البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

السلفيون في مصر.. المنطلقات الفكرية والتطور التاريخي

المحتوي الرئيسي


سلفيون في مصر خلال تظاهرة في أعقاب ثورة 25 من يناير 2011 سلفيون في مصر خلال تظاهرة في أعقاب ثورة 25 من يناير 2011
  • علي عبدالعال
    26/02/2016 09:46

تستمد "الحركة السلفية" ـ بشكل عام ـ منطلقاتها الفكرية والعقدية من "المنهج السلفي" الذي هو منهج "أهل السنة والجماعة" الذي يقوم على أخذ الإسلام من أصوله المتمثلة في الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. ولذلك يقول أصحابها إن "السلفية" ليست من تأسيس بشر، وإنما هي الإسلام نقياً، لأنها تتلخص في التمسك بما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه.

يقول الدكتور مصطفى حلمي ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية بدار العلوم وأحد كبار المفكرين السلفيين في الوقت الحالي ـ : "إذا كان المسلمون يلتمسون اليوم طريقاً للنهوض فليس لهم من سبيل إلا وحدة جماعتهم، ووحدة الجماعة ليس لها سبيل إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدره القرآن والسنة وهذه خلاصة الاتجاه السلفي، عودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله".

وهناك جهود كبيرة بذلها علماء السلف الأوائل وفقهاء الأمة وأئمة الحديث في التنقيح والتدقيق والتفنيد جعلت من "السلفية" منهجا محدد المعالم لفهم الإسلام بالتزام الكتاب والسنة وفق فهم "سلف الأمة" وهم أصحاب القرون الأولى من صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتابعين وتابعي التابعين، وأئمة الإسلام كالأئمة الأربعة، وسائر أصحاب السنن كالبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي وغيرهم.


التدرج التاريخي لظهور مصطلح "السلفية"
 

ظهر مصطلح "السلفية" كمحصلة لأحداث تاريخية وأوضاع ألمت بالأمة الإسلامية بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فالأمة على عهده لم يكن لها مسمى غير "الإسلام" وقد بقيت على ذلك في ظل حكم الخلفاء الراشدين، لأن الغالبية من المسلمين متمسكة بالكتاب والسنة ومنهج الصحابة، وكانت هي الأصل، والأصل دائما لا يحتاج إلى مسمى يميزه. ولم تكن التيارات والفرق المتشعبة فيما بعد قد ظهرت ولم تكن من الخطورة بحيث تحتاج إلى اتجاه محدد لمواجهتها.

وفي عهد التابعين (التابعي هو من لقي الصحابة وسمع منهم) ظهر مصطلح "أهل الحديث" أو "أهل الأثر" (نسبة إلى الأحاديث والآثار المروية بسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم)، وكان ظهور هذا المصطلح تميزا عن الفرق الكلامية التي بدأت في الظهور.

و"أهل الحديث" هم الآخذون بعلم الصحابة والناقلون لما كانوا عليه من أمور الدين، وامتد ظهورهم إلى عصر بني أمية وفترة من حكم العباسيين. وخلال تلك الفترة كان الاهتمام كبيراً بالقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة وتفسيراتهم واجتهاداتهم.. فـ "أهل الحديث" هم أهل النقل والرواية الذين حرصوا على الالتزام بالإسلام كما أخذوه.
لكن لما استفحل خطر الدعوات الخارجة عن إجماع فهم الأمة لدينها، كالخوارج والمرجئة والرافضة والجهمية، وازداد نفوذ المعتزلة ـ الذين تركوا الحديث واتجهوا إلى الجدل ـ وخاض الفلاسفة والمتكلمون في عقائد المسلمين بآرائهم، ظهر مصطلح "أهل السنة والجماعة" وكان علماً على الذين تميزوا بمنهجهم المبني على ذم الآراء المخالفة للأدلة الشرعية، وتقديم النقل (النص الصحيح من القرآن والسنة) على التأويلات العقلية التي لا تستند لمصدر صحيح.

وفي هذه الفترة عُرف الإمام أحمد بن حنبل بـ "إمام أهل السنة والجماعة" بعد ثباته في ما عُرف بفتنة "خلق القرآن" وتمسكه بمنهج أهل السنة في الاستدلال بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة في مواجهة المعتزلة.. وخلال هذه المعركة نقل عن الإمام أحمد قولته الشهيرة: "لست أتكلم إلا ما كان من كتاب أو سنة أو عن الصحابة والتابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"، وهو ما كان له أبعد الأثر في إعلاء شأن السنة النبوية، حتى أصبح الإمام أحمد علماً على التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة.

ظل أهل السنة بعد الإمام بن حنبل على هذا المنهج المميز لهم، إلى أن ظهر (أبو الحسن الأشعري) الذي استخدم المنهج الكلامي في الدفاع عن عقائد أهل السنة في مواجهة المعتزلة، ودعا تلاميذه وأتباعه إلى نصرة العقيدة الإسلامية بمنهج المعتزلة أي باستعمال علم الكلام معتبراً علم الكلام من العلوم الشرعية إذا أريد به موافقة الكتاب والسنة. وكان الأشاعرة يعتبرون أنفسهم امتداداً لأهل السنة وخلفاً لهم فأطلقوا على أنفسهم لقب (الخلف)، إلا أن نظرياتهم الكلامية لم تلق قبولاً لدى المتمسكين بمنهج أهل الحديث المأخوذ عن الصحابة والتابعين، وبظهور مصطلح الخلف صار لقب (السلف) يطلق على "أهل السنة والجماعة". ثم استمر يطلقه مجددو المنهج السلفي من العلماء والمفكرين على أنفسهم مع إحيائهم للمنهج كلما تباعدت الأيام واندثرت معالمه بين الناس حتى الآن.

السلفية

نشأت السلفية بالإسكندرية في سبعينيات القرن الماضي (بين عامي 72 ـ 1977) على أيدي مجموعة من الطلبة المتدينين، كان أبرزهم (محمد إسماعيل المقدم، وأحمد فريد، وسعيد عبد العظيم، ومحمد عبد الفتاح)، ثم ياسر برهامي وأحمد حطيبة فيما بعد، التقى معظمهم في كلية الطب بجامعة الإسكندرية، إذ كانوا منضوين في التيار الطلابي (الجماعة الإسلامية) الذي كان معروفا في الجامعات المصرية في السبعينيات أو ما عرف بـ"الفترة الذهبية للعمل الطلابي" في مصر.

رفضوا جميعا الانضمام إلى جماعة (الإخوان المسلمين) متأثرين بالمنهج السلفي الذي وصل إليهم عن طريق المطالعة في كتب التراث الإسلامي، ومجالسة شيوخ السلفية السعوديين خلال رحلات الحج والعمرة، ثم تأثرهم بدعوة محمد إسماعيل المقدم، الذي كان قد سبقهم إلى المنهج السلفي من خلال سماعه لشيوخ جمعية (السنة المحمدية) منذ منتصف الستينيات، وقراءاته لكتب ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم.

وبمرور الوقت تكونت النواة الأولى للشباب السلفيين تحت اسم "المدرسة السلفية"، عام 1977م بعد انسحاب هؤلاء الطلاب المتأثرين بالمنهج السلفي من تيار الجماعة الإسلامية، الذي هيمن عليها طلاب الإخوان و"فرضوا منهجهم"، حيث شرع محمد إسماعيل في تأسيس النواة الأولى من خلال درس عام كان يلقيه كل يوم خميس في مسجد "عمر بن الخطاب" بالإبراهيمية، وكان هذا الدرس بمثابة الملتقى الأسبوعي لهذه المجموعة الصغيرة إلى جانب حلقة أخرى بمسجد "عباد الرحمن" في "بولكلي" صباح الجمعة، ولم يكن مع المقدم أحد في هذه الفترة غير زميله أحمد فريد، الذي يحكي في مذكراته عن هذه الفترة، قائلا: "كان الحضور في هذه الحلقة لا يتجاوز عشرة أفراد، ولم يكن معنا أحد من قادة السلفية الآن، وكان الشيخ محمد يحفظنا متن "العقيدة الطحاوية"، وكذا "تحفة الأطفال"، وكلفني بتدريس كتاب "مدارج السالكين"".

الموقف من الإخوان المسلمون

لم يكن الدعاة السلفيون ـ في بدايات نشأتهم الأولى ـ بعيدين عن حركة الإخوان المسلمين فكريًا ولا تنظيميًا، إذ نشأ بعضهم في بيوت إخوانية، كالشيخ ياسر برهامي ـ الذي اعتقل والده وعمه من بين من اعتقلوا من الإخوان خلال الحقبة الناصرية ـ بينما عمل البعض الآخر بين صفوف الحركة في أول حياته.

