أن الكلمة التي تحدث بها العدناني انطوت على تخبط لا أول له ولا آخر لا يقبل به العقلاء، وكشف في ذات الوقت عن أزمة نفسية عميقة عند كاتب الكلمة ولا أريد التوقف عند الجوانب النفسية كثيراً فلعل أحد إخواننا يركز على هذا الجانب في هذه الكلمة فإنه من الأهمية بمكان، ومن هذه الجوانب الحديث عن الصيغة البيانية المعتمدة والأساليب الإنشائية التي تعتمد تكلف البديع والإغراق في السجع والجناس والطباق وغيرها من الأساليب التي تدل على ضعف في الفكرة والمضمون يستدعي الترقيع بتكلف السجع وتجنيس العبارات ورصف المفردات على الطريقة السائدة في عصر انحطاط الأدب والفكر عند الأمة.
 
الهدنة من طرف واحد..
 
بدأت الكلمة بالحديث عن أمريكا وانطوى الكلام على عدد من المغالطات أولها زعمه أنهم "جرجروا" أمريكا إلى حربين في خرسان والعراق نسيت بها أهوال فيتنام، والحقيقة التي لا ينكرها أحد أن من "جرجر" أمريكا إلى الحرب البرية في بلاد المسلمين هو تنظيم قاعدة الجهاد بقيادة الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- بدأً بضرب مصالح أمريكا على امتداد العالم الإسلامي ثم بالضربة القاضية في الحادي عشر من سبتمبر التي أخرجت أمريكا عن طورها فتدخلت برياً في أفغانستان ووقعت في الفخ المحكم، أما العراق فلم تدعي القاعدة أنها استدرجت أمريكا إليها ولم تزعم أنها كانت تخطط أصلاً لإدارة معركة في العراق، وإنما غرور أمريكا وصلفها ومطامعها الاقتصادية في المقام الأول هي التي دفعتها إلى التدخل في العراق، ثم بعد ذلك كان لتنظيم القاعدة وجود عسكري في العراق لدفع الصائل وللمشاركة في الجهاد واستنزاف أمريكا وكان لهم ما أرادوا، فالمقصود أن حديث "العدناني" عن السياق التاريخي فيه مـغالطة لا يمكن القبول بها، فمن كان يخطط لاستدراج أمريكا ونجح في ذلك في أفغانستان هي القاعدة؛ أما العراق فلم يخطط أحد لذلك وإنما جاءت موافقة لخطة الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- التي تقتضي الالتحام المباشر مع الأمريكان واستنزافهم، فليس من حق "العدناني" ولا غيره أن يقفز على التاريخ أو أن يتجاوز الحقائق وأن يصور للناس أنه كان يخطط مع جماعته منذ زمن لاستنزاف أمريكا ولإدخالها في حربي أفغانستان والعراق، ولو قال أن جماعته شاركت في استنزاف أمريكا في العراق لما كان في ذلك غضاضة ولسلمنا له بذلك.
 
ولو سلمنا له بأنهم خططوا لحربين "وجرجروا" أمريكا إليها؛ فإن تسليمنا له بأنهم يخططون لحرب ثالثة فيه نظر، وإن الأمر فيه ما فيه من الشك والريبة وسأضع مبررات منطقية ودلائل واقعية.
 
أما مبررات الشك في هذا الزعم فيمكن مشاهدتها من وقائع الأحداث على الأرض ثم من خطابات قيادات الدولة، ففي خطاب البغدادي بعد تنصيبه "خليفة" في رمضان 1436هـ تحدث عن عدد من القضايا لكنه أغفل الحديث عن أمريكا وتجاوز الحديث عن فلسطين ولم ينبس ببنت شفة عن إسرائيل، وتوعد بالثأر للمسلمين في أفريقيا الوسطى في أدغال أفريقيا ولم يتحدث عن الثأر لغزة التي بينه وبينها مرمى حجر! وفي خطابه المعنون بـ"ولو كره الكافرون" أعاد البغدادي ترتيب الأولويات ليضع أمريكا في آخر القائمة، ووجه أتباعه في بلاد الحرمين باستهداف الشيعة وجنود الجيش والأمن بينما الصليبيون يسرحون ويمرحون، وشدد في ذلك وأكد على تقديم أولوية قتل جنود الجيش والأمن على قتل الأمريكان! بل وعلى امتداد العالم وعلى مدى انتشار أتباع "البغدادي" لم نشهد أي استهداف مباشر لمصالح أمريكا ولم نر أي توجيه في هذا الصدد! وكل الرسائل السياسية التي يطلقها قيادات "الدولة" تدلل على اتجاه واحد هو الرغبة في تحييد أمريكا عن المعركة، والخوف من تحمل تبعات التصعيد ضد أمريكا ومصالحها، وأقول بكل صراحة وبكل أسف، لقد بلغ الأمر مداه -في إثبات صدق النية بأنهم جادون في الابتعاد عن التصعيد ضد أمريكا ومصالحها- وصل مداه بكلمة "العدناني" الأخيرة وما كنت أظن أن القوم وصلوا إلى هذا المدى وأنهم مصممون على تجنب المعركة حتى مع كل الضربات التي وجهتها أمريكا إليهم حتى بلغ بها الأمر أن قتلت نائب البغدادي بغارة طائرة بدون طيار في الموصل.
 
