البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

"الدولة الإسلامية" تؤرخ على حلقات لبدايات ظهورها في العراق وسوريا

المحتوي الرئيسي


"الدولة الإسلامية" تؤرخ على حلقات لبدايات ظهورها في العراق وسوريا
  • الإسلاميون
    30/04/2015 12:05

تحت عنوان (حقائق مغيبة عن العوام عن صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام) نشرت منتديات وصفحات جهادية على مواقع التواصل تأريخا على حلقات لبدايات ظهور جماعة الدولة في العراق ، بالتزامن مع دخول القوات الأمريكية وقدوم قيادات جهادية من أفغانستان ، كالتالي:

الحلقة الأولى (حقائق مغيبة عن العوام عن صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام)
المقدمة:
عندما انسحبت القوات الصليبية الغازية للعراق من أرض العراق في عام 2011م؛ كانت الكثير من التقارير الصليبية الرسمية تشير إلى أن العراق بات أكثر أمنا من عامي 2006م و 2007م وأنه إذا عاد الجهاد ( أو العنف كما يسمونه) فسيحتاج لفترات طويلة حتى يسترجع قوته السابقة.
لعله لم تكن أكثر التقارير شؤما في الغرب لتتصور عودة الدولة الإسلامية بهذه والقوة وبهذه السرعة، فمالذي حصل؟ وكيف حصل؟ والحقيقة أنه ليس فقط الغرب يتساءل عن ذلك؛ بل وحتى الكثير من العرب والمسلمين، فالجميع يتساءل عن الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ كيف بدأت هذه الدولة؟ وكيف نهضت بهذه القوة والسرعة؟ ومن أين لها هذه القوة وهذا المدد؟ من أين لها هذه العدة والعتاد؟ من يمولها؟ من يسعى في إدارتها؟ لا يعقل ان تبدأ هذه الأحداث فجأة من دون مقدمات! فمثل هذه الأمور والحوادث لها أسباب وظروف مقدمة لحصولها.

لقد غاب عن كثير من الناس حقيقة هذه الأحداث والظروف التي سبقت صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام، واختفت عنهم سلسلة من الأمور والنوازل التي مرت بها أرض العراق والتي قدرها الله وهيأها حتى نمت هذه الدولة وتوسعت وانتشرت.
أحاول في هذه الورقات كتابة ما علمته وفهمته واجتهدت في بحثه من أمور حدثت على أرض العراق والشام، وغابت عن فهم كثير من عوام الناس، وهذه الورقات مستخلصة على ما اطلعت عليه من كلا الأطراف: الدولية والرسمية وغير الرسمية، الإرهابية كما يحلو الغرب الكافر تسميتها والسلمية؛ ففي زماننا هذا قد تختفي الحقيقة أو تحور أو تمحى أو تزور، لأهداف وغايات دول ترى نفسها حاكمة العالم، فوجب على الكثير البحث عنها والإطلاع عليها، وما أصبت في كتابته هنا فذلك توفيق من الله وحده، وما أخطأت فمن نفسي والشيطان، ولا يعلم الحقيقة الغائبة إلا عالم السر وأخفى.
من أفغانستان إلى العراق

قدر الله
لا يمر الحديث عن نشأة الدولة الإسلامية إلا بالحديث عن مؤسس من مؤسسيها وراسخ – بعد الله – لأركانها، ألا وهو ابو مصعب الزرقاوي نسبة إلى مدينة الزرقاء بالأردن، وعندما نتحدث عنه لابد لنا من أن نبدأ من بداية اطلاق سراحه من قبل الحكومة الأردنية من السجن هو وبعض المعتقلين المعروفين بالأفغان العرب أوائل عام 1999م وكان منهم عصام البرقاوي والمعروف بأبي محمد المقدسي، وكانت التهمة التي سجن لأجلها قضية (بيعة الإمام) وهي قضية تأسيس تنظيم هدفه محاربة اليهود وتهريب السلاح للمسلمين في فلسطين.
خرج أبو مصعب الزرقاوي من السجن وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت رغم فساحة الأردن بسهولها وصحاريها وجبالها، فقرر عدم المكوث بأرض يحكمها من يراهم طواغيت يحكمون بغير شرع الله، ويدينون لغير الحق الذي أنزله الله وقرره في كتابه أو نطق به الصادق الأمين، فكانت جبهة الشيشان هي هدفه ووجهته، لأنها الساحة الإسلامية الأكثر سخونة والجبهة القتالية الأشد طحنا، فحزم أمره وتوكل على الله؛ فقدّر أبو مصعب شيء وقدّر الله شأن آخر.
قدّر الله أن تكون باكستان هي محطته الأولى؛ حتى يجد من ينسق له وجهته الأخيرة وهي أرض الشيشان، وقد صحب معه في رحلته هذه رفيقين كانا معه في حله وترحاله. ثم قدّر الله أن تظهر عراقيل في تأشيرة إقامته وصاحبيه في باكستان، فأوقفه الأمن الباكستاني، وتم حجزه وصاحبيه، ولم يتم الافراج عنهما الا بشرط مغادرة باكستان فورا، فقد كان هم الأمن الباكستاني فقط إخراج هذه الفئة من باكستان، فكان الموضع الأقرب لهم هو أرض أفغانستان، والتي تحكمها طالبان، فسبحان مقدّر الأقدار.

 

المعسكر المجتمع
دخل أبو مصعب أرض أفغانستان وقد مر على إنشاء تنظيم القاعدة ما يقرب السنة، ذلك عندما شكّل الشيخ أسامة بن لادن مع الشيخ أيمن الظواهري الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبين، وعرفت عالميا بتنظيم القاعدة، فكان التنظيم وهو في أرض أفغانستان يبحث عن موضع قدم له في أرض الشام وخصوصا فلسطين وذلك لوجود الحرم القدسي المحتل فيها، وكونها الأرض المباركة (الشام)، فلما علموا بوجود أبو مصعب في أفغانستان عرضوا عليه بيعة التنظيم فرفض لأسباب يراها، ثم عرضوا عليه مشروع من مشاريع التنظيم ويهدف إلي إيجاد منطقة في أفغانستان، يتم فيها إنشاء معسكر بسيط للتدريب اليومي للشاميين فقط، بحيث يقوم أبو مصعب بالإشراف عليه (وقد اختير لمعرفتهم به من قبل، وسابقته الجهادية في أفغانستان، ولمتابعتهم لأوضاع سجناء الأفغان العرب في الأردن)، ويهدف المعسكر إلى استقطاب أخوة من الشام (الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان) والعراق وتركيا، لأهمية هذه المناطق بالنسبة للتنظيم وبسبب تقديره بأنه ضعيف فيها، وكون هذه المناطق مهمة جدا في الملاحم المتوقعة بين أهل الإسلام وأهل الصليب، ومن باب أخذ الأسباب التي أمر الله بها (وأعدوا)، وافق أبو مصعب على المشروع بعد التشاور مع صاحبيه وتخلى عن فكرة الهجرة للشيشان لأجل الجهاد في الشام.

تم اختيار المكان، وهو مكان بعيد عن تواجد تنظيم القاعدة في جنوب أفغانستان؛ وقد كان قريب من مدينة هرات في شمال أفغانستان بالقرب من الحدود الإيرانية الأفغانية؛ وكان السبب حتى يتم عمل طرق ربط بين أفغانستان (خراسان ) والشام، وتم الاتفاق على التنسيق التام بين التنظيم وأبو مصعب، تلقى أبو مصعب وصاحبيه دورة تدريبة من قبل التنظيم وذلك قبل انتقاله لمعسكره الجديد والبدء في المشروع.