لكنهم جميعا اتفقوا على رفض الانضمام إلى الجماعة، وقد تزعم هذا الرفض محمد إسماعيل المقدم الذي أصر على الاستمرار في دعوته التي كان قد بدأها قبل ذلك.
رفض السلفيون إعطاء البيعة لمرشد الإخوان مستندين ـ وقتها ـ إلى أن المرشد العام الأستاذ "عمر التلمساني" ـ الذي جمع صفوف الحركة بعد رحيل المستشار حسن الهضيبي ـ كان مجهولاً أي غير معلن عنه في ذلك الوقت، وقد رفض السلفيون إعطاء البيعة لشخص مجهول. وإزاء هذا الموقف يحتج السلفيون بأنهم كانوا قد دعوا التلمساني لإلقاء محاضرة في إطار النشاط الطلابي بمدرج كلية الطب بالجامعة إلا أن بعض قيادات الإخوان أنكروا عليهم دعوته باعتباره لا يمثل الإخوان المسلمين، بينما أعلن عليهم فيما بعد أنه المرشد العام للجماعة.

وقد وقعت بعض الصدامات بين الطلاب السلفيين والإخوان المسلمين داخل جامعة الإسكندرية (عام 1980)، وكان طلاب الإخوان ما زالوا يعملون باسم الجماعة الإسلامية، يقول ياسر برهامي: "كنا نوزع أوراقا ونعمل محاضرات في ساحة الكلية ونسميها ندوة، ونتكلم فيها عن قضية التوحيد وقضايا الإيمان"، فخطط الإخوان لمنع هذا اللقاء، ومنع خروج الطلاب للمشاركة فيه، فحصل الصدام الذي لم يكن السلفيون على استعداد له بينما كان الإخوان بعد خروجهم من معتقلات الحقبة الناصرية "مرتبين أمورهم"، حتى ظهر ارتباك شديد لدى السلفيين، التقوا على أثره واتفقوا على العمل بطريقة مرتبة، فجرى ما يشبه الاتحاد من أجل الدعوة بين هؤلاء الطلاب الذين باتوا يعرفون الآن بشيوخ السلفية ورموزها، وتم الاتفاق بينهم على أن يتولى محمد عبد الفتاح أبو إدريس (قيِّم) المدرسة السلفية، أي مسؤلها الأول.

وبالرغم من هذه البداية التي شهدت ما يشبه الصراع بين السلفيين والإخوان إلا أن الباحث المدقق في الموقف السلفي يمكن أن يلحظ بسهولة هذه المساحة الكبيرة التي يراها السلفيون مشتركة بينهم وبين جماعة الإخوان المسلمين. بل وتنم كتابات عدد كبير من رموز السلفية عن تقدير عال لتاريخ وجهود مؤسس حركة الإخوان الإمام حسن البنا، إذ لا يكاد يذكره أحدهم في ندوة أو خطبة أو مقال إلا ويتبع ذلك بالترحم عليه والدعاء له "رزقه الله منازل الشهداء".

ففي مقال له يهاجم وحيد حامد بسبب مسلسل "الجماعة" يقول الشيخ عبدالمنعم الشحات "مسلسل "الجماعة" لا يختلف عن "مسلسل العائلة" في الهجوم على الإسلاميين عمومًا، وعلى السلفيين خصوصًا، وزاد عليه هجومًا خاصًا على الإخوان، وتشويهًا متعمدًا لتاريخ مؤسس جماعتهم، وهو أمر يقتضي أن نرد على تلك الحملة الشاملة على دين الله، كما يقتضي الذب عن عِرض أحد أبرز رموز الدعوة في العصر الحديث الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-". ثم ينقل قول العلامة المحدث ناصر الدين الألباني -رحمه الله- ما معناه: "إن كانت للأستاذ "حسن البنا" أخطاء فهي مغمورة في بحر حسناته، ولو لم يكن لـ"حسن البنا" إلا تجديد شباب الدعوة لكفاه ذلك".

السنة المحمدية

يؤكد السلفيون على الأثر الكبير الذي كان لجماعة "السنة المحمدية" في نشأة دعوتهم تاريخيا، خاصة وقد كانت أنصار السنة على منهج أهل السنة والجماعة الذي تميزت بنشره على يد شيوخها: محمد حامد الفقي، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الرحمن الوكيل، ومحمد علي عبد الرحيم، الذي كان للسلفيين في بدايات دعوتهم معه لقاءات ومجالسات.

لكن لماذا اختار السلفيون العمل خارج هذه الجماعة، التي كانت قائمة بالفعل وعلى منهج يلتزم الكتاب والسنة؟ وقد عملوا ضمن إطارها في كثير من البلاد، حتى حالت الظروف دون ذلك. يذهب الشيخ ياسر برهامي إلى أن مسألة عمل السلفيين ضمن جماعة أنصار السنة كانت تتوقف على شخصيات القائمين على الجماعة في المناطق المختلفة، "ففي الإسكندرية كانت هناك طائفة لا تستوعب الشباب ولا طاقاتهم"، على حد قوله، بل تكاد تحصر نفسها في قضايا شرعية بعينها "تتشدد جدا فيها وتهمل غيرها رغم أن الحق غالبا ما يكون في خلافها"، مثل قضية الاقتصار على الصحيحين في الاستدلال، ومثل قضية إخراج القيمة في زكاة الفطر، ومثل قضية إنكار المهدي، ولقد كان الوضع في الإسكندرية لا يحتمل أي تطوير للعمل من خلال الأوضاع القائمة آنذاك. في حين كان التعاون التام للسلفيين في وجود الشيخ محمد صفوت نور الدين وقبل أن يتولى رئاسة الجماعة، الذي كان يحضر لقاءات السلفيين في المحافظات المختلفة.

ورغم أن الظروف التي حالت دون بقاء السلفيين ضمن إطار "أنصار السنة" وصفها د.ياسر برهامي بأنها "خارجة عنا" إلا أن المتأمل في منهج الجماعتين ووسائل دعوتهما ومساحة الحركة يمكن أن يخرج بعدد من الأسباب، أهمها: ضيق المساحة المتاحة للعمل أمام السلفيين ضمن "أنصار السنة"، وهي الجمعية المعترف بها قانونا، وتشرف عليها رسميا وزارة الشؤون الاجتماعية، وتتلقى مساعدات من الدولة، فضلا عن المسائل الخلافية التي ذكرها برهامي، إلى جانب رغبة السلفيين في مساحة أكبر للعمل والحركة دون قيود.

التكفير والهجرة

وبينما كان السلفيون يضعون اللبنات الأولى لدعوتهم ظهرت جماعة "التكفير والهجرة" على يد شكري مصطفى، الذي استطاع بأسلوبه وذكائه أن يضم إليه عددا كبيرا من الشباب، اللذين نفذوا فيما بعد حادثة قتل وزير الأوقاف الأسبق الشيخ الذهبي، وقعت الحادثة بينما كان السلفيون بأحد معسكراتهم الإسلامية في استاد جامعة الإسكندرية صيف عام 1977، وكانت لها أصداء داخل المجتمع المصري، ولذلك وصفها الشيخ أحمد فريد بأنها "كانت فتنة بالفعل"، حرص السلفيون على نفيها عن أنفسهم والتأكيد على عدم تبنيهم لهذا الفكر، حسبما حكى فريد في مذكراته، قائلا: "خرجنا إلى المواصلات العامة ونحن نرتدي (فانلة) مكتوبا عليها "الجماعة الإسلامية.. ندعو الله عز وجل، ونتبرأ من جماعة التكفير وقتل الذهبي"؛ وذلك حتى لا تستغل الفرصة لضرب الصحوة الناشئة. ثم شرع محمد إسماعيل المقدم يدرس لهم ولمن حضر من الطلاب في المعسكر رسالة شرعية في الرد على جماعة التكفير.

ولعل هذه الحادثة على ما فيها من توصيف لموقف السلفيين من التكفير تضفي مزيدا من الضوء على النشاط الدعوي والحركي والطلابي الذي كان متاحا لهم في هذه الفترة داخل الجامعات، وهي الوسيلة التي أتاحت لهم فرصة التواجد وسط الشباب، من خلال العمل ضمن إطار "الجماعة الإسلامية"، حتى صار للسلفيين وجودا واضحا ينافس وجود الجماعات الأخرى العاملة قبلهم.

