البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

السلفية المدخلية في الجزائر

المحتوي الرئيسي


السلفية المدخلية في الجزائر
  • أحمد ذيب
    28/09/2015 08:18

لا أحد من شيوخ التيار السلفي يعلم -ولو بالتقريب - عدد المنتمين إلى التيار السلفي، فالسلفيون بوجه عام يعانون من غياب أنموذج معياري يمكن استخدامه لتقدير وقياس موارد قوتهم.
 
ومن مظاهر غياب ملامح التنظيم في هذا التيار: 
 
أ ـ الفوضى في توزيع الصلاحيات، وتحديد العلاقات وتنسيقها، وعدم تنظيم العاملين بدءاً من مراحل الانضمام والاستيعاب والتأهيل والتطوير والتربية".
ب ــ الجهل بعدد المنتسبين لهذا التيار مع أهمية الإحصاء في تقييم التجارب الإسلامية، إلا أنَّ التيار السلفي في الجزائر يعتبر استثناء. 
 
وقد أمر النبي في السنة الأولى من الهجرة بإجراء تعداد سكاني بعد المؤاخاة مباشرة، فقال: "اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ النَّاسِ فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةِ رَجُلٍ فَقُلْنَا نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ". ومن شأن هذا الإحصاء أن يُغيّر من الرؤى والاستراتيجية. 
 
وقد سأل هرقل أبا سفيان بن حرب عن أتباع النبي هل يزيدون أم ينقصون؟. وهذا في الحقيقة مؤشر مهم للنجاح، فعندما يتراجع أتباع الدعوة، أو يثبت العدد عند مستوى معين ويتوقف عنده، ويظل الحال هكذا سنوات متتالية، فإنَّ ذلك يعني وجود خلل في عمل الجماعة.  
 
ومن القضايا الجديرة بالمعالجة والتحليل "ثبات الأتباع" وقد أشار هرقل إلى هذا المعنى عندما سأله أبا سفيان : هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه. 
 
وهذا المعنى وإن كان كان قد ورد في الانتقال من حال الإيمان إلى الكفر إلا أنه يمكن الاسترشاد به جزئياً للحكم على مستوى الثبات داخل الكيان السلفي.
 
والحقيقة أنَّ هذا المؤشر لا يقل أهمية عن سابقه، فبعض الجماعات قد تكون لها قدرة هائلة على اجتذاب أعضاء جدد، في حين تضعف قدرتها على الاحتفاظ بهم لمدة طويلة.
 
والعبرة ليست بعدد المنتمين إلى هذا التيار، بل القدرة على كسب تأييد القطاعات الشعبية، فالثقل لا يعبر عنه المنتمون فقط، لكن المؤيدون الفعليون والمحتملون أيضاً.
 
ج ـ الفوضى في مراتب المنتمين للتيار السلفي:
 
ليس هناك أضر على الاجتماع من الفوضى في مراتب النَّاس، فالجماعة التي تُسوي بين الأمي وبين المتعلم هي جماعة آيلة إلى التبدّد والاضطراب.
 
وعن ذلك يقول الإمام الإبراهيمي رحمه الله: "ولا أضرّ على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب النَّاس".
 
والتيار المدخلي في الجزائر يفتقد إلى النظام المراتبي الذي من شأنه أن يُنظم نشاطات أتباعه ويرسم صلاحياتهم، فبمجرد أن يلتحي الرجل ويتقمَّصَ حتى يستوي مع المتخصّص الذي أفنى سنوات شبابه في قاعات الدرس، ومَطاوي الكتب، بل وتجد الأمي يَتَسَلَّط على المثقف بما لا يُحسنه الأخير من أساليب الوشاية وطرائق التهريج.
 
ولا يخفى أنَّ هذه التسوية الجائرة التي تجمع بين المتناقضات دفعت الكفاءات إلى الانعتاق من هذا التيار، إما إلى تيار آخر يحترمه ويُنزله منزلته، أو إلى الحياد وترك الانتساب إلى أيّ تيار. 
 
ومن أراد التأكد من ذلك فلينظر إلى من يُسيّر السلفية المدخلية في مختلف مناطق الوطن.
 
د ـ العشوائية في العمل:
 
إنَّ آلية عمل "شيوخ السلفية" في الجزائر آلية عشوائية، أشبه ما تكون بإدارة حي من الأحياء الشعبية.
 
