البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الراهبة

المحتوي الرئيسي


الراهبة
  • الشيخ أبو بكر عثمان
    09/05/2014 04:57

سقطت دمعة من عينيها أمام المرآة، اشتعل رأسها شيباً على شيب وغزت التجاعيد وجهها فمنذ أيام قلائل تخطت منتصف العقد السادس من عمرها، تجولت بالفيلا الساكنة سكون المقابر الباردة برود الثلج، ليس بها سوى خادم نائمة فى حجرة بعيدة، اكتظت الفيلا بأفخر الاثاث وأثمن التحف واللوحات، الناس يحسدونها عليها ولا تعدو أن تكون سجنها بذلت ثمنا فادحاً للفيلا وحشودها شبابها بل عمرها كله قذفها الملل الى النفاذة وبدت لها اشجار الحديقة كأشباح شاخصة وثمارها كأنها رؤوس الشياطين كل شئ أمسى كئيباً ميتاً، زحفت الى حجرة مكتبها فى تثاقل والقت بجسدها المنهك بالافكار والهواجس على الكرسى، أخرجت حزمة من الاوراق من الدرج الأسفل كعادتها فى مثل هذه اللحظات المرة تهرب الى ذكريات الماضى . تلك هي شهادة الثانوية، كانت من العشرة الأُول وعقدت لها ولزملائها حفلات الاحتفاء والتكريم وسارعت الصحف والاذاعة بالتحدث عنها والحديث إليها، ذاقت يومها أول كأس للشهرة وانتعاش الذات وداعبتها احلام المستقبل الباهر وفُتحت أمامها أبواب جامعات القمة لتلج منها ما تشاء . فى تلك الساعة من انتعاش الذات، تقدم ابن عمها لخطبتها هى تعلم ان فى قلبه شيئاً ما نحوها منذ الصغر، ولم يكن يعيبه شئ، تتشخص إليه قلوب الراغبات فى الزواج، ظلت لأيام تصارع نفسها، أى الطريقين تسلك، أبوها عضو التنظيم الطليعى أيام العهد الناصرى أوحى اليها بالدور التحررى والتقدمي للمرأة التى يجب أن تناضل لتحتل مكانها وتتمرد على الرجعية والتخلف، هى لم تكن تعى أو تفقه شيئاً من كلماته وأفكاره وتنظيراته هذه، فقط يروق لها أن تلبس ما تشاء وتدخل وتخرج بلا قيود ولا وصاية، تشتهى ان تبرز وتشتهر، يشار لها بالبنان، يقال انظروا .. انظروا، هذه سعاد سعد. أمها إمرأة بسيطة تمضى على فطرتها وتخضع لسجيتها آمنت ان البيت هو ميدان المرأة فمهما علت وحصلت على مراتب ونالت شهادات فالزوج والبيت والأولاد هو مشروعها القومى. شربت من كلا الإناءين بيد أنها غلّبت هوى التحرر والانطلاق بلا قيود، لم تقبل خطبة ابن عمها كى لا يلهيها عن الدراسة الجامعية شاغل ولتروى طموحاً اشتعل فى داخلها تخشى ان تطفئه اعباء الزواج . انقضت سنوات الدراسة الجامعية ونالت فيها نجاحا فوق نجاح، وقطفت تفوقاً على تفوق وتوجت الأولى على دفعتها واقتنصتها الكلية لتمسى عضواً فى هيئة التدريس . لم تدر اى شعور غلف نفسها يومئذ الفخر.. الاعتزاز.. الشموخ.. ربما شئ أكبر من ذلك لم تتبينهُ ولم تدر كنهه، وفجأها الامتحان العسر، بلاء الاختيار، تقدم لخطبتها دكتور شاب من عين جامعتها، لم يكن أقل من سابقه ابن عمها بل أفضل. قال ابوها : شأنك وأختيارك أمر لا يعنينى . وسعدت أمها به أيما سعادة وبعد حديث وجدل طويل قالت : بنيتى من لم تقنع بجواد قد لا تجد يوماً حماراً أعرجاً لتركبه. ترك لها أبوها مرارة الأختيار وقسوته وهى تأنف أن تنساق لأفكار أمها، التى تراها رجعية قديمة، لم يبق لها ملجأ إلا صديقتها " نوال " أمينة التنظيم النسائى بالجامعة، فلما اخبرتها بأمر خطبة الدكتور لها امتقع وحهها وهبت صائحة. ـ إنها مؤامرة دنيئة على الكفاح النسائى وعلى الحركة النسائية التقدمية . ـ مؤامرة يا نوال !؟ خطبة الدكتور لى ؟ كيف ؟! ـ هذا المجتمع الذكورى الأبوي الرجعى متفق ومتواطئ على تعطيل نهضة المرأة ومنع تقدمها كى لا تنال حقوقها سواء بسواء مع الرجل، وانت ياسعاد بذرة أمل لمستقبل الحركة النسائية . ـ لا أفهم. ـ هذا الرجل الدكتور، سى السيد، مرتكز فى عقله الباطن ميراث ذكورى منبثق من عصر الحريم، هو لا يريدك رفيقة كفاح، بل يريد أمة تابعة خاضعة، أمرأة للانجاب والخدمة والفراش عز على الرجل أن تتفوقى عليه بالجامعة، فاراد أن يجهض تفوقك بالزواج منك ليعطل مسيرة تحررك من هيمنته، أفهمت يا سعاد خطورة المؤامرة. أفاضت نوال فى بسط الكلمات والصطلحات والتنظيرات ولم تفهم سعاد ولم تقتنع إلا بانها لا تريد أن يحول شئ بينها وبين الدكتوراه، واعرضت عن خطبة الدكتور ويومها بكت أمها بكاء لم تبكه قبل، حسرة على زواج قد لا تجود الأيام بمثله . كف الخُطاب عن طرق بيتهم، وهي لن تفكر فى الزواج قبل بلوغ الدكتوراه، وانغمست فى الدراسة والأبحاث عدا وقت اقتطعته لحضور حفلات ومناسبات الجمعيات النسائية، اشباعا لهوى المباهاة والظهور الاجتماعى يروق لها أن يقال قيادة نسائية شابة، مهمومة بقضايا المرأة . وبعد سنوات جهد وجهاد تُوجت بالدكتوراه، لحظة مشهودة فاضت بمشاعر تقف الكلمات عاجزة عن وصفها، قضت بعدها أشهرا محلقة فى علياء البهجة والسعادة . لكن شيئاً ما بداخلها ظلت تكبحه، تقاومه، تقهره، لم يعد الأن بالإمكان فعله، ظلت طوال سنوات السباق تعدو وتعدو، رغم الألم والتعب والظمأ، كممت مشاعرها لسنوات طوال وتناست أنها أمرأة واليوم انفجرت كل الأحاسيس والعواطف والهواجس، آن الآوان لتنال حظها كأنثى، كأمرأة. وطفقت يومئذ تضع الشروط والمواصفات فيمن تختاره زوجا، لابد ان يكون مكافئاً لها علمياً، زوجاً تقدمياً، لا يعيق حريتها ولا يوقف حركتها وانطلاقها العلمى، تكون معه بالبيت راسا براس وسواء بسواء, حذو القُذة بالقُذة . وضعت شروط الغازى المنتصر، ونسيت أنها تجاوزت العقد الثالث من عمرها، وردت كثيراً من الخطاب على أدبارهم، رأت أنهم غير جديرين بها، اما علميا أو فكريا، وحقيقة لم يأت لها من تراه مقنع لها واعتصرتها خيبة أمل لم تكن تعلم ان الرجال ذو الشأن يفضلون الزواج بالفتيات الشابات، قالت خالتها : يا سعاد الرجل لن يتزوج شهادة الدكتوراه، فقط زوجة تهبه السكن والمودة والاستقرار يلوذ بها من هجيرة الحياة المتوحشة لا يريد رجُله تنازعه مكانته ودوره. عجبت سعاد من الرجال التقدميون، أنصار المرأة وقضاياها وتحررها، اكتشفت فى محنتها هذه أنهم ظاهرة صوتية كلامية فى الصحف ووسائل الاعلام، يقولون ما لا يفعلون، ينصرون رغباتهم ومصالحهم على مبادئهم، يفعلون فى حياتهم الشخصية ما يفعله عامة الرجال. لا .. لا لن تتراجع قيد أنملة عن شروطها ولن تخضع أو تذل لذلك المجتمع الذكورى الظالم وليعلم الجميع أن سعاد سعد هى صاحبة الاختيار، وهى التى تملى شروطها. وجعلت سعاد تهرب من أزمتها