كان نشاطا مكثفا تمثل في إقامة المعسكرات السنوية، حيث جرى تنظيم أكثر من معسكر بمبنى اتحاد الجامعة، وأمام كلية الهندسة، إلى جانب الخروج لرحلات العمرة التي يتفق عليها اتحاد الجامعة من خلال اشتراكات الطلاب، وكذا عمل الأيام الإسلامية واعتكافات رمضان، وطبع الكتيبات والمطويات الإسلامية كل ذلك كان يتم باسم تيار "الجماعة الإسلامية" و"اتحاد الطلاب"، كما كان من نشاط الدعوة المتاح في هذه الفترة ـ التي لم يكن بها حرس جامعي يضيق على الطلاب أنشطتهم ـ "قوافل الدعوة" التي تسير على طريقة جماعة (التبليغ) داخل الجامعة.. ففي هذه الفترة أراد الرئيس السادات أن يضرب الاتجاه الشيوعي داخل الجامعة بالجماعة الإسلامية، فخفف من قبضة القيود تدريجيا وبالفعل حتى انتقل بعض اليساريين إلى صفوف الجماعة الإسلامية.

وقد جرى تنظيم عدد من المعسكرات الصيفية في الأعوام 77، 78، 79 كلها كانت ذات منهج سلفي، كان يوزع فيها كتاب (الأصول العلمية للدعوة السلفية)، وكان يدرس فيها كتاب (تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران)، وكلها كانت ذات صبغة سلفية.

معهد إعداد الدعاة

بعد انفصال "المدرسة السلفية" عن تيار الجماعة الإسلامية في الجامعات وتخرج هؤلاء الطلاب أطلق عليها "السلفية" في العام 84-1985؛ وذلك لإثبات "شمولية دعوتها". على حد قول الشيخ عبد المنعم الشحات.

وخلال مرحلة الانتشار والتوسع، منذ منتصف الثمانينات، أسست السلفية معهد "الفرقان لإعداد الدعاة" في الإسكندرية عام 1986، كأول مدرسة إسلامية ذات منهجية سلفية لتخريج الدعاة، وشرع الدعاة السلفيون يشرفون عليه ويضعون مناهج التدريس لطلابه، وقد لاقى هذا المعهد سمعة طيبة حتى ذاع صيته بين الراغبين في طلب العلم الشرعي بكافة فروعه (فقه، تجويد، حديث، أصول، توحيد، قرآن) حتى من بين خريجي الأزهر. وفي فترة وجيزة خرج المعهد عددا من الدعاة حملوا مشعل السلفية في مصر، انتشروا في عدد من المحافظات والأقاليم حتى صارت السلفية بفضله تصدر دعاتها إلى كل أقاليم القطر المصري وخارجه، وهم الذين هيؤوا لها فيما بعد هذا المدد السلفي الذي بات ملحوظا، على الرغم من أنهم اختاروا منهجاً دراسياً متعمقاً يفوق عمقه المناهج التي تدرس في المعاهد الدينية الرسمية وغير الرسمية.

كما أصدرت السلفية في هذه المرحلة مجلة (صوت الدعوة) وهي مطبوعة إسلامية شهرية ظلت تصدر دون انتظام إلى حين تم إيقافها نهائيا سنة 1994م، وكانت تهتم بكل ما يتعلق بالمنهج السلفي من خلال مقالات شرعية مطولة يكتبها الدعاة السلفيون.

ولم يتوقف النشاط السلفي في الإسكندرية على الجوانب التعليمية والدعوية فحسب، بل تعداه إلى جوانب اجتماعية واغاثية ككفالة الأيتام والأرامل، وعلاج المرضى، وغير ذلك من النشاطات جرى العمل فيها من خلال "لجنة الزكاة" التي كان لها فروع في كل منطقة وحي من مناطق وأحياء الإسكندرية.

وقد استلزم هذا الانتشار السعي إلى ترتيب هذا العمل متعدد المجالات سواء داخل الإسكندرية أو خارجها، لاسيما مع ازدياد أعداد المنتسبين إلى السلفية والمتأثرين بمنهجها. لذلك أنشأ السلفيون "المجلس التنفيذي" ليدير شؤون الدعوة في المناطق المختلفة بطريقة مركزية منظمة. وأيضا تم تشكيل "لجنة المحافظات"، و"اللجنة الاجتماعية"، و"لجنة الشباب" كل ذلك خلال السنوات مِن 86 إلى 1992.

حيث تم تكوين أول جمعية عمومية للدعاة - وليس لعموم الإدارة - الذين تم اختيارهم مِن قِبَل المنتسبين للدعوة؛ "بناءً على الكفاءة والأمانة المنهجية، والدعوية، والسلوكية، والخلقية"، على حد قول الشحات، ثم اختارت الجمعية العمومية "القيم" ـ وهو المسؤول الأول عن الدعوة ـ ونائبه ومجلس الإدارة بالاقتراع السري المباشر، وانتهى الأمر باختيار الشيخ "محمد عبد الفتاح أبو إدريس" قيمًا، والشيخ "ياسر برهامي" نائبًا، وعضوية كل من: الشيخ محمد إسماعيل، والشيخ أحمد فريد، والشيخ أحمد حطيبة، والشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ علي حاتم. وكانت قرارات المجلس التنفيذي تـُتخذ بالأغلبية مع ترجيح جانب "القيِّم" ـ الذي هو بمثابة رئيس السلفية ـ عند التساوي.

ولما كانت الدعوة "جزءا من واقع مليء بالحسابات المعقدة"، على حد تعبير الشيخ ياسر برهامي، فقد استفز توسع السلفيين الأجهزة الأمنية التي شرعت في التضييق عليهم، محاولة تفكيك الروابط التنظيمية لهذا التجمع الأصولي الذي جذب في فترة محدودة عشرات الآلاف من الشباب المتدينين، وبلغ هذا التضييق ذروته في القضية التي تم فيها توقيف قيم السلفية الشيخ أبو إدريس، والشيخ سعيد عبد العظيم عام 1994، وهي القضية التي تم فيها وقف مجلة "صوت الدعوة"، وإغلاق معهد "إعداد الدعاة"، الذي جرى تسليمه لوزارة الأوقاف على أساس أن الوزارة سوف تستمر في العمل وهي التي سوف تشرف عليه، إلا أن ذلك لم يحدث وتوقف العمل فيه تماما، كما جرى حل "المجلس التنفيذي"، واللجنة الاجتماعية، ولجنة المحافظات.

ولم يتبق للسلفيين من مجالات عمل سوى الجامعة وبين الطلائع، وهو ما لم يتم الاعتراض عليه من قبل الأجهزة الأمنية في هذه الفترة وظل مستمرا حتى عام  2002، العام الذي تم فيه إيقاف العمل في الجامعة والطلائع والعمل خارج الإسكندرية، وقد كان السفر والتنقل ممنوعاً على الدعاة السلفيين خارج الإسكندرية منذ أواسط التسعينيات.

وإزاء هذا القمع والاستهداف المبيت على ما يبدو ينفي السلفيون أن يكون العمل في الجامعة والمحافظات ـ المبررات التي كانت مطروحة آنذاك ـ هو السبب في استفزاز الأجهزة الأمنية ضدهم، بل يرجعون أسباب هذه الضربات الأمنية المتتابعة إلى الأحداث العالمية والحرب الأمريكية على ما يسمى الإرهاب التي كانت في ذلك الوقت ذات تأثير كبير على مستوى العالم وكان لها انعكاساتها على المستوى المحلي.

إعادة بناء الهيكل التنظيمي لـ”السلفية” في أعقاب ثورة الـ 25 من يناير

ظلت "السلفية" تتنقل من تضييق إلى تضييق في عهد نظام مبارك ولم يتسن لها إعادة هيكل الجماعة سوى بعد نجاح ثورة الـ 25 من يناير في إسقاط حكمه. وخلال أول اجتماع لمجلس شورى السلفية المكون من (203) عضوا يوم 30 يونيو بالإسكندرية أعلنت "الدعوة" في بيان رسمي لها تشكيل "مجلس أمناء" لها يتكون من الشيوخ المؤسسين للجماعة وهم: الشيخ محمد إسماعيل المقدم، الشيخ محمد عبد الفتاح (أبو إدريس)، الشيخ أحمد فريد، الشيخ سعيد عبد العظيم، الشيخ ياسر برهامي، الشيخ أحمد حطيبة. ثم اختار أعضاء مجلس الأمناء الدكتور محمد يسري إبراهيم رئيسا لمجلس الشورى العام.

كما انتخب مجلس الشورى "مجلس إدارة" جديد يتكون من: الرئيس العام للدعوة السلفية وهو الشيخ أبو إدريس، والشيخ ياسر برهامي نائبًا أولا، والشيخ سعيد عبد العظيم نائبًا ثانيًا، إضافة إلى 12 عضوا آخرين.  وقال البيان إن كل من الشيخ محمد إسماعيل المقدم، والشيخ أحمد فريد، والشيخ أحمد حطيبة اعتذروا عن الترشح لأي من المناصب الإدارية.

