البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الشيخ عباسي المدني رحمه الله: ذكريات واعتبار

المحتوي الرئيسي


الشيخ عباسي المدني رحمه الله: ذكريات واعتبار
  • د. عبدالرازق مقري
    25/04/2019 09:13

رحم الله الشيخ عباسي مدني، أول ما تعرفت عليه في الجامعة بين 1979 و 1980 حين دعوناه لإلقاء محاضرة في جامعة سطيف. كان عباسي مدني رحمه الله من التيار الوطني الإسلامي داخل جبهة التحرير الوطني في زمن الحزب الواحد إلى أن تركها ليشتغل في الساحة الدعوية طيلة الثمانينيات، وقد كان له دور كبير في الصحوة الإسلامية ونشر الوعي ونقد الأفكار العلمانية بطريقة علمية مقنعة. بقيت علاقتي به جيدة منذ عرفته في نهاية السبعينيات وأنا طالب في الجامعة، كان ضيفنا الدائم في معرض الكتاب الإسلامي السنوي في جامعة سطيف. وظلت العلاقة متواصلة به بلا انقطاع، أزوره في بيته مرات تلو ومرات، تارة وحدي، تارة مع الطلبة وفي بعض الأحيان مع الشيخ أحمد بوساق. وحين انطلقنا في مسعى توحيد الحركات الإسلامية تحت قيادة الشيخ أحمد بوساق كان من الداعمين لهذا المسار والمستجيبين له إلى أن فشلت المساعي سنة 1986- 1987، بعدئذ أصبحت له حساسية مفرطة من التنظيمات وبدأ يدعو إلى ضرورة تجاوز كل التنظيمات بالتوجه مباشرة للشعب بلا وسائط هيكلية، وكان دائما يضرب لي المثل بالجبهة الثورية للوحدة والعمل التي فجرت الثورة التحريرية النوفمبرية ( وكان أحد مفجري الثورة والقي عليه القبض من الاستعمار الفرنسي في بداياتها). لم أكن اتفق مع الشيخ عباسي مدني في موقفه من التنظيمات الإسلامية التي كنت جزء منها، ولكن كنت أرى من زاوية أخرى ضرورة القيام بإصلاحات كبيرة للحركة الإسلامية، أهمها الكف عن الصراعات النخبوية والتقليل من السرية والتركيز على الحريات، والتوجه إلى التيارات الشعبية وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني، واعتماد الخطاب الوطني، والتمسك بتراث الثورة التحريرية والحركة الإصلاحية البديسية. كان رحمه الله من أبرز المحاضرين الذين دعوتهم مع زملائي المشرفين على معرض الكتاب الإسلامي في الجامعة سنة 1987 الذي كان موضوعه ( معرض اللافتات والمحاضرات) التعريف بالحركة الوطنية ورموز الثورة التحريرية حين كانت الأغلبية الساحقة من الشباب والطلبة لا يعرفون شيئا عن ذلك الجيل النوفمبري بسبب التعتيم الذي كان يضربه النظام السياسي على قادة الثورة الحقيقيين، الأحياء آنذاك وعدد من الأموات.