لقد كان الشيخ أبو بصير -رحمه الله- يقول لنا: "الدولة الإسلامية تريد أن تسحبنا لمشروعها لنشتغل بالأعداء المحليين والأذناب؛ بينما الواجب الشرعي علينا أن نسعى لإعادتهم إلى المسار الصحيح لضرب رأس الأفعى وتوجيه السهام إلى أمريكا والغرب"، وأقول اليوم رحمك الله يا شيخنا أبا بصير فقد تبخر أملك وها هي كل الجهود تبوء بالفشل فقد عزم القوم أمرهم ووحدوا خيارهم.
 
وأعود لكلمة "العدناني" الأخيرة التي أبانت أشد ما تكون الإبانة عما ذكرت، وعلى خلاف ما كان ينبغي فلم يتعهد "العدناني" بالثأر لنائب البغدادي "أبي المعتز القرشي" الذي لم تجف دماؤه بعد، ولم يتوعد "العدناني" أمريكا "بالذبح" ولا تعهد لـ "أوباما" بـ "طلقة في الرأس" ولا حرض على استهداف مصالح أمريكا ولا بشر بغزو أمريكا في عقر دارها!
 
وكانت رسالته للأمريكان واضحة مفادها: "مهما كان ومهما عملتم فلن نكون لكم نداً ولن نتوجه للتصعيد ضدكم ولا زلنا نأمل في إيجاد صيغة لتجنب الحرب معكم، ونحن سنقاتلكم في دابق إن نزلتم إلينا"، أما قضية الجزية فهي بحق لا تختلف أبداً عن شعارات "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل" ومنذ متى والشعارات تهدد أمريكا؟
 
وأنا أقول لكل العقلاء مع كل هذه الجعجعة والدعاية والتهويل والاستكثار بالأتباع والبيعات، أتعجز "الدولة الإسلامية" ومن يوصف بأنه "الخليفة" عن توجيه ضربة محكمة إلى أي هدف أمريكي؟ أم أن الأمر له تبعات والأمر له ما بعده؟ أو يعجز متحدثها عن وضع التهديدات العملية والمباشرة ضد أمريكا وإسرائيل؟ ولماذا لا يستعير قسم الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- ليهدد به أمريكا؛ إن كان -كما يزعم- لا زال على منهجه وطريقته؟ ونحن الآن لا ننتظره أن يقوم بذلك ومطلبنا بسيط أن يكف هو وجماعته الشر عن المجاهدين الذين يواجهون أمريكا ويتبنون قضايا الأمة الإسلامية.
 
إن الحقيقة المرة التي تحدث والتوصيف الدقيق الذي نقوله بكل ثقة أن "الدولة الإسلامية" قد دخلت في هدنة مع أمريكا وللأسف فإن هذه الهدنة من طرف واحد وبدون مقابل، وقد آن الأوان لأوباما أن يمد قدميه فليس هنالك ما يقلق، ولا يحتاج الأمر للتدخل البري المباشر في أي من العراق أو سوريا، وقد أثبتت الأدوات المحلية فعاليتها في حال الحصول على الغطاء الجوي الأمريكي الكافي، وإذا كانت "الدولة الإسلامية" خلال سنة من الحرب فقدت قرابة الثلث من المناطق التي سيطرت عليها منذ سنة؛ فكم ستفقد خلال السنتين القادمة؟ ولست هنا أفرح بسقوط المناطق بيد الروافض والأكراد الملحدين فيعلم الله أنا أشد الناس حزنا على ذلك، ولكني أتحدث عن واقع المعركة وطبيعتها وكيف تفكر أمريكا، فلا هي تفكر بالتدخل البري المباشر لا اليوم ولا غداً ما دامت "الدولة الإسلامية" لا تستهدف أمريكا بشكل مباشر وتضربها في عقر دارها وتنغص أمنها وتهز اقتصادها، وما دامت كذلك الأدوات المحلية من الروافض والأكراد تقوم بدورها في الحرب ومادامت تروس الحرب تطحن كل الأطراف، فليُقتَل من الروافض ومن المليشيات الآلاف فهل هم إلا أرقام يحسبها البنتاجون أو لا تستحق الحساب؟ وليقتل من الأكراد في هذه المعركة آلاف وآلاف فهل هم إلا وقود لذلك؟ ولتدر الرحى على الجميع. ويستمر أوباما في شرب القهوة وهو يتابع هذا المشهد فلا أجمل منه ولا أروع..
 
