البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

السلفيون والموقف من الحكام.. رؤية نقدية

المحتوي الرئيسي


السلفيون والموقف من الحكام.. رؤية نقدية
  • أحمد طه
    13/07/2015 06:32

قاعدة أساسية في النقد
هذا النقد مقصود به الفكر.. الفكر ولا شيء غير الفكر، لا أعني به أشخاصاً أو هيئات بعينها، ولست معنياً بالحديث عن ذواتهم وأخلاقهم وعبادتهم، فقد يكونوا أكثر أخلاقاً وعبادة وفداءً وتضحية وحباً للدين. ولا أتعرض لذلك أبداً.
بل أتعرض للمنهج الفكري، لمحاولة التصحيح لا التشهير، الوحدة لا الفرقة، والعبرة كذلك بالفكر والمنهج لا الشارات والمسميات. 
 
وإن نقد "الحركة الإسلامية" أو المسلم العامل لدينه مسألة غاية في الضرورة، وغائبة عن المشهد الإسلامي بشكل عام.. إذ (وللأسف) مازال في مخيلة الكثيرين أن النقد يعني الهدم، وأن الناقد لا بد وأن يكون حاقداً كارهاً معادياً من الخصوم! ونشأ ذلك نتيجة طبيعة التربية وطرق التعليم! التي  تُلقي الطهر والقداسة على شخص، والدنس والحقارة على الآخر بلا ميزان دقيق.. يدور مع الحق حيث دار.
 
إننا يجب أن نمارس حالة من النقد المستمر.. بل ونبحث عن من ينقدنا ويقيم أعمالنا وكيف يرانا من الخارج، طالما أننا نبتغي دوماً الأفضل، ونتطلع إلى الاستقامة الدائمة.
وإن نقد الفكر لا يعني الحكم على المسميات والأفراد. وإنما يبقى في دائرة الفكر، بل وفي دائرة كل فكرة على حدا. 
 
إن كبرى الشركات والهيئات في العالم، تبحث عن مكاتب من خارجها لتُقيم لها حساباتها، وجودة إدارتها، وإعادة هيكلتها.. والتدريب المستمر على كل ما يرفع من الكفاءة والانتاج، أفلا تكون "حركة المسلمين" وهم يحاولون بعث دينهم من جديد تحتاج إلى مثل ذلك ؟! لا سيما مع الإخفاقات الكثيرة التي تقع، ويحدث معها كوارث كبرى.
 
وإن محاولتي هذه، ما هي إلا محاولة مسلم يحب دينه، ويحب المسلمين.. كل المسلمين. ويتوجه إليهم بالنقد بكل الحب والحرص والولاء والنصرة ( في الحق ) بلا تعصب ولا غل ولا كره ولا ضغينة. أبتغي منها رضى الله سبحانه، ونصرة دينه، ورفع شأن المسلمين.
فاللهم ألهمني الرشد والسداد والحق والصواب، وأعوذ بك من النفاق والشقاق والسمعة والرياء.
 
ـ المعنى
السلف: تعني الجيل السابق أو ما مضى. وقد استخدم هذا المصطلح علماء فترة "الملك العضوض" وفقهاء ذلك الزمان للدلالة على سلفهم وهم "الصحابة" وجيل الخلافة الراشدة، وأن سلف الأمة في الحكم والعقيدة والسياسة كانوا - ولا شك - هم القدوة والنموذج بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
ـ التاريخ
"يعتقد بأن السلفية ما هي إلا امتداد لمدرسة أهل الحديث والأثر الذين برزوا في القرن الثالث الهجري في مواجهة المعتزلة في العصر العباسي تحت قيادة أحمد بن حنبل أحد أئمة السنة الأربعة، فكان المعتزلة يتخذون مناهج عقلية في قراءة النصوص وتأويلها واستمدوا أصولهم المنطقية من الحضارة الإغريقية عن طريق الترجمة والتعامل المباشر، ورأى أهل الحديث في هذه المناهج العقلية خطراً يهدد صفاء الإسلام ونقاءه وينذر بتفكك الأمة وانهيارها.
 
بعد ذلك شهدت السلفية انحسارًا ملحوظًا شعبيًا وسياسيًا بعد انقسام الفقهاء الإسلاميين وأهل الحديث إلى حنابلة وأشعرية، حتى قوي جانب الأشاعرة وتبنى بعض الأمراء مذهبهم، إلى أن ظهر ابن تيمية في القرن السابع بالتزامن مع سقوط عاصمة الدولة العباسية بغداد على أيدي التتار سنة 656 هـ فعمل على إحياء الفكر السلفي وقام بشن حملة على من اعتبرهم أهل البدع داعياً إلى إحياء عقيدة ومنهج السلف من أجل تحقيق النهضة. 
 
