البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الشيخ يوسف القرضاوى..يكتب: الأولويات في مجال الإصلاح

المحتوي الرئيسي


الشيخ يوسف القرضاوى..يكتب: الأولويات في مجال الإصلاح
  • د. يوسف القرضاوى
    17/03/2019 05:41

تغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة :

ومن الأولويات المهمة في مجال الإصلاح: العناية ببناء الفرد قبل بناء المجتمع، أو بتغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات، والأفضل أن نستخدم التعبير القرآني وهو تغيير ما بالأنفس: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فهذا أساس كل إصلاح أو تغيير أو بناء اجتماعي: البداءة بالفرد، فهو أساس البناء كله، إذ لا أمل في إقامة بناء سليم متين، إذا كانت لبناته واهية أو فاسدة.

والإنسان الفرد هو اللبنة الأولى في جدار المجتمع، ولهذا كان كل جهد يبذل لتكوين الإنسان المسلم الحق وتربيته ـ تربية إسلامية كاملة ـ له الأولوية على ما سواه. لأنه مقدمة ضرورية لكل أنواع البناء والإصلاح، وهذا هو تغيير ما بالنفس.

إن بناء الإنسان الفرد الصالح هو مهمة الأنبياء الأولى، ومهمة خلفاء الأنبياء وورثتهم من بعدهم.

وإنما يبنى الإنسان أول ما يبنى بالإيمان، أي بغرس العقيدة الصحيحة في قلبه، التي تصحح له نظرته إلى العالم وإلى الإنسان، وإلى الحياة وإلى رب العالم، وبارئ الإنسان، وواهب الحياة، وتعرف الإنسان بمبدئه ومصيره ورسالته، وتجيبه عن الأسئلة المحيرة لمن لا دين له: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أصير؟ ولماذا وجدت؟ وما الحياة وما الموت؟ وماذا قبل الحياة؟ وماذا بعد الموت؟ وما رسالتي في هذا الكوكب منذ عقلت حتى يدركني الموت؟

الإيمان ـ ولا شيء غيره ـ هو الذي يمنح الإنسان إجابات شافية عن هذه الأسئلة المصيرية الكبرى، ويجعل للحياة هدفا ومعنى وقيمة. وبدون هذا الإيمان سيظل الإنسان هباءة تائهة، أو ذرة تافهة، في هذا الوجود، لا قيمة له من حيث الحجم أمام مجموعات هذا الكون الكبير، ولا من حيث العمر، أمام الأزمة الجيولوجية المتطاولة، والأزمنة المستقبلية اللانهائية، ولا من حيث القدرة، أمام أحداث الطبيعة التي رآها تهدده، بالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات التي تدمر وتقتل، والإنسان أمامها عاجز أشل اليدين، رغم ما يملك من علم وإرادة وتكنولوجيا متطورة.

الإيمان هو طوق النجاة دائما، وبه يمكن تغيير الإنسان من داخله، وإصلاحه من باطنه، فالإنسان لا يقاد كما تقاد الأنعام، ولا يصنع كما تصنع الآلات من حديد أو نحاس أو معدن.

إنما يحرك من عقله وقلبه، يقنع فيقتنع، ويهدى فيهتدي، ويرغب ويرهب، فيرغب ويرهب. والإيمان هو الذي يحرك الإنسان ويوجهه ويولد فيه طاقات هائلة، لم تكن لتظهر بدونه، بل هو ينشئه خلقا جديدا، بروح جديدة، وعقل جديد، وعزم جديد، وفلسفة جديدة. كما رأينا ذلك في سحرة فرعون حين آمنوا برب موسى وهارون، وتحدوا جبروت فرعون، وقالوا له في شموخ واستعلاء: (فاقض ما أنت بقاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا).

ورأيناه في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقلهم إيمانهم من الجاهلية إلى الإسلام: من عبادة الصنم، ورعاية الغنم، إلى رعاية الأمم، وقيادة البشرية إلى هداية الله، وإخراجها من الظلمات إلى النور.

ولقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما في مكة كل همه فيها وكل عمله ـ من التبليغ والدعوة ـ بناء الجيل الأول على معاني الإيمان.

تلك السنون كلها لم تنزل فيها تشريعات تنظم المجتمع وتضبط علاقاته الأسرية والاجتماعية، وتعاقب من ينحرف عن قوانينه. بل كان عمل القرآن، وعمل الرسول هو بناء هذا الإنسان وهذا الجيل من أصحابه، وتربيته وتكوينه، ليربى العالم كله بعد ذلك.

