البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الدولة الإسلامية: إمارة الملا عمر خاصة بأفغانستان وتصريحاته تؤكد أنه لم يقصد الخلافة وهو ليس قرشيا

المحتوي الرئيسي


الدولة الإسلامية: إمارة الملا عمر خاصة بأفغانستان وتصريحاته تؤكد أنه لم يقصد الخلافة وهو ليس قرشيا
  • الإسلاميون
    14/07/2015 09:57

نشرت مجلة دابق التي تصدرها الدولة الإسلامية نص فتوى صادرة عنها باسم (الفتوى الخراسانية) كالتالي:
 
الفتوى الخراسانية
 
وصلنا هذا السؤال من ولاية خراسان، فطرحناه على أحد الفضلاء ليجيب عليه، ورأينا أن من المصلحة نشر الجواب لتعم الفائدة.
 
السؤال:
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كيف حالك أخي الفاضل؟ كيف صحتك؟ ثبتك الله على الصراط المستقيم وتغمدك بالرشد والعافية واليقين.
 
أخي الفاضل، أرجو أن تجيب على سؤال وجهه إليّ أحد الأشخاص البارزين في صفوف طالبان، تعرّفَ على الدولة الإسلامية ويرغب بمبايعة الخليفة أبي بكر البغدادي (حفظه الله) ولكن يريد جوابا على السؤال التالي، نحن حاولنا أن نجيبه حسب وسعنا...
 
السؤال: "إذا كان الأمير (يعني الملا عمر) موجودا لا تصح بيعة الأمير الثاني والخلافة الثانية لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه): ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)). وأمير المؤمنين (يعني الملا عمر) كان أميرا حقا، ولكن الآن إذا افترضنا استشهاده ألا يشترط أن يثبت ذلك بخبر يقين؟ حتى يعرف المسلمون جميعا عن تنصيب إمام جديد (يعني الشيخ أبا بكر البغدادي) ويؤدوا الواجب عليهم. إذا افترضنا وجود الأمير (الملا عمر) فتنصيب الأمير الثاني (الشيخ أبي بكر البغدادي) يصير مطعونا فيه، لا بد أن نجد حلا."
أرجو منك أخي الفاضل أن تجاوب في أسرع وقت، وجزاك الله عن الإسلام والجهاد خيرا.
 
الجواب:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله الذي خلق الكون على نظامٍ محكمٍ متين، والصّلاة والسّلام على أنبيائه الكرام هداة الأمم إلى الحقّ المبين، لا سيما منهم نبيّنا الكريم الذي أرسله رحمة للعالمين ليرقى بهم معاشاً ومعاداً على سلّم الحكمة إلى علّيين، أما بعد:
 
اعلم -وفقنا الله وإياك لفهم مراد الله ورسوله- أنّ الإمامة الشرعيّة العامة هي لمن توفرت فيه شروطها وأوصافها المعروفة المذكورة في نصوص الشرع وكلام أهل العلم، والإمام قد يكون عاما لجميع المسلمين، ويسمى في حينها بالإمام الأعظم أو الخليفة، وهذا يكون له بمنزلته وصفة إمامته عموم النظر ووجوب الطاعة على جميع المسلمين، وهذا النوع من الإمامة هو الأصل الذي يسقط به وجوب نصب الخليفة على جميع الأمة وتحصل به الفريضة وهو المراد من جميع الآيات والأحاديث التي تأمر وترشد إلى نصب الأئمة واتخاذ الخلفاء، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة))، وقوله في الصحيح من حديث حذيفة: ((الزم جماعة المسلمين وإمامهم))، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))، ونحوها من النصوص الواردة في أحكام الإمام الأعظم والخليفة الذي يستحق هذا الوصف بما استجمعه من شروطها وأركانها، وهذا مثل خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، وخلافة الحسن بن عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير (رضي الله عنهم) وعمر بن عبد العزيز (رحمه الله) ونحوهم.
 