وفي ختام هذه الفقرة ، فإن ما يهمنا أن نقوله في هذا الصدد عندما نستمع إلى "العدناني" يتحدث عن أمريكا: "نسمع جعجعة ولا نرى طحينا".

الضربة القاضية..
 
أما النقطة الثانية التي لا تقل أهمية عن الأولى؛ فهي هروب "العدناني" عن الرد على ما ورد في سلسلة "الربيع الإسلامي" التي تحدث فيها الدكتور أيمن الظواهري عن عدد من الأمور وركز فيها على معالم الخلافة الراشدة وتحدث بشكل واضح عن فساد وعدم شرعية الخلافة المزعومة لـ"البغدادي" وقد ثقف الشيخ أيمن أطراف هذه السلسلة المباركة وأحكم قوله فيها حتى صدق عليها قول القائل: "قطعت جهيزة قول كل خطيب"، وصدق الله الذي قال في كتابه الحكيم: [ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون ] فلم أر القوم سكتوا وخنسوا أمام شيء كهذه السلسلة، ولم أر "العدناني" أضعف حجة وأفقر قولاً منه اليوم، ولا أرى لهم في ميدان العلم والفكر والدعوة من باقية، وبقدر ما يحزننا الإساءة إلى شخص الدكتور أيمن الظواهري -حفظه الله- فإنه يسرنا أن القوم لم يعد في جعبتهم إلا بعض أبيات الشعراء الجاهليين يسبون بها خصومهم.
 
إن ميدان العلم والدعوة والفكر هو الميدان الذي لا يجوز بحال أن نتوارى عنه، وهو الزحف الذي لا يجوز التولي عنه، ولا يجدر بمن يبني بناءً حقيقا ويشيد أركاناً ثابتة أن يترك غيره ليهدمها بحجة أنه "لا يرد على السفهاء -بزعمه-" ولو كان الأمر يتعلق بسفاهة لقبل من المرء أن يتجاوز عنها ولكن كيف والحديث عن وثائق ميدانية وحقائق علمية وأدلة شرعية وواقعية بعيدة كل البعد عن السباب والشتائم واستعارة الأبيات من نقائض الشعراء، إنها: "سلسلة الربيع الإسلامي" بكل ما فيها من العلم والحكمة وبكل ما تحويه من بيان شافي ورشاد وهدى ورحمة ويقين، وأنا لا أريد أن أغرق في الثناء على هذه السلسلة ولا في الثناء على الدكتور أيمن ولكني وجدت أن هذه السلسلة بالذات قد عملت عملها وأوصلت مرادها وبلغت مداها فينبغي على كل مسلم صادق محب .للإسلام والمسلمين أن يسعى في نشرها بكافة الوسائل والسبل فإنها مع غيرها مما كتب العلماء والدعاة والمجاهدون صمام أمان للجهاد وللمجاهدين وفيها معاني وأصول لا ينبغي تجاوزها، وقد كنت أقول لكثير من إخواني أن المجاهدين سيصدمون بلا شك بمشكلة الثقة بينهم وبين جمهور الأمة فيما يتعلق بموضوع الحكم والسياسة وإدارة أمور الناس، فعلى مستوى الجانب العسكري فإن الأمة ستقر للمجاهدين بالكفاءة والتضحية من واقع ما تراه في الميدان، أما في جوانب السياسة والحكم فإن الأمة بحاجة إلى تطمينات واضحة تبين لها أننا لا نسعى للسيطرة عليها وقهرها واغتصاب حقها في اختيار من يحكمها ومحاسبة من يسوسها، يجب على الأمة أن تدرك غاية الإدراك أنه -في حال رفع الإكراه عنها- فإن أمر الخلافة والحكم هو أمر منها وإليها تختار من تشاء ليحكمها بالإسلام، ولا مطمع لنا في سلطة ولا رغبة لنا في منصب ولا نزاحم الناس على الفتات، فإذا استقر هذا في وجدان الأمة فقد تخطينا أصعب حاجز وتجاوزنا القنطرة -بعون الله-.
 