حنكة وقيادة
بدأ الشيخ أبو مصعب معسكره في هيرات بإنشاء مجتمع صغيرا؛ استطاع تمتين علاقته بطالبان وإعداد برنامج ثقافي جيد جدا للمعسكر؛ ورسم هيكلية ممتازة لمجتمع أكبر، حيث بدأ بمراسلة من يثق بهم من الشام للمجيء لمجتمعه، حتى أصبح عدد أفراد المجتمع 42 بين رجل وأمرأة وأطفال في فترة وجيزة. ومن ضمن النجاحات الذي حققها الشيخ أبو مصعب خلال فترة تسلمه المعسكر (وهي ما تقرب على السنتين) إنشاء طريق هرات-مشهد- اسطنبول (أفغانستان-إيران-تركيا) والذي أفاده في مرحلة لاحقة. خلال بنائه لمجتمعه ركز أبو مصعب على بناء العلاقات مع كل الجنسيات والأعراق؛ من الشباب العرب وغير العرب المتواجدين على الساحة الأفغانية، يتجول في كل ربوع أفغانستان قاصدا الالتقاء بهم وسماع أخر أخبار مناطقهم الأصلية القادمين منها والإستفادة من تجاربهم وخبراتهم وحلولهم. كذلك استطاع ابو مصعب انشاء مراكز تجنيد ودعم له في ألمانيا وتركيا، كل ذلك عن طريق من التحق به من الأسر الشامية لمعسكره، والأحرى قول مجتمعه في هيرات، حيث أنه قوى الترابط بين أفراد مجتمع عن طريق الزواج حتى بات كأنه أسرة واحدة متماسكة، وعن طريقهم بنى شبكات اتصال ودعم في تركيا وألمانيا وهي الأماكن التي التحق منها أفراده، هذا غير خط التواصل بين تركيا وهيرات عن طريق مشهد.
صقل أبو مصعب مواهبه القيادية والإدارية بدرجة كبيرة، فلم تمر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م حتى أصبح شخصا آخر غير أبومصعب الذي دخل أفغانستان، فصار يفكر بشكل أعمق من السابق في كل قضية تعترضه، ويخطط للمستقبل بشكل استراتيجي، كل ذلك في ظرف سنتين أو يزيد قليلا. فسبحان مقدر الأقدار.

انهيار طالبان:
ظهرت حكومة طالبان عام 1994م بعد الاقتتال الداخلي لفصائل الحرب في أفغانستان، واستولت على العاصمة كابول سنة 1996م، وعلى كامل التراب الأفغاني إلا جزء يسير من الجبال (وادي بانشير)؛ وقد اعترفت باكستان بها كممثل شرعي لأفغانستان وتلتها السعودية ثم الإمارات. استقبلت طالبان اسامة بن لادن في نفس العام (1996م) قادما من السودان، والذي بدوره أسس الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين بالاندماج مع جماعة الجهاد المصرية (أيمن الظواهري) عام 1998م وعرف لاحقا بتنظيم القاعدة. كما استقبلت طالبان الكثير من الجماعات الاسلامية المحاربة من قبل دولها وفتحت لها معسكرات تدريب حسب رغباتها.
في السابع من أكتوبر 2001م شنت القوات الأمريكية حربا صليبة للقضاء على طالبان والقبض على أسامة بن لادن، صمدت حركة طالبان لفترة تقرب على الثلاثة شهور وصمد معها معظم المقاتلين العرب على اختلاف فصائلهم؛ حتى جاءت الأوامر من قيادة طالبان بالانحياز وبدء حرب العصابات، وكان من ضمن الأوامر أيضا اخراج معظم المقاتلين الغير افغان لعدم قدرة الحركة على تحمل مسؤولية حمايتهم وسقوط معظم المناطق والمدن بيد التحالف الصليبي ومن معه من تحالف الشمال، فخرج من خرج لوزيرستان (باكستان) وخرج من خرج للمناطق الحدودية في إيران، وكان منهم أبو مصعب وجماعته.

شجاعة وإقدام:
حينما بدأ الهجوم الأمريكي على طالبان لم يكن لدى أبو مصعب أي خطة واضحة للمواجهة وهو يعيش في مجتمعه بالقرب من هيرات، وهي المدينة التي تقطنها نسبة كبيرة من الشيعة الهزارة، والذين غدروا بطالبان ومن معها، ذلك حينما قصف التحالف معسكرات ومخازن أسلحة طالبان في هيرات؛ تحركت المجموعات الشيعية والمدعومة من ايران بقوة واستولت على هيرات، فما كان على طالبان ومن معها إلا الإنحياز إلى مناطق أمنة، فخرج أبو مصعب بجماعته على شكل مجموعات، وقعت مجموعة في الأسر على يد الشيعة، وبلغه أمر وقوعهم في الأسر، فجمع 25 مقاتل من رجال معسكره الذين دربهم، وصلى بهم صلاة الحاجة؛ ثم شن هجوم مباغتا وعنيفا على المنطقة التي احتجزت فيها مجموعته، أدى الهجوم القوي والمستميت إلى إرباك العدو وفراره، لخشيتهم من أن يكون الهجوم مقدمة لاستعادة طالبان لمدينة هيرات من جديد. فكانت العملية ناجحة قياديا وإداريا، أثبتت كفاءة معسكره ونجاحه؛ وشجاعة وحنكة أبو مصعب القيادية، فأنقذ الشيخ أبو مصعب بعد توفيق الله لهم وحنكته جميع الأسرى من دون خسائر، واستكمل عملية الإنحيازه إلى جنوب أفغانستان متوجها قندهار (والتي لم تكن قد سقطت بعد)، ووصل بحفظ الله إلى قندهار بسلام رغم قصف التحالف المتواصل والممتد على طول وعرض أفغاستان.

الإنحياز إلى العراق:
ترافق إنحياز طالبان من المدن التي كانت تسيطر عليها قرار إخراج جميع المقاتلين غير الافغان من أفغانستان، خرج على إثر ذلك أبو مصعب ومجتمعه الذي أنشأه من قندهار، قاصدا مدينة (مشهد) الإيرانية كمحطة أولية، ثم يليها أرض العراق، متوقعا وموقنا دخول الأمريكان لها، مستندا في ذلك إلى معظم التصريحات والخطابات الأمريكية في تلك الفترة والتي تحاول الربط بين نظام الحكم في العراق وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر تارة وتارة ربطه بإنتاج الأسلحة النووية ووجوب تخليص العالم من شره، فاستخلص من ذلك أن أمريكا ستدخل العراق بعد أفغانستان لا محالة.
عرضت جماعة أنصار الإسلام التي تأسست بنهاية 2001م المساعدة على الإخوة العرب المنحازون من أفغانستان في تلك المحنة التي يمرون عليها، وكانت مواقع جماعة أنصار الإسلام ومعسكراتها تقع في شمال العراق على الحدود العراقية الإيرانية؛ وحيث أن أبا مصعب قد أنشأ له صلات في العراق خلال فترة معسكره في هيرات مع بعض الأفراد بالعراق؛ لم يصعب عليه أمر التنسيق مع جماعة أنصار الإسلام. فكان الترتيب على نقل جماعته أو مجتمعه من مدينة (مشهد) إلى مناطق سيطرة أنصار الإسلام في شمال كردستان على الحدود المحاذية لإيران، لكن باغتتهم الحكومة الشيعية الإيرانية فاعتقلت نسبة كبيرة من مجموعة أبو مصعب، واستطاعت القلة الباقية الهرب والوصول إلى أرض العراق، في ضيافة الإخوة الأكراد.
دخل أبو مصعب الزرقاوي العراق قبل الهجوم الأمريكي عليه، ومكث في ضيافة الإخوة الأكراد، وحينما سقطت بغداد على يد التحالف الصليبي؛ انساح في أرض العراق يحرض الناس على الجهاد، ويحضهم على قتال الصليب، فاستجاب له من استجاب، وقام بتأسيس خلايا جهادية في أماكن متفرقة بعد التعرف على عدد من المخلصين من اهل التوحيد في العراق ممن استجاب له؛ ساعده في ذلك أيضا من كان معه من مجموعته في معسكر هرات؛ مكونا بهم جماعة جهادية، لم يظهر الإسم الفعلي لجماعته الجهادية (التوحيد والجهاد) إلا بعد القبض على صدام حسين، خلال العام 2004م، على الرغم من أن الجماعة قامت بعمليات ضخمة كعملية تدمير مقر بعثة الأمم المتحدة في بغداد، وقتل فيها 24 شخصا بينهم المبعوث الأممي سيرجيو دي ميلو في أغسطس 2003م، وكذلك العملية التي وقعت بعدها بأيام في النجف وقتل فيها رجل الدين الشيعي محمد باقر الحكيم، وهي عمليات استشهادية أقر بها في تسجيلات صوتيه له.
تجلت عبقرية ابو مصعب القيادية والإدارية في إدارته للصراع وتأثيره على كثير من العراقيين الذين انضموا له لاحقا لجماعته الجهادية، وغالبا ما كان يركز على العقيدة السلفية الجهادية وتدريس التوحيد في معسكرات الجماعة التي أسسها، وقد كان شديدا مع المتعاونين مع الصليب سواء الشيعة أو المنسوب لأهل السنة. وعلى الرغم من قيمة المكافأة التي وضعتها القوات الأمريكية للقبض على أبو مصعب إلا أنها باءت بالفشل لغموض الرجل وعدم وجود صورة حديثة له آنذاك، وعدم ظهوره إلا صوتيا.