ثم شهدت السلفية انحساراً كبيراً مرة أخرى بعد ذلك. لتعاود الظهور مرة أخرى في القرن الثامن عشر الميلادي متمثلة في دعوة محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية والتي واكبت عصر انحطاط وأفول نجم الدولة العثمانية وصعود الاستعمار الغربي".
 
ـ القضايا الرئيسية:
 
*حُرمة الخروج على الحاكم
 
شاع في هذه الفترة من "الملك العضوض" القول بعدم جواز الخروج على الحاكم، وكان من أبرز هؤلاء المذهب الجنبلي، ولكن خالفته بقية المذاهب الأخرى، بل ومنهج الصحابة كذلك. وأياً كان الأمر.. فهو خاص بفترة "الملك العضوض" وخاص كذلك بظروف كل حالة على حدا، وفقاً لظروف الواقع، والحال، والمآل.. وليست هي "حكم عام على كل حاكم" وليست هي قضية عليها "إجماع"، وليست قضية "عقيدية"، وليس من خالفها يصبح من فوره "خوارج" !!
 
ويتبين هنا التلاعب بمصطلح "السلفية" فيقول قائل: والذي عليه "منهج السلف" هو عدم الخروج على الحاكم. ومنهج السلف - في نظره - يعني مذهبه الفقهي أو شيخه. وبمثل هذا التعصب والتحزب وقع الشقاق في الأمة! بل به أيضاً تمت شرعنة "الاستبداد السياسي" الذي همش الأمة، وأضعف وجودها الحضاري، وذاقت بسببه الويلات!
 
وأنقل هنا بعض أقوال الصحابة وبعض أئمة علماء السنة في هذه المسألة لتوسيع الرؤية والإدراك، ولنتبين أن الصورة الأحادية التي يتبناها فريق ويتعصب لها تكون - ولا شك - ملوثة بالهوى والتعصب والتحزب:
 
1- خطب عمر رضى الله عنه فقال: "إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ذلك به فليرفعه إليَّ أقصَّه منه". فقال عمرو بن العاص: "أرأيت لو أن رجلاً أدب بعض رعيته أتقصه منه". فقال عمر: "أي والذي نفسي بيده، ألا أقصه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقصَّ من نفسه" [رواه أبو داود في السنن برقم 4537].
وقال له أحد المسلمين: "استخلف ابنك عبد الله". فقال: «قاتلك الله، والله ما أردت الله بذلك، ويحك لا إرب لنا في أموركم، ما حمدتها لنفسي فأرغبها لواحد من أهل بيتي، إن كان خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كان شرًا فحسب آل عمر أن يُحاسب منهم رجلٌ واحد ويُسأل عن أمر أمة محمد. لقد أجهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت لا عليَّ ولا لي، فإني إذا لسعيد.» وهذا الفعل من دروس هذا الحديث: عَنْ  يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ  ، قَالَ : قَالَ  أَبُو بَكْرٍ  حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الشَّامِ : يَا يَزِيدُ ، إِنَّ لَكَ قَرَابَةً عَسَيْتَ أَنْ تُؤْثِرَهُمْ بِالْإِمَارَةِ ، وَذَلِكَ أَكْبَرُ مَا أَخَافُ عَلَيْكَ ، فَإِنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ :  " مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ، حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ ، وَمَنْ أَعْطَى أَحَدًا حِمَى اللَّهِ ، فَقَدْ انْتَهَكَ فِي حِمَى اللَّهِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، أَوْ قَالَ : تَبَرَّأَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "  . [مسند الإمام أحمد/21]
وقال عمر ◙ لابن القبطي: «لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك؛ لأن الغلام إنما ضربك لسلطان أبيه»
وكتب لقادة الجيوش يقول: "حذار من الترف الفارسي، سواء في المطعم او في الملبس والزموا عادات بلادكم البسيطة، وسينصركم الله عليهم وسيفتح لكم."
 
2- روى ابن جرير الطبري في تاريخه من حديث موسى بن عقبة المؤرخ عن عمر ◙ قوله: "فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه" فقال طلحة: "وما عليك لو قلت إن تعوج عزلوه" فقال: "لا القتل أنكل لمن بعده" [تاريخ الطبري 2/572، ط دار الكتب العلمية- بيروت].