كانت دار الأرقم بين أبي الأرقم تقوم بدورها. وكان كتاب الله الذي يتنزل عليه منجما حسب الوقائع، ليقرأه على الناس على مكث، ويثبت به فؤاده، وأفئدة الذين آمنوا معه، ويرد على أسئلة المشركين ويعقب على مواقفهم ـ يقوم بالدور الأكبر في تربية الفئة المؤمنة، وحسن تسييرها، وترشيد سيرها. قال تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)، (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا).

إن أهم ما ينبغي أن نشغل به اليوم إذا أردنا إصلاح حالنا: أن نبدأ البداية الصحيحة، وذلك ببناء الإنسان، بناءا حقيقيا لا صوريا، نبني عقله وروحه وجسمه وخلقه، بناء متوازنا لا طغيان فيه ولا إخسار في الميزان، نبنيه عقليا بالثقافة وروحيا بالعبادة، وجسميا بالرياضة، وخلقيا بالفضيلة، وعسكريا بالخشونة، واجتماعيا بالمشاركة، وسياسيا بالتوعية، ونعده للدين وللدنيا معا، وليكون صالحا في نفسه مصلحا لغيره، حتى ينجو من خسر الدنيا والآخرة، الذي ذكره الله في سورة العصر: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

ولا يتم ذلك إلا في ضوء تصور كلي للوجود، وفلسفة واضحة للحياة، ومشروع متكامل للحضارة، تؤمن به الأمة، وتربي أبناءها وبناتها على اليقين به، والعمل وفق حكمه، والسير على نهجه، تتعاون على ذلك كل المؤسسات: الجامع والجامعة، والكتاب والصحيفة، والتلفاز والإذاعة، فلا تشرق مؤسسة في حين تغرب أخرى، ويبني جهاز على حين يهدم آخر.

ويصدق فينا قول الشاعر قديما:

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟!*** وهل يبلغ البنيان يوما تمامه

التربية قبل الجهاد :

وهذا ما جعل دعاة الإصلاح الأصلاء ينادون اليوم بوجوب تقديم التربية على الجهاد، والتكوين على التمكين.

ونعني بالتربية والتكوين: بناء الإنسان المؤمن، الذي يستطيع أن ينهض بعبء الدعوة، وتكاليف الرسالة، لا يبخل بمال، ولا يضن بنفس، ولا يبالي بما يصيبه في سبيل الله. وهو في الوقت نفسه نموذج عملي، تتجسد فيه قيم دينه، وأخلاق دعوته. ففيه يرى الناس الإسلام حيا ملموسا.

وبناء هذا الإنسان أو تربيته وتكوينه أمر مطلوب دائما، ولكنه أشد ما يكون طلبا عندما يراد تأسيس دين جديد، أو أمة جديدة ذات رسالة جديدة. وكذلك عندما يضعف دين ما، ويدرك الوهن أمته، ويحتاج الدين إلى تجديد، والأمة إلى إحياء، فلا مناص من البداية الضرورية للتجديد والإحياء والإصلاح، وهي تربية جيل جديد، يمثل طلائع الأمة المنشودة.

هذا البناء والتكوين للإنسان، في صورة جيل مؤمن حقا، مؤهل لحمل راية الإصلاح والبعث، لابد أن يسبق كل دعوة إلى الجهاد المسلح لتغيير المجتمع، وإقامة الدولة.

ولهذا كانت مهمة القرآن المكي ـ طيلة ثلاثة عشر عاما ـ العمل على بناء هذا الإنسان، وتربية جيل الطلائع، تربية إيمانية أخلاقية عقلية متكاملة. وكان المثل الكامل لهذا الجيل هو الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).

كانت مهمة القرآن في العهد المكي ترسيخ أصول العقيدة، وأصول الفضائل، ومكارم الأخلاق، وتأصيل منهج النظر السليم، والتفكير الرشيد، ومطاردة عقائد الجاهلية، وأصول رذائلها وآفاتها في الفكر والسلوك، وربط الإنسان بربه ربطا لا تنفصم عراه.

يقول الله تعالى في سورة المزمل، وهي من أوائل ما نزل من القرآن: (يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا).