ومن بين الأسماء المعروفة إعلاميا في مجلس الشورى: الشيخ علي غلاب، الشيخ سعيد الروبي، الدكتور علاء بكر، الشيخ شريف الهواري، الشيخ سعيد السواح، الشيخ محمود عبد الحميد، الشيخ حسين العفاني، الشيخ علي حاتم، الشيخ سعيد حماد، الشيخ أشرف ثابت، الشيخ جلال مرة، الشيخ يونس مخيون، الشيخ عبد المنعم الشحات، والأخير هو الناطق الإعلامي الرسمي للدعوة السلفية.

وجاءت الخطوة تعبيرا عن رغبة واضحة في ترتيب البيت السلفي من الداخل وإيجاد هيكل مؤسسي قوي مع اتساع المسئوليات وتزايد الأعباء التي باتت تضطلع بها السلفية في مصر ما بعد الثورة، إذ يعد هذا التشكيل بمثابة إطلاق لنظام إداري وتنظيمي للسلفية يستفيد من أجواء الحريات التي باتت تعيشها مصر، وإيذانا بدور أكبر للجماعة في الحياة العامة.

وفي حديث لنا مع المتحدث الرسمي باسم السلفية المهندس عبدالمنعم الشحات أفاد أنه بهذا التشكيل صار للدعوة مجلس إدارة معروف يدير عملها، وجهازين رقابيين يشرفان على أنشطتها: الأول هو مجلس الأمناء ويتكون من الشيوخ المؤسسين للفكر القادرين على تقويم العمل من الناحية الفكرية. والثاني هو مجلس الشورى العام الذي روعي في تشكيله التوزيع الجغرافي للمناطق التي للدعوة وجود فيها، وتمثيل الأنشطة النوعية، والشرائح العمرية، والشرائح الفنية.

وعلى ما يبدو فإن مجلس شورى الدعوة يجري اختيار أعضائه من قبل الدعاة والشيوخ القائمين على أمورها، إذا لا يوجد لدى الجماعة جمعية عمومية كالمتعارف عليه لدى الجمعيات والأحزاب يجتمع فيها كل المنتمين إلى السلفية الذين يقدرون بالملايين في كافة ربوع مصر. ففي حديثه صرح الشيخ عبد المنعم بأن الجمعية العمومية هي "للدعاة، وليس لجميع الأفراد"؛ وذلك بناءً على صفات الكفاءة والأمانة العلمية، والدعوية، والخلقية، مع مراعاة تعدد وتنوع الكفاءات، وهؤلاء يجري اختيارهم "بالتزكية والترشيح مِن الآخرين، وليس بطلب الانضمام؛ مراعاة للقواعد الإسلامية في ذلك".

لكن الانتخابات التي يجريها مجلس الشورى نفسه تتم بالاقتراع السري المباشر، حسبما أفاد الشحات ، كما تتخذ قرارات مجلس الإدارة بالأغلبية مع ترجيح جانب "القيِّم" أو الرئيس العام للدعوة عند التساوي. ويتشكل الهيكل الإداري للدعوة من عدد من اللجان الفرعية، أهمها: لجنة المحافظات، واللجنة الاجتماعية، ولجنة الشباب، ولجنة الطلائع، ولجنة الزكاة، ولها مكتب إعلامي ومكاتب أخرى إدارية وتدير عددا من معاهد إعداد الدعاة وعددا كبيرا من المساجد.

الدولة في المنظور السلفي

للمنتمين إلى المنهج السلفي اجتهادات حول الموقف من الدولة والسلطة الحاكمة فيها، وهي اجتهادات متباعدة بعض الشيء حسب الاجتهادات الفقهية للفصائل التي تندرج في إطار البيت السلفي. والتي تتوزع بين: السلفية الجهادية، والسلفية المدخلية أو سلفية أولي الأمر، والسلفية الدعوية والحركية وهي السلفية الغالبة في مصر. ويمكن الوقوف على الفوارق الحاصلة بين التوجهات السلفية تجاه الدولة من خلال التعرف على الموقف الذي تتبناه الفصائل السلفية من نظام الحكم في الدولة الإسلامية، وهي على ثلاث توجهات متفاوتة:

ـ السلفية الجهادية: حيث يرى الجهاديون أن معارضة الحاكم الذي لا يحكم بالشريعة الإسلامية تصل بهم إلى ضرورة حمل السلاح للتخلص منه ومن نظامه ما دام مصرا على إبعاد الشريعة عن الحكم، وهو تقريبا ما حاول فعله كل من "الجماعة الإسلامية" وتنظيم "الجهاد" مع السادات ما أدى إلى اغتياله ثم مع مبارك ونظامه في التسعينيات.

ـ سلفية أولي الأمر أو السلفية المدخلية: وهي على النقيض تماما من السلفية الجهادية، حيث يرى المدخليون في كل حاكم متغلب بنظرهم حاكما شرعيا لا تجوز معارضته ولو لم يكن يحكم بالشريعة الإسلامية، بل تجب طاعته ما دام متغلبا ولو كان فاسقا، إذ يعتبر المداخلة أن الحكم بما أنزل الله أمر فرعي، وليس أصلا من أصول العقيدة، وبذلك فإن من يحكم بغير ما أنزل الله ويشرع القوانين الوضعية لا يكون قد ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام. ويرون أي معارضة للحاكم خروجا لا يجوز، ولا حتى إبداء النصيحة له في العلن، وهؤلاء كان بعضهم يطلق على الرئيس المخلوع حسني مبارك "أمير المؤمنين" وما زالوا يرفضون محاكمته لأنه باعتقادهم جرى خلعه من السلطة بطريقة غير شرعية.

ـ السلفية الدعوية والحركية وهي الطيف الأكبر من السلفيين في مصر، ويقفون موقفا وسطا مما يراه الجهاديون والمدخليون، على حد سواء، حيث يرى هؤلاء أن الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله تجب معارضته حتى تتخلص من حكمه الأمة، لكنهم يعارضونه سلميا ويعملون على دعوة الناس إلى دين الله، لكن يرفضون تماما الخروج عليه بالسلاح لأن هذا الشكل من الخروج قد تترتب عليه مفاسد عظيمة، وقد يتحول الأمر إلى مقتلة بين أبناء الأمة تسيل فيها الدماء، كما أنه غالبا ما يتهم الإسلاميون في مثل هذه المواقف بأنهم إرهابيون ويجري تخويف الناس منهم فضلا عما يترتب على ذلك من تدمير للدعوة الإسلامية وقتل وسجن كل العاملين في حقلها أو التضييق عليهم.

موقف المكونات السلفية المختلفة من ثورة الـ 25 من يناير 2011

قبل أيام من اندلاع ثورة الـ 25 من يناير وتحديدا يوم 21 يناير كان لـ "السلفية" موقف معلن من الدعوات الشبابية التي كانت منتشرة في هذه الأيام خاصة على شبكة الإنترنت وتلك التي خرجت من بعض القوى السياسية تدعو للخروج والتظاهر يوم عيد الشرطة 25 يناير الذي تحتفل به الدولة سنويا، وذلك لمحاولة خلق حالة احتجاجية شبيهة بتلك التي أشعلت ثورة الشعب التونسي. وفي مواجهة ذلك خرجت تهديدات من قبل وزارة الداخلية ومتحدثين عن النظام السابق بأن هناك من يريد أن يخلق حالة من الفوضى في البلاد مهددين ومتوعدين بالضرب بيد من حديد زاعمين أن مصر ليست كتونس لأن الأوضاع مختلفة ولكل بلد خصوصيتها. 

وفي هذا الجو المشحون نشرت "السلفية" ما يشبه الفتوى أو التوضيح قائلة على موقع "صوت السلف" ـ وهو الموقع شبه الرسمي لها ويشرف عليه الشيخ ياسر برهامي ـ "رغم تعرض الدعوة لحملات الطعن، والاتهامات الكاذبة، وتشويه الصورة، وأنواع مِن الظلم على رموزها وأبنائها؛ إلا إننا انطلاقًا مِن تمسكنا بديننا، وشعورنا بالمسئولية تجاه بلادنا، وحرصًا على مصلحتها، وتقديمًا وتغليبًا لأمن العباد والبلاد في هذه الفترة العصيبة، وتفويتًا لمقاصد الأعداء التي تهدف إلى نشر الفتن؛ نرى عدم المشاركة في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير". لكن حرصت الجماعة خلال التوضيح على تأكيد عدم رضاهم "عن أي مظلمة صغيرة أو كبيرة أصابت الناس"، في إشارة منها إلى معاناة رجل الشارع من الأوضاع المتردية في مصر وتضرر الجميع من استمرار نظام مبارك، ثم أردفت قائلة على لسان الشيخ ياسر برهامي: "لكننا نأتمر بما أمرنا الله به من الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وبما لا يعقب مضرة أكبر".

غير ذلك خرجت مواقف ودعوات فردية لبعض الدعاة والشيوخ السلفيين حذروا خلالها من المشاركة في الاحتجاجات خوفا على البلاد من الفوضى، وعلى رأس هؤلاء: الشيخ محمود المصري، الذي حث جموع الثوار على العودة وترك الاعتصام درءًا للمفاسد، والشيخ مصطفى العدوي، الذي نفى صفة الشهادة عن ضحايا الثورة، والشيخ محمد حسين يعقوب، الذي وصف الاحتجاجات بالفتن المتلاطمة داعيا للزوم الصمت.

وتردد أن الشيخ محمد حسان كان له نفس الموقف لكن لم نقف على دليل لذلك خاصة وأن الشيخ استدرك موقفه سريعا فنزل إلى ساحة ميدان "التحرير" بنفسه مصطحبًا أولاده للمشاركة في التظاهرات ودعا الرئيس مبارك صراحة إلى التنحي عن الحكم حقنًا للدماء ورفعًا للمظالم عن الشعب.

وهناك عدد آخر من المشايخ كانوا من المبادرين بالنزول مبكرا إلى ميدان التحرير ومن بين هؤلاء الشيخ نشأت أحمد، والشيخ محمد عبد المقصود، والشيخ فوزي السعيد، وهم أقطاب السلفية "الحركية" في القاهرة وكان لهم موقف واضح وصريح في تأييد الثورة وقد وقفوا إلى جانبها من أول لحظة.

ومنذ بداية الأحداث بدا أن الهوة كانت كبيرة بين الشيوخ الذين تحفظوا والقواعد الشبابية للسلفيين التي شاركت بقوة متخذة موقفا مغايرا من الموقف الذي تبناه شيوخهم. فخلال التظاهرات التي عمت البلاد مطالبة برحيل نظام الرئيس مبارك ومنذ اليوم الأول لها يوم الـ 25 من يناير ظهرت وجوه إسلامية عديدة رجال ونساء في مراحل شبابية سهلت على المتابع العادي أن يصنفها جميعًا ضمن التيار السلفي في مصر.. وهو ما أبرزته وسائل الإعلام العربية والأجنبية التي سلطت كاميراتها على الميدان ليل نهار، فلا يكاد يخلو مشهد من امرأة منتقبة أو رجل ملتح.

فقد كانت المظاهر الإسلامية التي يعرف بها السلفيون في الغالب واضحة وضوح الشمس، عبرت عنها اللحى والثياب البيض والنساء المنتقبات. ولم يبد على هؤلاء المتدينين أنهم متحرجون من وجودهم للمرة الأولى بين هذا الكم الكبير من اليسار والعلمانيين وغير المحجبات من الفتيات اللاتي تنوعت أزيائهن.

وأخذت أعدادهم في التزايد خاصة يوم الـ 28 من يناير "يوم جمعة الغضب" التي بدأ المتظاهرون فيها احتجاجاتهم مع خروجهم من صلاة الجمعة في جميع أنحاء البلاد خاصة وقد ألقى الخطباء فيها خطب حماسية كانت من بين أكبر الدوافع على خروج هذه الأعداد الضخمة التي تمكنت من كسر أجهزة الأمن التي لم تقو عليهم.

فمن المؤكد أن السلفيين كانوا حاضرين كغيرهم في هذا المشهد الاحتجاجي منذ اليوم الأول (25 يناير)، وكنت شاهدا على هذا الوجود، وإن تزايد وجودهم مع مرور أيام التظاهر، وذلك بالرغم من موقف المتحفظ لبعض القيادات.

ومن التباين الحاصل في توجهات المكونات السلفية يأتي استبعاد فرضية أن يكون هذا الحضور في المشهد الاحتجاجي يمثل تواجدا تنظيميا، بل هو أقرب إلى الوجود الفردي الذي جاء بدافع ديني على أمل التخلص من نظام مبارك الذي ظل على مدار ثلاث عقود حربا على الإسلاميين باختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها الشباب السلفي يأخذون مواقف مغايرة عما كان يلتزمه شيوخهم بل كان ذلك سابقا على أحداث ثورة الـ 25 من يناير كما حدث في الوقفات الداعمة للمسلمات الجدد المختطفات من قبل الكنيسة المصرية خاصة كاميليا شحاتة ووفاء قسطنتين والوقفات الاحتجاجية التي دعت لها حركة "حفص" التي يتزعمها الشيخ رضا صمدي وهو سلفي من أصل تايلاندي تعلم في الأزهر وتلقى علما على يد شيوخ السلفية. فخلال الحراك السياسي والمجتمعي الذي شهدته البلاد في السنوات القليلة الماضية لوحظ خروج حركات شبابية احتجاجية من الأوساط السلفية رافضة لمنهج الشيوخ المتحفظ على أي مشاركة، وبرز من بينها حركة "حفص" التي نظمت وشاركت في عدد من التظاهرات والوقفات المنددة باعتقال كاميليا شحاتة.

وفي هذا الخضم سعت "السلفية" إلى تدارك موقفها الذي كان متحفظا، وأثناء اشتعال أحداث الثورة، رأي الدكتور ياسر برهامي في مداخلة له بقناة "المجد" الفضائية أن رأيه المتحفظ حيال الاحتجاجات صواب يحتمل الخطأ، ولكنه شدد على أن رأي غيره من الرموز المؤيدة للاحتجاجات خطأ يحتمل الصواب، ومن ثم فلا بأس من الترحم على ضحايا الثورة واعتبارهم من الشهداء لحسن نيتهم واتباعهم لفتوى علماء معتمدين في هذا الإطار. وفي توضيح له آخر، نشره موقع "صوت السلف" قال برهامي إن: الذين لم يشاركوا في المظاهرات كانوا يقومون بدور هام في حراسة الأمن وضبط الشارع عن طريق اللجان الشعبية، وكذا واجب التكافل الاجتماعي مع الفقراء الذين تضرَّروا بشدة من هذه الأوضاع، والتصدي للمجرمين الذين روَّعوا الناس وصالوا على ممتلكاتهم، وكذا الدعاة الذين جهروا في عنفوان قوة الباطل. فمع الاضطرابات التي وقعت على خلفية أحداث الثورة، أعلن السلفيون ما يشبه حالة الاستنفار من أجل إغاثة المتضررين والمحتاجين وقدموا خلال ذلك مساعدات مختلفة ومعونات وأطعمة. كما ساهموا في حفظ الأمن، وقاموا بتسليم الجيش عدد من المجرمين وسرقات كانوا قد استولوا عليها، معتبرة "تأمين الجبهة الداخلية جزءًا مِن هذه الثورة فات الثوار فعله"، على حد قول الشحات.

وفي أعقاب ما أسفرت عنه المظاهرات من نتائج أقرت السلفية بهذه الإيجابيات. كما امتدح شيوخها في أكثر من موقف المتظاهرين، وخلال مؤتمر حاشد عقدوه (يوم الثلاثاء 8 فبراير) للتحذير من المساس بهوية مصر الإسلامية أثنى د.محمد إسماعيل المقدم على "جهود الشباب المتظاهرين" في كل أنحاء مصر، والتغيير الذي أحدثوه. وكان ذلك على ما يبدو اعترافا بالجميل، وتقديرا لجهود الشباب، وردًا ـ من جهة أخرى ـ على ما كان يطار السلفية من اتهامات. ففي تصريح خاص نفى مسؤل في اللجنة الإعلامية للجماعة الشائعات التي قالت إن السلفيين أخرجوا سيارات تجوب شوارع الإسكندرية لإثناء الناس عن الخروج في الاحتجاجات، وتقول إن المظاهرات حرام، قائلا: إن هذا "تلفيق صريح" على الدعوة التي لم تنه بياناتها سوى عن التعرض لأمن الناس وممتلكاتهم أو التعرض للمنشآت والممتلكات العامة.

وتلخص مدرسة الإسكندرية السلفية موقفها من المظاهرات في أنها لا تحرمها ـ كما يدعي البعض ـ لكنها ترى الحكم فيها مبني على المصلحة والمفسدة وعلى وجود الضوابط الشرعية فيها. "والمصالح والمفاسد قد تتغير في واقعنا بيْن أول اليوم وآخره"، كما جاء في توضيح لهم، "ولذا لم نقل بحكم عام فيها مِن أنها حرام أو لا تجوز أو تجب، بل بحسب المصلحة والمفسدة التي يختلف فيها الاجتهاد، وهي في نفسها تختلف من وقت لآخر".