التوحيد والجهاد:
كانت جماعة التوحيد والجهاد قوية نسبيا عند تأسيسها؛ فهي ليست كأي جماعة أو تشكيل من تشكيلات المقاومة الأخرى في العراق، فقد جمعت في صفوفها طاقات هائلة بقيادة محنكة مدربة على حرب العصابات؛ قيادة تعرف الهدف من تأسيسها، وهو السعي لإقامة دولة إسلامية لما بعد الإحتلال الأمريكي، وسر قوتها وحنكتها أنها جمعت في صفوفها بتوفيق الله كثير من الرجال من كل الأصناف والخبرات، كالأطباء، والعسكريون وحتى من الذين سبق لهم أن عملوا بالإستخبارات العراقية السابقة (أبو فارس الأنصاري أو عبد الستير محمد فراس من جزيرة الرمادي نقيب بالاستخبارات؛ تاب متأثرا بأخيه وباع نفسه لله)، رجال صدقوا ما عادوا الله عليه؛ نحسبهم والله حسيبهم، وقد توزعت خلايا الجماعة في معظم أنحاء العراق تقريبا، ثم تطورت لاحقا كتنظيم بمبايعة تنظيم القاعدة الأم في اكتوبر 2004م.


*** الحلقة الثانية من (حقائق مغيبة عن العوام عن صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام)

العراق وبداية الظهور

التركيب السكاني في العراق
شهد النمو السكاني في العراق بشكل عام تطورا سريعا متواصلا ومنتظما، فلم يتأثر بالتقدم او التراجع الذي شهده الإقتصاد العراقي خلال مراحله الزمنية المتعاقبة، ففي الدراسة المقدمة من وزارة التخطيط بعنوان (خطة التنمية الوطنية للسنوات 2010م – 2014م) أشارت البيانات الإحصائية إلى ازدياد سكان العراق من حوالي 8 مليون نسمة عام 1965م الى 12 مليون نسمة عام 1977 م, والى 16.3 مليون نسمة عام 1987 م, ثم 22 مليون نسمة عام 1997 وارتفع الى 26 مليون نسمة عام 2003 والى 30.5 مليون نسمة عام 2008 م.

جغرافية العراق:

يقسم معظم الجغرافيين سطح العراق إلى اربعة اقسام رئيسية وهي:

1- السهل الرسوبي:

أو يسمى ببلاد ما بين النهرين السفلى، حيث تبدأ منطقة السهل الرسوبي من بغداد وجنوبا إلى الخليج العربي وهي المنطقة التي يمر فيها نهري دجلة والفرات حيث يرتبط هذان النهران بمجموعة من القنوات وتضم هذه المنطقة مجموعة من الأهوار التي يعتبر بعضها دائميا والبعض الأخر موسميا. سميت المنطقة بالسهل الرسوبي لترسب كميات كبيرة من أملاح نهري دجلة والفرات وترسبات الرمل والطين في المنطقة وتوجد بحيرة في جنوب غرب بغداد باسم بحر الملح إشارة إلى كثافة الترسبات الملحية والتي يصل سمكها إلى 20 سنتمتر ويوجد أيضا بحيرتين شمال بحر الملح وهما بحيرتي الحبانية والثرثار.
2- الهضبة الصحراوية:
تمتد الهضبة الصحراوية علي طول المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات إلى صحراء سوريا والأردن ودولة آل سعود وهي منطقة جافة في معظم فصول السنة ويسكنها البدو وفيها الكثير من الوديان والتي يصل طول بعضها إلى 400 كم وتشكل الأمطار الساقطة في الشتاء في بعض الأحيان فياضانات تهدد البدو الساكنين فيها، ولما كانت هذه الصحراء (غربي نهر الفرات) تمتد على طول الحدود مع دولة آل سعود والأردن فهي تنتمي جغرافيا مع شبه الجزيرة العربية.
3- المنطقة الجبلية:
تصل مساحة المنطقة الجبلية إلى 92،000 كم مربع وتبدأ جنوب مدينة كركوك بجبل حمرين وتمتد شرقا إلى فارس وغربا إلى سوريا وشمالا إلى تركيا، وهي امتداد للنظام جبال الألب التي تمتد شرقا من منطقة البلقان من خلال جنوب تركيا وشمال العراق وفارس وخراسان، وصولا في النهاية إلى جبال الهمالايا مع الصين.
4- المنطقة المتموجة:
وهي عبارة عن منطقة وسطى بين السهل الرسوبي والمنطقة الجبلية حيث يبدأ مستوى الأرض بالارتفاع تدريجيا. تبدأ هذه المنطقة بين نهر دجلة شمال مدينة سامراء ونهر الفرات شمال مدينة هيت وتمتد إلى سوريا وتركيا وتعرف أيضا بالجزيرة لوقوعها بين النهري. ولذلك تسمى بأعالي بلاد ما بين النهرين (بين نهري دجلة والفرات العلوي).

غزو العراق
عندما أرادت الإدارة الأمريكية غزو العراق قدمت قبل سقوط نظام صدام حسين في بغداد في 9 أبريل 2003م مجموعة من التبريرات لإقناع الرأي العام الأمريكي والعالمي بمشروعية حربها على العراق، وكانت التبريرات تتلخص كالتالي:
- استمرار حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في عدم تطبيقها لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش عن الأسلحة بمزاولة أعمالها في العراق، ومن ثم وضعت موعدا نهائياً لبدء العمليات العسكرية بينما كانت فرق التفتيش تقوم بأعمالها في العراق.
- استمرار حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتصنيع وامتلاك أسلحة دمار شامل، وعدم تعاون القيادة العراقية في تطبيق 19 قراراً للأمم المتحدة بشأن إعطاء بيانات كاملة عن ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل، ثم لم يتم حتى هذا اليوم العثور على أية أسلحة دمار شامل في العراق بل إن نتائج مفتشي الأسلحة أكدت عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل نهائيا.
- امتلاك حكومة الرئيس السابق صدام حسين لعلاقات مع تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى والتي تشكل خطرا على أمن واستقرار العالم وهو إدعاء لم يثبت باي دليل لإستحالة وجود قواسم فكرية وعقائدية تجمع القاعدة بنظام الحكم العراقي العلماني.
- نشر الأفكار الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط والوعد بشرق أوسط أكبر ولو بالقوة العسكرية وتغيير أنظمة الحكم الرسمية للدول.
هذه هي المبررات الأمريكية التي شنت لأجلها القوات الصليبية بقيادة أمريكا غزو العراق، والأصل أنه بعد النجاح النسبي الذي حققه الغزو الأمريكي لأفغانستان والإطاحة بحكم طالبان تصورت الإدارة الأمريكية أن لديها القوة العسكرية والدعم الدولي الكافيين لإزالة حكم صدام حسين بدون أية مشاكل بعد تيقنها بضعف النظام.
وفي 20 مارس 2003م سمعت دوي انفجارات في بغداد، علم فيما بعد أنه كانت ضربة صليبية استهدفت منزلا كان يعتقد أن الرئيس العراقي صدام حسين متواجد فيه. اعتمدت قيادات الجيش الصليبي على عنصر المفاجاة وهو البدء بحملة البرية متزامنة مع حملة جوية وبصورة سريعة جدا أطلقت عليها تسمية الصدمة والترويع، وكان الاعتقاد السائد لدى الصليبيين انه باستهداف القيادة العراقية والقضاء عليها فان الشعب العراقي سوف ينضم للحملة وسوف يتم تحقيق الهدف باقل الخسائر الممكنة.
وفي 27 من مارس 2003م ابطأت العواصف الرملية التقدم السريع للقوات الصليبية فواجهت مقاومة شرسة من الجيش العراقي بالقرب من منطقة الكفل الواقعة بالقرب من النجف والكوفة وأثناء هذه الأحداث في وسط العراق وبعد أن تصور جميع المراقببن ان الجنوب العراقي أصبحت تحت سيطرة القوة الصليبية الغازية؛ نقلت شاشات الإعلام التلفزيونية مشاهدا لمقاومة شرسة في أقصى الجنوب بالقرب من ميناء أم قصر والتي أبت إلا أن تكون غصة في حلق القوات الغازية.
حاصرت القوات الصليبية مدينة البصرة لأسبوعين قبل أن تستطيع اقتحامها حيث كان التعويل على أن الحصار كفيل باضعاف معنويات الجيش العارقي السابق وفدائيي صدام مما سوف يؤدي في نهاية الأمر إلى حدوث انتفاضة جماهيرية من قبل سكان المدينة؛ لكن هذا التعويل لم يكن مثمرا واستطاعت القوات البريطانية اقتحام المدينة بعد معركة عنيفة بالدبابات اعتبرتها من اعنف المعارك التي خاضتها تلك القوات المدرعة وتم السيطرة على البصرة في 27 من مارس بعد تدمير 14 دبابة عراقية. وفي 9 أبريل انهارت القوات العراقية في مدينة العمارة وهو نفس اليوم الذي سقطت فيه بغداد.
في هذه الأثناء وفي شمال العراق قامت مجموعة من القوات الخاصة الأمريكية بإنزال بالمظلات في شمال العراق وباسناد من القوة الجوية الأمريكية ودعم معلوماتي من الأحزاب الكردية بدك معاقل حركة أنصار الإسلام، وهي الحركة الإسلامية التي تخشاها، وظنت القوات الصليبية أنها قضت نهائيا على الخطر الذي يهددها.