فهذه التربية العميقة في مدرسة الليل، ومدرسة القرآن، إنما هي تهيئة لتحمل "القول الثقيل" الذي ينتظره، وما كان ثقله إلا لثقل الأمانة التي يعبر عنها.

وظلت آيات القرآن تتنزل على هذا المنهج، تغرس العقائد والمفاهيم، وتزرع القيم والفضائل، وتطهر العقول والقلوب من رجس الجاهلية، وتربيها على معاني الإيمان وما يتطلبه من صبر ومصابرة، وثبات، وبذل في نصرة الحق، ومجاهدة الباطل، وتنقية العقول من التقليد الأعمى للأجداد والآباء، أو للسادة والكبراء، قبل أن تنزل آية واحدة تأمر بالجهاد المسلح، والصراع الدامي مع أهل الشرك وعبدة الطاغوت.

بل كانوا يجيئون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما بين مضروب ومشجوج ومجروح، يشكون إليه ما أصابهم، مطالبين بحمل السلاح دفاعا عن أنفسهم، وحربا لعدوهم وعدو دينهم. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم ما حكاه القرآن: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة).

ليس معنى هذا التهوين من شأن الجهاد، فهو ذروة سنام الإسلام، ولكن حديثنا عن الأولويات، والأولوية هنا للتربية والتكوين.

ومن حسن التربية: إعداد الأنفس للجهاد عندما يجئ أوانه. كما في سورة المزمل: (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله).

على أن الجهاد المؤجل هو الجهاد المسلح فحسب، الجهاد بالسيف والسنان، أما الجهاد بالدعوة والبيان، أو الجهاد بالقرآن، فهو مطلوب وقائم من أول يوم، وفي سورة الفرقان ـ وهي مكية ـ يقول تعالى لرسوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا).

ومثل ذلك جهاد الصبر والثبات واحتمال الأذى في سبيل الدعوة إلى الله. وهو ما نوهت به أوائل سورة العنكبوت: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) إلى أن قال: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين).

والتربية التي نتحدث عنها تدخل في هذا النوع وذلك من الجهاد.

وقد ذكر الإمام ابن القيم في الهدي النبوي ثلاث عشرة مرتبة من مراتب الجهاد، منها أربع مراتب في جهاد النفس، واثنتان في جهاد الشيطان، وثلاث في جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات، وأربع في جهاد الكفار، منها الجهاد بالقلب واللسان والمال. فالمؤجل منها هو الجهاد بالنفس أو باليد.

يقول رحمه الله: "لما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض، مثل أن تتكلم به عند من تخاف سلطته وأذاه، كان للرسل ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من ذلك أكمل الجهاد وأتمه".

ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج، وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده، ولم يحاربه في الله؟ بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه، حتى يجاهد نفسه على الخروج.

فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث، لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يخيل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللذات، والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا). والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء، أمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بلى بمحاربتها في هذه الدار، وسلطت عليه امتحانا من الله وابتلاء، وجعل بعضهم لبعض فتنة، ليبلو أخبارهم، ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله، ممن يتولى الشيطان وحزبه.

وأمر المؤمنين أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله، فيكون كله لله، وبالله، لا لنفسه، ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه، فإنه يعد الأماني، ويمني الغرور، ويعد الفقر، ويأمر بالفحشاء، وينهى عن التقى والهدى، والعفة والصبر، وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده بتكذيب وعده، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان وعدة، يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله، لتكون كلمة الله هي العليا.

قال ابن القيم: إذا عرف هذا، فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

فجهاد النفس أربع مراتب أيضا:

إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه، شقيت في الدارين.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلّم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات.

وأما جهاد الشيطان، فمرتبتان، إحداهما: جهاد على دفع ما يلقى إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.

الثانية: جهاده على دفع ما يلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، فالجهاد الأول يكون بعدة اليقين، والثاني يكون بعدة الصبر. قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون)، فأخبر أن إمامة الدين، إنما تنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.

وأما جهاد الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.

وأما جهاد أرباب الظلم، والبدع، والمنكرات، فثلاث مراتب، الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز، انتقل إلى اللسان، فإن عجز، جاهد بقلبه، فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد، و"من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق".

ولا ريب أن المراتب الست الأولى داخلة كلها في التربية المنشودة هنا. فهي ـ في الدرجة الأولى ـ جهاد للنفس، وجهاد للشيطان.