وفي الفتوى الشهيرة التي رد فيها على الشيخ محمود لطفي عامر حينما أفتى بتكفير الدكتور محمد البرادعي والدكتور يوسف القرضاوي باعتبار أنهما يدعوان إلى العصيان المدني، لأن عامر كان يرى الدعوة إلي العصيان المدني من أساليب الخوارج ومنازعة السلطان والخروج عليه، وكان ذلك بحوالي الشهر. قال الشيخ ياسر برهامي إن العصيان المدني "ليس خروجًا، بل يجب على الحاكم إزالة المظالم التي يطلبها مَن يخالفه، وأولها: "تركه الحكم بما أنزل الله". وأضاف قائلا: وليس كل من يخالف الحاكم يكون خارجيًا، يجب حصد رقبته خاصة إذا كان الحاكم يحكم بغير شرع الله.

وقد شرع عدد من متحدثي السلفية وكتابها في مزيد من التوضيح مع التفصيل في حقيقة موقفهم من الثورة. وتحت عنوان "السلفيون وكشف حساب الأزمة"، كتب الشيخ عبدالمنعم الشحات يقول "خرجت مظاهرات 25 يناير بطريقة غير متوقعة من أحد وبحجم هائل أظن لم يتصوره مَن نظموها أو دعوا إليها". وأضاف: لوحظ أن المتظاهرين لم يكن لهم أي مطالب محددة، ولا غاية عندها تنتهي المظاهرة مما يعني أنه يوم احتجاجي على موقف عام. وتابع: كانت الحسابات أن هذه المظاهرات ليس فيها أي جديد يقتضي تأييدها أو حث الإخوة على الخروج فيها؛ لا سيما وأن منظميها مِن شباب الإنترنت غير المهتم برأي القوى التقليدية -بما في ذلك الإسلاميين- في تحركاتهم. كل ذلك كان دافعا للدعوة السلفية للتمهل أمام أي تحرك جماعي منظم.

ثم يطرح مسألة أخرى جعلتهم يحجمون ألا وهي "الفزاعة" التي كانت موجودة من الإسلاميين أحد الأسباب وراء عدم مشاركتهم بقوة في التظاهرات. فالسلفيون "هويتهم مميزة"، لأنهم يحافظون على الهدي الظاهر، المتمثل في اللحية والثياب الذي يميزهم. و"ظهور السمت السلفي" بين المتظاهرين "ربما أدى إلى فقد الضغط العالمي نحو عدم استعمال القوة"؛ من قبل النظام لمواجهة المتظاهرين، فكان غياب السلفيين، على حد قوله "يصب في حماية المظاهرات في الحقيقة لا في إجهاضها". حيث رأى الكثير من شيوخ السلفية أن وجود شباب السلفيين بقوة في هذه المظاهرات كان من السهل أن يعطي الحجة لنظام مبارك في قمعها بأبشع الوسائل وعندها لن يبكي عليهم أحد "لأن الإرهابيين كانوا يريدوا قلب نظام الحكم" والاستيلاء على السلطة. ولن يعدم مبارك بعد ذلك أن يجد من يبارك خطواته أمام العالم في إجهاض هذه الاحتجاجات خوفا من اختطاف مصر لصالح تنظيم القاعدة.

وفي إطار مثل هذه التوضيحات كتب علاء الدين عبد الهادي يقول: لا بد أن نقر بأنه قد يخطأ إنسان في تقدير المفسدة والمصلحة فيمتنع مثلاً من الخروج في ثورة على حاكم ظالم؛ لغلبة ظن حدوث المفسدة الأكبر، لا لأنه يسوغ الظلم وينافق الحكام، وإن قدر الله وعافى البلاد والعباد فلم تتحقق هذه المفسدة الأكبر التي كان يخافها فلا يصح لإنسان آخر أن يعاتبه على رفق الله بالناس إذ قدر لهم العافية في هذه المرة فلم تقع البلية، ولا يصح أيضًا أن يحتج عليه بالقدر بعد وقوعه، وبعد أن علمه الجميع وقد كان مجهولاً للجميع. ولا ينبغي أن يستخدم هذا الاختلاف في تقدير الأمر من أجل التشنيع على من تحفظ وعلق الأمر على المصالح والمفاسد، والاتهام بالسلبية أو ولاية مَن حارب الله وظلم عباده! لا سيما إن كان هذا الحذر وهذا التحفظ خوفًا على غيره من الناس وحرماتهم، وليس جبنًا أو ضعفًا أو عجزًا ذاتيًا.

الموقف السلفي من السياسة وتطورات هذا الموقف

لم يشارك السلفيون في أي عمل سياسي في مصر قبل ثورة الـ 25 من يناير 2011، بل كان لهم موقف حاد يتمثل في عدم الاقتراب من أي مشاركة أو استحقاق سياسي في البلاد، وذلك لعدد من الأسباب منها:

1ـ رفض "الديمقراطية" كنظرية غربية حاكمة للمنظومة السياسية في مصر، باعتبار ما فيها من مخالفات شرعية، وأيضا باعتبارها نظرية غربية ظهرت بعيدا عن قيم الإسلام ومبادئه، وأيضا لأنها ليست الشورى البديل الإسلامي الأولى بأن يكون حاكما للمنظومة السياسية. إذ ينظر السلفيون إلى كون الديمقراطية لا تراعي الشروط الإسلامية فيمن يحكم أو يشرع القوانين، وقد تأتي "بكافر أو امرأة لحكم الدولة الإسلامية (…) أو تأتي بمن يجهر بعداء الدين"، على حد قول الدكتور سعيد عبد العظيم.
 
2ـ العداء الذي كان ينتهجه النظام السابق في مواجهة الإسلاميين ومن ورائه القوى السياسية والثقافية والإعلامية (ليبرالية، ويسارية، وقومية، وقبطية) التي كانت تناصبهم هي الأخرى العداء.
 
3ـ الموقف الدولي والإقليمي من أي انخراط إسلامي جاد في العملية السياسية قد يفضي إلى وصولهم إلى سدة الحكم في مصر، وما كان يستلزمه هذا الموقف من تقديم تنازلات شرعية لا يرضاها السلفيون تجاه كثير من القضايا، هذا في حال قبل مسألة وصولهم من الأساس. إذ كان التيار السلفي كثيرا ما يضع نصب عينه انقلاب النظام الجزائري على الانتخابات التي فازت بها "جبهة الإنقاذ الإسلامية" أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأيضا ممارسات القوى الدولية والإقليمية والمحلية ضد حركة "حماس" بعد فوزها بالانتخابات الفلسطينية. فكانت هذه التجارب دليلهم على أن معطيات اللعبة السياسية في ضوء موازين القوى عالمياً وإقليمياً وداخلياً لا يمكن أن تسمح لهم بالمشاركة "إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم" لا يقبل السلفيون أن يضحوا بها في سبيل الحصول على وضع سياسي، على حد قول الشيخ ياسر برهامي في مقابلة سابقة لنا معه.

ومع كل هذه الاعتبارات لم يغلق السلفيون كل الأبواب أمام النظام الديمقراطي، بل كانوا يرون أنه يمكن لهم المشاركة في ظل الديمقراطية واستثمارها لتطبيق الشريعة الإسلامية، بشرط عدم إقرار الباطل أو المشاركة في المنكر، إذ أن "آلية اختيار قيادة عن طريق الأغلبية أمر مقبول من حيث الجملة (…) وهي النقطة التي تحدث لبسًا لدى البعض بين جواز اعتماد مثل هذه الآلية كطريقة لاختيار القيادة أو لاتخاذ القرار، وبين الديمقراطية كنظام حكم"، كما يقول الشيخ عبد المنعم الشحات.

لكن وخلال طيلة حكم النظام السابق اقتصرت مشاركة السلفيين على دعم المرشحين الإسلاميين المنتمين للإخوان المسلمين في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية، بينما كانوا يمتنعون عن التصويت لهم في الانتخابات البرلمانية لما يرون فيها من ضرورة الإقرار بـ"الباطل"، كحضور سن القوانين المخالفة لأحكام الإسلام.

في مقابلة أجريناها قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في عهد مبارك 2010، سألتُ الشيخ عبد المنعم الشحات: هل من الممكن أن يؤيد السلفيون الإخوان باعتبارهم القوى الإسلامية الوحيدة التي ستشارك؟ فأجاب: هذا الأمر حدث في انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية؛ لكونها جهات غير تشريعية، ولا يلزم الداخل فيها إقرار بباطل ولا منكر (…) أما في الانتخابات النيابية فغير وارد للمخالفات الشرعية".

وفي رسالة له بعنوان (موقف السلفية من الانتخابات البرلمانية) صدرت عام 2005 تقريبا كتب الشيخ محمد إسماعيل المقدم، يقول: لو ذهب إنسان ينتخب الإخوان المسلمين فإننا لا نزجره؛ احتراماً للخلاف الفقهي في هذه المسألة، لاسيما إذا كان المرشح أمامه معادياً للإسلام أو من هؤلاء القوم الذين يستعينون بأمريكا التي تسن لنا السكين (…) فقد يكون من وراء هذه المجالس خير، وهذا سوف يسرنا ولا يزعجنا, فدعهم يحاولون الإصلاح من هذه المجالس، ونحن لا نضلل المخالف لنا في هذه المسألة؛ لأنه يوجد فيها خلاف فقهي بين العلماء". وهذا دليل دامغ على أن السلفيين حتى قبل الثورة لم يكونوا يرفضون الديمقراطية رفضا قاطعا أو تحريميا بل كانوا يرون المسألة تحتمل الخلاف المقبول شرعا ولا يفسقون من يخالفهم الرأي فيها.

وكان السلفيون أيضا يقرون ـ في ذلك الوقت ـ بأن رفضهم الدخول في اللعبة السياسية جعلهم بعيدين عن "حالة الاستقطاب التي كانت تمارسها بعض الاتجاهات القومية، بل والعلمانية مع بعض الاتجاهات الإسلامية" التي كانت تمارس السياسة، فبقيت السلفية "لا تغازل أحداً ولا يغازلها أحد، بل بدا الأمر في بعض الأحيان على أنه لا يهابها أحد على نفسه"، كما يقول الشحات. واستمر الحكم في قضية مشاركة السلفيين في العملية السياسية تلخصه عبارة للشيخ ياسر برهامي قالها يوم (21- نوفمبر- 2010) حيث جاء فيها: "ولو وجدت طائفة صالحة للمهمات العظيمة في قيادة الأمة وتغيرت الموازين الحالية؛ لكان لنا موقف آخر".

وما إن وقعت أحداث ثورة الـ 25 من يناير بما أوجدته من متغيرات جذرية داخل مصر، وتغيرت موازين اللعبة، وجد السلفيون أن الظروف باتت مهيئة إلى حد يسمح لهم بمساحة لا بأس بها من المشاركة الايجابية، وفي محاضرة له، طالب الشيخ محمد حسان علماء الدعوة السلفيَّة بإعادة النظر في كثير من المسلمات، كمسألة الترشح لمجالس الشعب، والشورى، والرئاسة، والحكومة. وخلال مؤتمر سلفي حاشد شهدته محافظة المنصورة (الجمعة 18 فبراير) قال الداعية الإسلامي المعروف: "لا ينبغي أن نكون سلبيين (…) أطالب شيوخنا أن يجتمعوا وأن يؤصلوا ليخرجوا شبابنا من الفتنة ومن البلبلة التي عاشوا فيها طيلة الأيام الماضية".. وتساءل "إن لم نوجد الآن على أرض الساحة لنوجه شبابنا وأولادنا، فمتى سنخرج؟".
وكانت دعوة غير مسبوقة، لم تكن لتخرج من أحد أبرز الدعاة السلفيين لولا المتغيرات التي ساهمت بشكل كبير في أن تتطلع كافة مكونات الحركة الإسلامية التي كانت مطاردة في السابق (بين المنع والاعتقال) للمشاركة من خلال كيانات قانونية معترف بها.

وتعليقا على دعوة الشيخ محمد حسان كتب أحد الشباب السلفيين على شبكة الإنترنت، قائلا: ما تفضل الشيخ بإيراده لا يكاد يختلف عليه علماء الأمة "شريطة أن نجد على الأرض تلك الوعود والآمال التي لا زالت في إطار الأحلام.. من انتخابات نزيهة، وعدالة اجتماعية، واحترام لكرامة الإنسان". بينما كتب آخر: "إنه لمن التهور والطيش أن نقرر تقريرات لمرحلة إلى الآن لم تتضح معالمها، وإن كان المؤول خيرا إن شاء الله"، وأضاف "هذا العصر لم تتحدد بعد ملامحه على وجه اليقين".

وبتاريخ 22-مارس-2011 أعلنت "السلفية" في بيان رسمي غير مسبوق انخراطها في العملية السياسية. وجاء في البيان إن الدعوة اتخذت قراراً بـ"المشاركة الايجابية في العملية السياسية"، وأضاف أنها "بصدد تحديد الخيار المناسب لصورة هذه المشاركة". وجاء القرار الجديد على ما يبدو بعد مخاض عسير وفي ظل مشاورات ومحاورات طويلة دارت بين شيوخ السلفية.   

وفي أعقاب ذلك مباشرة سمحوا لمن أراد من طلابهم في الجامعات خوض انتخابات الاتحادات الطلابية وغيرها "بناءً على قاعدة المصالح والمفاسد"، حسبما جاء على موقع "صوت السلف"  2-إبريل-2011 "فكل ما يُعين على تقليل الشر والفساد وإن لم يمنعه بالكلية، ويعين على تكثير الخير والصلاح ولو لم يؤد الواجب كله؛ فهو مشروع داخل في  قوله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة:2)".

وفي إطار الاجتهادات الفقهية التي صاحبت متغيرات الموقف السلفي من المشاركة السياسية في البلاد، قال السلفيون إنهم قبلوا العمل بـ "آليات الديمقراطية" التي يرتضيها الشعب المصري الآن كحكم بين قواه السياسية في ممارسة العمل السياسي قبولا كاملا، لكن ظل موقفهم كما هو على سابق عهده من "الديمقراطية" كإيدلوجية ونظرية حاكمة للعملية السياسية.

وفي توضيح منه لهذه المسألة، قال الشيخ ياسر برهامي ـ نائب رئيس السلفية ـ إن "الديمقراطية التي قَبِلنا آلياتها هي كما صرح به برنامج الحزب (يقصد النور) منضبطة بضوابط الشريعة". وأضاف: "نعني أننا لا نقبل أن يكون الحكم لغير الله". وتابع برهامي في جواب له على أسئلة تلقاها موقع "صوت السلف" الذي يشرف عليه، موضحا المقصود من قبولهم بـ "آليات" الديمقراطية، قائلا: نقبل مسألة "الانتخابات" على ما فيها من بعض المخالفات إلا أنها أقل مفسدة من ترك المجال للعلمانيين والليبراليين. ونقبل "مراقبة البرلمان للحاكم، وإمكانية عزله ومنع استبداده"، ونقبل "قيام المؤسسات في الدولة على مبدأ الشورى الذي يتم من خلال الانتخاب".

أما ما لم يقبله السلفيون، فهو ـ كما يوضح الداعية السلفي المعروف ـ "الفكرة الفلسفية للديمقراطية في أن الشعب هو مصدر السلطة التشريعية"، وما في الديمقراطية من كفر "في أصل فكرتها"، وذلك لاعتقادهم الجازم بأن "الحكم لله". وفيما يستند إليه السلفيون من الشريعة الإسلامية في موقفهم هذا من الديمقراطية، يوضح الشيخ برهامي للمعترضين عليهم أن "النظم البشرية" يمكن أن ننتفع بما يوافق الشرع منها. مستدلا بالنظم الإدارية التي كانت عند الفرس مثل "الديوان" والتي عمل بها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- لتنظيم مصالح المسلمين.

كما ضرب مثلا بما كان من "تنازلات" من نحو ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، حين قبل محو "بسم الله الرحمن الرحيم" وتغييرها إلى "باسمك اللهم"، وأيضا "محمد رسول الله" إلى "محمد بن عبد الله"، استجابة لما اشترطه مشركو قريش مع كونه قالها بلسانه: "إني رسول الله وإن كذبتموني". وكذلك قبوله أن يرد مَن جاءه مسلمًا إلى المشركين. يقول الشيخ ياسر: "كانت هذه المفسدة مغمورة إلى جنب المصلحة"، ودليل ذلك قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) (رواه البخاري). فيؤكد بذلك برهامي على أن الموقف الذي اتخذه السلفيون تجاه "الديمقراطية" لم يخالف العقيدة لا في مسألة الحكم، ولا في مسألة الولاء والبراء. ثم يخاطب المعترضين عليه من بعض شيوخ السلفية، ممن يرفضون الديمقراطية جملة وتفصيلا، قائلا: لا تحاكمونا إلى مصطلحات القوم التي وضعوها، ونحن قد فصلنا فيما قبلناه وما احتملناه لأجل مصلحة أعظم، وما رددناه من فكرتها الفلسفية. فالمصطلحات البشرية يُقبل فيها مثل هذا التقسيم (يشير إلى تقسيم ثلاثي وضعه شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه بن القيم لمصطلح "الفناء" ليجذبا قطاعًا كبيرًا إلى السنة النبوية) حتى لو طالب أهله بأن نقبله كما هو، فنقول: لا يلزمنا أن نأخذه كله، أو نرفضه كله، بل نأخذ منه ما يوافق الشرع وما يحتمله، ونرد ما خالف الشرع.