احتلال بغداد
في 5 من إبريل 2003م قامت مجموعة من المدرعات الصليبية وعددها 29 دبابة و 14 مدرعة نوع برادلي بشن هجوم على مطار بغداد الدولي وقوبلت هذه القوة بمقاومة شديدة من قبل وحدات الجيش العراقي التي كانت تدافع عن المطار، فكانت معركة المطار من أعنف المعارك التي خاضتها القوات العراقية ضد القوات الصليبية الغازية، قيل أن القوات الصليبية ( وكانت قوات أمريكية) استخدمت فيها القنابل النيوترونية وهي قنابل تقتل البشر وتحرق الأجساد تماما, لكنها تبقي الأسلحة والأبنية سليمة.
قد يبالغ الكثير في وصف معركة المطار، ولكن الثابت أن القوة الغازية استخدمت الكثير من الأسلحة المحرمة دوليا، لكسب معاركها بأي ثمن كان، فاستخدمت في معركة مطار بغداد قنابل تزن أطنان وقنابل فوسفورية حارقة وقادرة على إحراق منطقة عمليات بحجم سرية. لقد كانت معركة المطار مرحلة فارقة في غزو العراق، وظلت تفاصيلها غامضة بعد أن تكتمت الولايات المتحدة على مجرياتها، فيما لم ينج أحد من العراقيين الذين شاركوا فيها ليروي أسباب الانهيار السريع للقوات العراقية خلالها.
وبعدها بيومين أي في 7 من إبريل 2003م قامت قوة مدرعة أخرى بشن هجوم على القصر الجمهوري واستطاعت من تثبيت موطا قدم لها في القصر وبعد ساعات من هذا حدث انهيار كامل لمقاومة الجيش العراقي.
وفي 9 من إبريل 2003م أي بعد ثلاثة اسابيع من بداية الحملة الصليبية؛ أعلنت القوة الغازية بسط سيطرتها على معظم المناطق ونقلت وكالات الأنباء مشاهد لحشد صغير يحاول الإطاحة بتمثال للرئيس العراقي صدام حسين في وسط ساحة أمام فندق الشيراتون، وتم لهم ذلك بمساعدة من ناقلة دبابات صليبية.
لا تزال تفاصيل معركة المطار وانهيار مقاومة الجيش العراقي غير معروفة حتى الآن، وقيل أن قيادات الجيش الأمريكي تمكنت من ابرام صفقات مع بعض قيادات الجيش العراقي الذي اضمحل فجأة بعد أن كان الجميع يتوقعون معارك عنيفة في شوارع بغداد، حيث صرح القائد العسكري الأمريكي تومي فرانكس (والذي تولى قيادة الحرب ثم استقال بعد سقوط بغداد) في أحد المقابلات بعد استقالته مع صحيفة الدفاع الأسبوعي: أنه تم بالفعل دفع مبالغ لقيادات الجيش العراقي أثناء الحملة الأمريكية وحصار بغداد للتخلي عن مراكزهم القيادية في الجيش.

العراق بعد سقوط بغداد
دخلت القوات الغازية مدينة كركوك في 10 من إبريل إثر سقوط بغداد، ثم تكريت في 15 من نفس الشهر. وبدأت عمليات سلب ونهب واسعة النطاق في بغداد وفي بعض المدن الأخرى وقد نقلت هذه العمليات للعالم كله عبر شاشات التلفاز حيث قام الجيش الصليبي بحماية مباني وزارتي النفط والداخلية فقط ومن ضمنها مبنى المخابرات العراقية، وبقيت المؤسسات الأخرى كالبنوك ومشاجب الأسلحة والمنشآت النووية والمستشفيات بدون أي حماية وعزت قيادات الجيش الصليبي ذلك إلى عدم توفر العدد الكافي لجنودها لحماية المواقع الأخرى.
ذهل العالم الإسلامي من سرعة سقوط بغداد ومعها العراق كله بعد ثلاثة أسابيع من بداية الضربات الصليبية، في حرب أطلقت عليها القوات الصليبية الغازية إسم (عملية تحرير العراق)، ولم يفق من صدمة السقوط إلا بعد تعيين بول بريمر في مايو من نفس العام كحاكم فعلي للعراق؛ حين أعلن حاكم العراق الجديد حل الجيش العراق السابق وحل مؤسسات العراق وبدأ بتشكيل مجلس حكم جديد ومؤسسات جديدة، كبداية عهد جديد لما بعد حكم البعث للعراق، واستمر مسلسل السقوط بقتل أبناء صدام حسين: قصي وعدي في يوليو من نفس العام وبعدها في ديسمبر تم القبض على رئيس العراق صدام حسين؛ فأنهت بذلك القوات الصليبية حكاية البعث في حكم العراق، وظنوا أنه بانتهاء عهد حزب البعث ستصفو لهم ساحة العراق ليبدأوا بعدها برسم خططهم ومؤامراتهم منطلقين من أرض العراق، وما علموا أن قدر الله ومشيئته فوق كل تخطيط ومؤامرة، وأن الله قد أذن ببدأ عهد جديد، عهد ستسطره بطولات الجهاد والمجاهدين، وتضحيات لن يقطف ثمارها غير الصادقين المخلصين.
لقد مكرت القوات الغازية مكرا بشريا؛ بدخولها أرض العراق بتخطيطهم وأهدافهم، ومكر الله شيء آخر والله خير الماكرين، فمن كان يظن أن في العراق ستحصل أحداث جسيمة! أحداث ستهز العالم أجمع، وتجعله يقف مذهولا من هول ما يرى ويسمع!؟ ولكنها إرادة الله ومشيئته تعالى.

الشيعة قوة جديدة في العراق:
عندما دخلت القوات الصليبية العراق دخلت معها قوات كبيرة من ميليشيا بدر الشيعية ومليشيا حزب الدعوة قادمة من إيران، وهي قوات مدربة لسنوات في إيران، وشارك الكثير من أفرادها في الحرب العراقية الإيرانية، فهي تأتمر بأوامر آيات قم في إيران، عقدية المنهج والأهداف.
دخلت هذه القوات بهدف فارسي إيراني وباتفاق سري مع القوات الصليبية الغازية، وتحت غطاء ديني داخل وخراج العراق؛ حيث أفتى لشيعة العراق مرجعهم السيستاني بعدم جواز مقاتلة القوات الأمريكية، وكان هذا جزء من الاتفاق السري بين أمريكا وإيران، على أن يسلم الأمريكان إدارة مفاصل الدولة من جيش وشرطة وداخلية لهم، فقاموا بفضاعات كبيرة ومجازر وحشية باسم الحفاظ على الوطن والقضاء على البعثية والإرهاب، وأنشأوا السجون السرية بقيادة صولاغ جبر (كسجن الجادرية في بغداد الذي ظهر لاحقا؛ وغيرها من السجون السرية التي لا يعلمها إلا الله)، وقد كان المخطط المبدئي افراغ الجنوب العراقي من السنة واحلال الفرس والشيعة، ثم السيطرة على العاصمة بغداد وتفريغها من أهل السنة، وهو مخطط صفوي إيراني، وقد نجحوا فيه إلى حد ما، ولكن إرادة الله فوق إرادتهم وتخطيطهم، فقد كانت تتشكل ببطء قوة أخرى ستقف في وجههم، قوة لا قبل لهم بها بإذن الله.