وهي آلية تفتقر إلى برنامج اجتماعي محدّد المعالم يُقدم خطة نهضوية قابلة للتطبيق في المجتمع الحديث، وتغفل معالجة المشكلات الحقيقية التي يتعرض لها الإنسان المسحوق في معظم أرجاء العالم الإسلامي.
 
هـ ــ غياب الرؤية المتكاملة:
 
يوجد لدى قطاع عريض من السلفيين افتقار واضح لرؤى متكاملة وتصورات شاملة عن الواقع بكل متغيراته، وعن المستقبل بكل احتمالاته، وعن الماضي بكل خبراته... هناك فراغات كبيرة في الأبنية الفكرية للكيانات السلفية، فلا وجود لتنظيم مؤسسي، ولا بنية هيراركية تجمع أفراد التنظيم كما هي الحال عند الجماعات الإسلامية الأخرى. فهي خليط من الأفكار المتناثرة التي تفتقد للتماسك الفكري والتناول العميق.
 
ج ــ الغياب الكلي للأهداف والمقاصد:
 
لعل من أخطر المشكلات التي يعاني منها التيار السلفي اليوم، تتمثل في غياب الأهداف والمقاصد الواضحة للحركة والدعوة، ولا نعني بذلك المنطلقات الإسلامية أو الأهداف الكبرى التي وضحتها القيم الإسلامية في الكتاب والسنة، وإنما نعني الأهداف المحددة التي تتناسب مع الإمكانات المتوفرة والظروف المحيطة.
 
ذلك أنَّ عدم تقدير الإمكانات ووضوح الأهداف بشكل دقيق، أدى إلى حالة من الفوضى، والتضارب في الرؤية، وبعثرة الجهود، والعجز عن إبداع البرامج والوسائل المناسبة، مما أوصل العمل إلى ضرب من الآلية والتكرار وغياب معايير التقويم وحسابات الزمن وتحديد الجدوى.
 
وهكذا تستمر الحراثة في البحر، والسير من دون وصلة هادية، والسباحة من دون شواطئ، وتبديد الجهود وهدر الطاقات.
 
ومن نافلة القول في هذا المقام أن نُذكّر بأهم الشرائط المطلوبة في وضع الأهداف :
 
1ــ أن لا تكون أهدافاً هلامية مائعة، مثل رفع شعار التصفية التربية.
 
2ــ أن تكون قابلة للتأكد من تحققها بسهولة.
 
3ــ أن تكون الأهداف المسطرة قابلة للقياس قدر الإمكان حتى يمكن متابعتها وتقديرها والتحقق من تطورها.
 
4ــ أن تكون محددة بمجال زمني، فالهدف الذي لا توضع له بداية ونهاية لا يصلح التعويل عليه في بناء الإستراتيجية. وقد وقع التيار السلفي في مأزق الأهداف المفتوحة زمناً، وهو ما تسبب في إصابة كثير من المنتمين إليه بالإحباط والارتباك، بسبب العجز عن تحقيق المستوى المأمول على الرغم من مرور السنوات.

الاستفادة من المتاح والخروج من دائرة الصراع
 
إنَّ المتأمل في واقع السلفية التجريحية يجد أنها تتمَدَّد حيث تجد مساحة لا تكلفها مخاطرة، وشعارها في ذلك "السلامة لا يُعادلها شيء" . الأمر الذي جعلها دوماً خارج الحسابات والاستشارات التي تعقدها مختلف القوى الوطنية والسياسية، وهذا لا يُمكن أن يكون موقفاً سليماً؛ لأنَّ حياة النَّاس لا تتغيَّر بالمتاح فقط، وإنما بالمغالبة والمواجهة، وهذه سنة ماضية في الأمة إلى قيام الساعة.
 
وشيوخ الجرح في الجزائر عاجزون عن المشاركة في الأحداث، فضلاً عن صناعتها والتسبب فيها، فهم يفتقدون إلى رؤية سليمة للمجتمع المسلم، ولا يملكون رغبة حقيقة في أن يُحَكَّم دينُ الله وشرعه، بل يذهب البعض إلى أنَّهم ما أُوجدوا إلاَّ من أجل تزهيد النَّاس في قضية الحاكمية والثورة على كل من يحمل في قلبه مثقال ذرة من الغيرة على دين الله وشرعه، وهكذا تم اختزال السلفية في التأصيل لطاعة ولاة الأمور وفقط !.
 
وهذا ما أفقد هذه الأسماء مشروعيتها وتأثيرها في المجتمع، حيث أصبحت أشبه بجزر معزولة وطوائف منفصلة عن ضمير المجتمع.
 
