البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

الرضا.. مستراح العارفين

المحتوي الرئيسي


الرضا.. مستراح العارفين
  • م.أسامة حافظ
    23/01/2016 02:58

"ماذا يفعل أعدائي بي ، إن جنتي وبستاني في صدري ، حيثما سرت فهي معي ، فإن قتلوني فقتلي شهادة ، وإن سجنوني فسجني خلوة ، وإن نفوني فنفي سياحة"..

ما أكثر ما تقلبت الأقدار بشيخ الإسلام ابن تيمية وما أعظم ما كان يلقاها به من رضا سكنت به نفسه واطمأن به قلبه .. بل وفاض من رضاه وسكينته على غيره .. خرجت نفسه من حظوظها ورغباتها وآمالها لتأوي إلي مظلة عرش الرحمن وقصده ومراده .. فاستوت عنده الشدة بالرخاء والضيق بالسعة والفقر بالغني .

تأمل هذه العبارة الرائعة التي حفظها التاريخ عنه وانظر كيف تحول البلاء عنده إلي منحة ربانية لعظيم رضاه عن خالقه واستسلامه لقضائه .. ثم انظر كيف كان سكونه ورضاه يفيض علي تلاميذه ومحبيه فيستمدون من سكينته سكونا ومن رضاه رضا يقول ابن القيم أنهم كانوا اذا اشتد عليهم السجن – وما أكثر ما يضيق قلب المسجون بشدة الحبس – يذهبون إليه في محبسه فيسكن برؤيته ما في نفوسهم ويذهب ما بهم ثم يقول ـ رحمه الله ـ عبارة جميلة معبرة : "فسبحان من أرى جنته لعباده في الدنيا".

فالرضا هو جنة العبد في الدنيا ، ومستراح العارفين ، وحياة المحبين ، وقرة عيون المشتاقين ، وهو مفتاح السعادة الوحيد في الدنيا والآخرة ..

والآن .. ما هو الرضا ؟ وكيف يدركه السائر علي طريق الله ؟

يقول ابن عطاء : "الرضا سكون القلب إلي قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضي به".

ولكن ابن القيم لا يعجبه ذلك إذ يرى فيه أنه رضا منقوص .. إذ أنه راض بما يناله منه سبحانه من حظوظ النفس أما مرتقي منزلة الرضا وذروته فهو أن يرضي به .. يقول رحمه الله معلقا علي القول السابق : "هذا رضا بما منه ، أما الرضا به فأعلي من هذا وأفضل ففرق بين من هو راض بمحبوبه ومن هو راض بما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه".

فالرضا بالله هو ألا يرى لنفسه سخطا ولا رضا فيفني بربه عن نفسه وعما منها قد غيبه شاهد رضى الله بالأشياء في وقوعها علي مقتضي مشيئته عن شاهد رضاه .. فهو يستوحش من نفسه ومن صفاتها ومن رضاها ومن سخطها .. فهو يرضي عن ربه بربه لا بنفسه . 

وطريق الرضا يبدأ بالمعرفة وهو ثمرة من ثمراتها ـ كما يقول ابن الجوزي ـ فإنك إن عرفت الله رضيت بقضائه ..

وقد يجد العبد في ضمن القضاء مرارات يجد طعم بعضها لكن العارف تقل عنده المرارة لقوة حلاوة المعرفة فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة صارت تلك المرارة في قلبه حلاوة .. ويضيف ... ومن ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبة فيقع الرضا بالضرورة".

وفي الحديث : " ..... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ... " وهذا هو الغني الأكبر

وطريق الرضا يبدأ بالصبر : "إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإذا صبر اجتباه ، فإذا رضي اصطفاه".

فمن صبر علي البلاء الصبر الجميل - وهو الصبر الذي لا شكوي فيه - فقد وضع قدمه علي أول طريق الرضا إذ يجتبي الله الصابرين ويصطفيهم بما صبروا ليجعلهم من أهل الرضا .. فالعبد في مقام الرضا محفوف بنوعين من الرضا كما يقول ابن القيم .. رضا قبله اوجب رضا الله عنه ورضا بعده ثمرة لرضاه سبحانه .

