البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

الشيخان .. الشعراوي وكشك!

المحتوي الرئيسي


الشيخان .. الشعراوي وكشك!
  • سليم عزوز
    07/12/2016 05:01

عندما هممت بكتابة هذا المقال، تعليقاً على تهجّم "مفيد فوزي" على الشيخ محمد متولي الشعراوي، في برنامج بقناة تلفزيونية هي إحدى الأذرع الإعلامية للعسكر، قرأت ما ذكّرني بأنه في مثل هذا اليوم رحل الشيخ عبد الحميد كشك، الذي وافته المنية في يوم الجمعة الموافق السادس من ديسمبر سنة 1996.

كل من كشك والشعراوي ينتمي إلى مدرسة مختلفة في الدعوة وفي الخطابة، والأول كان زعيماً معارضاً، والثاني كان ينتمي للدولة، وفي واقعة النائب الشيخ عاشور الذي هتف في البرلمان "يسقط أنور السادات"، رد عليه الشعراوي بعاطفته وكان وزيراً للأوقاف فأشاد بالسادات بطل نصر أكتوبر، وقال لو كان بيدي شيء من الأمر لرفعت هذا الحاكم إلى درجة من لا يُسأل عما يفعل. وفي يوم الجمعة كان الشيخ كشك ومن فوق منبر مسجد تابع لوزارة الأوقاف، يوجّه مدفعيته الثقيلة ضد وزيره، ويسأل: من الذي لا يُسأل عما يفعل يا شعراوي؟.. فترد الجماهير المحتشدة بصوت هادر: الله.

لم نسمع أن الوزير قد عاقب الإمام بعد هذا الهجوم الكاسح، وتأليب المصلين عليه، فلم يمنعه من الخطابة، ولم ينقله إلى مسجد آخر، ولم يُحله للتحقيق، وربما استشعر الوزير حينئذ الخطأ الذي وقع فيه وقادته إليه عاطفته، فقد كان رحمه الله، صاحب عاطفة تقف وراء أخطائه، كما تقف وراء شموخه!.

حكى لي الشيخ صلاح أبو إسماعيل عضو مجلس الشعب، كيف أن الشيخ الشعراوي كان وزير أوقاف غير مسبوق أو متبوع في تاريخ هذه الوزارة، وقارن بينه وبين الشيخ عبد المنعم النمر، في واقعة واحدة خاصة بفساد الوزارة فيما يختص بالوقف، لقد قدّم استجواباً ضد النمر، الذي كان قبل أن يُصبح وزيراً قد ألّف كتاباً حمل عنوان "قصة الأوقاف"، فجعل الشيخ النائب من الكتاب مذكرة تفسيرية لاستجوابه، ومع ذلك وقف النمر مدافعاً ضد الاستجواب، وعلّق الشيخ صلاح: "النمر يرد على النمر"!.

وذكر الشيخ صلاح أنه تقدّم باستجوابه عن هذا الفساد ضد وزير الأوقاف الشيخ متولي الشعراوي، الذي وقف في البرلمان بادئاً رده بقوله: "كبير على عمامة أن تستجوب أختها - والاستجواب اتهام - ومع ذلك فما جئت لأرد على الاستجواب، وإنما جئت لأردّد الاستجواب".

ويُروى عن الرئيس السادات، وقد نجحت فكرته في تقديم الشيخ الشعراوي للناس والوقوف على ملكاته التي تفجّرت من خلال برنامج "نور على نور"، فقد اقترح على مقدّم البرنامج الإعلامي أحمد فرّاج أن يستضيف الشيخ كشك، قبل أن يكون الشيخ أحد ضحايا قراره الطائش بالتحفظ عليه في سبتمبر 1981، ليُمنع بعد الإفراج عنه من الخطابة في عهد مبارك، وقد رأى فرّاج أن كشك يختلف عن الشعراوي، فالأول خطيب بما لا يتفق مع طبيعة البرنامج التليفزيوني والثاني متكلّم، فهناك اختلاف في طبيعة كل منهما.

ولا بأس فقد رفض مسؤول في التلفزيون المصري في السابق، اقتراحاً بإذاعة دعاء بعد الأذان بصوت الشيخ الشعراوي، وقال إن صوته ليس إذاعياً، وذلك قبل ذيوع اسمه وسطوع نجمه، ومات الشعراوي وكثير من القنوات تتسابق في إذاعة الدعاء بصوته، الذي صار يتعرّف عليه الجميع، وصار علامة مميزة، مثلما تذكّر ابتهالات الشيخ سيد النقشبندني جيلنا والأجيال السابقة في مصر بشهر رمضان.

ورغم البعد عن السلطة في حالة الشيخ كشك، والقرب منها في حالة الشيخ الشعراوي الذي هو في الأصل رجل دولة، فقد كان الموقف من الدولة البوليسية من جنازتهما واحداً، فلدى العسكر مشكلة من شعبية الجنازات، تراكمت بمرور الوقت، ومنذ جنازة الزعيم الوطني مصطفى النحاس، التي كانت حاشدة رغم أن عبد الناصر فرض عليه الإقامة الجبرية ثلاثة عشر عاماً، وعمل إعلامه على تشويهه وتشويه حزبه "الوفد"، الذي كان يدرس في كتب التاريخ على أنه رمز الفساد والخيانة الوطنية، فإذا بجنازته تتحوّل إلى حشد قتال، مما أفزع عبد الناصر، الذي روى عنه قوله: بعد كل هذا الحصار والدعاية لا يزال كل هؤلاء يذكرون النحاس؟!.