وقد يكون الإمام أو الأمير خاصاً بمصر من الأمصار، أو ببلد من البلدان، وحينئذ يكون إماما قطريا لإمارة خاصة لا تتعدّى ولايته غيرها، مثل ما ذكره المؤرخون من أنّ أهل دمشق لما مات خليفة الوقت معاوية بن يزيد سنة 64هـ، أمّروا الضحاك بن قيس على أن يُصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يُبايَع الإمام الأعظم، فهذا النوع من الإمارة لا يسوغ العمل بها إلا في حال الاضطرار وانفراط عقد الإمامة العظمى لمحاولة سدّ الفراغ السياسي الشرعي وإقامة ما يمكن إقامته من الشرائع وأحكام الديانة، وقد أشار إلى العمل بهذه الحالة غير واحد من علماء السياسة الشرعيّة، ومنهم الجويني فإنه قال في كتابه النفيس "غياث الأمم" [1/175]: "إذا كان الغرض من الإمامة استصلاح العامة، وتمهيد الأمور، وسد الثغور، فإذا تيسر نصب إمام واحد نافذ الأمر، فهو أصلح لا محالة في مقتضى السياسة والإيالة، وإن عسر ذلك، فلا سبيل إلى ترك الذين لا يبلغهم نظر الإمام مهملين لا يجمعهم وازع، ولا يردعهم رادع، فالوجه أن ينصبوا في ناحيتهم وزرا يلوذون به، إذ لو بقوا سدى، لتهافتوا على ورطات الردى، وهذا ظاهر لا يمكن دفعه".

وإنه لولا غياب الخلافة في الماضي لما كان لتلك الإمارات القطرية والجماعات الصغرى ما يبرّر وجودها ونشأتها شرعاً، إذ الواجب تعيين إمامٍ وخليفةٍ واحد على جميع الأمة يسوسهم بدين الله ويحملهم على ما يوافق نظر الشرع، فإن الخلافة بمنزلة التطهر بالماء وهو الأصل، وتلك الإمارات بمنزلة التيمّم بالصعيد وهو البدل يجوز مع الضرورة وعندها، وإذا حضر الأصل بطل التيمم، وبالتالي فإنه وعند وجود الخليفة وتنصيبه فإنها تبطل وتلغى جميع الإمارات والبيعات الخارجة عنه، ولهذا قال الجويني أيضاً بعد كلامه السابق [1/176]: "ولو زالت الموانع، واستمكن الإمام من النظر لهم، أذعن الأمير والرعايا للإمام، وألقوا إليه السلم، والإمام يمهد عذرهم، ويسوس أمرهم، فإن رأى تقرير من نصبوه فعل، وإن رأى تغيير الأمر فرأيه المتبوع وإليه الرجوع".
 
وإذا تقرّر هذا الأصل وظهر التفريق بين تلك الحقائق، تبيّن الجواب على الإيراد المطروح من صاحب السؤال، وذلك من خلال التوصيف الشرعي العادل والدقيق لكلٍّ من إمامة الشيخ أبي بكر الحسيني البغدادي وإمارة الملا عمر، وإذا كان الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، فإنّ تصوّرنا لإمارة الملا عمر من خلال تصريحاته وبياناته وتصرّفاته وطبيعة حاله تدلّ بلا شك أنها "إمارة" قطريّة وطنية لا يراد منها ما يُراد بالإمامة العظمى من حيث الأحكام والتكاليف والتبعات، فإذا كان الملّا عمر يقول في إحدى بياناته: "إن إمارة أفغانستان تؤمن بإقامة علاقات ثنائيّة إيجابيّة مع جميع الدول المجاورة في إطار من الاحترام المتقابل ... ونطمئن جميع الدول بأن الإمارة كما أنها لا تسمح لأحد أن يتدخّل في شؤونها فهي أيضاً لا تتدخّل في شؤون الآخرين"! [تهنئة بحلول عيد الأضحى 1430 هـ]. فإّن هذا أبين ما يكون في أنّ الرجل لا يعمد إلى إقامة خلافة شرعيّة كبرى يعمّ نظرها العالم كلّه، وتسعى في تخليص العالم الإسلامي من أنظمته الكافرة والمرتدّة عن دين الله، وإنّما يقصد بحركته إقامة دولة وطنيّة في حدود بلاده، يوضّح هذا قوله في بيان آخر وهو يتحدّث عن مصير بلده بأنه سيكون: "ذو صبغة إسلاميّة وأفغانيّة خالصة"! ويقول إنه سيتمتّع: "بنظام شرعيّ وطني ... وسيحافظ على وحدة أرض الوطن"! [بيان بمناسبة عيد الأضحى المبارك 1433 هـ]. وهذا كلّه يدلّ بالتأكيد على أنّ هذه الإمارة نشأت لتحكم أفغانستان فقط وتراعي مع ذلك الأعراف الدوليّة في عدم التدّخل في خصوصيّات الدول الأخرى المجاورة، وهذا ينافي بطبيعة الحال المقصود من الإمامة العظمى التي تسعى في توحيد كلمة المسلمين في العالم جميعاً، وتهتمّ بكافّة شؤونهم وقضاياهم، وتقوم عمليّاً بالتدخّل المباشر لإصلاحها وتقويمها على منهاج النبوّة وتعلن عن ذلك.
 