عشوائية العمل الجهادي وشراسة القتال
حينما أعلنت القوات الأمريكة انتهاء العمليات القتالية الكبرى في القتال في بداية مايو 2003م وبعد ما يقرب على الشهر من سقوط بغداد، ظنوا في نشوة فرحة الإنتصار والقوة العسكرية أن الأمر فعلا إنتهى وأن النصر قد حسم أمره إلى غير رجعة، فبدأوا يتحدثون عن الشرق الأوسط الكبير، ويهددون دول، فظهرت التحليلات والتخمينات عن الدولة التالية والمستهدفة بعد العراق، هل هي سوريا أم السعودية أم مصر.
وما علم العالم أن العراق يمر بمرحلة جديدة تحت الإنشاء، مرحلة قدّر الله لها أن تكون بدايتها عشوائية؛ لكنها تطورت بعد ذلك بشكل غريب؛ واكتسبت خبرة كبيرة، ومرت بمعاناة ومأساة تولّدت منها دولة أذهلت العالم كله وصعدت بشكل لا يستوعبه العقل البشري، ولكنه قدر الله.
فبدأت التشكيلات العسكرية تظهر على الساحة العراقية بعد الاحتلال الصليبي، وتتبنى على العلن العمل الجهادي، كالجيش الإسلامي، وجيش المجاهدين وجيش الراشدين وكتائب ثورة العشرين وجماعة التوحيد والجهاد وجيش أنصار السنة وجيش الفاتحين. وقد بذلت القوات الأمريكية الكثير والكثير من الجهود لاحتواء هذه التشكيلات والقضاء عليها أو اختراقها وتحريف مسارها.
وظل العمل القتالي ضد الأمريكان ينموا شيئا وشيئا مستفيدا من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها القوات الأمريكية وكان منها خطأ حل الجيش العراقي السابق؛ حيث أن القرار أجبر الكثير من قياداته السنية الذين خسروا امتيازاتهم السابقة على توزيع الكثير من السلاح والعتاد على تشكيلات المقاومة على اختلاف توجهاتها، وانضم البعض إلى فصائل المقاومة معززا قدرتها العسكرية والأمنية، فلم يكن للأمريكان بد إلا زيادة التعاون مع الشيعة وتسليمهم دفة الحكم شيئا فشيئا؛ كونهم الأكثر سمعا وطاعة، فأبدى الروافض تعاونا مطلقا مع المحتل بل وسهلوا الإحتلال بالفتاوي التي تحرم قتاله، كل ذلك من أجل تحقيق مكاسب سياسية بتوجيه من إيران الصفوية التي تمولهم بلا حدود.
فكان هذا الأمر (تسليم الحكم المطلق للرافضة) أيضا من الأخطاء الاستراتيجة التي ارتكبتها القوات الأمريكية خلال احتلالها للعراق، حيث تعامل الروافض الشيعة مع السنة وفق ما يمليه آياتهم في إيران، فتشكلت فرق الموت الطائفية والمتخصصة في تصفية أهل السنة، ونشرت المذهب الرافضي بقوة السلاح تارة وباسم القانون الوضعي تارة أخرى؛ وهو ما ولد شعور الإنتماء للسنة لدى الكثير من أبناء أهل السنة.

معركة الفلوجة الأولى وإمارة الفلوجة
(أجرت مجلة 'التايم' الأمريكية تحقيقًا في عدد من أعدادها الأسبوعي عام 2004م عن 'شيوخ الجهاد' في الفلوجة الذين يكافحون من أجل تأسيس دولة إسلامية بالعراق. وبدأت المجلة تحقيقها بالحديث عن مجموعة من الشيوخ الذين تجمعوا داخل أحد البيوت الآمنة على أطراف مدينة الفلوجة التي لم تخاطر القوات الأمريكية بمحاولة دخولها. وتقول المجلة: إن مجموعة الشيوخ اجتمعت لمناقشة الجهاد ضد الولايات المتحدة، ووصفتهم بأنهم يلبسون ملابس بيضاء ولحاهم طويلة. وتؤكد المجلة أنهم كلهم عراقيون حاولوا نشر الإسلام السني السلفي إبان عهد صدام حسين، ولما جاء الاحتلال الأمريكي قادوا الجهاد ضده. ونقلت المجلة عن أحد الشيوخ الذي وصفته بأنه زعيم المجموعة قوله: إن الحرب في العراق ليست لتحرير العراق فقط ولكنها لتحرير الأراضي الإسلامية والمسلمين، ليس هناك فرصة للمفاوضات مع العدو، لا توجد أرضية مشتركة. ثم يضيف زعيم المجموعة: ربما هذه الحرب ستبقى وقتًا طويلا إنها حرب عالمية. وتقول المجلة: إن هذه المجموعة بعد أن أنهت اجتماعها توجهت للصلاة وأثناء اجتماعهم سمع دوي قذيفة صاروخية تسقط داخل قاعدة أمريكية الأمر الذي دفع مجموعة المشايخ إلى رفع أصواتهم بالتكبير. وتقول المجلة: إن حركة المقاومة العراقية ليس يقودها عناصر البعث كما أشيع في الماضي إنما يقودها علماء دين وإسلاميون ممن يكافحون في سبيل الله. وتشير المجلة إلى أن هدف هؤلاء المجاهدين هو تحويل العراق إلى ساحة جهاد عالمية مثلما كان الوضع في أفغانستان في الثمانينات، وهو الأمر الذي يؤكده مسئولوا المخابرات الأمريكية الذين يصفون العراق بأنه مغناطيس للإسلاميين في أنحاء العالم.) إنتهى.
والحقيقة أن إمارة الفلوجة كانت إمارة حقيقية، قامت بعد معركة الفلوجة والتي حدثت في ابريل عام 2004م، وكان من أسبابها قيام قوات مرتزقة من إحدى الشركات المتعاقدة مع الصليبين (بلاك ووتر) في العراق بمحاولة دخول مدينة الفلوجة والسيطرة عليها، فباءت محاولتهم بالفشل، فتم قتل أربعة منهم، وسحلت جثثهم في الشوارع وعلقت بعد ذلك على جسر في أطراف مدينة الفلوجة؛ وهو جسر يطل على نهر الفرات؛ عند ذلك حشد الصليبيون قواتهم لتـأديب المجاهدين ومن يساندهم من أهل السنة، حتى يكونوا عبرة لباقي المدن الثائرة في المثلث السني والمسمى بمثلث الموت، فتم محاصرة الفلوجة، وطلب الصليبيون من أهالي الفلوجة تسليم أبو مصعب الزرقاوي أو تلقي ما لا يحمد عقباه، وهو عذرهم في الحصار، فدارت رحى الحرب واشتد أوارها، حتى انتهت بتكبد الجيش الصليبي خسائر جسيمة دفعت بهم إلى الخروج من الحرب وجر أذيال الهزيمة من الفلوجة، أنقذهم أذنابهم بعقد صلح مع المقاتلين في المدينة، قامت على إثر تلك الهزيمة الصليبية إمارة الفلوجة والتي حرّمت على الصليبين دخول الفلوجة إلى أجل آخر.
إلتحام المجاهدين
لم تمر فترة خلال فترات الإحتلال الصليبي أن إلتحمت الفصائل المقاتلة في العراق كمثل إلتحامهم في معركة الفلوجة، فقد ظنت القوات الصليبية أنه لا يمكن أن تقوم قوة مضادة تعاديها بعد القضاء على المقاومة بالفلوجة وتأديب أهلها، فظهر التنسيق الفطري في العمليات داخل وخارج الفلوجة حينما حوصرت، وثارت معظم المدن السنية، فما يكاد يخرج رتل لمساندة الصليبيين في حصارهم للفلوجة إلا وضرب وتقطعت أوصاله، فجن جنون القوات الأمريكية لكثرة القتلى والخسائر، حتى معسكر أبو غريب والذي يضم في جنباته السجن السيء الصيت، لم يسلم من كثرة الحمم والصواريخ والقذائف عليه، واستمر الحال على ذلك إلى معركة الفلوجة الثانية.