وواضح أنَّ السلفية الجزائرية تفتقد إلى القيادات العلمية الرسالية الحكيمة، وتعاني من تسلق الزعامات اللاعلميّة التي ترسم معالم السلفية وتصوراتها وفق مزاجها وأهوائها. الأمر الذي أدى إلى تضخم الأنا الفردية لدى كثير من قياداتها التي تمر بها الحوادث تبعاً فلا تعتبر ولا تزدجر، ويسير العالم بما فيه سيره إلى الأمام وهي ثابتة في موقف واحد، فكأنَّ الجماعات كلها ورثت من الأرض التحرك إلا هي.
 
لقد كانت سيرة الأئمة الفقهاء مثالاً حياً ونموذجاً قائماً على دعاة الإصلاح الذين يمثلون الإصلاح في أنفسهم ثم يسعون بما حولهم نحو الصلاح، ولم تكن جهودهم الإصلاحية مقتصرة على التعليم والنصح والوعظ والتوجيه فحسب، بل كانوا يتولون المهام الإصلاحية المتنوعة على أكمل وجه، ولأجل هذا أحبهم النَّاس وكانت لهم عندهم الحظوة والوجاهة لما عاينوا من آثارهم الحميدة، فقد كانوا رعاة للمحرومين، وأمناء على أموال الصدقات، وعرفاء على الأعمال العمومية، وكانوا يبذلون جاههم لخدمة النَّاس والشفاعة لهم عند أصحاب النفوذ، ويشعرون بالمسؤولية نحو الإنسان البسيط، وكانوا مفزعاً للضعيف والمظلوم وذي الحاجة.
 
ومن أمثلة ذلك أنَّ السلطان عبد الحق المريني (ت869ه) ولَّى حاكمين يهوديين على فاس على وجه العقوبة، فشرع اليهوديان في أخذ أهل فاس على وجه العقوبة، فاجتمع النَّاس عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى الورياكلي (ت880ه)، وكانت له صلابة في الحق وجلادة عليه بحيث يلقي نفسه في العظائم ولا يبالي، وقالوا له: ألا ترى إلى ما نحن فيه من الذلة والصغار وتحكم اليهود في المسلمين والعبث بهم حتى بلغ حالهم إلى ما سمعت؟
 
فماذا كان منه؟ هل حذَّرهم من فتنة الخروج على الحكام؟ هل استجلب لهم النصوص الواردة في فضل الأمن والسلم ووجوب الطاعة ليُهدهدهم بها كما تُهدهد الأم صغارها؟!
 
وإنما نجع كلامهم فيه، فأغراهم بالفتك باليهود وخلع طاعة السلطان عبد الحق وبيعة الشريف أبي عبد اله الحفيد فأجابوه إلى ذلك واستدعوا الشريف المذكور فبايعوه، والتفت عليه خاصتهم وعامتهم، فقلب الورياكلي بذلك سلطان المرينيين رأساً على عقب.
 
وليس الشأن في هذه الحكاية وأمثالها في فعل الفقيه، بل في مسارعة العامة إليه، والنَّاس لا يفزعون في مثل ذلك إلا لمن يرونه من أهل الأمانة والصلابة.
 
كما تحفظ لنا شواهد التاريخ للفقهاء مواقفهم المشهودة في درء فتن الانقسام والافتراق داخل المجتمعات الإسلامية، وإسهامهم في إصلاح ذات البين بين الملوك والقبائل والعشائر والأسر، وفي وقف النزاعات بين الطوائف المتنازعة، ومن الأمثلة المشهورة في ذلك مساعي الفقيه المالكي أبي الوليد الباجي (ت474ه) في الإصلاح بين ملوك الطوائف في الأندلس ومحاولاته الحثيثة لرأب الصدع وجمع كلمة المسلمين في تلك الأزمنة الحرجة.
 
فالعالم الحق ليس بالذي يعتزل النَّاس في مجلسه ومحرابه، بل هو الذي يتصدى لجعل الشريعة الإسلامية واقعاً حياً يعيشه النَّاس ويعاينون آثارها المباركة، فهو الذي يحرس الثغر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتصدى لنصرة المستضعفين، وينشر العلم، ويعين على نوائب الحق، وينفع النَّاس على كل أحواله.
 