فضلاً على أن هذه التصريحات والبيانات تتضمّن مصادمة لكثير من الأصول الشرعيّة التي تأمر بجهاد الكفار حيثما وجدوا، ووجوب إظهار العداوة لهم جميعاً، وترك الركون لهم ولو بالعبارات المحتملة أو التي تحمل معاني باطلة بالمفاهيم السياسيّة المعاصرة لهذه الألفاظ، وإذا كان المسلم الفرد لا يستقيم له دينه –ولو وحد الله وترك الشرك– إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض، فكيف يسوغ لطائفة لها قوّتها وشوكتها أن تضعف عن إقامة هذه الشعيرة الكبيرة في مجال خطابها السياسي على الأقلّ؟!(1)
 
وفي المقابل فإنّ الدولة الإسلامية -أعزّها الله- بإعلانها قيام خلافة وتنصيب خليفة للمسلمين وبسط نفوذها على مساحات كبيرة من الأرض المباركة وفي مركز العالم الإسلامي، وبعثها للأمراء والولاة في البلدان والأقاليم الأخرى، ومبايعة الكثير من الجماعات الإسلامية المقاتلة وغيرها لها، وتصريحها بعداوة النظام العالمي والقيام بجهاده في كل مكان يمكنها جهاده، والسيطرة على كثير من المناطق الهامّة، كلّ هذا وغيره من أعظم ما يبيّن حقيقة هذه الخلافة المباركة وأنها موافقة ومتماشية مع المقاصد والاعتبارات الشرعية للإمامة العظمى، والأهمّ من ذلك هو عقد البيعة للإمام إبراهيم البدري السامرائي (حفظه الله) باسم الخلافة ودعوته بخليفة المسلمين، ونداء هذه الدولة للناس جميعاً ببيعته على هذا الاسم والوصف، وظهور هذا الأمر معتبر في الحكم بصحته فإنّ البيعة على الإمامة من أعظم أنواع العقود التي يشترط فيها العلم بهذا العقد ووضوح حقيقته وصراحة ألفاظه، وإذا كان عقد البيع والشراء لا يصح عند كثير من العلماء إلا بإيجاب وقبول وعلمٍ بالمبيع المعقود عليه، علماً بأن البيعات تشبه في أحكامها البياعات، كما قال القلقشندي في "صبح الأعشى" [9/281]: "البيعات جمع بيعة وهي مصدر بايع فلان الخليفة يبايعه مبايعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة وهي شبيهة مشبهة بالبيع الحقيقي"، وقال أبو السعادات ابن الأثير في نهايته في غريب الحديث في سبب تسميتها بالبيعة: "كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره"، فإننا لا نعلم بحال من الأحوال أن الملا عمر دعا إلى عقد بيعته باسم الخلافة ولا عمل على مقتضاها، بل وصرح بنفسه ضمن البيانات الصادرة عنه أن إمارته ليست خلافة ولا إمامة عظمى، وأنها تعمل فقط ضمن حدودها كما بينّاه آنفاً، فكيف يُقال عن الملا عمر بأنّه خليفة وهو لم يُنصّب نفسه لها؟!
 