حين فُتح المجال لتأسيس الأحزاب بعد دستور فبراير 1989 اختلفت الجماعات الإسلامية في كيفية التعامل مع هذا التحول. تخلفنا مع الشيخ محفوظ في اتخاذ القرار بشأن وجهتنا الحزبية بسبب عدم الثقة في مبادرة الانفتاح التي توجه إليها النظام السياسي بالرغم من أننا كنا التنظيم الإسلامي الأكثر انتشارا في البلد، وكان ذلك في اعتقادي خطأ منا في قراءة تطورات الساحة، فوجدنا أنفسنا في حرج أمام اللافتة الإسلامية السياسية العلنية التي سارع الشيخ عباسي مدني لرفعها رفقة الشيخ علي بلحاج والتي التف حولها أغلب المتعاطفين مع التيار الإسلامي خارج الأطر التنظيمية الذين لم يكونوا في البداية يفرقون بين أي أحد من الدعاة. حين أسس الشيخ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ عرض عليّ بإلحاح أن أكون معه، خصوصا حينما لمته في أحد زياراتي له في بيته بحيدرة، عن اندساس عناصر خطيرة ومشبوهة في الجبهة في المسيلة ( ولا أقصد هنا العناصر المحترمة التي عرفناها طيلة الثمانينيات وبعضها كان معنا) ، حيث اعتبر أن التحاقنا بالجبهة التي أسسها هو الذي يحل مشكل المندسين. أخبرته بكل أدب وصرامة بأنني لست مقتنعا بالنهج السياسي الذي يسير عليه، ومع تطور الأحداث اتسعت رقعة الخلاف، ولكن مع بقاء الاحترام والمحافظة على الود القديم. حينما أسسنا الحزب ( حركة المجتمع الإسلامي - حماس -) كان من بين أهدافنا الأساسية هو التميز عن نهج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ليس حسدا ولا حقدا كما يعتقد البعض ظلما، أو عدوانا وكيدا كما يروج البعض، ولكن لأننا استشرفنا ماذا سيقع وكان علينا أن نضمن استمرار دعوتنا ورسالتنا وأن لا نرمي الثمار التي قطفناها قبل تأسيس جبهة الإنقاذ في سلة واحدة، وقد أعطانا الزمن الحق. رغم الخلافات الشديدة التي وقعت بيننا وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ - والأخطاء هنا متبادلة - قمت وساهمت شخصيا بعدة محاولات لتقريب وجهات النظر بين الحركة وجبهة الإنقاذ، منها اللقاء الشهير في وهران قبيل اندلاع أحداث الإضراب المفتوح في ماي 1991, ولكن خاصة محاولتين اثنتين تاريخيتين أشرفت عليهما بنفسي، أولهما الزيارات الخمس مع عدد من قيادات الحركة بإذن من الشيخ محفوظ رحمه الله للشيخ عبد القادر حشاني رحمه الله بعد أن سجن الشيخ عباسي رحمه الله والشيخ علي بلحاج، وكان مما قلته له أن هناك مؤامرة كبيرة عليكم وعلينا جميعا وعلى البلد وقيمه وهويته، وأنه يجب أن نتحاور للاتفاق على الرؤية المستقبلية، ورغم تفهم حشاني للموضوع لم يستطع التجاوب بسبب الاعتراض الذي وجده داخل الجبهة كما أرسل لي هو ذاته لاحقا، ثم المحاولة الأخرى مع الأخوين عبد القادر بوخمخم وعلي جدي بعد أن اطلق سراحهما زروال لأغراض الحوار حيث زرتهما رفقة الأخوين عبد القادر صماري ولحسن بن سعد الله رحمه الله، وحاولنا إقناعهما بما تم التوصل إليه في جلسات الحوار بأن هناك قناعة لدى زروال بإطلاق كل المساجين وعلى رأسهم الشيخ عباسي وعلي بلحاج، وأنه بإمكانهم بعد ذلك تأسيس حزب جديد بإسم جديد بشرط أن يتبرؤوا من الإرهاب باعتبارهم سياسيين لا علاقة لهم بالجماعات المسلحة ( للإشارة بعد هذا اللقاء تم اغتيال الأخ لحسن رحمه، وحكمت الجماعة الإسلامية المسلحة ( الجيا) عليّ وعلى الأخ عبد القادر صماري بالإعدام ونجّانا الله منهم، وكان اعتقادي أن الاستهداف كان من التيار الاستئصالي الذي كان يرفض عودة جبهة الإنقاذ ولو باسم آخر، وسيأتي اليوم الذي سنتحدث عن بعض التفاصيل وكيف كانت الجيا تُستعمل من الجميع). كان هدفنا من الحوار مع جبهة الإنقاذ هو تصحيح أخطائنا جميعا ثم الانطلاق في التعاون لمواجهة مشاريع التيار العلماني الاستئصالي المعادي لكل لون من ألوان الديمقراطية والذي سيطر بالفساد والنفوذ على المال والإعلام والإدارة والذي يعمل اليوم، بسند من الاستعمار القديم، على إلغاء حتى بيان أول نوفمبر، ويجد الوطنيون الأحرار صعوبة كبيرة في إرجاعه إلى حجمه الشعبي الحقيقي حتى وهم يُسندون من هذا الحراك الشعبي العظيم. لم تنجح محاولات التقريب كلها ولا زلنا إلى الآن في حالة التنابز والتصادم والبكاء على الماضي للأسف الشديد، وها هو الشيخ عباسي مدني يتوفاه الله دون أن يسترجع حقوقه السياسية لا هو ولا غيره من قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكم كان تأثري كبيرا حين أبدى لي الشيخ علي بلحاج أسفه أنه محروم من الإطار القانوني للعمل والتجنيد في تفسيره لعدم قدرتهم على التعبئة الكبيرة مثل ما كان متفقا عليه في تجمع قاعة حرشة الذي نظمته الحركة في أوت 2014 والذي تحدث فيه لأول وآخر مرة في تجمع رسمي منذ خروجه من السجن، حين قال لي هذا الكلام ذكرت في نفسي الفرصة التي ضاعت في منتصف التسعينات مع زروال، وكيف أن عدم نجاح الحوار خدم التيار الأستئصالي ذاته، ولو لم تعتمد الحركة نهج المشاركة وحرصت على الوجود القانوني والرسمي والمؤسسي رغم مسار التزوير الطويل لكنا اليوم جميعا - ربما - غير موجودين.

 

كانت آخر مرة التقيت فيها بالشيخ عباسي مدني في المطار حين كان يتأهب لمغادرة البلد والذي لم يعد إليه بعده أبدا، ولكن كانت لي مناسبات قليلة أخرى التقيته فيها بالخارج، والغريب في الأمر أنني حينما كنت ألقاه خارج الديار لا نتحدث إلا عن سنوات الثمانينيات الجميلة يذكرني وأذكره عن بعض حكاياتها رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ولا يُحرج أيّ منا الآخر بالحديث عن أحداث التسعينيات الأليمة، و ها هنا أقول شتان بين الحديث النافع والعقلاني مع القيادات التاريخية، سواء عباسي أو بلحاج أو جدي أو بوخمخم أو قمازي أو غيرهم، والحديث الحاقد المؤجج للصراعات الملهي عن الأهداف السامية الذي يطلقه بعض من يتكلم باسم الجبهة إلى اليوم وأغلبهم لا نعرف من هم وما الذي أو من يحركهم.

