البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

الفكرة الإسلامية وما بعد الليبرالية الرأسمالية

المحتوي الرئيسي


الفكرة الإسلامية وما بعد الليبرالية الرأسمالية
  • مهنا الحبيل
    25/02/2017 11:44

ما هو التقييم الفكري الشامل برؤيته الإنسانية المنهجية لمشهد التداعي الغربي الأخير الذي يُهدد منظومة الحريات والحقوق الجماعية للمواطنة، وعلاقته بأزمة النظرية الليبرالية الرأسمالية التي صُنعت عبرها الدولة القُطرية بعد صراع دموي ديني مدني شرس؟

وماذا تعني هذه الموجات الضخمة للتكتل القومي العنصري، الذي وجهت له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نداءً للتوقف والمراجعات، قبل أن تسقط برلين كآخر معاقل الممانعة أمام تقدم القوميين العنصريين؟

ما هي الأبعاد الأكثر عمقاً لتصاعد الظاهرة في أوروبا وأميركا؟ وكيف بدأت تتحوّل من السياسة القاهرة للعالم الآخر خارج الغرب إلى استهداف شرائح من مواطنيها، باتت تُصنّف أقل وطنية بسبب قوميتها ودينها؟ أين ساهمت معادلة الوجه الاقتصادي لليبرالية الغربية -وهي الرأسمالية والفائدة البنكية- في الضغط على الحياة الاجتماعية؟ وما هو مصير الأفراد والأُسر التي بات يسحقها توحش المعادلة الرأسمالية؟

قبل سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية من داخل مركزها، بعد فشل الفلسفة الشيوعية في صناعة المشروع الإنساني البديل الذي بشرت به بنسختيْ كارل ماركس وماو تسي تونغ، كانت جزءاً من الصراع الثقافي العالمي حملةُ المعسكر الاشتراكي على هذه المعادلة في الغرب، لوقف هجرات شعوبه وقناعتهم بأن خيار الإنقاذ كان هو الغرب الليبرالي الذي تعامل مع الإلحاد حقوقيا، أكثر مما تعاملت معه المنظومة اليسارية.

وهي معادلة غريبة للغاية، ففضاء الإلحاد في التحالف اليساري الذي حكم جزءاً من العالم لم يكن يسمح إلا باعتماد قاعدة الديالكتيك أي إنكار الإله والأديان، ثم التوقف حصرياً مع منظومات ضخمة قدمها اليسار الشيوعي لصناعة مجتمع نهضة البروليتاريا.

وقد انهار وسط مذابح للفكر والإنسان، فسقطت نسخته اليسارية التي لم تَمنح للملحد ذاته فضاءً لنقدها وصناعة معادلة جديدة بحسب تفكيره، بل حاصرته فعادت فكرة الإلحاد لتستقر بجانب الكنيسة المسيحية في الغرب، لتفتخر الليبرالية بأنها صنعت مجتمع نهضة صناعية وحرية فكرية.

والحقيقة أن هذه الفكرة هي التي هزمت الشيوعية، وليس ما قاله السيناتور الأميركي جون ماكين مؤخرا من أنها أسقطتها إذاعات "بي بي سي" و"صوت أميركا" و"صوت أوروبا" التي وُجهت ضد المد الأحمر، فتلك أدوات وظيفية كوسائط إعلامية ضخمة وقوية ومؤثرة، لكنها اعتمدت على منظور فكري وسياسي كان ضوءاً في آخر المحيطات تزحف له الشعوب المضطهدة شيوعيا، لتصل إلى حريتها المفقودة.

إن هذه الفوارق التي نجحت في إسقاط الشيوعية كدولة مشروع مركزي، عبر توظيف سياسي ومخابراتي ضخم أيضاً لواشنطن وحلفائها، كانت حقيقة لكنها حقيقة نسبية؛ فاستقرار الحياة الدستورية والتضامن الوطني لكل الأعراق والرفاه هي مبادرات تقدم إنساني غربية حقيقية، ومساحة تحويل القانون لفرض الحقوق وضمان العدل -بحسب المنظور الفكري لنظرية الليبرالية- هو إنجاز.

لكن ماذا عن واقع الإنسان تحت الإحصاءات من ضلعين رئيسيين: الأول، صحته النفسية وطمأنينته الروحية، وماذا تقول الأرقام؟ ولماذا يستمر الاضطراب والانتحار وحوادث القتل المتوحش في حياة المدنيين أنفسهم؟

ويجب أن نشير هنا إلى أن نُسَخ الليبرالية ليست واحدة، وأن المفهوم الذي يتبناه الحزب الليبرالي الحر في كندا بقيادة جاستن ترودو يخوض كفاحاً سياسيا يتمسك بمعايير حقوقية رائعة في مواجهة الصعود اليميني في أوروبا وأميركا.

لكن هذه الحالات -المستحقة الإشادة إنسانيا وإسلاميا- لا يُمكن اعتمادها في قياس التأثير الفلسفي على الأفكار الذي تعيشه كل من أوروبا وأميركا، فلا تزال التجربة الكندية حديثة الانفصال عن السياسة الأميركية وتأثر حكوماتها بها قديم.

ثم إن باراك أوباما -الذي حكم الولايات المتحدة بأقصى تمثيل لليبرالية الأميركية- أنتجت حصيلة نموذجه الثقافي عودة اليمينية الأشرس مع دونالد ترمب، ولم تتقلص مساحة رأس المال التي تتدخل رسميا في اختيار السلطة التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة بسبب السماح رسمياً لثروتها بدعم المرشحين، وعزز هذا الرئيس الحروب الأهلية في الشرق، وشجع موسكو وطهران على تدخلهما العسكري المتوحش.