3- روى مسلم في صحيحه (أَنَّهُ لَمَّا كان بين عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بن أبي سُفْيَانَ ما كان، تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ [وذلك أن عنبسة بن أبي سفيان – أمير الطائف لأخيه معاوية - أراد أن يأخذ قطعة من أرض عبد الله بن عمرو بن العاص يقال لها (الوهط) فجمع عبد الله ولده وعبيده واستل سيفه] فَرَكِبَ خَالِدُ بن الْعَاصِ إلى عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فقال عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ   قال: ((من قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ))" [صحيح مسلم برقم 141 ج1ص124]
 
4- وقال ابن عبد البر الأندلسي المالكي: "قوله: ((ألَّا ننازع الأمر أهله))، فقال قائلون: أهله أهل العدل، فهؤلاء لا ينازعون لأنهم أهله، أما أهل الجور والظلم فليسوا بأهل له، واحتجوا بقوله - تعالى -: {لا ينال عهدي الظالمين}، ذهب إلى هذا طائفة من السلف الصالح، وتبعهم خلف من الفضلاء والعلماء من أهل المدينة والعراق، وبهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي على يزيد وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج وخرج أهل المدينة على بني أمية في الحرَّة..." [الاستذكار 5/16؛ والتمهيد 23/278].
 
5- وقال القرطبي المالكي في تفسير قوله -تعالى-: {قال لا ينال عهدي الظالمين}: "استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك وهو الذي أمر النبي  ☺ ألا ينازعوا الأمر أهله على ما تقدم من القول فيه فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل؛ لقوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه..." [تفسير القرطبي ج2/ص108-109 ط دار الشعب – القاهرة].
 
6-  و قال محيي الدين النووي الشافعي: " قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها.. قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة.. قال: وقال بعض البصريين تنعقد له وتستدام له؛ لأنه متأول. قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر..." [شرح مسلم للنووي 12/229، ط2 دار إحياء التراث العربي-بيروت-1392هـ].
 
7- قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي: " وقد اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وكذلك أهل البيت، فذهبت طائفة من أهل السنة ╚ من الصحابة فمن بعدهم كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر ╚ وغيرهم، وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الحديث إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان إن قدر على ذلك، وإلا فبالقلب فقط، ولا يكون باليد وسل السيوف والخروج على الأئمة وإن كانوا أئمة جور.
 
وذهبت طائفة أخرى من الصحابة ╚ ومن بعدهم من التابعين ثم الأئمة بعدهم إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يقدر على إزالة المنكر إلا بذلك، وهو قول علي بن أبي طالب وكل من معه من الصحابة ╚ كعمار بن ياسر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وهو قول أم المؤمنين ومن معها من الصحابة كعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وأبي العادية السلمي وغيرهم، وهو قول عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وأبي البختري الطائي وعطاء السلمي والحسن البصري والشعبي ومن بعدهم كالناسك الفاضل عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وعبيد الله بن حفص بن عاصم وسائر من خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب ومع أخيه إبراهيم بن عبد الله وهشيم بن بشير والوراق وغيرهم " [جواب أهل السنة ص70-71].
 
8- وقال ابن حزم الأندلسي الظاهري: "وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد. 
 
وهذا قول علي بن أبي طالب ◙ وكل من معه من الصحابة وقول أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة ╚ أجمعين وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن بن علي وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار والقائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين وقول كل من أقام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عنهم جميعهم كأنس بن مالك وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبي الحوراء والشعبي وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة ابن شعبة وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله وأبي سح الهنائي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله ابن الشخير والنصر بن أنس وعطاء بن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي الحوساء وجبلة بن زحر وغيرهم، ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر ومحمد بن عجلان ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حيي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وأما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رآه منكرا." [الفِصَل في الملل والنحل 4/132].
 ثم قال: " قال أبو محمد: والواجب أن وقع شيء من الجور وإن قل أن يكلم الامام في ذلك ويمنع منه فان امتنع وراجع الحق واذعن للقود من البشرة أو من الاعضاء ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام... فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع وبالله تعالى التوفيق". [الفصل في الملل والنحل ج4 ص134-135].
 
9- وقال ابن الوزير اليماني أحد كبار مجتهدي المذهب الزيدي: وقوله: "ألا ننـازع الأمـر أهلــه" على أئمة العـدل. قال عياض : وحجـة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجـرد الفسق ، بل لما غيّـر مـن الشرع ، وأظهر مـن الكفر . انتهى كلامه. وفيه بيان اتفاقهم على تحسين ما فعله الحسين - عليه السلام- وأصحابه وابن الأشعث وأصحابه  وأن الجمهور قصروا جواز الخروج على من كان على مثل تلك الصفة، وأن منهم من جوز الخروج على كل ظالم، وتأول الحديث الذي فيه : ((وألا ننـازع الأمــر أهلـه)) على أئمـة العــدل . وفيـه أنهم اتفقوا على الاحتجاج بفعل الحسين -عليه السلام- ، ولكن منهم من احتج على جواز الخروج على الظلمة مطلقاً، ومنهم من قصره على من فَحُش ظلمه وغيَّر الشرع ، ولم يقل مسلم منهم ولا من غيرهم: إن يزيد مصيب والحسين باغ إلا ما ألقاه الشيطان على السيد، ولا طمع الشيطان بمثل هذه الجهالة أحداً قبل السيد ." [العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير اليماني (8/75-78) ط3 مؤسسة الرسالة 1415ه/1994م]. [نقلا عن الشيخ/نادر سعد العُمَري]
 