الى المحاضرات والأبحاث والسفر إلى المؤتمرات العلمية ونالت الدكتوراه من جامعة السربون وأخرى من جامعة إكسفورد وتجاوزت العقد الرابع. وسرت الأقاويل وهبت الشائعات وأطل تسائل بدهي لما لم تتزوج الدكتورة سعاد إلى الآن؟!. وتطوعت صديقتها نوال بالإجابة وتبرير ذلك في مؤتمراتها النسائية وجلساتها الخاصة قالت إن الدكتورة سعاد وهبت نفسها للجهاد نصرة لقضايا المرأة، ليس هذا فحسب بل خلعوا عليها لقب راهبة النضال النسائي، رغماً عنها فعلوا ذلك لم يستشرها أحد؛ أو لم يكفهم أنها وصلت إلى ما بعد الأربعين وهي كالبيت الخرب المهجور؟ ألم يعلموا أنها راغبة لا راهبة وماذا عساها أن تفعل وقد غمرت كلمات صديقتها نوال السهل والوادي، أتهرول في الشوارع والميادين وتطرق البيوت وتتخول المنتديات والمؤتمرات وتصرخ بأعلى صوتها يا قوم انا راغبة لا راهبة أم تكتب إعلانات بالصحف بالطبع لم تفعل ذلك ورددت في نفسها أنا لن أخسر الكثير فكم بقي من حظ وأمل لإمرأة في عقدها الخامس لتأسى عليه؟!. تمنت يومها لو تقدم لها رجل أى رجل إذا لقبلته على الفور دون نظر إلى تعليمه أو شهادته تقدميته أو رجعيته، هي فقط تتوق أن تسكن إلى زوج تضع رأسها على كتفه، تتذوق حلاوة الخضوع له والاحتماء به والتشاجر معه والتباهي به؛ تلبي نداء الفطرة الأصيل في كيانها كإمرأة، تتشوق إلى طفلها الصغير وبكائه وندائه تذوب حنيناً لأن تكون أماً. أتعدل كل شهادات الدكتورة التي نالتها شيئاً واحداً من ذلك أو تغني عنه شيئاً؟!. هل أطفأ كفاحها النسائي ظمأ الأمومة والأنوثة التي تلهب مُهجتها؟!. ابتسامة مرة طفت على وجهها حين تذكرت قول أمها من لم تقنع بجواد ربما لم تجد حماراً أعرجاً لتركبه؛ همست رحمك الله أمي فأنا اليوم لا أجد ولا حتى عجوزاً أعرجاً أعبر به متاهة الحياة. في لحظة صدق مع النفس أبصرت إن ما عاشته مع نوال كان فرية كبرى ووهماً مضللاً وخديعة مفجعة تمجه الفطر السليمة وينفر منه عقل طفل صغير، فأين كان عقلها؟!. هي لم تحيا حياة إمرأة ولم تؤد دور إمرأة طوال سنوات عمرها، بل تقمصت دور رجل وكان دوراً هزلياً مأسوياً، عاشت مسخاً بين بين مذبذبة بين ذلك لا هي رجل ولا إمرأة ألقت شهاداتها العلمية وغادرت حجرة المكتب وعاودت التجوال بالفيلا أبصرت البواب من النافذة يفترش الأرض مع زوجته وأولاده يأكلون الذي هو أدنى في تهم بالغ ورضا تام، تمنيت لو أخذوا كل شهاداتها العلمية ووهبوها قبساً من تلك الحياة الأسرية، آه ليتها قبلت الزواج من ابن عمها أو الدكتور ربما لكان بيتها اليوم مزدهراً بالأولاد والأحفاد يعج بالصخب البهيج لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لفعلت لذلك بمنتهى الرضا والقناعة ولكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب وماذا يكسب تاجر الأحلام والأماني ما مضى مُحال أن يعود. دق الهاتف أخبرها السائق أنه قد حضر، أسرعت لترتدي ملابس الخروج، اختاروها شخصية العام كما نالت وسام الدولة من الطبقة الأولى لدفاعها عن حقوق المرأة واليوم يعقد المؤتمر العام للمراة حفلاً خاصاً لتكريمها. في الطريق إلى الحفل ومَضَ بخاطرها أن تهدم ذلك المعبد