وحسن التوكل علي الله رافد آخر من روافد الرضا ، فمن رسخت قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا وغاص في نعيمه .

وبعد

قد كنت أقرأ هذا الكلام وأحسب أنني عرفت بقراءتي هذه معناه ولكن الحقيقة أن معرفة أحوال العارفين لها معني آخر .. ففارق بين من يعرف العسل من خلال وصف الثقاة له أو من خلال رؤيته في أيدي الناس وبين من وضعه في فيه واستمتع بحلاوته .. لذلك فإن أهل الطريق كانوا يقولون "من ذاق عرف" وهم يسترشدون بهدي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يتكلم عن حلاوة الإيمان وكيف أن ذائقها هو ذلك الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيا ورسولا ..

وهكذا شهدت معني الرضا واحسست بالمعني الجميل الذي عناه شيخ الإسلام الذي أشرنا إليه آنفا وذلك من خلال مشاهدة كثير من أخواني طوال محبسنا الطويل – 20 سنة – نتقلب بين شتي الأقدار والابتلاءات بما فيها من رخاء وشدة ..

لقد كان كثير من إخواننا – متعهم الله برضاه – لا تتغيير ملامحهم الهادئة المطمئنة بتغير الأحوال فلا ترى عليهم مظاهر ضيق ولا جزع ولا ضجر رغم ما تعرضوا له من أهوال ، فقد أنعم الله عليهم بسكينة وطمأنينة ورضا ملأت جوانحهم وملكت عليهم أنفسهم فلا يقلقهم من أمور الدنيا شئ ولا يؤلمهم من بلائها شئ مهما اشتد ولا يكدر صفاءهم مكدر هم كثير روضوا أنفسهم بالصبر والتوكل حتي رضيت نفوسهم بالله ثم رضيت عن الله فاستراحت من كدرات الدنيا ورضيت بمراد الله فيهم.

ومنهم بالطبع بل ومن أصفاهم كان الأخ عبود الزمر والأخ طارق الزمر  فإنك لا تأوي إلي مهجع أحدهم إلا وتشعر أنك انتقلت من صحراء قاحلة إلي واحة فيها الراحة والسكينة والخضرة اليانعة والماء السلسبيل .. تستطيع ساعتها أن تتذوق مقولة ابن تيمية : "لو كان في الجنة بعض مما نحن فيه لكفانا" .

فقلبه ونفسه من قوة المعرفة وحسن التوكل لا يشعر بألم البلاء وإنما يشعر بحلاوة المحبة ونعيم الرضا فأهل الرضا في الدنيا هم الذين ذاقوا نعيم الجنة قبل دخولها .. فأهل الجنة ينالون قمة عطاء الله لهم بعد أن يستمتعوا بصور النعيم ويفرحوا بها فيعطيهم سبحانه ما هو خير من ذلك كله ... "أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعدها أبدا".

فاللهم اجعلنا من أهل رضاك في الدنيا والآخرة.

أخبار ذات صلة

ذكرت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، اليوم الإثنين، أن مسؤولين سعوديين يستعدون للاعتراف بمقتل الصحفي جمال خاشقجي، بالخطأ أثناء التحقيق معه، بقنصلية ... المزيد

يبدو أن خريف هذا العام ..تتهيأ فيه الأجواء لشتاء ساخن بالأحداث الكبار؛ التي ستجعل بدايات العشرينيات من هذا القرن الميلادي أشبه في تغيراتها الجذرية ب ... المزيد

أعلنت لجنة الانتخابات في ماليزيا، عودة أنور إبراهيم إلى البرلمان، بعد فوزه بمقعد عن مدينة بورت ديكسون، في انت ... المزيد

تعليقات