البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الفلبين بين عامي (1964-1981).. أثر الديكتاتورية على دولة كانت مزدهرة

المحتوي الرئيسي


الفلبين بين عامي (1964-1981).. أثر الديكتاتورية على دولة كانت مزدهرة
  • محمد يوسف عدس
    12/07/2015 08:30

"الصعود إلى الهاويــة:حكاية شعب فى مواجهة طاغية".. كان هذا عنوان سلسلة من المقلات كتبتها منذ ثمانِ سنوات .. وأرسلت جزءها الأول إلى صديقى الدكتور عبد الوهاب المسيري ، وكان قد بدأ يشترك فى حركة ثورية جماهيرية ضد دكتاتورية نظام مبارك، انتهت به إلى قيادة "حركة كفاية" .. وكنت أشفق عليه وعلى صحته ؛ إذ كنت على اتصال هاتفي به –خلال إقامتى فى لندن- أطمئن منه على رحلة علاجه الطويلة .. وأعرف خطورة مرضه ومقدار ما يعانيه منه ، ولكنه كان ينظر إلى المستقبل بتفاؤل كبير ..
 
فوجئت به يتصل بى ويسألنى: "لماذا ترسل إلي بهذه المقالة بالذات، وأنت تعلم أننى أتابع مقلاتك المنشورة..؟" قلت له: "اعْذرنى إذْ شغلتك عن واجباتك المتزايدة بعد انخراطك فى قيادة انتفاضةٍ جماهيرية تستغرق كل وقتك الآن.. ولكنى فكّرت أن سقوط دكتاتورية ماركوس فى الفلبين قد تساعد فى تطوير النضال من أجل الحرية فى مصر ، نظرًا للتشابه الشديد بين ظروف البلدين..! وكنت أتمنى أن أكون موجودًا فى مصر لأساعدك بما أستطيع من جهدٍ فى هذه المهمة الشاقة" .. فشكرنى وقال: "بوركت .. ويكفى أنك تشارك معنا بقلمك.."
وكان هذا آخر اتصال هاتفي بيننا .. وآخر مرة أسمع فيها صوته الحبيب على الهاتف .. حيث تطورت الأمور سريعًا ؛ فقد توفي الدكتور المسيري فجر يوم الخميس ٣يولية سنة٢٠٠٨م.
 
وبقيت معى سلسلة المقالات أتابع كتابتها وأجد فيها راحة نفسية وتفاؤلا بمستقبل الثورة فى مصر ، وأنا أتابع فى نفس الوقت انتكاسات نظام الدكتاتور مبارك .. خطوة خطوة حتى وصلت إلى عملية التزوير الشامل لانتخابات سنة ٢٠١٠م التى توّجها أحمد عز باحتفال مشهود فى البرلمان الذى خلا تماما من المعارضة، اعتبره الأغبياء انتصارا حاسما ونهائيا على انتفاضة الشعب، وتهيئة المناخ لتنفيذ مخططه فى توريث القطيع للمالك الجديد جمال مبارك .
 
هنالك أدركت أن الصعود قد بلغ ذروته التى يبدأ بعدها الانهيار الأكيد .. فقد كان هذا هو السناريو نفسه بكل ملامحه التى سطَّرتها بقلمى من واقع دراستى لقصة الفلبين "الصعود إلى الهاوية" ..

أقمت بالفلبّين فترة من الزمن مبعوثا من الحكومة المصرية سنة 1964 لإنشاء وإدارة مركز ثقافى للتعريف بالثقافتين العربية والإسلامية .. وكانت الفلبين تنعم فى ذلك الوقت بازدهار إقتصادى وحكم مستقر فى عهد الرئيس "ماكاباجال" أهّلها لتكون فى مقدمة بلاد جنوب شرق آسيا، ولكنها فقدت هذا المركز فى عهد الدكتاتور فرديناند ماركوس" ...
عاصرت أيضا وتابعت حملة إنتخابات الرئاسة التى بدأت فى أواخر سنة 1964 وانتهت بفــوز " فرديناند ماركوس " سنة 1965 . وبعد فترتين رئاسيتين كان على ماركوس أن يرحل ويسلّم السلطة لرئيس جديد ولكنه فاجأ العالم بانقلاب على الدستور ؛ ألغى فيه البرلمان وأعلن الاحكام العسكرية وحكم البلاد حكما دكتاتوريا لمدة أثنين وعشرين عاما .. سنوات عجاف من القهر والاستبداد والنهب والفســـاد.
 