قد يلومني البعض عن إظهار هذه الحميمية بيني وبين عباسي مدني، والحقيقة ما كتبته هو جزء بسيط مما يمكن أن يُكتب لو كان لي الوقت الكافي، فعباسي مدني مجاهد من مجاهدي الساعات الأولى في الثورة التحريرية، ونحن عارضناه بشدة حين كان قويا يسيّر الحشود بأصبع واحد، أما اليوم فها هو بعد أن قضى باقي عمره خارج بلده يُتوفى خارج دياره. ولئن كانت له مسؤولية لا يمكن إنكارها في ما حدث في البلد، فالفرق بينه وبين المجرمين الذين نهبوا البلد وأفسدوه كالفرق - مثلما قال علي بن أبي طالب - بين من أراد الحق فأخطأه وبين من أراد الباطل فأصابه. إن الإدانة الكبرى والأولى في ما حدث في الجزائر في التسعينيات هي لأولئك الذي أرادوا التلاعب بالجزائر بحيلهم السياسية حين وقع الانهيار الاقتصادي وتفشى فسادهم واضطربت الأوضاع الاجتماعية فخرج الناس للشارع في 05 أكتوبر 1988، أولئك الذين حينما أحبط كيدهم الناخبون الذين صوت أغلبهم على الجبهة الإسلامية بتلقائية لِما اعتقدوه بأن ذلك هو الصواب، ألغوا الانتخابات وزجوا بأعداد هائلة من الجزائريين الأبرياء في السجون والمحتشدات، واختطفوا أبرياء كثر لم يعودوا أبدا لبيوتهم ( وأنا أعرف بعضهم من الرجال الصالحين ولا نزكي على الله أحدا، أشهد انهم لم يكن لهم علاقة بالإرهاب لا من قريب ولا من بعيد)، ثم بعد ذلك خَدع أؤلئك المجرمون تضحيات الجزائريين الذين ساهموا في العودة لبناء مؤسسات الدولة، وعلى رأسهم الشيخ محفوظ رحمه الله، بمسار التزوير الذي دمر البلد وصَنع عصابات عابرة للقارات، ونحن الآن في حيرة كبيرة كيف نُخلّص البلد من الخراب الذي صنعته تلك المجموعة الظالمة والنظام البوتفليقي الذي انتجته، رغم خروج الجزائريين بالملايين ضدهم في هذا الحراك الشعبي العظيم. إن هؤلاء الذي تلطخت أيديهم بالدماء، وتلطخ تاريخهم بالنهب وتدمير البلد هم من ينبغي محاسبتهم أولا وآخرا، وحين نصل إلى تأسيس مسار "الحقيقة والعدالة" الذي تأسس في كثير من تجارب الانتقال الديمقراطي، يمكن أن يتحدث الجميع عن مسؤولية أي أحد في ما حدث.

شاء الله أن يُتوفى الشيخ عباسي مدني والجزائر تمر بهذا التحول العظيم الذي يصنعه الحراك الشعبي، وكأن الله سبحانه ينبهنا بأننا نغادر مرحلة بكل ما فيها، ونستقبل مرحلة جديدة لم نعرف بعد كيف يكون حالها، والعاقل من اتعظ بالتجارب فأحسن الاستفادة منها فحفظ الأجيال الجديدة من أن يقع عليهم الاحتيال كما وقع على الجزائريين بعد أحداث 5 أكتوبر، وبعد انتخابات التسعينيات التي جرت بعدها، ومسار التزوير الذي تلاها ودمر كل شيء في هذا الوطن.

إننا اليوم، في هذه الأيام التي انتقل فيها أحد أيقونات 5 أكتوبر الشيخ عباسي مدني إلى رحمة الله، نمر بمفترق طرق آخر تاريخي، فهل سننجح في فرصة الانتقال الديموقراطي الجديدة أم أننا سنرتكب نفس الأخطاء، سواء أخطاء الذي صادموا العسكر طلبا لحقهم فطُحنوا وطُحن معهم البلد، أو الذين هادنوا العسكر حفاظا على بلدهم فخُدعوا وخُدع بلدهم، أم أننا سنجد الحكمة بين هاذين الخطأين.

 

أخبار ذات صلة

بعد شهرين من الحراك الشّعبي المبهر، أفرزت السّاحة الوطنيّة أربعة توجّهات كبرى، لكل توجّه منها “مشروع مجتمع” يريد تمريره تحت زخم حراك لم يقدّم ... المزيد

 

يتفق خصومه ومؤيدوه على أنه أكثر رجال السياسة حنكة في تاريخ البلاد، وحطم عام 2012 لقب أكثر رؤساء البلاد مكوثا ... المزيد