البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

العلامات الفارقة بين الحكم الراشد والحكم الفاسد

المحتوي الرئيسي


العلامات الفارقة بين الحكم الراشد والحكم الفاسد
  • د. أحمد الريسونى
    31/03/2019 02:25

أجمع المسلمون على وصف كل من أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهم- بـ"الخلفاء الراشدين".

ومن العلماء من يعدون الحسن بن علي - رضي الله عنهما- خامسَ هؤلاء الخلفاء الراشدين، ومنهم من يرون أن فترة الحسن لا تعتبر عمليا لشدة قصرها، وبذلك يجعلون عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- خامسَ الخلفاء الراشدين.

فأما تسميتهم "خلفاء"، فلأنهم خلفوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في منصب الإمامة والولاية العامة على المسلمين، ثم خلف بعضُهم بعضا في ذلك. وهي الخلافة المشار إليها في حديث الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي. وسيكون خلفاء فيكثرون..." الحديث.

"وصف الخلفاء الأربعة ومن جاء مثلهم وعلى نهجهم بصفة "الراشدين"، يعني أن خلافتهم وحكمهم قائمان على الرشد والاستقامة والهدى فهم قد خلفوا رسولَ الله في منصبه ومنهجه"

وأما وصف الخلفاء الأربعة ومن جاء مثلهم وعلى نهجهم بصفة "الراشدين"، فالمعنى فيه واضح أتم وضوح، فخلافتهم وحكمهم قائمان على الرشد والاستقامة والهدى. فهم قد خلفوا رسولَ الله في منصبه ومنهجه.

وقد ورد هذا الوصف "الخلفاء الراشدين" في قوله عليه الصلاة والسلام: "... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ...".

فهذا الحديث هو الأصل في إطلاق صفة "الخلفاء الراشدين"، مثلما أنه أصل في تقسيم الخلفاء والحكام إلى راشدين وغير راشدين، أو إلى راشدين وفاسدين.

وقد تكررت التنبيهات النبوية على أن الخلفاء والأمراء الذين سيتولون على المسلمين، منهم الصالحون ومنهم الطالحون، ومنهم الراشدون ومنهم الفاسدون، ومنهم من يستحقون الطاعة ومنهم من لا يستحقونها.

فمن ذلك:

 

في صحيح مسلم وغيره عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلَّوْا".

وفي رواية لأبي داود "فمن أنكر بلسانه فقد برئ، ومن كره بقلبه فقد سلم، ولكن من رضي وتابع".

وفي شعب البيهقي عن سعد بن تميم رضي الله عنه قال: "قيل: يا رسول الله ما للخليفة من بعدك؟ قال: "مِثْلُ الذي لي، إذا عدل في الحكم، وقَسط في البسط، ورحم ذا الرحم، فمن فعل غير ذلك فليس مني ولست منه" (صححه الألباني في الإرواء – حديث رقم 1241).

فيؤخذ من هذا الحديث أن الخليفة يكون له من الطاعة والعون ومن الصلاحيات مثلُ الذي كان للنبي بصفته حاكما. فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده وليس لأحد شيء من مقام النبوة. ولكنه بصفته إماما يكون له حتما خلفاء يقومون مقامه، ويكون لهم ما كان له بهذه الصفة، على أن يتأسوا بصفاته ونهجه في الحكم، ومن ذلك يذكر الحديثُ:

العدل في الحكم بين الناس في حقوقهم ومنازعاتهم، وإعطاء كل ذي حق حقه.

القسط في البسط، أي في بذل الأموال العامة للناس وصرفها في مصالحهم، دون تحيز أو محاباة.

الاتصاف بالشفقة والرحمة وحسن المعاملة لذوي الأرحام، فلا يكون ممن يتنكر ويستعلي على ذوي رحمه إذا علا شأنه وعظم منصبه. فمن لا يرحم ذوي رحمه لن يرحم غيرهم من باب أولى.

فهذا هو صنف الولاة الراشدين السائرين على منهاج النبوة.

ثم قال عليه السلام محذرا من الصنف الآخر ومتبرئا منه ومن أفعاله: "فمن فعل غير ذلك فليس مني ولست منه".

السمات الفارقة بين الحكام الراشدين والحكام الفاسدين

باستقراء نصوص الشرع وأحكامه واستنباطات العلماء وشهاداتهم، يمكننا استخلاصُ أهم السمات الفارقة بين حكم الراشدين وحكم الفاسدين، وذلك فيما يلي:

"الحكام الذين يطلبون الحكم ويحرصون عليه، هم حكام فاسدون، بخلاف من يطلبهم الناس ويستنهضونهم ويرشحونهم لحكمهم والولاية عليهم"

1 - الحكام الذين يطلبون الحكم ويحرصون عليه، ويُحصلونه ويحصنونه بكل السبل الممكنة، ويعتبرونه مغنما ومكسبا وفوزا هم حكام فاسدون، بخلاف من يطلبهم الناس ويستنهضونهم ويرشحونهم لحكمهم والولاية عليهم، ويعتبرون الحكم أمانة وتوكيلا، فهم حكام راشدون.