وقد كنت كغيري من إخواننا المجاهدين أفكر وأفكر منذ سنوات كيف يمكن لنا أن نرتقي بفكر الحركة الإسلامية والتيار الجهادي، وكيف نبني الجسور ونردم الهوة ونتجاوز سنوات الجفوة والخلاف، ولكن ضغط التيار الداخلي كان عائقاً أمام تطوير الخطاب وكان حائلاً دون التقدم العملي وأخذ الخطوات اللازمة؛ حتى حصلت هذه الفتنة العارمة وعصفت بالعقول والمشاعر، وضرب المخاض فظن قليل التجربة وضعيف اليقين أنه الموت المحتم وأنه الحتف المحقق وفُقد الأمل في الوالدة والمولود، لكنه كان المخاض وحسب، ثم ولد هذا الواقع الجديد فكان فيه من الخير ومن المنحة مالم يخطر لنا على بال، وإني لأجزم أنه لولا هذه الفتنة وهذا البلاء لما وصلنا جميعاً إلى هذا النضج وإلى هذا الوعي ولما استطعنا أن نقنع قواعدنا الجهادية بكثير مما هو مستقر اليوم في عقولهم من الوعي، ولولا هذه الفتنة لما وصلت دعوتنا بهذا الشكل ولما اخترقت صفوف الحركات الإسلامية بطريقة ناعمة هادئة تصل إلى أعماق العقل والشعور، وعلى مستوى الشعوب أرى الناس اليوم يتمسكون بالقاعدة وغيرها من الجماعات الصادقة ويتشبثون بها هرباً من نموذج "الدولة الإسلامية" وعندي من القصص في هذا الباب مما نعاشره في الواقع في اليمن حمل بعير.
 
وإننا نوقن جميعاً أن هذه السحابة التي تتقشع اليوم فضلاً عن كونها عابرة فإنها كذلك كانت مقدمة مهمة لمرحلة كبيرة يهيئ الله لها جيلاً لا بد له بأن يمر على هذه التجربة ويخوض هذه الغمار ويدخل هذه المعركة الشرعية والفكرية الكبرى ليخرج منها ثابت الأصل قوي الأساس متين البنيان، ولقد كان "الربيع العربي" بكل ما فيه مجرد تهيئة لـ "الربيع الإسلامي" الذي نرى تباشيره تلوح في الأفق، وأنعم به من ربيع وأنعم بمن يسعى إليه وبشراك أمتنا بشراك.
 
تمخض الجمل..
 
وبعد الهروب من المواجهة المباشرة مع أمريكا، وبعد الهروب من المواجهة في ساحة العلم والفكر وميدان الحجة والبينات، حانت غارة "العدناني" على الفصائل الجهادية والتنظيمات والجماعات التي وصفها بأساس الداء، وتوعد بقتالها وتشتيت صفوفها وتدمير بنيانها وتوعد أفرادها بـ "سكين حاذقة" أو "طلقة فالقة"، والحقيقة أني سأعلق على هذه النقطة من زاوية أخرى غير تلك التي يتناولها الكثير من إخواننا، وهي ذات دلالة على ما ذكرنا من قبل من سياسة "الدولة الإسلامية" في التعامل مع الخصوم والأعداء فأمريكا وإسرائيل يجب تحييدهما من الصراع قدر الإمكان لأن أدوات الحسم مع هؤلاء صعبة؛ ولكن أدوات الحسم مع الفصائل متوازنة ومتقاربة وبالتالي فإن إمكانية تحقيق نصر في هذا الاتجاه يمكن المراهنة عليه، وهذا هو أساس الاستراتيجية العسكرية والسياسية التي تسير بموجبها "الدولة"، وعندهم أن "قتال العدو المرتد أولى من قتال الكافر الأصلي" بينما حقيقة "تنظيم القاعدة" سياسته قائمة على أن "قتال العدو الأنكى في الواقع والأشد والأظهر كفراً مقدم على قتال من دونه من المرتدين الذين هم في حقيقتهم أذناب ويخفى كفرهم على شريحة كبيرة من المسلمين وهم والعدو الكافر الأصلي داخل منظومة واحدة". وهكذا رسمت كل السياسيات عند "الدولة الإسلامية" على اختيار مواجهة العدو الأضعف وهي مقاربة تحاول أن تتوصل إلى تحييد العدو الغربي وعلى رأسه أمريكا عن الصراع؛ ولكن دون ذلك خرق القتاد، إنها مقاربة فاشلة بلا شك وإنه تصور ساذج للصراع ولأدواته وهو فهم خاطئ لطبيعة الحرب، ويكفي أن يقال أن الحركة الجهادية قد تجاوزت هذه المرحلة في النقاش حول من هو العدو الذي يجب أن نواجه، وقُطِعت آخر تلك النقاشات مع اصطدام الطائرة الثانية في برج التجارة العالمي.. واجتمعت الأمة -وليس مجرد الجماعات الجهادية- على قتال أمريكا والتوجه لحرب الصليبيين.
 