الوثني على ما فيه ومن فيه وتحطم الأصنام، لما لا تكتشف الزيف وتسقط الأقنعة عن وجوه تلك الأصنام النسائية الشهيرة لما لا تزيل الوهم وتفضح الخديعة لو تحدثت فقط عن الخبايا والأسرار والكواليس ومن يقف وراءهم ومن يحرك إذا لشهد شاهد من أهلها ومن يستطيع أن يكذب أو يتهم أو يشك في راهبة الحركة النسائية ورمز نضالها. دخلت قاعة الحفل وسارت نحو المنصة ورأت نوال الأمين العام للتنظيم النسائي جالسة في صدر المنصة تلك الشيطانة التي أضلتها السبيل وأوردتها الجحيم الذي تعيشه اليوم، نوال وصويحباتها ودت لو يصفت في وجوههن وأدمت رؤوسهن بنعل حذائها وجعلت لنوال الحظ الأوفر من ذلك. استوت على المنصة ودوت القاعة بالتصفيق والهتاف، نظرت إلى الفتيات الصغيرات المتحمسات الجالسات أمامها المهيئات للتضحية بهن على مذبح الحركة النسائية شياه تسمن للذبح، هي كانت مثلهن قبل ثلاثة عقود. امتلأت جوانب القاعة بالصحفيين ومصوري التلفزيون الحكومي والقنوات الفضائية وتتابعت كلمات الإطراء والثناء والتكريم على الرائدة المجاهدة راهبة الحركة النسائية في مصر وأعلنت نوال الخبر المفاجئ السعيد ذاك أن الأمم المتحدة اختارت الدكتورة سعاد سفيرة للنوايا الحسنة لدى الدول العربية والإسلامية للدفاع عن حقوق المرأة، همست إحدى العجائز العالمات ببواطن الأمور في اذن صديقتها: أية نوايا حسنة للأمم المتحدة في سفارة الدكتورة سعاد. والآن قُدمت الرائدة وراهبة الكفاح النسائي لتتحدث إلى الحضور وأشتعلت أكف الحضور بالتصفيق وبحت أصوات الشابات بالهتاف وانطلقت الدكتورة سعاد في حديث طويل تحدثت فيه عن مآثر الحركة النسائية ونضالها لنيل حقوق المرأة وأنه ما زال أمامها الطريق طويلاً لتصل إلى بغيتها لترفع الظلم عن المرأة والحصول على حقوقها كاملة غير منقوصة وهي بحق فخورة وسعيدة بما قدمته من تضحيات وكفاح لتنتزع المرأة حقوقها وتتبوأ مكانتها وأنها جد حزينة أن لها عمراً واحداً فقط تضحي به في سبيل نصرة المرأة وحينها دوت القاعة بالتصفيق والهتاف. ونظرت سعاد إلى الفتيات الجالسات أمامها وابتسمت ابتسامة مسمومة بلا روح وقالت بصوت يتقمص الصدق لكني اليوم قلقة على مستقبل حركتنا النسائية أخشى أن أكون أخر راهبات الكفاح النسائي فمن منكم يكمل المسيرة خلفي ويحمل الشعلة بعدي. دوت القاعة بالهتاف:- كلنا راهبات الكفاح كلنا راهبات الكفاح

أخبار ذات صلة

يحدث اللبس ويستنكر البعض حينما نصف بعض الناس بأنهم يتبعون هذا النهج فى التفكير والتصورات ومناهج التغيير

 وقد يقول:

... المزيد

كنت أود تأخير مقالى بعد العيد لكن تأخير البيان لايجوز عن وقت الحاجة

بفضل الله  منذ عشر سنوات أو أكثر وانا احذر وأنتقد عزمى بشارة فه ... المزيد

عديدة هي التحولات الجيوبوليتكية السحيقة في القطر العربي التي امتدت من الشرق إلى ليبيا و الهادفة إلى بلقنة المنطقة تنزيلا لبنود مخططات الظلاميين و ا ... المزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فمن السنن الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم سنة الأضحية ، وقد ثبت في السنة الصحيحة تحديد الشروط الواجب تو ... المزيد