البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الصيام عبادة قوامها أن يمتلك المرء نفسه

المحتوي الرئيسي


الصيام عبادة قوامها أن يمتلك المرء نفسه
  • محمد عدس
    31/12/1969 09:00

يالها من كلمات حبيبة ، تصدرمن نفوس صادقة صافية ، لتظل عالقة فى ذاكرة الإنسان، تهبط على قلبه بالأنُسٍ والدًفْء الروحيّ ، فتنتشله من وهدة الانحدار اليومي المقيت ، خلال مشاهد مُلِحَّة على السمع والبصر والوجدان؛ معبَّأة بالكذب المتواصل والضلالات التى تنفثها ضمائر ميتة عبر وسائل النشر والإعلام .. فى زمن لم يعد فيه ضابط من عقل ولا خلق ولا دين . 
 
من هذه الكلمات التى تتفجر الآن فى ذاكرتى بقوة صدقها وحلاوة معانيها، ونحن نهفو بشوق إلى حلول ضيف من السماء يمسح على جراحنا وآلمنا ، ويطهرنا من الآثام والأدران التى لحقت بنا طوال عام من العنت والشقاء والحرمان- كلمات شيخنا الجليل الذى أَنِسْتُ برفقته شهرا كاملا فى رمضان المعظّم، وسعدت بأحاديثه الملهمة ، فى ظروف استثنائية، فقد كان مطاردًا من السلطات المصرية سنة ١٩٨١.
 
فاستضافه صديقه الشيخ القرضاوي فى قطر.. وقد نعِمْتُ مع صفوة من مريديه بأعذب أحاديثه التى ما تزال عالقة فى الأفئدة والعقول .. فى واحد من أحاديثه القصيرة بعد صلاة الفجر .. أنقلها من مذكّرات كتبتها فى وقتها متحرّيا كلمات الشيخ .. ولكنها تحمل الانطباعات والأجواء النفسية التى أحاطت بى فى ذلك الوقت ، مما يصعب اليوم استرجاعه أو تمثُّله .. 
 
قال الشيخ الجليل: الصيام عبادة قوامها أن يمتلك المرء نفسه، وأن يحكم هواه، وأن تكون لديه العزيمة التي يترك بها ما يشتهي، ويُقْبِلُ بها على ما يكره..!
إنه تحرير للإرادة الإنسانية ؛ وتطويعها لأوامر الله لا لرغبات النفس .. وتحرير الإرادة هو الفرق الهائل بين الإنسان والحيوان .. فالدابة تفعل ما تحب وتدع ما تكره ، والمسافة بين عزيمتها وشهوتها معدومة.. بل لا عزيمة هنالك.. ولا صراع بين شهوات وواجبات. أما الإنسان فيتطلع إلى أمور تردعه عنها حواجز شتى.. فإن غلب رشده كان عقله حاكمًا لرغباته ، وإلَّا فهو إلى الدواب أقرب.
 
ثم ينتقل إلى فكرة أخرى فيقول: 
ليس الصيام عن الشهوات فارقًا بين الإنسان والحيوان فقط .. بل هو فارق بين الناجحين من الناس والفاشلين ؛ فالنجاح في كل أمر قدرة على تحميل النفس الصعاب .. وتصبيرها على الشدائد .. وقدرة على منعها ما تستحبّ وتشتهى .. وفطامها عما تبغي .. وقد عرف طُلاّب العُلا هذه الحقيقة.. واستيقنوا من أن الراحة الكبرى لا تُنال إلا على جسرٍ من التعب .. وأن من طلب عظيمًا خاطر بعظيمته .. وأن ركوب المشقّات هو الوسيلة الوحيدة لإدراك المجد.
 