يا للعجب! كيف يُسلب وصف الخلافة عمن تصدى لها وعمل بها وتحمّل أعباءها وتكاليفها وتُعطى لمن امتنع عنها وأعرض عن مقامها وعمل بما يخالف مقتضاها؟!
 
كما أنه لا يفوتنا في هذا المقام التنويه بأنّه حتى وإن دعا الملا عمر إلى بيعة نفسه باسم الخلافة فإنها لا تصحّ منه، باعتبار أنّ مما أجمع العلماء عليه قديماً ودلت عليه قواطع النصوص الشرعيّة أن القرشيّة شرط من شروط صحة الخلافة، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك وانعقاد إجماع الصحابة عليه، ولا عبرة بشذوذ من شذّ ممن قال بصحة إمامة غير القرشي، من الخوارج والمعتزلة وأهل البدع وبعض المتأخرين، فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) [رواه البخاري ومسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين)) [رواه البخاري]، وللنسائي في السنن عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((الأئمة من قريش)).
 
وتقييد النبي (صلى الله عليه وسلم) الإمامة بالقرشي دلالة على أنها لا تصح من غيره، وإلا لما كان لذكرها فائدة، وقد حكى الإجماع على شرط القرشية غير واحد من أهل العلم، وفيه يقول الماوردي في "الأحكام السلطانية" [1/20]: "والسابع من الشروط: النسب، وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه، ولا اعتبار بقول ضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس، لأن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ((الأئمة من قريش))، فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير، تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((قدِّموا قريشا ولا تقدَّموها))، وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه، ولا قول لمخالف له".
 
ولقد بالغ ابن حزم الظاهري وعدّ تجويز إمامة غير القرشي تكذيبا لخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وكفراً بالله، كما قال في "المحلى" [8/421]: "روينا من طريق مسلم عن عبد الله بن عمر قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان)) ومن طريق البخاري عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين))، قال أبو محمد: حديث ابن عمر أعم من حديث معاوية، وهذان الخبران -وإن كانا بلفظ الخبر- فهما أمر صحيح مؤكد، إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيبا لخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وهذا كفر ممن أجازه، فصحّ أن من تسمى بالأمر والخلافة من غير قريش فليس خليفة، ولا إماما ولا من أولي الأمر، ولا أمر له، فهو فاسق عاص لله (تعالى)، هو وكل من ساعده أو رضي أمره، لتعديهم حدود الله (تعالى) على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)".

وفي الجملة فإن هذه القضيّة -شرطيّة النسب- وإن استهان بها بعض العصريين إلا أنّ الأئمة الأوائل ذكروها في مسائل الاعتقاد التي تميّز بها أهل السنّة عن طوائف أهل البدع، ومنها ما ذكره السفاريني (رحمه الله) في منظومته "الدرّة المضيّة في عقد الفرقة المرضيّة" في باب الإمامة ومتعلّقاتها:
 
وشرطه الإسلام والحرية * عدالة سمع مع الدرية
 
وأن يكون من قريش عالماً * مكلفاً ذا خبرة وحاكما
 
وعليه نقول: الملا عمر ليس قرشيا كما هو مذكور في سيرته الذاتية التي نشرتها إمارة طالبان عبر موقعهم الرسمي، وهذا مما له الأثر في عدم صحّة خلافته في حال أنّه تصدّر لهذا المقام، وفي المقابل فإن نسب الشيخ أبي بكر البدري السامرائي البغدادي واتّصاله بقريش، بل وبآل محمد (صلى الله عليه وسلّم) مستفيض مشهور مثبت عند علماء النسب بالعراق وغيرها، وعلى سبيل المثال، قال النسّابة صاحب كتاب "عشائر العراق" [ص385]: "البو بدري: رئيسهم الأستاذ سعيد البدري [أي في عصر المؤلف، ثم ذكر نسب سعيد إلى جدّه بدري، ثم قال:] ويتصلون بالإمام محمد الجواد، ويسكنون في داخل سامراء"، ومحمد الجواد من مشاهير أهل البيت الحسينيين، توفي عام 220هـ، وهو: "ابن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب".
 