مبايعة تنظيم القاعدة
قام أبو مصعب الزرقاوي أمير جماعة التوحيد والجهاد بمبايعة أسامة بن لادن أمير تنظيم القاعدة في شهر أكتوبر 2004م، على الرغم من أنه رفض بيعته في أفغانستان قبل الغزو الصليبي لطالبان، في بيان سماه بيان بشارة انضواء جماعة التوحيد والجهاد تحت لواء القاعدة، وعزى أسباب البيعة إغاضة للصليب وإفراحا للمسلمين، فاعتبر الكثير هذه البيعة بمثابة أول تمدد لتنظيم القاعدة خارج أفغانستان بعد الغزو الصليبي لأفغانستان وإطاحته بإمارة طالبان.
ولعله من زاوية أخرى قدر الله أن يكتب النجاح لمشروع القاعدة التي بنته بالتعاون مع أبومصعب الزرقاوي في معسكر هيرات في أفغانستان، فرغم أن من أسباب غزو الصليب لأفغانستان هو القضاء على أسامة بن لادن وتنظيمه الذي أنشأه لقتال اليهود والنصارى، جاءت هذه البيعة لتفشل هذا الهدف، وتؤكد أن قتال الصليب تمدد من أفغانستان إلى العراق ليهيأه الله وينشأه على مقربة من أرض الشام، ومن هذه الأرض المقدسة سيتمدد بإذن الله إلى كل العالم، وسيحارب أهداف الصليبيين في كل مكان، والله أعلم.

معركة الفلوجة الثانية
أقدمت القوات الصليبية بعد معركة الفلوجة الأولى إلى فرض حصار خانق وشديد على مدينة الفلوجة؛ قطعت عنها التموين والمدد من الخارج نهائيا، وشنت مع الحصار ضربات جوية متواصلة لم تتوقف حتى بداية معركة الفلوجة الثانية، والتي قامت في النصف الثاني من رمضان 1424 هـ، الموافق نوفمبر 2004.
لم تكن معركة الفلوجة الثانية متساوية أو متكافئة؛ فالقوات الصليبية ضاعفت من تعزيزاتها 7 مرات عن المعـركة الأولى فبلغ تعداد جنودها أكثر من 15ألف جندي، في المقابل كان تعداد المتحصنين داخل المدينة حوالي 1000 مقاتل على أفضل تقدير وهو أقل من ذلك بكثير.
حاولت بعض الفصائل والتي لدى تواجد داخل مدينة الفلوجة التفاوض من أجل فك الحصار الذي لن يضر إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا حيلة لهم وقد أنهكهم واستنزفهم الحصار، ومع ذلك فشلت المفاوضات العبثية لأنها كانت تحت ظل وساطة مشبوهة مكونة من إخوان العراق (الحزب الإسلامي) وبعض الشخصيات المشاركة في مجلس الحكم العميل والمعين منقبل الصليب؛ ثم تبين لاحقا أن الغرض من تلك المفاوضات كان واضحا لكسب الوقت وللحصول على مزيد من المعلومات حول المتحصنين داخل مدينة الفلوجة، ولاختراق صفوف المقاتلين في المدينة والحصول على معلومات حول مواطن قوتهم ومواطن ضعفهم، وقد أرادت القوات الصليبية هذه المرة أن تمحوا المدينة عن بكرة أبيها (وكان هذا لسان حال المارينز الأمريكي عندما سألت صحيفة أوروبية ضابطا من المارينز في بغداد عن وجهته.. قال لها بلهجة صارمة : نحن ذاهبون لمحو الفلوجة) كل ذلك لأجل الإنتقام لكرامتها التي مرغت في المعركة الأولى.
وفعلا بدأت القوات الصليبية المعركة الثانية على الفلوجة بهجوم مكثف واسع النطاق على المدينة، مستخدمين مختلف الطائرات العمـودية والمقاتلة من الجو، والدبابات والمدافع الثقيلة والصواريخ من البر، وكل ذلك ضد حوالي 1000 مقاتل من أهالي الفلوجة، وبعض العـرب والذين لم يكونوا يملكون إلا أسلحة خفيفة وفوق الخفيفة وسلاح الإيمان والعقيدة.
صمدت المقاتلون والفصائل المتحصنة داخل الفلوجة صمودا تاريخيا عجزت القوات الصليبية عن اقتحام المدينة بعد عدة محاولات لاختراقها من جهاتها الأربعة, وتلقت ضربات موجعة جدًا اضطرت إلى استقدام طائرات (b52) العملاقة وقاذفات أخرى، وإستمرت في تطوير وتيرة هذا الهجوم، وتصعيده حتى وصل إلى ذروة الوحشية والهمجية : بكل ما تضمنته معنى الوحشية، والهمجية، من إستخدام الكيميائي، والفسفور الأبيض، إلى القنابل العنقودية، والقنابل فائقة الوزن إلى الإجهاز على الجرحى والعبور عليهم بالعربات، والتمثيل بجثث الشهداء، وسحلهم بحبال الدبابات، وفي نهاية الأمر أعلنت القوات الصليبية عن دخول مدينة الفلوجة بعد أن حولت المدينة وشوارعها وساحاتها إلي مقابر جماعية لكثرة القتلى، زادت من مأساة أهل السنة في العراق.