2 - من يتولون الحكم عن شورى واختيار ورضى من الناس حكام راشدون، ومن يتولونه على كره من الناس، بغصب أو قوة أو وراثة حكام فاسدون.

3 - من يجعلون أمور الحكم والمصالح العامة شورى بينهم وبين شعوبهم، وشورى بينهم وبين أهل العلم والرأي والخبرة هم حكام راشدون، ومن يستبدون بتلك الأمور ويحصرون تدبيرها في أفرادهم وخواص أعوانهم وشركائهم حكام فاسدون.

4 - من يُحصنون أنفسهم وحكمهم بالقوة والمنعة والأبهة والترغيب والترهيب حكام فاسدون، ومن يحصنون أنفسهم بالعدل والإحسان والحب والوفاء حكام راشدون.

5 - من يقبلون نقدهم والاعتراض عليهم والنصح لهم، بل يطلبون ذلك ويرحبون به، حكام راشدون صالحون. ومن يرفضون ذلك ويمنعونه ويعاقبون عليه حكام فاسدون طالحون.

6 - من يتصرفون في الأموال العامة وفق الحق والعدل والأمانة والوضوح، ووفق ما يخدم المصالح العامة، ويقبلون المراجعة والمحاسبة في ذلك، حكام راشدون، ومن يتصرفون فيها على مقتضى أمزجتهم وعلاقاتهم ومصالحهم الخاصة هم حكام فاسدون.

ولكن من أهم المعايير التي اعتمدها الشرع وعلماء الشرع في التفريق بين الحكام الراشدين المهديين وغيرهم من المستبدين الفاسدين: معيار التدبير والتصرف في الأموال العامة. وهو المعيار الأخير ضمن ما تقدم ذكره من معايير. وهو بيت القصيد في هذه المقالة.

وقد كان معيار النزاهة المالية واضحا ومعتمَدا عند الصحابة في تفريقهم بين نموذج الخلافة الراشدة الذي جاء به الإسلام ونموذج الحكم المُلوكي الكسروي والقيصري، الذي كان سائدا معظمَ أنحاء العالم. فعن سلمان أن عمر بن الخطاب قال له: أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيتَ من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر (أي بكى)

بمعنى: أن من أخذ مالا بغير وجه حق، أو أخذه بحق ولكنه صرفه في غير وجه حق، فهو واحد من الملوك المعهودين الفاسدين، وإن أخذه بحق وصرفه في حق، فهو من الخلفاء المهديين الراشدين. فالخلافة الراشدة ليست شعارا يقتنى ولا لقبا يُدَّعى، وإنما هي منهج وسلوك وعمل.

"من أخذ مالا بغير وجه حق، أو أخذه بحق ولكنه صرفه في غير وجه حق، فهو واحد من الملوك المعهودين الفاسدين، وإن أخذه بحق وصرفه في حق، فهو من الخلفاء المهديين الراشدين"

وعن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملِك؟ فإن كنتُ ملكا فهذا أمر عظيم (أي بالغ السوء والخطورة). قال قائل: يا أمير المؤمنين إنَّ بينهما فرقا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا. فسكت عمر.

(انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 3 / 306 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال - 12/567)

وهذا المعيار من معايير الحكم الراشد قد أرست قواعدَه نصوص شرعية عديدة.

منها ما أخرجه البخاري عن خولة الأنصارية قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة". قال ابن بطال في شرحه للحديث: "وفيه ردع للولاة والأمراء أن يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه، ولا يمنعوه من أهله"

ومنها حديث الصحيحين عن أبى هريرة قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- …

 

أخبار ذات صلة

كان ابن باديس يعوّل على القرآن الكريم في فهم نصوص القرآن نفسه؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وهو بهذا الاع ... المزيد

أعلنت مملكة بروناي الواقعة في جنوب شرق أسيا بدء تطبيق القوانين المستندة على الشريعة المزيد

دعت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، إلى ضرورة ضمان حياد المؤسسة العسكرية، كما أنها شددت على ضرورة ا ... المزيد

1- كيف نقدم الإسلام في عصرنا الراهن لإنساننا المعاصر ؟ وما هو المنهج السديد للدعوة الإسلامية في عصرنا الراهن ؟ وما هو موقفكم من التجديد ؟

... المزيد