ويمكن شرح ذلك والتمثيل له من خلال كلام فقيه من فقهاء المالكية أفاض في بيان أهمية دخول الفقهاء للأسواق وممارستهم لها ومعرفتهم بما يدور فيها، لأنَّ إصلاح أحوال النَّاس لا يتأتى إلا بالمخالطة، فنجد الفقيه أبا عبد الله بن الحاج رحمه الله (ت738هـ) يُنبّه في كتاب "المدخل" أنه لا ينبغي للفقيه الذي يبحث في مسائل البيوع والأحكام في الربويات وغير ذلك في الدروس ويستدل ويُجيز ويمنع ويكره، أن يخرج من درسه ليستعمل في قضاء حاجته من السوق صبياً صغيراً أو غيره ممن لا علم له بالأحكام الشرعية، مع ما قد عُلم من جهل أكثر البياعين بالأحكام الشرعية، ومن اشتمال السوق على مفاسد وأشياء لا يجوز شراؤها جملة، وسبب وجود هذه المفاسد ترك السؤال من العامة من جهة، وترك تفقد العلماء بالتنبيه على هذه المفاسد عند مبدأ أمرها من الجهة الأخرى، فاستحكمت المفاسد ومضت عليها العوائد الرديئة.
 
ويقول الحافظ ابن رجب رحمه الله (ت795هـ) في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي (ت600هـ): "سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحراني بأصبهان يقول: كان الحافظ بأصبهان يصطف النَّاس في السوق فينظرون إليه، وسمعته يقول: لو أقام الحافظ بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها، يعني: من حبهم له ورغبتهم فيه".
 
كما وُصف الفقيه ابن أبي زمنين رحمه الله (ت398هـ) بأنه كان أمةً في الخير معيناً على النائبة، مواسياً بجاهه وماله.
 
ووصف ابن رشد الجد رحمه الله (ت520هـ): بأن النَّاس كانوا يلجئون إليه ويعولون في مهماتهم عليه، وكان حَسن الخلق سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته وأصحابه، جميل العشرة لهم، حافظاً لعدهم كثيراً لبرهم.
 
وذكر الحافظ البزار (ت749هـ) في ترجمة شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله (ت728هـ): أنه كان إذا رآه أرباب المعايش يتخبطون من حوانيتهم للسلام عليه، وهو مع هذا يُعطي كلا منهم نصيباً وافراً من السلام وغيره، وإذا رأى منكراً في طريقه أزاله أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسَّف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع الجماعة ثم كذلك بقية يومه، وكان مجلسه عاماً للكبير والصغير والجليل والحقير والحر والعبد والذكر والأنثى، قد وسع على كل من يرد عليه من النَّاس، يرى كل منهم في نفسه أن لم يُكرم أحداً بقدره، كما كان يعود المرضى كل أسبوع خصوصاً بالمارستان - يعني: المستشفى -، وكان هذا دأبه على الدوام.
 
وأمثلة ذلك كثيرة جداً لا تكاد تحصى، لكن يكفي من القلادة ما يُحيط بالعنق. ويكفينا من ذلك قوله سبحانه وتعالى: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" الشورى: 39
 
قال ابن تيمية رحمه الله في تفسر هذه الآية: "وضد الانتصار العجز، وضد الصبر الجزع، فلا خير في العجز ولا في الجزع، كما نجده في حال كثير من الناس، حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو رأوا منكراً فلا هم ينتصرون ولا يصبرون، بل يعجزون ويجزعون".
 
فأيّ رضا من المسلمين بالدون، أو بالمواقع الخلفية، وأيّ سلبية وانسحاب من التفاعل الإيجابي مع الوسط الذي يعيشون فيه، يناقض مدلول هذه الآية الداعية إلى الايجابية والانتصار.
 
*المصدر: بوابة الشروق الجزائرية

أخبار ذات صلة

قال نجل الشيخ السعودي الموقوف، سلمان بن فهد العودة، إن "أخبارا وتسريبات مفزعة تصلنا حول نية الإعدام ضد مشايخ المزيد

قد يعجز التاريخ حقاً عن أن يصف رجالاً: عظيمة أخلاقهم، طاهرة نفوسهم، عالية همتهم، سامية أهدافهم، عاشوا في الدنيا وهم مدركون لحقيقتها.

 < ... المزيد

خلق الله تعالى الدنيا داراً للابتلاء، فوفّر فيها كل شروط: الأغنياء والفقراء، والأذكياء والبلهاء، والشرفاء والوضعاء، والأقوياء والضعفاء.. كل واحد من هؤ ... المزيد