لماذا كان للتربية الأولوية؟

ولكن لماذا كان للتربية الأولوية على الجهاد؟

يمكننا أن نوضح هذا في جملة نقاط أو أسباب:

أولا: أن الجهاد في الإسلام ليس أي جهاد، ولكنه جهاد بنية خاصة، لغاية خاصة، فهو جهاد "في سبيل الله". وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية (عصبية لقومه)، والرجل يقاتل ليرى مكانه (ليذكر بالشجاعة) والرجل يقاتل للمغنم: أيهم في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله".

وهذا النوع من التجرد من كل دافع دنيوي، لا ينشأ اعتباطا، بل لابد من تربية طويلة المدى، حتى يخلص دينه لله، ويخلصه الله لدينه.

ثانيا: أن ثمرة الجهاد التي يتطلع إليها المجاهد المسلم في الدنيا هي التمكين والنصر. وهذا التمكين لا يؤتى أكله إلا على أيدي مؤمنين صادقين، يستحقون التمكين، ويقومون بواجباته. وهم الذين ذكرهم الله بقوله: (ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا).

إن الذين يمكنون وينتصرون قبل أن تنضجهم التربية، قد يفسدون أكثر مما يصلحون.

ثالثا: إن سنة الله ألا يتحقق هذا التمكين إلا بعد أن يصهر أهله في بوتقة الابتلاء، وتصقلهم المحن والشدائد، ليبتلي الله ما في صدورهم، ويمحص ما في قلوبهم، ويميز الخبيث من الطيب، وهذا لون من التربية العملية، جرى به القدر على الأنبياء وأصحاب الدعوات في كل العصور. وقد سئل الإمام الشافعي: أيهما أولى للؤمن: أن يبتلى أو يمكّن؟ فقال: وهل يكون تمكين إلا بعد ابتلاء؟ إن الله ابتلى يوسف عليه السلام ثم مكّن له، كما قال تعالى: (وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء).

إن التمكين الذي يجئ سهل المأخذ، داني القطوف، يخشى أن يضيعه أهله، أو يفرطوا في ثمراته، على عكس ما لو بذلوا فيه من أنفسهم وأموالهم وراحتهم، ومستهم البأساء والضراء والزلزلة حتى أتى نصر الله.

أولوية المعركة الفكرية

ومما يجب لفت الأنظار إليه في مجال الإصلاح: تقديم كل ما يتعلق بتقويم الفكر، وتصحيح التصور، وتصويب منهج النظر والعمل. فهذا بلا ريب هو الأساس المكين لكل إصلاح يرتجى. إذ من غير المعقول أن يستقيم العمل على منهج سليم، والفكر غير مستقيم. كما قال الشاعر:

متى يستقيم الظل والعود أعوج؟

فمن ساء تصوره لأمر ما، فالمتوقع أن يسوء سلوكه في شأنه، فإن السلوك أثر للتصور، حسنا أو قبحا.

ومن هنا كانت المعركة الفكرية ـ التي تعنى بتصحيح الأفكار المعوجة، والمفاهيم المغلوطة ـ لها الأولوية وحق التقديم على غيرها. وهو ضرب من "الجهاد الكبير" بالقرآن، الذي ذكرته سورة الفرقان المكية، ومن الجهاد باللسان والبيان، الذي ذكره الحديث النبوي: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".

 

■ المعركة الفكرية داخل الساحة الإسلامية

وللمعركة الفكرية مجالان أساسيان:

الأول: خارج الساحة الإسلامية، مع الملاحدة والمنصرين والمستشرقين الذين يهاجمون الإسلام: عقيدة وشريعة، وتراثا وحضارة، ويحاربون أي نهضة أو بعث على أساس الإسلام.

والثاني: داخل الساحة الإسلامية نفسها، لتصحيح الاتجاه في فصائل العمل الإسلامي، وترشيد مسيرته، وتصويب حركته، حتى تسير في الطريق الصحيح للهدف الصحيح. وسنقصر الحديث عليه، فإن إصلاح الداخل هو الأساس، وله الأولوية.

فما لا شك فيه أن لدينا تيارات عدة، منها:

■ التيار الخرافي

التيار أو التوجه الخرافي، الذي يقوم على أسس أو خصائص يتفرد بها، منها:

أ. الخرافة في الاعتقاد.

ب. الابتداع في العبادة.

ج. الجمود في الفكر.

د. التقليد في الفقه.

هـ. السلبية في السلوك.