عقدة حكم العسكر من شعبية الجنازات تشكّلت بفعل التراكم ومع الوقت، ومن جنازة النحاس، إلى جنازة مرشد الإخوان الثالث عمر التلمساني، إلى جنازة المرشد السادس مأمون الهضيبي">الهضيبي، وقرّرت السلطة المهتزة سقفاً للشهرة، لا يجوز تجاوزه ولو كان الشخص تابعاً لها أو لا يوجد خطر منه، وهذا ما يفسّر القرار الأمني بأمر "عمرو خالد" بالسفر إلى خارج البلاد قبل الثورة مع أنه تقريباً لا يقدّم شيئاً عليه القيمة فهي مجرد حواديت من هنا وهناك، وبأداء كنسي، يشبه طريقة القساوسة في الوعظ. فعمرو خالد ليس عالماً، وليس فقيهاً، وليس واعظاً. صفر في كل هذا!.

وعندما توفي الشيخ عبد الحميد كشك، كان القرار الأمني بأن يُدفن حالاً وقبل صلاة الجمعة، وقبل أن يعلم أحد بأمر موته، وكان التهديد لأسرته إن لم تدفنوه أنتم دفناه نحن. ومع أن مقر جريدة "الأحرار" قريب من منزله، فلم أعرف يومها بخبر الوفاة إلا عصراً، فاتصلت بمأمور قسم حدائق القبة هاتفياً للتأكد، والذي حرص على أن يُخبرني أن الدفن قد تم قبل أن يخبرني بخبر الوفاة!

وإذا كان هذا مبرراً بالنسبة لواحد هو رمز المعارضة الدينية للسلطة، فإنه يبدو غريباً مع جنازة الشيخ الشعراوي، الذي طلبت وزارة الداخلية من أسرته ألا يشيع من أحد مساجد القاهرة وإنما من قريته "دقادوس" بمحافظة الدقهلية.

وإذ أصر حزب الوفد على تشييع جنازة رئيس الحزب فواد سراج الدين من مسجد عمر مكرم بوسط القاهرة، رغم اعتراض وزارة الداخلية، فقد حدث في هذه الجنازة أمر غير مسبوق، فأمام باب المسجد قام الأمن بتفريق المشيّعين واعتدى على الجميع ومن بينهم مسؤولون بالدولة مثل شيخ الأزهر، وكان الوزير حبيب العادلي يجلس في سيارته غير بعيد ليشرف بنفسه على إفساد الجنازة!.

محاولة تشويه الشيخ الشعراوي بدأت مبكراً عبر وزير الداخلية زكي بدر، ودخل على الخط صغار مثل المحرّر الفني محمود سعد، وقد فشلت جميعها، وصار اسم الشيخ وشعبيته أكبر من أن تحاصر، وكنت أظن أنه بوفاته لابد أن يتوقف تطاول الصغار عليه، إلا أن مكانة الرجل تبدو مغرية لأذناب سلطة ترى الدين في حد ذاته أزمة، فتهجّمت على الشعائر وتطاولت على العلماء، وفي أجواء كهذه من الطبيعي أن يكون الشعراوي هدفاً!.

ليس في عقيدتي السياسية ما يؤكد أن هناك بشراً فوق النقد، لكن تطاول مفيد فوزي على الشيخ الشعراوي، في أسبوع تطاولت فيه ابنته الصحفية بالأهرام على الشيخ القرضاوي يأتي من ناحية وفي سياق موقف الحكم العسكري من الدين الإسلامي ورجاله، ويأتي من ناحية أخرى على قاعدة طائفية أنا أدرى بشعابها، لاسيما أننا أمام تشويه متعمّد عندما يُتهم الشعراوي بأنه من بَذَرَ بذرة الإرهاب!.

لا مانع عندي من أن يُهاجم مفيد فوزي الشعراوي - أو "مستفيد فوري" وهو اللقب الذي أطلقه عليه العندليب عبد الحليم حافظ - بشرط أن يمد الحبل على استقامته، وينتقد البابا تواضروس، أو حتى أصغر قس في أصغر كنيسة، بل سأتعامل معه بجديّة إن واتته الشجاعة هو وابنته وهاجما ولو "الراهب المشلوح"!.

ما ضر البحر أمسى زاخراً.. أن رمى فيه مفيد فوزي بحجر؟!

 

*صحيفة الراية القطرية

أخبار ذات صلة

بعد أكثر من ثلاثين عاما من الإكراه على حياة المهجر، عادت جماعة المزيد

(إقامة الشريعة) معنى عظيم، ينبغي أن تنعقد عليه القلوب، وتتوحد عليه الصفوف، وتهفو له الأرواح وتعلو به الأصوات. والمقصود به تقويم اعوجاجنا بالاستقامة ... المزيد

أكد علي العمر، المكنى بـ"أبي عمار" القائد العام لحركة "أحرار الشام" الإسلامية، الجديد، أن ... المزيد

تعليقات