غير أن الجديد فيما طرحه "العدناني" في هذه الكلمة أنه بين عدد من الأمور؛ أولها: أن قتالهم للفصائل والجماعات الجهادية لا يحتاج لكثير مبررات ولا لكثير كلام فيكفي أنهم "جماعات" في وجود "الجماعة" فقتال الجماعات ابتداء ليس على كفرهم ولا لأنهم حاربوهم ولكن بمجرد عدم مبايعتهم والدخول في سلطانهم، فكل جماعة بمجرد وجودها اليوم بعد إعلان خلافتهم المزعومة يجوز قتالها وسفك دمها، فالقتال هو على البيعة وليس على شيء آخر. وثاني هذه الأمور: أن قتالهم للفصائل لم يكن لأن هذه الفصائل تتعاون مع الكفار والمرتدين كما كانوا يزعمون والدليل على ذلك أنه لم يذكر أن من بين الفصائل من يقاتلهم خدمة للصليبيين أو المرتدين؛ إذا فأين التأصيلات الشرعية التي بني عليها تكفير الفصائل؟ أم أن مجرد قتال الدولة كفر؟ ولماذا لم يصدع العدناني بتكفير الفصائل وهو الذي يزعم أنه يحقق ملة إبراهيم؟ والأمر الثالث وهو الأخطر: أنه زعم في سياق حديثه عن انضمام عدد من أفراد الفصائل إليهم أن اجتماعهم تحت قيادة "الدولة الإسلامية" دليل على أنها على الحق فإن "المجاهدين لا يجتمعون على ضلالة" وهذه العبارة الأخيرة تؤكد ما كان يطرح في الساحة أن هؤلاء القوم يرون أنهم هم جماعة المسلمين حصراً وهم "الأمة" فإن الحديث الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ لا تجتمع أمتي على ضلالة ] ولم يرد في الحديث ولا في أي رواية له [ لا يجتمع المجاهدون على ضلالة ] وليس لكلامه تفسير إلا أنه يعتقد أنهم هم الأمة فـ "الدولة الإسلامية" هي الأمة ومن لم يدخل في سلطانها فهو خارج وصف الأمة ويشفع لهذا ما ذكره في خطاب آخر أن "الدولة الإسلامية" هي الوحيدة في خندق الحق، ويكفي تصور هذا المعتقد الفاسد لندرك أين جنح القوم ونستشرف إلى أين يسيرون.
الحرب ليست لعبة..
 
وفي ختام الكلمة وجه "العدناني" عدداً من الرسائل إلى من وصفهم بـ "أبناء الدولة الإسلامية" تكشف عن أزمة تعتريهم وبلاء يصيبهم ولم أر يوماً خطاب العدناني بهذا الضعف، فلم يبشرهم بتمدد قريب ولا حدثهم عن بيعات تتقاطر من الأقطار ولا أشاد بعملياتهم في الفروع في سيناء وفي اليمن ولا في نيجيريا، ولعله آثر أن يترك "للبغدادي" ما يقوله في الخطاب القادم، وعلى كل حال فنظرة على فحوى الرسائل تكشف عن أزمة مختصرها أنه اجتمع على جنودهم -في العراق بالذات- غاية شدة الحرب مع غاية الترف والنعيم والسعة وإن هذا من أعظم البلاء، وإن لكل جماعة أو طائفة شرة وفترة ومن أخذ الناس بالعزيمة في مطلق الأحوال -ولم يراعِ ما يعتري البشر من الضعف والفتور والخوف وما يعتريهم كذلك من الركون إلى الدنيا- من لم يأخذ في الحسبان كل ذلك فلا شك أنه سيتفاجأ في خضم المعركة أن من كان يعول عليهم لم يكونوا كما كان يؤمل، وأن الحرب أكبر منهم جميعاً وكلما طال أمد الحرب طال البلاء وازدادت المحنة، وإن الترفق بالجند والتلطف بهم وتجنب تكليفهم بما لا يطيقون هو الهدي النبوي والسنة المتبعة، وهو السبيل للمطاولة في الحروب المعاصرة، أما من يريدها حرباً خاطفة ومعركة سريعة دون أن توجد بيده أدوات الحسم العسكري فسيعاني وسيفشل وسينفض الناس من حوله وكما قال عمر بن معد يكرب في وصف الحرب:
 