و. المسايرة أو المداهنة في السياسة.

■ التيار الحرفي

وهناك التيار أو التوجه الحرفي، وهذا له ـ رغم تشدده في أمر الدين ودفاعه عنه ـ خصائص غلبت على أكثر أتباعه تميزه أيضا، منها:

أ. الجدلية في العقيدة.

ب. الشكلية في العبادة.

ج. الظاهرية في الفقه.

د. الجزئية في الاهتمام.

هـ. الجفاف في الروح.

و. الخشونة في الدعوة.

ز. الضيق بالخلاف .

■ تيار الرفض والعنف

وهناك التوجه الذي يقوم على رفض المجتمع كله بجميع مؤسساته، وله ـ رغم تميز جل أفراده بالحماس والإخلاص ـ خصائصه أيضا، منها:

أ. الشدة والصرامة في الالتزام بالدين.

ب. الاعتزاز بالذات اعتزازا يؤدي إلى نزعة الاستعلاء على المجتمع.

ج. سوء الظن بالآخرين جميعا.

د. ضيق الأفق في فهم الدين، وفهم الواقع، وفهم السنن الكونية والاجتماعية.

هـ. استعجال الأشياء قبل أوانها.

و. المسارعة إلى التكفير بغير تحفظ.

ز. اتخاذ القوة سبيلا إلى تحقيق الأهداف.

■ التيار الوسطي

وهناك التيار الوسطي، الذي يقوم على التوازن والوسطية في فهم الدين والحياة والعمل لتمكين الدين، وله خصائص أيضا تميزه عن سواه، منها تأكيده وتركيزه على المبادئ التالية:

أ. فقهه للدين فقها يتميز بالشمول والاتزان والعمق.

ب. فقهه لواقع الحياة دون تهوين ولا تهويل: واقع المسلمين، وواقع أعدائهم.

ج. فقه سنن الله وقوانينه التي لا تتبدل، وخصوصا سنن الإجماع البشري.

د. فقه مقاصد الشريعة وعدم الجمود على ظواهرها.

هـ. فقه الأولويات، وهو مرتبط بفقه الموازنات.

و. فقه الاختلاف وأدبه مع الفصائل الإسلامية الأخرى (التعاون في المتفق عليه والتسامح في المختلف فيه).

ز. الجمع بين السلفية والتجديد (أو بين الأصالة والمعاصرة).

ح. الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر.

ط. الإيمان بأن التغيير الفكري والنفسي والخلقي أساس كل تغيير حضاري.

ي. تقدير الإسلام مشروعا حضاريا متكاملا، لبعث الأمة، وإنقاذ البشرية من الفلسفات المادية المعاصرة.

ك. اتخاذ منهج التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة.

ل. إبراز القيم الاجتماعية والسياسية في الإسلام، مثل: الحرية والكرامة والشورى والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

م. الحوار بالحسنى مع الآخر، أي مع المخالفين من غير المسلمين، أو من المسلمين المغزوين عقليا، والمهزومين روحيا.

ن. اتخاذ الجهاد سبيلا للدفاع عن حرمات المسلمين وديار الإسلام.

وهذا هو التيار الذي نؤمن به، وندعو إليه، ونعتبر أنه هو المعبر الحقيقي عن الإسلام، كما أنزله الله في كتابه، وكما هدى إليه رسوله في سنته وسيرته، وكما فهمه وطبقه الراشدون المهديون من أصحابه، وكما فقهه التابعون لهم بإحسان من خير قرون هذه الأمة.

■ واجب تيار الوسطية

ولا مراء في أن هذا التيار هو موطن الأمل، ومعقد الرجاء في الغد، وعليه أن يبذل جهودا مكثفة في إبراز دعوته، وتربية أنصاره، وإقناع خصومه، والحوار مع معارضيه، والاجتهاد في الإفلات من الشباك التي تنصب له لإيقاعه فيما لا يريد ولا يحب.

ومما أصبح معلوما الآن بالشواهد الوفيرة: أن القوى العادية ـ في الداخل والخارج ـ تخاف هذا التيار أكثر من غيره، بل تكرهه وتكن له العداء أكثر من التيارات الأخرى.