هذا حال علماء السلف مع الخلفاء الأمويين وأوائل العهد العباسي. وأذكر على سبيل المثال: قول سفيان الثوري وهو يكتب إلى هارون الرشيد: "من العبد المذنب سفيان بن سعيد المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال هارون الرشيد الذي سُلب حلاوة الإيمان". وهذا عطاء بن أبي رباح يكلم الوليد بن عبد الملك حين سأله أن يحدثه فيقول: "بلغنا أن في جهنم وادياً يقال له هبهب أعده الله لكل إمام جائر في حكمه، فصعق الوليد من قوله". وهذا الحسن البصري يصيح بعامر الشعبي حين ألان الحديث للحجاج فيقول: "إليك عني يا عامر ! يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة. أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه، ويحيك عامر هلا اتقيت". وهذا ابن أبي ذؤيب يجيب أبا جعفر المنصور وقد سأله رأيه فيه فيقول: "أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه فجعلته في غير أهله، وأشهد أن الظلم ببابك فاشي".
هذا حالهم وقت أن كان للإسلام خلافة وأمة، فما بالنا بما حل بالأمة وبالمسلمين الآن.
 
وإنني هنا لست بصدد مناقشة هذه القضايا بقدر مناقشة "منهجية الفكر" وتصحيح مساره للعودة إلى المنهج الإسلامي الشامل بلا فرقة ولا تعصب ولا اختلاف في الدين.
وإن الجمود عند مرحلة القرون الثلاثة واختيار من بين قضايا هذه القرون الثلاثة قضية "عدم الخروج على الحاكم" واستحضار المشكلات التي كانت سائدة في عصرهم ! ومجيء الأجيال من بعدهم تتعاطى نفس المشكلة بنفس الأسلوب! حتى وإن كانت هذه المشكلة ليست بعصرهم، وحتى ولو كان الأسلوب غير مناسب؛ فهذا هو الذي أحدث التحزب والتطرف المذهبي والفكري، والذي أدى - في النهاية - إلى صورة جامدة عقيمة لم تستطع معايشة قضايا الأمة، ولم تستطع إخراجها من الملك الجبري والطواغيت..! وهذا هو الذي أنتج الكثير من النماذج الفكرية المشوهة.
 
بل اعتبروا أن منهج السلف هو: "السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم" جرياً على مذهب الحنابلة والأوزاعي الذين يحرمون الخروج على الحاكم الجائر، وإن خالف في هذا بعض الحنابلة مثل ابن رجب الحنبلي وأبو الوفاء علي بن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي وعبد الرحمن بن رزين.. الذين يرون مشروعية الخروج ناهيك عن أبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حزم الذين يجيزون الخروج على الحكام الظلمة. فضلاً عن كل هؤلاء كل يتحدثون عن "فترة الملك العضوض" والخلافة قائمة، والشريعة حاكمة في العموم، وأعلام الجهاد دائمة في العموم. 
والعجيب أن قضايا عصرهم هذا انتقلت للأمة الآن، وهي في مرحلة "الملك الجبري والطواغيت" وحاول سلفيو هذا العصر استحضار مشكلات عصر علماء السنة في فترة الملك العضوض، والعيش في زمانهم، والهروب من قضايا أمتهم وعجزهم عن تقديم أي رؤية ومنهجية في مواجهتها، لأنهم مقلدون ولا يملكون ملكات المواجهة.. بل قال بعض أئمتهم المعاصرين: "من السياسة ترك السياسة" " أحسب أن مقولة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) كلمة حكيمة تصلح لزماننا" وآخر يقول: "السلفية هم أهل السنة والجماعة، ولا يصدق هذا الوصف على غيرهم أبداً.. بل ويخرج الأشعريون من وصف أهل السنة" !!

أخبار ذات صلة

قال نجل الشيخ السعودي الموقوف، سلمان بن فهد العودة، إن "أخبارا وتسريبات مفزعة تصلنا حول نية الإعدام ضد مشايخ المزيد

قد يعجز التاريخ حقاً عن أن يصف رجالاً: عظيمة أخلاقهم، طاهرة نفوسهم، عالية همتهم، سامية أهدافهم، عاشوا في الدنيا وهم مدركون لحقيقتها.

 < ... المزيد

خلق الله تعالى الدنيا داراً للابتلاء، فوفّر فيها كل شروط: الأغنياء والفقراء، والأذكياء والبلهاء، والشرفاء والوضعاء، والأقوياء والضعفاء.. كل واحد من هؤ ... المزيد