وحيث يرى السلفيون في العمل السياسي "وسيلة مِن وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وأن الهدف والغاية هي تعبيد الناس لرب الناس. رأت "السلفية" ـ بالرغم من إعلان مشاركتها السياسية ـ أهمية في الحفاظ على بقائها جماعة "دعوية"، تقديرا وحفاظا على رؤيتها لدور الدعوة المتمثل في: "حراسة  الدين"، و"السعي إلى إقامته".

وحفاظا على هذا الدور رأى السلفيون أنه لا ينبغي لدعاتهم ومشايخهم الانشغال بتشكيل الأحزاب أو الانخراط بأنفسهم في سراديب العمل السياسي، إذ جاء في البيان الأول لـ "مجلس شورى العلماء" بتاريخ 10 /3 /2011 :"نفضل للعلماء والدعاة أن لا يترشحوا بأنفسهم حتى لا ينشغلوا عن الدعوة إلى الله، وإنما يقدمون من يتبنى قضايا الإسلام ومصلحة الأمة".
واستعاضت السلفية عن المشاركة بالاكتفاء بأن تؤيد "من تراه صالحا" من الأحزاب الإسلامية التي ستنخرط بنفسها في العملية السياسية. يقول عبد المنعم الشحات، وقد صار بعد الثورة المتحدث الرسمي للدعوة السلفية: "نحن نختار أن نظل دعوة، وإن كنا سنشارك في العمل السياسي باختيار الأصلح مِن الأحزاب السلفية وكذا الأصلح مِن أفراد أحزاب ذات مرجعية إسلامية أخرى: كالإخوان، وكذا مِن المستقلين الصالحين".

ولما كانت السلفية "تسعى فيما تسعى إليه إلى إصلاح السياسة والحكم، ولكنها تنزل ذلك منزلته من أوامر الدين من حيث الأهمية والأولوية، وتسعى إليه بالقدر الذي يتناسب مع القائمين بالدعوة". فقد وضع شيوخها ودعاتها ثلاثة معايير لمن سينال تأييدهم في الانتخابات :"الأول: إيمانه بالمرجعية العليا للشريعة الإسلامية، كفاءته لأداء المهام التشريعية والتنفيذية، وثالثا: النزاهة"، وهي الشروط ذاتها التي يجب توافرها فمن سيدعمه السلفيون كمرشح للرئاسة. حيث يفرق السلفيون بين كافة تصنيفات القوى السياسية في مصر حسب قربها وبعدها عن قبول الحلول الإسلامية.

وفي ظل المتغيرات التي تداعت على الساحة في مصر في أعقاب الثورة أسست مجموعة من الشباب السلفيين المتعلمين من تخصصات شتى مهنية وعلمية حزب "النور"، وعملت سريعا من خلال دعم شيوخ الإسكندرية على تقويته جماهيريا وتعريف الناس به، عبر عدد كبير من المؤتمرات التي أقاموها في جميع محافظات الجمهورية تقريبا. حتى بات الحزب الأقوى من بين الأحزاب السلفية.

وبتاريخ 3-6-2011 أعلنت "السلفية" رسميا أنها تدعم حزب "النور"، وخلال ندوة "السلفية والعمل السياسي" التي أقيمت بالإسكندرية وحضرها الشيخ ياسر برهامي، قال الشيخ محمود عبدالحميد: "ونحن بعد الإطلاع على برنامج حزب النور سندعم هذا الحزب في الانتخابات القادمة وسنقويه بإذن الله لأن المنهج متوافق مع السلفية". كما أشار إلى أن السلفية باتت تمثل "جماعة ضغط" لأنها تمتلك "عددا كبيرا جدا من الأصوات، وتنتشر في جميع محافظات الجمهورية"، مؤكدا على أنهم سيشاركون بهذه الأصوات في كل الاستحقاقات الانتخابية للضغط باتخاذ مواقف تخدم المشروع الإسلامي المستمد من الكتاب والسنة. منوها إلى أن الدولة القادمة ستكون دولة قانونية "كل شيء فيها مؤطر بالقانون". ورأى عبد الحميد في المشاركة السياسية في هذه المرحلة "صناعة تاريخ" و"حماية للدعوة إلى الله"، وليست مجرد مشاركة خاصة وأن البرلمان سيضع دستور البلاد. وهو ما يستلزم "أن يكون لنا إطارا يحمي الدعوة بوجود أعضاء في البرلمان سواء كانوا من الحزب (النور) أو أن الدعوة ترشح بعض الناس، أو أن نختار من غيرنا من الإسلاميين، ومن الناس الصالحين، إذا كان لنا دوائر ليس فيها مرشحين".


وخلال الانتخابات البرلمانية تزعم حزب النور التحالف الإسلامي الذي غلب عليه التوجه السلفي في أعقاب خروجه من "التحالف الديمقراطي" الذي أسسه حزبي "الحرية والعدالة" ـ ذراع الإخوان السياسية ـ و"الوفد" وأحزاب أخرى ناصرية وقومية.

ولم يكن حزب النور هو الحزب السلفي الوحيد الذي أسسه السلفيون حيث أسست مجموعات أخرى منهم في القاهرة والإسكندرية عدد آخر من الأحزاب السلفية من بينها أحزاب "الأصالة" و"الفضيلة" و"الإصلاح". فقد أسس اللواء عادل عبد المقصود عفيفي ـ شقيق الشيخ محمد عبد المقصود ـ حزب "الأصالة"، فكان خروجه أشبه بالذراع السياسية للسلفية الحركية في القاهرة،  ودخل الأصالة في تحالف وصف بـ "الطبيعي" مع حزب "النور" وحزب "البناء والتنمية" التابع للجماعة الإسلامية لخوض الانتخابات.

وتعد الانتخابات البرلمانية التي دارت بعد الثورة هي الأولى التي يخوضها السلفيون في مصر، وحيث لم يوفق الإسلاميون في تشكيل تحالف انتخابي واحد يجمع أحزابهم وجماعاتهم المتعددة في البلاد بعدما اختار "الإخوان المسلمون" تشكيل تحالف انتخابي مع عدد من القوى والأحزاب غير الإسلامية فإن السلفيين ـ وهم الفصيل الأكبر المنخرط حديثا في العملية السياسية ـ خاضوا هذه الانتخابات من خلال "تحالف من أجل مصر" وهو التحالف المكون من أحزاب (النور، والأصالة، والبناء والتنمية) معتمدا على قاعدة عريضة من الإسلاميين أصحاب المنهج السلفي، وهم ينتظمون تشكيلة كبيرة من الجماعات والجمعيات الإسلامية أبرزها: "السلفية" مدرسة الإسكندرية، والجماعة الإسلامية، وجمعية أنصار السنة، والجمعية الشرعية، وجماعة "التبليغ والدعوة"، وما أصطلح على تسميته بـ"السلفية الحركية"، والسلفيون المستقلون. وقد حقق هذا التحالف نتائج كانت صادمة لغير العارفين بحجم وقوة السلفيين في مصر بعدما جاء ثانيا بعد التحالف الديمقراطي الذي قاده الإخوان المسلمون.

 

**هذه الدراسة كتبها صاحبها أوائل العام 2013

أخبار ذات صلة

أيدت "محكمة النقض"، أعلى محكمة طعون مصرية، الإثنين، حكم إعدام 20 شخصًا، إثر إدانتهم بـ"اقتحام مركز شرطي وقتل ... المزيد

يقال: هل سأل الصحابي رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم شيئًا يقدر عليه، أم سأله ما لا يقدر عليه إلا الله؟ وبصيغة أخرى: هل سأله أن يدخله الجنة، أم ... المزيد

مقدمة ونقاط

لطالما احترم المنصف النقد العلمي المبني على وقائع وحقائق لا على جهل وشقاشق ... المزيد

أستاذي الدكتور صلاح الدين سلطان، أحد الدعاة البارزين في هذا العصر، وأحد العلماء العاملين، وصاحب التجربة الثرية والواسعة في الدعوة إلى الله تعالى، ذ ... المزيد

تعليقات