فقد كانوا من قبل يحذرون من تيارات التشدد والعنف. أما اليوم فقد ظهرت نغمة جديدة تقول: احذروا الإسلام المعتدل! فهو أشد خطرا من غيره. إن التيارات الأخرى قصيرة العمر لن تدوم طويلا. أما هذا فهو الذي يستمر ويدوم. واعتداله ـ في زعمهم ـ ليس مأمونا. إنه يبدأ معتدلا ثم يتطرف، لأن التطرف كامن في الإسلام ذاته كما يقولون!

ومن هنا بدأوا يخوفون من خطر الإسلام الزاحف، ويسمونه "الخطر الأخضر" ويجعلون منه عدوا جديدا، بدل "الخطر الأحمر" الذي زال بزوال الشيوعية من أوروبا كلها. وهو ما رد عليه المنصفون منهم مؤكدين أن الخطر الإسلامي وهم لا حقيقة.

ولابد لتيار الوسطية أن يواجه هؤلاء ويكشف تزييفهم، ويحاور المعتدلين من قومهم.

كما لابد له من مواجهة آخرين من فروخهم وتلاميذهم في داخل دار الإسلام نفسها، وممن يحملون أسماء المسلمين، ولكنهم يعادون بكل قوة المشروع الحضاري للإسلام، ويقفون في صف أعداء الأمة ودينها. وهم الذين وصفهم الرسول الكريم في حديث حذيفة المتفق عليه بأنهم: "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" قيل: صفهم لنا يا رسول الله، قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا".

لهذا كانت ضرورة مواجهة هؤلاء الذين يفسدون فكر الأمة، ويضللونها عن حقيقتها وعن أصالة هويتها، ويضعون لها السم الزعاف، في العسل الحلو، والدسم المشتهى، مما يقرأ أو يسمع أو يشاهد، فيعمل في عقول أبناء الأمة ما تعمل الأوبئة القتالة في الأجسام.

إن هؤلاء "المستغربين" من قومنا يحملون أفكار الاستعمار، بعد أن حمل الاستعمار عصاه ورحل عن ديارنا، والذين يتبنون أخبث مفاهيم المستشرقين والمنصرين، الذين لم يخلص أكثرهم لحضارتنا يوما، ومن أخلص منهم لم يملك أدوات الفهم الصحيح لهذه الحضارة ومصادرها وتراثها، وأهمها اللغة وتذوقها.

إن معركتنا الحقيقية في داخل أرضنا يجب أن تكون مع هؤلاء "الغلاة" حقا، من العلمانيين وبقايا الماركسيين، الذين لبسوا اليوم لبوس الليبرالية الغربية، والذين جندوا أقلامهم وأسلحتهم كلها لشن الحرب على صحوة الإسلام، وانبعاثه الجديد، وتشويه دعوته، والتشويش على دعاته، واختراع مصطلحات جديدة لتنفير الناس منه، مثل "الإسلام السياسي" أو "الأصولية"، والإيقاع بينهم وبين الأنظمة الحاكمة، لاستنزاف قوى البلاد في صراعات دامية لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ من جديد، في صورة أخرى، وباسم آخر.

إن أي تحويل للمعركة عن هذا المسار، ومحاولة اختراع أعداء من الإسلاميين أنفسهم، ممن يخالفون بعض الناس في فروع الفقه، أو حتى في فروع العقيدة، أو في أولويات العمل، أو في المواقف من القضايا الجزئية المختلفة .. يعتبر غفلة شديدة عن حقيقة العدو الذي يتربص بالجميع الدوائر، ويريد أن يضرب بعضهم ببعض، وهو يتفرج عليهم، ثم يضربهم جميعا في النهاية الضربة القاصمة. فمن فعل ذلك من الدعاة إلى الإسلام عن جهل فهي مصيبة، لأن الجهل بمثل هذه القضية خطر كبير، ومن فعل ذلك عن علم وقصد فهي مصيبة أعظم، وخطرها أكبر، لأنها تكون بمثابة الخيانة للإسلام وأمته وصحوته. ورحم الله الشاعر الذي قال:

إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة**وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم!

وأعتقد أن على تيار الوسطية واجبا كبيرا، يجب أن يسعى إليه، ويحرص عليه، ويجاهد من أجله، وهو العمل بصدق وإخلاص لتجميع الصف الإسلامي ـ صف العاملين للإسلام ـ على الأصول التي لا ينبغي الخلاف عليها، أي على أركان العقيدة الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وعلى الأركان العملية الخمسة: الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وعلى أصول فضائل وأمهات الأخلاق، وعلى اجتناب أصول الرذائل والمحرمات، وبخاصة الكبائر والموبقات.