اقتحام سجن أبي غريب 2005م
بعد انتهاء العمليات القتالية في معركة الفلوجة بدخول القوات الصليبية للمدينة، كان لابد من رفع الهمم والأخذ بالثأر، وتبيان فشل مهمة القوات الصليبية في دخولها للفلوجة، فقام تنظيم القاعدة في العراق بالإعداد لغزوة ثأر استجابة لأمر أميره أبو مصعب الزرقاوي، وتم اختيار سجن أبو غريب؛ كونه ليس سجنا عاديا كباقي السجون، بل الموقع الذي شهد أفضع الانتهاكات و أبشع الجرائم في العصر الحديث، نساءٌ مكبلات بالأغلال وشيوخ يرزحون بالقيود الثقال وشبابٌ يلاقون الأهوال، والأفضع من هذا وذاك وجود معتقلين من الأطفال، وإلى جانب كونه سجن فهو أيضا قاعدة عسكرية محصنة بجدر منيعة وحواجز كثيرة، ويضم في داخله مطارا عسكريا ضخما وجيشا مدعوما بالدبابات والمدرعات والمدفعية الثقيلة؛ لذلك كان مجرد التفكير في اقتحامه ضرباً من الخيال ، ولكن هذا لم يمنع فتية الجهاد من طرق باب المحاولة اعتذارا لربهم وتوكلا عليه.
سميت هذه العملية بغزوة الشيخ أبو أنس الشامي، وفاء للمسؤول الشرعي بجماعة التوحيد والجهاد سابقا والذي قاد كتيبة من كتائب الجماعة لاقتحام أبو غريب في شهر سبتمبر 2004م أي قبل شهر من مبايعة جماعة التوحيد والجهاد لتنظيم القاعدة؛ وقدّر الله أن يتهاون بعض الأفراد في نشر معلومات عن نية الجماعة لاقتحام سجن أبو غريب وتحرير السجناء، فبلغ الأمر القوات الصليببية، فتم متابعة الأمر ورصد كثير من تفاصيل العملية، ثم قصفت القوات الصليبية البيت الذي بات فيه الشيخ أبو أنس ليلة الغزوة، فانتهت العملية بمقتله وبعض الشباب معه، وكتب عليها بالفشل العسكري، فأمر أمير تنظيم القاعدة في العراق الشيخ أبو مصعب الزرقاوي بالتخطيط لغزوة جديدة لاقتحام سجن أبو غريب سيء السمعة وتحرير من قدره الله تحريره، وكان المخطط لهذه الغزوة والقائد الميداني فيها الشيخ أبو حمزة المهاجر.
وقعت هذه العملية في 3 من ابريل عام 2005م وكان من أهدافها التي خطط لها:
1ـ تحرير جميع السجناء من المسلمين في سجن أبو غريب وذلك بعد إستغاثة الأخوات في السجن؛ والتي قطعت قلوب كثير من المجاهدين في العراق حتى عزموا على عمل المستحيل لتخليصهم.
2ـ الإثخان والتنكيل في الجنود الصليبيين.
3ـ رفع الروح المعنويه للمجاهدين في كافة أنحاء العراق وخاصة بعد الإحباط الذي أصابهم نتيجة ما ارتكبته القوات الصليبية من مجازر يندى لها الجبين في معركة الفلوجة الثانية.
انطلقت الكتائب المؤمنة شطر سجن أبو غريب، وقد ازدادوا خبرة واستعدوا هذه المرة استعدادا جيداً وتجاوزوا أخطاء غزوتهم الأولى فتدربوا مدة ثلاثة أشهر قبل موعد تنفيذ الغزوة، و تعاهد الأمراء على عدم إخبار الإخوة عن الغزوة حتى تحين ساعة الصفر فكان الجنود يتدربون كل يوم ولا يعلمون ما هو المقصود من تدريباتهم تلك ولم يعلم الذين تم اختيارهم لذلك الغرض إلا قبل ساعتين من التنفيذ.
وقبل غروب الشمس بساعة باشر أكثر من مائة وخمسين من أسد الشرى بتنفيذ هجومهم الكاسح على معسكر الصليب في سجن أبو غريب فدكوا حصونه و هدموا أبراجه و أمطروه بوابل من القذائف والصواريخ، وكان هناك إخوة في مكان آخر قد أوكلت لهم مهمة منع وصول الإمدادت العسكرية للجيش المحاصر داخل القاعدة العسكرية الكائنة في سجن أبي غريب،و كان الروح المعنوية عاليا، والثقة بالله كبيرة، فثبتهم الله في مواقف كثيرة خلال الغزوة، ومن ذلك أن أحد الأرتال المدرعة كان قد نجح في اختراق الطوق الذي ضربه المجاهدون حول السجن و كاد هذا الخرق أن يفشل العملية برمتها ولكن الله تعالى سلّم ومن على أحد الإخوة فانطلق إلى الطريق السريع وراح يرمي الدروع الثقيلة بسلاح الـ "بي كي سي " الذي لا يصلح أصلا في مواجهة الدروع ومع هذا لاذت القوات الصليبية بالفرار، فكان ثبات الأخ عجيب بتوفيق الله ورحمته له ولإخوانه.
شنّ المجاهدون على سجن أبو غريب هجوماً شاملاً استخدموا فيه كافة أنواع الأسلحة المتاحة لديهم، وبرجال أُعدوا لهذه العملية من مدة استغرقت شهوراً من التدريب، فكان عنصر المباغتة وتنظيم إدارة المعركة من أسباب نجاحها بعد توفيق الله لهم، فدارت رحى الحرب على أربع محاور:
المحور الأول:
"الركن الجنوبي الشرقي" لسجن أبو غريب، وتم الهجوم عليه بسيارتين يقودهما استشهاديان كريمان تقبلهما الله تعالى في الشهداء، ومجموعة اقتحامية مؤلفة من عشرين مجاهدا (هدفهم اسقاط الأبراج وفتح ثغرات في الجدار عن طريق سيارتين استشهاديتين شاحنة وجرار زراعي) تمكنوا في النهاية من إسكات حراس الأبراج وتسلق جدران السجن.
- المحور الثاني:
"الشمال الشرقي" لسجن أبو غريب، وتم الهجوم عليه بأربع سيارات (يقودها استشهاديون) ومجموعة اقتحامية مؤلفة من خمسة عشر مجاهدا (هدفها اسقاط الابراج والسيطرة عليها دون الحاجة احداث ثغرة)، وكان هدفها إسكات حراس الأبراج وقد تمكنت من إنجاز مهمتها على الوجه المطلوب منها.
سجن أبو غريب ضمن معسكر أبو غريب
- المحور الثالث:
"الجهة الشمالية الغربية" لسجن أبو غريب؛ -من جهة عمارات خان ضاري- وهو مكونٌ من مجموعة اقتحامية مؤلفة من أحد عشر مجاهدا (مهمتها اسقاط الابراج واحداث ثغرة في الجدار وادخال سيارتين مفخختين لتدمير مقرات القوات الامريكية).
- المحور الرابع:
" الجنوبي الغربي" لسجن أبو غريب؛ مجموعة مؤلفة من أحد عشر مجاهدا (هدفها فتح جدار والسيطرة على ابراج الحراسة وتكون ايضا حماية متقدمة لهذا المحور)، وكان في مقدمتهم سيارة استشهادي- وتمكنوا من إتمام المهمة بحول الله تعالى وقوته. ويُذكر أن من بين خطط هذه الغزوة المباركة كان العمل على قطع طرق الإمداد المؤدية إلى سجن أبي غريب وقد تحقق للمجاهدين هذا الهدف بفضل الله تعالى، فكان من نتائج العملية:
- أستشهاد ثلاثة من الإقتحاميين أثناء تسللهم حصون وقلاع السجن –نحسبهم كذلك والله تعالى حسيبهم- وجرح اثنان من المجاهدين.
- تمكن المجاهدون من الوصول إلى أبراج المراقبة والقيام بالتكبير عالياً فوق سجن أبي غريب مما أحدث رعبا لدى القوات الصليبية داخل السجن.
- تم تدمير العديد من الآليات والمدرعات والدبابات وقتل العشرات من القوات الصليبية الأمريكية، وقد اعترفت القوات الصليبية بإصابة أربعة وأربعين جنديا فقط دون ذكر عدد قتلاهم.
- إسقاط طائرة مروحية ،كانت تحاول عاجزة إنقاذ الجيش المهزوم -بفضل الله تعالى ومنته.
- تدمير كتيبة الخيالة الصليبية والمتواجدة داخل السجن بفعل الضربات الصاروخية.
- تحرير ما يقارب المائة والخمسين أسيراً من الفرارمن سجن أبو غريب.

نقلة نوعية في العمل الجهادي
لقد كانت معركة أبو غريب من أضخم العمليات الجهادية في العراق تلك الفترة، كونها عملية معقدة جدا ومركبة، فعلى الرغم من الحماية العسكرية الكبيرة من القوات الصليببية لسجن أبو غريب؛ إلا أن ذلك لم يمنع فصيل من فصائل الجهاد في العراق من اقتحامه، فالعملية في شكلها الذي جرى - كما وصفتها أجهزة الإعلام – جاءت وفق ترتيب متعدد ومركب، تمت على مساحة زمنية طويلة، اعتبرتها وسائل الإعلام نمطا مهما وتطور نوعي في عمليات المهاجمين؛ إذ أظهرت قدرة المجاهدين على القيام بعمليات مركبة، تشمل استخدام الهاون واستخدام سيارات استشهاديين متعددة وفي توقيتات محددة، ثم الهجوم من خلال الأفراد، كما اعتمدت في جانب آخر على فكرة الربط بين الهجوم بالهاون لإجبار القوات الأمريكية على اللجوء إلى أماكن للحماية من القصف، ثم الهجوم الاستشهادي لخلخلة الصفوف وإحداث حالة صاعقة للجنود، ثم يتلو ذلك عملية اشتباك في هجوم مباغت مستغلين حالة الارتباك لدى العدو.
لقد أكدت العملية كذلك على تطور الفصائل الجهادية في عمليات رصد ومتابعة القوات الأمريكية، والقدرة على اختراق كل الحواجز دفعة واحدة، والقدرة على التمويه لوجودها الكثيف في لحظة واحدة دون علم أو توقع قوات الاحتلال، والقدرة على خوض معركة على مساحة واسعة تمتد عبر الجهات الأربع للسجن، والقدرة على تمرير السيارات الاستشهادية والمجاهدين إلى مكان العملية وفي التوقيتات المحددة... إلخ.
وبالمحصلة أصابت القوات الصليبية خيبة أمل كبيرة من هذه العملية، فقد ظنت أن جذوة الجهاد ستخبو بعد معركة الفلوجة الثانية، فجاءت هذه العملية بعد انتهاء المعركة بأربعة شهور على الأكثر، لتؤكد للعدو الصليبي أن جذوة الجهاد لن ولم تتوقف في كامل مناطق أهل السنة في العراق، بل سيزيد العمل وسيتطور تطورا نوعية في الكم والكيف؛ حينها علمت القوات الصليبية أنها بدأت تغوص في الوحل العراق وأن إخماد القتال سيطول لعقود قادمة.

ما بعد معركة الفلوجة الثانية
اعتمدت الفصائل الجهادية بعد معركة الفلوجة الثانية إلى خطة الانتشار لتوسيع رقعة القتال في مدن أهل السنة الأخرى لإجبار قوات الاحتلال على الانتشار على مساحة واسعة، فتسهل عمليات ضربها وتشتيتها، وحتى لا تتكرر مأساة الفلوجة مرة أخرى أخذت الفصائل العسكرية خطة عدم التشبث باحتلال أرض معينة كما حصل للفلوجة.
ازداد أعداد المقاتلين المنضمين إلى صفوف الفصائل الجهادية، فزرع هذا الأمر في نفوس القوات الصليبية الوهن والضعف والشعور بالخيبة من مواجهة المصير المظلم، وزاد من صعوبة موقفهم أن بدأ الحلف الصليبي يتهاوى الواحد تلو الآخر فانسحب القوات الإيطالية والأوكرانية والبولندية لتبقى القوات الأمريكية والبريطانية وحدها في المواجهة الأصعب، والقتال المجهول.