والحاصل أنّ هذا التقرير يوقفك على فهم معنى قول النبي (صلى الله عليه وسلّم): ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))، وقوله في الصحيح أيضاً: ((أوفوا ببيعة الأول فالأول))، وأنّه عند تحقيق مناطهما على الواقع المسؤول عنه يتبيّن بلا شك أنه ليس في هذا الوقت إلا خليفة واحد هو الشيخ أبو بكر إبراهيم بن عواد البدري السامرائي القرشي الحسيني (حفظه الله) وأنه إمام الوقت الذي استجمع الشروط والمواصفات الشرعيّة المعتبرة، وأن الملا عمر كان في يوم ما أمير أحد بلدان المسلمين سابقاً، والذي يجب عليه ومن معه الآن -لو فرضنا أنه حي ولم تصح نسبة البيانات الضالة الأخيرة إليه- هو الدخول في طاعة الخليفة واعتقاد صحّة إمامته والتسليم له بذلك استجابة لأمر الله ورسوله (صلى الله عليه وسلّم) بتوحيد الكلمة وجمع الصفّ والاجتماع على منهاج النبي (صلى الله عليه وسلّم) وأصحابه وسلف هذه الأمة في مسائل الإيمان والسنّة وفي أحكام الإمامة والخلافة، كما أنّه يجب على كل من عقد مع الملا عمر عقد بيعة على إمارته أن يعلم أنّ هذا عقدٌ طرأ عليه استحقاق أعظم منه وأوجب وهو بيعة الخليفة اليوم، وأنّه لا يخرج عن الوصف المذموم بالكليّة في قوله (صلى الله عليه وسلّم): ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة)) إلا من برئت ذمته ببيعة الخليفة الأعظم، وأنّ كل البيعات الأخرى منقوصة بالنسبة إليها، ناقصة في أحكامها ومقاصدها، والله المستعان.
 
ولعلّ مما يحسن الإشارة إليه في هذه الورقات، الجواب على ما يورده بعض النّاس من أنه لا يجب على المجاهدين في خراسان وغيرها من المناطق البعيدة الدخول في بيعة الخليفة أبي بكر القرشي البغدادي (حفظه الله) بحجّة أنه لم يبلغهم سلطانه ولم يمتدّ إليهم نفوذه:
 
وهذا الإيراد غير صحيح أيضاً وهي شبهة يرددها من لم يعرف سيرة النبي (صلى الله عليه وسلّم) في أمرائه، ولم يقرأ تاريخ خلفاء الإسلام وأئمته الأوائل وكيفيّة انعقاد هذا الأمر لهم، وبيان ذلك أنّ البيعة الكبرى تكفي في لزومها بمجرّد بلوغ العلم إلى الأطراف والجماعات الأخرى، ويتعيّن هذا خاصة على كلّ طائفة لها قوتها وشوكتها، فإن القاعدة الفقهيّة المجمع عليها أن: "ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب"، وإذا كان الاجتماع على إمام واحد من الواجبات التي لا تتمّ إلا بدخول الطوائف والجماعات الأخرى فيها، فإنّ دخولها في الجماعة الكبرى واجب متعيّن عليها، ولهذا لما بويع لأبي بكر الصديق (رضي الله عنه) في سقيفة بني ساعدة بالمدينة النبوية كان ذلك كافياً في وجوبها على سائر الجزيرة ولو لم تبلغهم قوّته وشوكته، ومن أجل ذلك لما ارتدّت العرب وبقيت أجزاء من أطراف الجزيرة بعيدة عن سيطرة الصدّيق (رضي الله عنه) لم يكن ذلك بمسوّغ لهم ترك طاعته وبيعته، ومن ذلك قصّة بلدة جواثا، "التي لم يبق بلدة على الثبات إلا هي ومكة والطائف، وكانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، وقد حاصرهم المرتدون وضيقوا عليهم، حتى منعوا من الأقوات وجاعوا جوعا شديدا حتى فرج الله، وقد قال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه الجوع:
 
ألا أبلغ أبا بكر رسولا * وفتيان المدينة أجمعينا
 
فهل لكم إلى قوم كرام * قعود في جواثا محصرينا
 
كأن دماءهم في كل فج * شعاع الشمس يغشى الناظرينا
 
توكلنا على الرحمن إنا * قد وجدنا الصبر للمتوكلينا" [البداية والنهاية 6/327].
 