لقد شرع الإسلام الصيام للناس؛ كي يدربهم على قيادة شهواتهم .. لا الانقياد لها. ومن هنا حرَّم على المؤمنين -من مطلع الفجر إلى أول الليل- الاستجابة لأقوى رغباتهم .. يستهدف بذلك أن يتمرنوا على الحرمان الموقوت.. وأن يتدربوا عمليًّا على فهم الحديث الجليل "حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره .. وحُفَّت النار بالشهوات".. 
 
ويمضى الشيخ الغزالى شارحًا فكرته فيقول: 
إن الجو المشرق الصافي الذي يحدثه الصيام في النفوس ، مع هذه الفرصة المتاحة يساعدان فى تطهير الصائمين بالنهار؛ كي يستعدِّوا لاستقبال هدايات القرآن في قيام الليل .. وهذا النوع من العبادة يجعل المسلم أقرب إلى رضوان الله وغفرانه ..
 
ويختم الشيخ حديثه بإيراد هذه الآية من القرآن التى تفيد الاستجابة اليقينية لدعاء المؤمنين { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. 
 
ثم يتبعها بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم .. يقول فيه: "إن للصائم عند فِطْره لَدَعْوَةٌ ما تُرَدّ" .. وحديث آخر: "ثلاثٌ حقَّ على الله أن لا يردَّ لهم دعوة: الصائم حتى يفطر .. والمظلوم حتى ينتصر .. والمسافر حتى يرجع ".
 
ليتنا نتذكر ونحن فى غمرة الوَجْدِ وحرارة الدعاء ألا ننسى أن بيننا عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال بعضهم مشردين فى المنافي ، وآخرون يُعذبون خلف قضبان السجون والمعتقلات ، تحت سطوة أشرس عصابات دموية تحكم مصر وسوريا، وبلاد أخرى تجرى فيها عمليات تطهير عرقي وديني ، وتصدر فيها أحكام قضاة بُغاة بتبرئة القتلة واللصوص، وبسجن وإعدام الأبرياء..
 
لا تنسوا آلاف الأطفال من البنين والبنات الذين يستقبلون رمضان ، ولم تكتحل أعينهم برؤية آبائهم وأمهاتهم شهورًا بل سنوات ؛ لأنهم مغيبون فى السجون أو فى القبور ..
 
لا تنسوا بالدعاء إخوانكم وأخواتكم فى فلسطين الذين يشتركون فى هذا العذاب الذى اخْتُصَّ به المسلمون .. 
 
فى زمن استقوى فيه أعداء الله ، وتكالبوا جميعًا على الإسلام والمسلمين لاستئصالهم من الأرض .. الدعاء سلاح المستضعفين والمأزومين ، نعم .. ولكن له فى رمضان قوة القنابل الذرية ، فلا تضيّعوا هذه الفرصة.. أمسكوا بتلابيبها ، وأطلقوها رحمةً تتنزّل شآبيبها على عباد الله المظلومين والمضطهدين ، ولعنةً تنسف أركان البغْيِ والظلم والظالمين..!!

أخبار ذات صلة

قليلاً ما كان يتردد اسمه على مسامع المصريين قبل 2001 حين بُلغ أنه لم يعد مرغوبًا به في مص ... المزيد

نشر موقع وزارة الخارجية الأمريكية محاضرة ألقاها وزير الخارجية مايك بومبيو أمس الجمعة بعنوان (أن تكون قائدا مسيحيا) أمام رابطة المستشارين المسيحيين في م ... المزيد

منذ أيام نشر الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى تدوينة خلاصتها أن سبب انتصارنا في معركة السادس من أكتوبر 1973 م أنه لم يكن في مصر ... المزيد

إذا نظرنا إلى الحالات القديمة للإلحاد في العالم العربي –قبل عام 2001م- فإننا سنلاحظ أن موقف التخلي عن الإيمان لم يك ... المزيد

كثيرة هي مفاصل الإفتراق بين هذين الرجلين الكبيرين، سواء في الموضوع أو الأسلوب، وكذلك في مسارات الإصلاح وسبل الحياة السياسية، وإن اشتركا في أمور، فهمهم ... المزيد