احتواء المقاومة
ظنت القوات الأمريكية لوهلة أن معركة الفلوجة الثانية سيكون درسا تأديبا لأهل السنة فيمتنعوا عن مساندة المجاهدين والمقاتلين، ولكن حدث عكس ذلك، فزاد أوار الحرب اشتعالا، من الفلوجة باتجاه الشرق إلى بغداد وغربا إلى الرمادي والقائم، وشمالا الموصل وكركوك، بل إن الصادقين من المجاهدين استفاد من معارك الفلوجة، وفهم واستخلص دروس حتى قبل بدء المعركة، فقد كشفت لهم المفاوضات التي حدثت أثناء حصار الفلوجة وضاعة البعض المتدثر بالإسلام وهو ألد الخصام له، فقد كانوا يتقربون للمحتل لأجل حفنة من مال أو جاه أو منصب ولو على حساب أهل السنة، بإسم الدين تارة والوطنية والقومية تارة أخرى.
تحولت الصراع بعد الفلوجة الثانية من معركة الفلوجة إلى معركة العراق كله، فزاد غضب أهل السنة وانضم الكثير منهم إلى الجهاد والمجاهدين، وارتفعت خسائر المحتل عدة وعتادا أكثر من ذي قبل، وتلقى ضربات موجعة في جميع مفاصله العسكرية في العراق ما أفقده توازنه وبدأت تظهر في الأفق بوادر الهزيمة، وعاد إعلامه إلى الحديث عن شبح هزيمة فيتنام.
عندها بدأ بالتفكير بشكل جدي في التفاوض مع بعض التشكيلات القطرية والتي همها إخراج المحتل فقط، وبدأ تلك المفاوضات خلال عام 2005م، وقد استثنى المحتل من التفاوض فصيلين على الساحة هما: العدو اللدود تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب وأنصار الإسلام لقرب منهجهم من القاعدة.
بلغ أمر التفاوض بين الصليبيين وبعض المنسوب للفصائل الجهادية جميع الصادقين في بلاد الرافدين، فبدأت المشاورات بين الصادقين في أرض الجهاد في العراق، فتولدت فكرة مجلس شورى المجاهدين، وكان الفصيل صاحب الفكرة هو تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، والذي يعتبر من أقوى الفصائل على الساحة الجهادية العراقية، كانت الفكرة تشكيل مجلس شورى جهادي يجمع كل أطياف الفصائل الجهادية ويقوده شخص من أرض العراق، فتم تشكيل مجلس شورى المجاهدين بعد تشاور كبير بين المجاهدين في داخل العراق.

مجلس شورى المجاهدين
تأسس المجلس في ديسمبر 2005م بقيادة عبدالله رشيد البغدادي، بهدف توحيد الجهود ضد الاحتلال الأمريكي وحلفائه، وليكون نواة الدولة الإسلامية لاحقا عند تأسيسها، وذلك عقب بلوغ الكثير من الصادقين في فصائل الجهاد أمر التفاوض بين الصليبين وبعض أفراد المقاومة، وقد ضم المجلس عند انطلاقه خمس جماعات وتنظيمات إسلامية مختلفة، كان على رأسها تنظيم القاعدة في بلادالرافدين، وتكونت عضويته في مرحلة التأسيس من: تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، جيش الطائفة المنصورة، وجيش أهل السنة والجماعة، وسرايا أنصار التوحيد، وسرايا الغرباء، ثم التحق بالمجلس جماعات أخرى مثل: كتائب الأهوال، وسرايا الجهاد الإسلامي – العراق-، وكتائب المرابطين. وقد تولى المجلس قيادة العمليات العسكرية، والتنسيق مع بقية الجماعات والتشكيلات الأخرى بهدف عدم تعارض الجهود ضد الاحتلال، وكانت البيانات تصدر عن الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين، والمجلس يتبنى مسؤوليته عن العمليات العسكرية بغض النظر عن الجماعة التي نفذتها.
أثر تأسيس مجلس شورى المجاهدين على الساحة الجهادية بشدة، فزادت العمليات بشكل أكثر تنسيق وأقوى من ذي قبل، وذلك لقوة المجلس على الأرض وانتشار كتائبه، بل وشجع بعض الأفراد من الفصائل الأخرى على الإنخراط في المجلس لاحقا، لتنفصل عن تنظيماتها الأم، لما رأوا من وضوح الراية وصلابة القيادة وصدقها في العمل، وكان هذا بداية التفكك لتلك التنظيمات.

مقتل أبو مصعب الزرقاوي
مع بداية يونيو 2006م وفي غارة صليبية على أحدى قرى ديالي، ارتقى قائد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وعضو مجلس شورى المجاهدين الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، بعد شهر تقريبا من ظهوره العلني، في اصدار قطع الشك باليقين في مسألة وجوده، بعد أن نسج الكثير حوله الخيالات والأساطير. رثته معظم الجماعات والفصائل الجهادية في العراق لعلاقته القوية بهم ومعرفتهم بتأثيره على الساحة الجهادية العراقية، فظن الصليبيون أنهم قضوا على تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وما دروا أن التنظيم إنما هو عضو في مجلس أكبر، وإن كان عموده الفقري.
لم يكن الشيخ أبو مصعب الزرقاوي قائد لجماعة أو تنظيم فقط، بل كان المؤسس الحقيقي لمجلس شورى المجاهدين، وكان له وزنه وثقله في المجلس وإن كان عضوا فيه، لدرجة أنه استشير في مسألة وقت إعلان الدولة الإسلامية من قبل قيادة مجلس شورى المجاهدين، لما تكنه قيادة المجلس من احترام له وتقديرا لسابقته الجهادية.

تمكين المليشيات الشيعية وفرق الموت
لما شعر الصليبيون بخطورة القتال ضد الفصائل الجهادية، وجدوا أنها تستند إلى حاضنة شعبية قوية، فأرادوا فصل هذه الحاضنة عن الفصائل الجهادية، وسعوا إلى مكائد جمة منها مكيدة تمكين المليشيات وفرق الموت من الهجوم على مناطق أهل السنة وسفك دمائهم بصورة بشعة حتى يرغموا الحاضنة السنية للضغط على فصائلها من أجل التخفيف من هجماتهم ضد القوات الصليبية المحتلة، ثم بث عملائهم بين أهل السنة لترغيبهم بالدخول في العملية السياسية من أجل حفظ حقوقهم وكرامتهم بأيديهم، وعدم ترك حكم العراق للشيعة ومن خلفهم الإيرانيين، فصار أهل السنة بين مطرقة الصفويين وسندان مشاريع الصليبين، وأي تنازل منهم سيجر إلى تنازلات أخرى قد تنتهي بالسقوط في هاوية يصعب الخروج منها.
أدت الميليشيات الصفوية وفرق الموت واجبها على أتم وجه، من قتل وتشريد وتشتيت لأهل السنة، وكان ذلك أحد أسباب سقوط بعض الفصائل الجهادية في وحل المفاوضات مع القوات الصليبية، والتي لم تكن لتضع في حسابها تمكين هذه الفصائل من حكم العراق ولو بشكل يسير، بل إن أمر حكم العراق قد حسم بين أمريكا الصليبية وإيران الصفوية، وقد كان قصد القوات الصليبية من تلك المفاوضات هو القضاء على القتال الدائر أو تقليله قدر الإمكان، والذي استنزفها كثيرا في العدة والعتاد، وبلغ عدد قتلاهم حد لا يعقل على الرغم من تكتيتمها لعدد القتلى.

أخبار ذات صلة

العامى أو طالب علم من الطبيعى أنه لا يُحسن الاجتهاد، وبالتالى فلا يجوز له أن يقول هذا الاجتهاد خطأ أو صواب، وإنما يقلد مجتهداً آخر في هذا، دون تعدٍ أو حد ... المزيد

يحدث اللبس ويستنكر البعض حينما نصف بعض الناس بأنهم يتبعون هذا النهج فى التفكير والتصورات ومناهج التغيير

 وقد يقول:

... المزيد

كنت أود تأخير مقالى بعد العيد لكن تأخير البيان لايجوز عن وقت الحاجة

بفضل الله  منذ عشر سنوات أو أكثر وانا احذر وأنتقد عزمى بشارة فه ... المزيد

عديدة هي التحولات الجيوبوليتكية السحيقة في القطر العربي التي امتدت من الشرق إلى ليبيا و الهادفة إلى بلقنة المنطقة تنزيلا لبنود مخططات الظلاميين و ا ... المزيد