وبحسبنا اللقاء الإجمالي على هذه الكليات، ولا بأس أن نختلف في الجزئيات والتفاصيل، لا بأس أن نختلف في الفروع، ونختلف في المواقف، ونختلف في الاجتهادات، فهذا اختلاف تقتضيه طبيعة الدين، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة، كما فصلت ذلك في كتابي "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم".

وقد ذكرت في أكثر من كتاب لي: أنه لا مانع من أن تتعدد الجماعات العاملة للإسلام، مادام تعددها تنوع وتخصص، لا تعدد تضارب وتناقض، فتعدد التنوع يؤدي إلى مزيد من الإثراء والنماء، وتعدد التناقض إنما يؤدي إلى التآكل والفناء.

لابد من جهد يبذل لتجميع العاملين لخدمة الإسلام، ونصرة دعوته، وتحكيم شريعته، وتوحيد أمته: جهد فكري، وجهد عملي، لتقريب الشقة، وزرع الثقة، وغرس روح التسامح وحسن الظن، وتنقية الأنفس من آفات العجب والغرور واتهام الآخرين واحتقارهم. "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

وفي رأيي أن هذا العمل من الأولويات المهمة والمقدمة في الساحة الإسلامية اليوم. وإذا لم ينتبه الإسلاميون لخطر التمزق الذي يعيشونه، فسيؤكلون جميعا، ستفترسهم المخالب والأنياب الحادة للقوى المعادية للإسلام وأمته، سيضربون تيارا بعد تيار، ومجموعة بعد مجموعة، حتى يقضى عليهم جميعا.

وإذا كنا لا نملك اليوم القدرة على تجميع قوى أمتنا الكبرى من المحيط إلى المحيط، فلنجتهد ـ على الأقل ـ في تجميع قوى الفصائل الكبرى في الصحوة الإسلامية، القابلة للحوار والتفاهم، وذلك بإزالة النتوءات، وتقليص التطرفات، وتقريب المفاهيم، وتنسيق المواقف، والوقوف صفا واحدا في القضايا المصيرية، يتعاون الجميع في المتفق عليه، ويتسامحون في المختلف فيه، فهذا التفاهم والتعاون والتجمع: فريضة دينية، وضرورة حيوية، فإذا لم تجمعنا الفكرة الواحدة، فلتجمعنا المحنة المشتركة. على نحو ما قال شوقي:

فإن يك الجنس يا ابن الطلح فرقنا ***إن المصائب يجمعن المصابين!

■ التطبيق القانوني للشريعة أم التربية والإعلام؟

ومما وقع فيه الخلل هنا: أن معظم العاملين في الحقل الإسلامي ـ وبخاصة المتحمسون منهم ـ أعطوا عناية كبرى لقضية ما أسموه "تطبيق الشريعة الإسلامية" يعنون الجانب القانوني من الشريعة، ولا سيما في العقوبات: أي الحدود والقصاص والتعازير.

وهذا الجانب جزء من الإسلام ولا ريب، ولا يجوز إغفاله أو الإعراض عنه.

ولكن المبالغة في المطالبة به والحديث عنه، واعتباره رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، كان له آثار سيئة على التفكير الإسلامي، والعمل الإسلامي، وآثار أخرى على أفكار الناس العاديين، واستغل ذلك خصوم الإسلام وشريعته ودعوته. وطالما قلت: إن القوانين وحدها لا تصنع المجتمعات، ولا تبنى الأمم، إنما تصنع المجتمعات والأمم: التربية والثقافة، ثم تأتي القوانين سياجا وحماية.

فالواجب ـ إذن ـ أن نعطي هذه القضية حجمها الحقيقي من الفكر والعمل، وأن تعطى مساحات مناسبة للاشتغال والإعداد والمطالبة بـ "تربية إسلامية متكاملة معاصرة" تتابع الطفل المسلم من سن الحضانة، وتستمر معه، حتى يتخرج من الجامعة، مستخدمة المناهج الملائمة، والأساليب المشوقة، والوسائل السمعية والبصرية، والتكنولوجيا المتطورة، بما يحقق ضرورة الدين للحياة، ويؤكد كمال الإسلام وعدالة أحكامه، وإعجاز كتابه، وعظمة رسوله، وتوازن حضارته، وخلود أمته.