أما الضلع الثاني فهو هل هذه الصفحة البيضاء التي زحفت لها شعوب الاضطهاد اليساري الشيوعي هي كامل الصورة، أم إن هناك واقعا آخر يعكس طبقات مسحوقة، لم تتداركها الليبرالية الغربية بإنجاز مشروع كفالة إنساني وتركتها تحت عجلة الرأسمالية تطحنها، ولعل صعود يسار الوسط وتأثيراته بأوروبا في مرحلة التسعينيات الذي أحدث توازنا مهماً، يعطي مؤشراً لهذه القضية.

هذا إضافة لتدفق العمالة المهاجرة لحاجة الغرب لكفالة المجتمع الآخر لتحريك نهضته الصناعية والخدمية، أما اليوم فكامل التجربة مهددة بعد الصعود القومي المتنامي وقلقه على فرصه الاقتصادية، خاصة أن مجتمعات أوروبا وأميركا احتضنت عشرات الملايين من أصول مختلفة، لاتينية وأفريقية وآسيوية، مسلمة وغير مسلمة، وأصبح المشروع اليوم مفاصلة مع هذه المواطنة داخل الجغرافيا الليبرالية.

وأضحى صراع اليوم مع الحق الاقتصادي والسياسي للمواطن المهاجر، وهي قضية تنبأت بها الحملة الشيوعية ضد الليبرالية في أتون الحرب الباردة، لانعدام التكافل الاشتراكي الذي تضمنه الدولة لا سوق رأس المال، لكن الوصول السياسي للاشتراكية إلى الغرب منذ الستينيات، وتطور أفكارها وتأثرها بالنموذج الليبرالي الدستوري، ساعد في تخفيف هذا التأثر وصنع نموذج شراكة مختلف في المجتمعات الليبرالية.

وهنا مسألة مهمة جدا للوعي الإسلامي الجديد، وهي حجم ما يستفيده من فضاء مدني أو علماني يتّحد معه في مشروع وطني جامع وتحرير فكر أممي للنهضة، لأن هناك مساحات من فهم تقنيات الثقافة الدستورية والمجتمعية والعلاقات الإنسانية لن يُدركها إلا بهذا الاحتكاك ليطبق بها مقاصد الشريعة.

أما فكرة الحرب الاجتثاثية بين التيارات فهي لا تحقق نهضة ولا استقرارا للأوطان، كما أن الفكرة العلمانية المتعددة هي بحاجة ماسة للاحتكاك بقيم الإسلام، وفهم مدلولات منظوماته القيمية في صناعة الحياة الفاضلة للإنسان وقواعد العدالة الاجتماعية فيه.

إن حديثنا عن أزمة النظرية الليبرالية وخضوعها إما لليمين المتطرف الذي يستدعي اليوم النازية والفاشيةمباشرة أو بعناوين مختلفة، أو عجز رفاهها الاقتصادي لمواطنيها مهاجرين أو معدمين، يعتمد على رصد الرؤى الغربية الأخيرة، وليس على ضجيج الخطاب البائس الذي يُبرر للشرق واقع حكوماته المستبدة التعيس، إن البحث عما وراء تقدم الصناعة على حساب الإنسان وازدياد معاناته يعطي تقييما أولياً يؤكد أن هذه المعادلة مهزومة إستراتيجياً ولو صمدت لعقود، وهنا مفصل البحث.

ومن المهم أن نشير إلى أن جزءاً من الهجرات الضخمة -وخاصة من أفريقيا- التي يعاني ويخشى الغرب من زحفها الجديد، هي في حقيقة الأمر جراء تدخلاتهم واحتلالاتهم السياسية والاقتصادية -بذات المفهوم الليبرالي الرأسمالي- المستمرة حتى اليوم، وبالتالي تعاني تلك المناطق من هذا المصير، وتزحف للشمال بحثا عن خيمة حضارة مادية تؤويهم من الجحيم.

وهنا السؤال المركزي: كيف للفكرة الإسلامية أن تصنع الطريق الثالث لتأسيس معادلة جديدة لها وللعالم وتبني قاعدة الفكر الاجتماعي الجديد؟ وقد قدّم أحد علمائها منذ قرون -وهو ابن خلدون- مدرج التأسيس للفكر الاجتماعي الحديث لأوروبا، فهل لديها رصيد ضخم أكثر من ذلك؟

وهل النموذج الذي تعيشه جغرافية الشرق من الفشل والحروب يمكن أن يُقدم أي وصفةٍ لإنقاذ العالم وهو لم ينقذ نفسه؟ كيف يؤسس الفكر الإسلامي معادلة إنقاذ وحاضره معتلٌّ بالحروب والأمراض والصراعات؟

إن الرد على هذا السؤال المستحق الكبير يحتاج إلى إجابة مفصلة، تبدأ بالتساؤل: هل قدم الفكر الإسلامي مشروعا للعالم الجديد أصلاً؟ وهل مجمل النماذج التي نُفّذت على الأرض تتطابق مع اكتمال الأرض السياسية للمشروع الشيوعي والمشروع الليبرالي؟ هذا ما سنجيب عنه في المقال القادم بحول الله.

 

المصدر : الجزيرة

أخبار ذات صلة

بالنسبة لموضوع الدراسة المذهبية تبيينا لما أريده وقطعا لطريق سوء الفهم لمرادنا او الخلط بين ما نريده وما يريده غيرنا فأبين اجملا ما يلي:

... المزيد

تمهيد

امتلأت الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي الأميركي "دونالد ترامب" بالتصريحات العنصرية الواضحة ضد الم ... المزيد

تعليقات