كما أنه لا يخفى على الناظر في كتب السير والتواريخ وأحكام الإمامة أن من انعقدت له البيعة بالخلافة في بلد من البلدان ثم بعث أمراءه وولاته إلى النواحي والبلدان الأخرى فإنّ هذا كاف أيضاً في وجوب طاعته على أهل تلك البلاد وأن نظر الإمام ينفذ بمجرّد وصول أمرائه وولاته إليهم حتى لو لم يبعث معهم جيوشاً وعساكر تلزم الناس بذلك وتحملهم بالقوّة عليه، وهذا هو المتحقق والحاصل في ولاية خراسان من وجود والٍ نصّبه أمير المؤمنين واستعمله هنالك.
 
وبرهان ذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أرسل حين تولّى الخلافة بأمرائه إلى النواحي وكذلك أرسل فيمن أرسل أميراً إلى الشام ولم يكن له إذ ذاك من سلطان ولا سطوة عليهم وكانوا بامتناعهم عن تمكين أميرهم منهم وإنفاذ نظره عليهم واقعين بلا خلاف في معصية التفرّق والاختلاف، وقد قال الله (تعالى): {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
 
وكذلك أمير المؤمنين ابن الزبير (رضي الله عنهما) فإنه لما مات يزيد بن معاوية انتصب لإمامة الناس وبويع له في مكة ثم أرسل إلى البلدان بأمرائه فدانت له البلدان إلا دمشق فكان من عصاه وخالفه خارجاً باغياً عليه كما قرر ذلك العلماء، قال ابن قدامة (رحمه الله) في كتابه "المغني": "فإن عبد الملك بن مروان، خرج على ابن الزبير، فقتله، واستولى على البلاد وأهلها".
 
وفي الختام فإننا ندعو أهل خراسان إلى المسارعة إلى أمر الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) في توحيد الكلمة واجتماع الصفّ وبيعة خليفة المسلمين، واجتناب الأهواء المضلّة التي تصرف عن هذا كلّه وتلقي الشبهات في النفوس والقلوب، وأن لا يكونوا عوناً لأعدائنا من الصليبيين والمرتدين علينا بخذلانهم وتركهم نصرة خلافة نبيّه (صلى الله عليه وسلّم) التي بشّر بها، فإننا نقوم اليوم بمواجهة العالم الصليبي وقوى الردّة ومن أعانهم، وليحذروا أن يتبعوا سنن الذين من قبلهم:
 
{إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 246-247].
 
والله الهادي إلى سواء الصراط.
 
-------
الهامش:
 
(1) تعليق المحرر: الحقيقة هو أن هذه الأمور أهم من كون "إمارة" الملا عمر إمارة قُطرية أو غير قرشية، لكن الأخ الفاضل يجيب على السؤال كما ورده وأشار إلى بعض الأمور التي اطلع عليها باختصار؛ وللزيادة، راجع مقالة أبي ميسرة الشامي "فاضحة الشام وكسر الأصنام".
 
*المصدر: دابق

أخبار ذات صلة

قال رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، إنه بعد عام من "الهجوم الغادر" على طرابلس، "نزف إليكم" نبأ تحرير العاصمة.

 

المزيد

بانقضاء رمضان هذا العام..سقطت ادعاءات

وزالت أوهام ، ألقى بها المرجفون الرعب في قلوب ملايين المسلمين، بسبب ماروجوه من مزاعم حول(الصيح ... المزيد

قال النبي ﷺ (لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَلْحَقَ قبائلُ مِن أُمتي بالمشركينَ، وحتى تَعبُدَ قبائلُ مِن أُمَّتي الأوثانَ، وإنه سيكونُ في أُمَّتي كذَّابون ثل ... المزيد

قالت وزارة الدفاع العراقية، إن مروحية تابعة للجيش، أصيبت بنيران مسلحي تنظيم الدولة، خلال مهمة عسكرية في محافظة ال ... المزيد