وليست هذه التربية مطلوبة في درس الدين أو التربية الإسلامية فحسب، بل هي مطلوبة، في كل الدروس والمواد العلمية والأدبية، دون افتعال. فلتلتمس في العلوم والمواد الاجتماعية واللغة والأدب، وتلتمس في الأنشطة المدرسية، وفي الجو العام، حتى يساعد على تنشئة جيل مسلم مؤمن بالله معتز بدينه وأمته، متكامل النماء بروحه وعقله وجسمه ووجدانه، مخلص لربه، خادم لوطنه، متسامح مع غيره، عامل لخير الإنسانية جمعاء.

ولابد من الوقوف في وجه الفلسفات والمناهج المادية واللادينية المستوردة، الفارغة من روح الدين، والمناقضة لفلسفة الإسلام عن الله وعن الإنسان، وعن الحياة والعالم، وعن الدين والدنيا.

كما يجب أن تعطى مساحات أخرى مناسبة كذلك، لقضية الإعلام والثقافة، التي غدت من أشد المؤثرات في حياتنا الفردية والاجتماعية، وأصبحت أدوات الإعلام هي التي تصنع العقول والميول والأذواق والاتجاهات الفكرية والنفسية عند جماهير الناس.

فلا يجوز بحال من الأحوال أن تترك هذه في أيدي من لا يؤمنون بالإسلام مرجعا أعلى لحياة الإنسان المسلم وحياة الجماعة المسلمة، في التعامل والفكر والسلوك.

ولابد من العمل على محورين اثنين متكاملين:

الأول: إعداد إعلاميين إسلاميين في كل المجالات، وعلى كل المستويات، قادرين على أن يمثلوا الإسلام، ويمثلوا العصر بإمكاناته الهائلة.

ويدخل في ذلك أهل الفنون المختلفة من غناء ومسرح وتمثيل.

وهنا نحتاج إلى من يكتب النص، ومن يحوله إلى حوار (سيناريو)، ومن يخرجه ويمثله، ومن يصوره، ومن ينفذه.

وهذه أمور ليست بالسهلة، وفيها عقبات شرعية وغير شرعية. يجب العمل على تذليلها، ولو بقبول المرحلية فيها، ووضع خطة محددة الأهداف، بينة الوسائل، معروفة المراحل، لاستكمال الناقص، وإتمام البناء.

الثاني: محاولة كسب الإعلاميين والفنانين الحاليين، فلاشك أن فيهم من المسلمين المصلين الصائمين، ولكنهم ـ بحكم تربيتهم وثقافتهم ـ يحسبون أن ما يصنعونه ليس مخالفا للإسلام، ولا يجلب سخط الله عليهم، وربما عرف بعضهم شيئا من ذلك، ولكن العيشة التي يعيش فيها، والحياة التي تعودها، غلبت عليه.

والواجب هنا بذل الجهد مع هؤلاء، حتى يتفقهوا في دينهم، ويتوبوا إلى ربهم، وينضموا إلى قافلة الداعين إلى الإسلام وفضائله.

ولقد عرفت السنوات الأخيرة توبة عدد من الفنانين، وعدد أكبر من الفنانات، ولكن أكثرهم اعتزلوا الفن وأهله، نجاة بأنفسهم، وفرارا بدينهم.

وأولى من ذلك أن يثبتوا في هذا المعترك الصعب، وهذا الميدان الشاق، وأن يقولوا ما قال عمر بن الخطاب بعد إسلامه: "والله لا يبقى مكان كنت أعلن فيه الجاهلية إلا أعلنت فيه الإسلام". وهذا لا يكون إلا بالتعاون بين الجميع، والتغلب على المعوقات وما أكثرها.

 

----------

د. #يوسف_القرضاوي من كتابه #في_فقه_الأولويات .. دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة . ط مكتبة وهبة عام 1994م

 

أخبار ذات صلة

« من الواقعية التي تحتاج إلى تثبيتها في فكرنا: أن نوازن بين طموحنا وإمكاناتنا، بين ما نصبو إليه وما نقدر عليه، فلا نورط أنفسنا في أمور لم نعد لها ال ... المزيد

الحمد لله وحده.

(ستٌّ وستُّون) كلمة، في الاستعداد لرمضان المعظَّم.

فكرة هذه الكلمات في بالي من أ ... المزيد

قال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، خليل الحيّة، اليوم الأربعاء، إن "صفقة القرن" الأمري ... المزيد