الحربُ أوّلٌ ما تكونُ فُتيَّةً تسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ
حتى إذا استَعَرَت وشَبَّ ضِرامُها عادت عجوزاً غيرَ ذاتِ خليلِ
شمطاءَ جَزَّت رأسَها وتَنَكَّرَت مكروهةً للشَّمِّ والتقبيلِ
 
لقد كان من الدواعي التي دعت الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- لاختيار أفغانستان لتكون ساحة الاستنزاف لأمريكا هو طبيعة الشعب الأفغاني.. فهو شعب بسيط لا يتشبث بالدنيا كثيراً، وهو كذلك شعب قد تعلم أن الحروب تكسب مع الوقت وأن من الواجب عليه أن يوفر قوته حتى لا تستهلك فيقاتل بأقل التكاليف ويقدم أقل التضحيات لكنه يصل إلى هدفه ولو استغرق منه المزيد من الوقت، وشعار الأفغاني دائماً "مرمي ختم جهاد قبول" -يعني انتهت الذخيرة في هذه الغارة ونسأل الله القبول-، ثم يعود مرة أخرى في الوقت المناسب ليُغِيرَ على العدو بما بيديه من الطلقات، والشعب الأفغاني كذلك شعب شديد الحساسية من الاحتلال الأجنبي ويمكن مراجعة وثائق أبوت أباد التي شرح فيها الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- طبيعة الشعب الأفغاني وما جبل عليه من خصائص، وهكذا فلا بد لـ"العدناني" أن يستنهض أولئك الذين يجلسون في الخدور، وأن يحشد إلى "الرباط" أولئك الذين جلسوا في "البلاط" لكن الجديد هذه المرة أنه ذكرهم أن دولتهم "باقية إلى قيام الساعة"، كما تعمد أن يحذف الشطر الثاني من الشعار فهي "باقية إلى قيام الساعة" ولكنها لم تعد تتمدد! وإذا تمددت يوماً فإلى الرمادي أو إلى قريتين في شمال حلب.
 
وفي الختام؛ فأنا لا أزال أكرر أنني تحدثت بإيجاز وحاولت ذلك ولم أتطرق للتعليق التفصيلي ويعلم الله أني تجاوزت عن كثير من الأمور رغبة في عدم الإطالة وهي علامات وإشارات وفيما يطرح غيري من المشايخ والكتاب ما يكفي ويشفي.
 
ولا أنسى في الختام كذلك أن أشكر "العدناني" على هذا الخطاب وأضرابه، وكم والله أتمنى أن يتحدث بخطاب كل يوم فإننا بحاجة إلى مزيد من التخبطات لينكشف حالهم أكثر فأكثر، ونحن بحاجة لمزيد من الخطب والخطابات لنتعرف كيف تتطور أفكارهم، ويكفي لتحصين أفراد الأمة سواء التنظيمات الجهادية والحركة الإسلامية -بشكل عام- ويكفي الشعوب أن ننشر خطاب "العدناني" الأخير على أوسع نطاق، وكما حرضت على نشر سلسة "الربيع الإسلامي" فإني أحرض على إرفاق خطاب "العدناني" معها، [ فبضِدِها تتميزُ الأشياءُ ].
 
والحمد لله رب العالمين

أخبار ذات صلة

لم ينشأ التيار الجهادي في مصر على هيئة تنظيم موحد؛ بل تكون على شكل مجموعات متعددة تأسست بداية من عام 1966 إثر إعدام المزيد

رفضت محكمة حيفا الجزئية المحلية الإسرائيلية (شمال) اليوم الأحد، استئنافًا قدمه محامو الدفاع عن المزيد

اعتبر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، السبت، أن تحرير مدينة الرقة السورية من المزيد

تعليقات