لقد ذهبت لزيارة الفلبين سنة 1981، بعد عشر سنوات من الدكتاتورية، فهالنى الفرق الشاسع بين مشهدين: مشهد الستينات ومشهد الثمانينات .. بحثت عن أصدقاء كنت أعرفهم فلم أجد أحدًا منهم.. كلهم هاجروا أو حُكم عليهم بالنفى : " بينفنيد سانتوس " الأديب الفلبيني و نائب رئيس جامعة الفبين .. و"قيصر أديب ماهول" أستاذ التاريخ بنفس الجامعة .. و"جى فى كروس".. الصحفى الجرئ الذى كان مناصرًا لحركة الحياد الإيجابى وعدم الإنحياز ، والذى دافع بحرارة عن حرية الطلاب المسلمين الذين ذهبوا لتلقّى العلم فى جامعة الازهر، وكانوا يتعرّضون لحملة إعلاميّة تتهمهم بالتعصّب الإسلامى وبأنهم سيقودون حركة الإنفصال عن الفلبين بعد عودتهم .. دفعنى لصداقة الرجل مواقفه الشجاعة .
حزنت على رحيل هؤلاء الأصدقاء ولكنى لم أندهش.. فأنا أعرف أن الأنظمة المستبدة طاردة بطبيعتها للوطنين الأحرار والمتميّزين والمبدعين .. ولا تجتذب إلا الإمعات والمنافقين وكل من لديه استعداد لبيع مواهبـه وخدماته وضميره بثمن معلوم .. لم أندهش عندما علمت أن الفلبين فى عهد ماركوس نزف مايقرب من ثمانمائة ألف من خيرة أبنائه وأكثرهم علما وثقافة وخبرة ووطنية ، غير مليون آخرين من طالبى الرزق هاجروا إلى دول الخليج العربي .
 
تجّولت فى شوارع مانيلا وزرت أماكن عرفتها وأنِسْتُ بها مقيمًا ، فما ألفْتها ولا ألفتْنى زائرًا ممتعضًـا حزينًا ...!
 
رؤيـــة جـــديدة :
 
أكتب اليوم عن الفلبين برؤية مختلفة ولهدف مختلف خارج إطار إهتماماتى السابقة؛ فمنذ فترة من الزمن وأنا ألاحظ تشابها مثيرًا بين مصر والفلبين .. عبّرت عنه فى مقالين سابقين فى معرض الكلام عن فشل التنمية الإقتصادية والاجتماعية فى العالم الثالث ، حيث عزوْت هذا إلى الإندفاع الأعمى فى تطبيق توجيهات ونصائح البنك الدولى . وعقدت مقارنة بين التجربة الفلبينية التى إنتهت بإفلاس الدولة وإنهيارها الاقتصادى ، وبين مصر التى تسير بخطوات متسارعة فى نفس الطريق .. كان آخر ماعرفت من أخبار ذات دلالة فى مجال الخصخصة هو بيع بنك الاسكندرية إلى بنك أجنبى.. وماذلك إلا بداية لمسلسل بيع البنوك وشركات التأمين لجهات أجنبية ، فالخصخصة المتسارعة هى الشعار الجديد الذى تتبنّاه الحكومة حتى أن أحد الوزراء يفاخر بأنه تمكّن من بيع أربع شركات فى شهرواحد..
 
أضع المسائل الإقتصادية جانبا وألتفت إلى الواقع السياسى فى الفلبين فى عهد ماركوس .. وأترك للقارىء أن يكتشف أوجه التشابه الذى يصل أحيانا إلى حد التطابق بين التجربتين الفلبينية والمصرية .. وهدفى من الكتابة فى هذا الموضوع هو ألا تنزلق بلادى إلى الهاوية التى سبق للفلبين أن انتهت إليها ورحم الله من أتعظ بتجربة غيره ! ...
تشـــابه الى حد التطابق : 
 
أليس عجيبا حقا أن يتفق تعداد سكان الفلبين مع تعداد سكان مصر ! ؟ 
 
وأن اسم الحزب الحاكم خلال عهد ماركوس ( 22 سنة ) هو"الحزب الوطنى " ..؟ ثم تترى سلسلة المتشابهات : طراز من الحكم مستبد .. وديمقراطية شكلية بلا مضمون حقيقى وتغيير فى القوانين وتعديلات فى الدستور لتوائم تمديد السلطة لمنصب الرئيس ، وسلطات لا حدود لها لرئيس الجمهورية على حساب السلطة التشريعية والقانونية .. ومحاكم عسكرية لمحاكمة المدنيين وقوانين طوارىء .. وإضعاف أحزاب المعارضة والتضيق عليها والتلاعب بها لتدميرها وبث الفرقة بينها .. وتفشّى البطالة والفساد .. واتهامات مستمرة من قوى المعارضة ومنظمات حقوق الانسان للسلطة الحاكمة بتزوير الانتخابات . وإستعمال العنف والتعذيب والاعتقال بدون توجيه تهم ولا محاكمــــات ..
 
إطّلعت على تقارير البنك الدولى عن ديون العالم الثالث ودهشت لان هناك تطابقا بين ديون مصر وديون الفلبين فقد بدأت فى نفس الوقت بأكثر قليلا من بليون دولار وسارت فى خطٍّ متوازٍ صاعد سنة بعد سنة ، ثم حدثت فجوة مفاجئة سنة 1991 عندما أُعفيت مصر من بضعة وعشرين بليون دولار مكافأة لها على إشتراك قواتها المسلحة فى تحرير الكويت مع القوات الامريكية ، ولولا ذلك لاستقرّ رقم الديون سنة 2000م عند واحد وستين بليون دولار بالنسبة لمصر كما هو الحال بالنسبة للفلبين . 
***
أتابع الموضوع فى حلقة تالية إن شاء الله..

أخبار ذات صلة

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد