البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

الحريات العامة والدستورية .. صفحة هامة من مذكرات الشيخ الغزالي

المحتوي الرئيسي


الحريات العامة والدستورية .. صفحة هامة من مذكرات الشيخ الغزالي
  • الشيخ محمد الغزالى
    11/03/2019 10:00

كتب الشيخ #محمد_الغزالى يقول : [ إنني منذ نعومة أظافري أهتم بالأحوال العامة، وأكترث للمبادئ التي يعتمد عليها الحكم، وأتعشق الحرية والعزة ، وأكاد أذوب إذا تورَّطت فيما يعاب ، وأصادق بإخلاص، وأعادي الخصوم بنـزاهة ، وأتطلع إلى الصدارة وأبذل ثمنها بطيب نفس!

ولما كنت يافعاً تولّى إسماعيل صدقي باشا الحكم ، فألغى الدستور القائم ، وجاء بدستور آخر ، وقبل ذلك كان محمد محمود باشا قد عطل الدستور مؤقتاً ومهّد للضربة القادمة .

وكانت الأمة كلها ضد هذه التصرفات، وترى أن القصر وأحزابه يعملون لمصلحة إنجلترا ضد جمهرة الشعب المصري ، وكان الطلاب المصريون يقودون حركة تمرُّد لا آخر لها ، فلم يكن عجباً أن يشارك معهدنا في هذه الثورات ، ولم يكن مستغرباً أن أكون بين قادتها.

وقد دفعت ثمن ذلك غاليا ، قٌدّتُ إحدى المظاهرات العنيفة ، وحُقّق معي ثم أفرجت النيابة عني بكفالة مالية قدرها جنيهان ، دفعها أبي وهو يلهث من الإعياء .

ومضت القضية في طريقها العتيد ، وما كنت أدري ما يفعل بي لولا أن قانوناً بالعفو العام شملها فيما شمل من أمثالها ، ونجوت من السجن .

وقُدت أخرى داخل المعهد ، وبعد التحقيق رُئي فصلي سنة من الدراسة ، أو بعبارة أخرى رئي منعي من دخول امتحان آخر العام ، وكنت في السنة الثانية الثانوية ، فعزَّ عليَّ أن أتخلف سنة عن زملائي فتركت الدراسة نهائياً وانفصلت من المعهد ، وقلت: أتقدم لامتحان "الشهادة الثانوية – القسم الأول" من الخارج . وكانت مغامرة لا يقدم عليها أحد!

***

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بنصر إنجلترا وفرنسا وأمريكا ؛ ومع أن الحرب دارت رحاها وتمت معاركها الحاسمة في أرضنا ، فقد كان العرب والمسلمون فيها عنصراً تافهاً !

إن تخلفنا الحضاري والإسلامي كان بعيد المدى ، والفُرقة التي مزّقت جماعتنا أذهبت ريحنا وأحبطت سعينا ، وبلغ من جنون الحقد على المستعمر المباشر أن بعض الشباب هتف في الإسكندرية : تقدم يا روميل ! عندما كان القائد الألماني يطارد الفلول الإنجليزية المبعثرة في الصحراء !

وأنا أفهم كُره العرب لمن خلفوا إسرائيل في أرضنا - وكانت وقتئذ جنيناً في المخاض - لكن ماذا يفيده استبدال مستعمر بمستعمر؟

إن هذا الاتجاه الأعمى دليل فراغ رهيب! والذين يريدون النهوض بأمتنا على نحو راشد ليس أمامهم إلا إزالة هذا الفراغ ، وإحلال عقائدنا ومناهجنا مكانه ، وذلك ما كنا نصنعه مع أستاذنا حسن البنا ، وليتنا توفرنا على هذا وحده، والحديث في هذا ذو شجون، وليس هنا مكانه!

ومع النشاط الذكي الذي قام به حسن البنا في إيقاظ القاعدة الشعبية ، كانت في مصر أحزاب صورية ، ما عدا حزب الوفد الذي كان يمثل تسعة أعشار المصريين في أي انتخاب حر ، أما الأحزاب الأخرى فتدور في فلك القصر الملكي ، ترتقب خلاص الملك من ممثلي الشعب لتتولى هي الحكم في ظل انتخابات مفتعلة !

ومن الواجب أن يُعرف الوضع الديني على صورته الكاملة ، إن جمهرة المنتمين للأحزاب السياسية - الصحيحة والمزوّرة - كانوا مسلمين يسود بينهم المفهوم الغربي لمعنى الدين!

الدين عندهم ليس إلا صلة بين المرء وربه ، تظهر في الصلاة والأخلاق ، وبعض المسالك الخاصة! أما أنه تشريع شامل يصوغ الروابط بين الإنسان والإنسان ، ويُملي تعاليمه في شؤون الحكم والاقتصاد ، فذاك ما لا يُدرى !

 

 

وهناك ناس تمرَّدوا على الدين كله ، عقائده وشرائعه ، وساروا وراء ملاحدة الغرب والشرق ، لا يلوون على أحد ، وكلا الصنفين يضيق بجماعة الإخوان ودعوتهم ، وقد يرفضها دون مبالاة ، أو يعلن الحرب عليها بقسوة!

ولما انتظمت في تخصص الدعوة والإرشاد بكلية أصول الدين ، عنَّ لي أن أؤلف اتحاداً لإعادة التشريع الإسلامي ، يزاحم الاتحادات الطلابية الأخرى ، ويظهر أن الأرض كانت ممهدة ، فسرعان ما اكتسحنا الساحات الأخرى ، وأخذنا نوزع ألوف المنشورات لنبلغ غايتنا!

طلبنا مقابلة رئيس الوزراء - وكان مصطفى النحاس باشا - للتفاهم معه ، فحدد لنا الرجل موعداً ضُحى أحد الأيام ، ودخلت أتقدم زملائي، فرأيت الباشا مُتجهِّماً ، وبعد أن نظر إلينا بازدراء قال لنا : إنه مؤمن بالله ، وإنه أكثر إيماناً من شيوخنا ، وإنه كان في المعتقل لا يدع صلاة! ثم شرع يوجِّه إلينا نقداً أشبه بالسباب...!

ونظرت إلى الرجل فوجدته غير متكلف ، وشعرت أن لشعبيته أساساً من بساطة خلقه ، ورأيت أن أقاطعه على عجل قبل أن ينال منا! فقلت له : إنك تحكم بلداً يُصدر تراخيص بالزنا ، ويفتح حانات الخمور ، ويحل ما حرّم الله! فأين ما تحكي عنه من إيمان وصلاة؟!

وقدمت له مطالبنا .. فأخذها ورمى بها في وجهي .. وكان معه الشيخ محمد البنا وكيل الوزارة للشؤون الدينية ، فقال بأدب جم : مهلاً يا رفعت باشا إنهم يطلبون بعض الإصلاحات الاجتماعية التي تفكر فيها والتي سبق أن كلمتني عنها ، وأخذ ورقة المطالب وانسحب إلى غرفة أخرى .

وبعد جدال مُمِل انصرفنا ، وعلم الأستاذ المرشد - حسن البنا - بما وقع فاستدعاني ولامني على تأليف الاتحاد ، وعلى السير به إلى هذه المرحلة ، وأفهمني أن منهج الإخوان وحده هو الموصل للهدف المنشود ، وإن طال المدى ، ومن الخير أن أكرس جهودي كلها له ، وتم الوفاق على ذلك ، وأنهينا التشكيل الذي صنعناه.

استأنفت العمل ناشطاً راغباً في ميدان الدعوة ، وسرني أن الأستاذ المرشد العام جعلني سكرتيراً لمجلة الإخوان المسلمين ، فكنت أكتب كثيراً ، تارة بتوقيعي وتارات بتوقيعات أخرى ، وكنت أتردد على مكتبي بانتظام ، وأجمع بين عملي في المسجد وعملي في التحرير .

وكوَّنت عدة أحكام على أوضاعنا المختلفة كان لها أثر في حاضري ومستقبلي!

ففي أعقاب لقائي برئيس الوزراء ، وزعيم حزب الوفد مصطفى النحاس باشا ، قلت لمن معي: هذه هي الديمقراطية الغربية بخيرها وشرها!

طالبنا بمقابلة الرجل فلقينا وأسمعنا رأيه فينا ، وأسمعناه رأينا فيه! وبعد نقاش عاصف أذن لأحد مساعديه أن يجتمع بنا ، ثم عدنا إلى أعمالنا العادية ، فما صدر أمر بنقل موظف ، أو فصل طالب ، أو اعتقال إنسان!

وأذكر أنه عندما رشح الأستاذ حسن البنا نفسه في دائرة الإسماعيلية استدعاه النحاس باشا ، وقال له : إن الإنجليز يأبون أن تكون في مجلس النواب ، وأنا لا أزوِّر انتخاباً أبداَ ، فهل تنقذنا من هذا الحرج ، وتنسحب بإرادتك ، ونعدك بتمكينك من نشر دعوتك حيث أحببت ، بعيداً عن المجلس...؟

وعرض الأستاذ المرشد الأمر على الإخوان فوافقت كثرتهم ... وانسحب حسن البنا من الانتخابات.

والواقع أن وزراء الوفد زاروا المركز العام ، ومنعوا عوائق كانت في طريق الدعوة ، وتضاعفت شُعب الإخوان... بيد أن هذا الجسر بين الفريقين انهار لأسباب أرى أن كلا الفريقين مسؤول عنها ...

فالوفديون شعروا بالغيرة من اتساع نفوذ الإخوان ، والترحيب الحار الذي يستقبل المصريون به الدعاة المسلمين ، وضمّوا إلى هذا الشعور كلاماً سفيهاً عن حسن البنا يصفونه بأنه موظف صغير ، أو مدرس لغة عربية ، أو مدرس خط!

 

أما الإخوان فقد كان همزة الوصل بينهم وبين الوفد الأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة ، على حين كان هناك رجل آخر يؤثر أن تقام الجسور بين الإخوان من ناحية ، والقصر وأحزابه من ناحية أخرى ، هو الأستاذ منير الدالّة رحمه الله... وقد رأى الإخوان فصل الأستاذ السكري ، ولقحت بعد ذلك الحرب بين الفريقين...

لم أكن أهتم بغلبة تيار على تيار ، أو قيام شخص على أنقاض آخر ، كان المهم عندي ألا يوصف الإسلام بأنه ظهير الاستبداد السياسي ، وأن فكرته غامضة عن الحريات الإنسانية!

وكنت أشعر بأن الأحزاب المصرية، صحيحها وسقيمها ، لا تعرف الأصول الاجتماعية للإسلام ، ولا الطريقة المثلى لمداواة عللنا وعلل الحضارة التي تغزونا !

وكان "المنهج" الذي نعرضه من خلال دعوة الإخوان هو - في نظري - خير ما يقال للناس ، وكان حسن البنا - فيما رأيت منه - قائداً عابداً ، ومجاهداً صامداً ، ومربياً قديراً ، وداعياً متفانياً ، يضنّ باللحظة من عمره أن تضيع في غير عمل للإسلام!

التفاوت الذي أحسسته كان في "التطبيق" فقط...! فطويت نفسي على ما بها ، ومشيت مع القافلة التي تكبر الله ، وترفع علم الإسلام ، وقلت: أُصدر – إلى جانب ذلك - كتباً أشرح فيها وجهة نظري ... تدعم تعاليم الإٍسلام في جانب غير مطروق...!

قال لي صديق أحسَّ حالة الانقسام النفسيِّ التي اعترتني : كأنك تحب الديمقراطية الغربية؟

قلت: بإجمال نعم! ..

لقد رأيت الشعب الإنجليزي يقول لرئيسه تشرشل بعد ما كسب الحرب: عُد إلى بيتك! نحن بحاجة إلى كفاية من نوع آخر! .. ورأيت الرجل يستقبل القرار مبتسماً، ويعود إلى قريته يستريح ويضاحك الأطفال، كأنَّ شيئاً لم يقع!

قال: والاشتراكية؟

قلت: العناوين لا تخدعني، إن النظام الملكي الرأسمالي في إنجلترا وفّر للطبقات الكادحة حقوقاً يحلم بها زملاؤهم في روسيا ، ألم تسمع ما قيل: إن الإنجليز شعب سعيد ، والروس شعب لا غني ولا سعيد؟!

إن المال على كل حال أحد عناصر الاستقرار النفسي والاجتماعي ، لابد منه يقيناً ، ولكنه ليس كل شيء ، ولست أقبل حرية لا غنىً معها ، ولا غنى لا حرية معه . ونحن المسلمين ننتمي إلى دين الفطرة ، قل لي: بأي عقل يُطلب من مسلم أن يحيا فاقداً كرامته المادية والأدبية...؟

إنني أريد توكيد هذه المعاني للأجيال الجديدة حتى لا ترنو إلى مبادئ مستوردة ، أو تفقد الثقة في صلاحية دينها للحياة . وقد أُخطئ في تشخيص علة أو اقتراح دواء! فما ادعيت العصمة ، إنني أسرع الناس إلى قبول الحق من غيري ، وإعلان فضله ، ونشر الثناء عليه.

****

إن السنوات الأربع التي سبقت الانقلاب">الانقلاب العسكري الناصري ، كانت من أعمق السنوات أثراً في تاريخنا المصري ، فقد استطاع الإخوان – في القدر المتاح من الحريات الدستورية - أن يجمعوا شملهم ، وينمّوا كيانهم ، ويؤكدوا بقاءهم !

وانـزاح حكم الأقليات ، ورجع حزب الوفد إلى الحكم ، وكان نجاحه الكاسح سبباً في أن الأستاذ مصطفى أمين ، وهو عدو الوفد المبين ، يقول معلقاً على هذه النتيجة : لكل داء دواء إلا الوفد...!

ولم أكن يوماً أنتمي إلى حزب الوفد ، فقد عرفت حسن البنا وأنا طالب في الرابعة الثانوية ، بمعهد الإسكندرية الديني ، ويشرفنى أني كنت تلميذاً لهذا الرجل ، بيد أنني حسن الدراسة لديننا ودنيانا ، برئ من العلل التي تشوِّه النظر ، وتفسد الحكم على الأمور .

 

واعتقادي أنه لو تم تفاهم بين الهيئتين الشَّعبيتين لنجتْ مصر من النكسة الهائلة التي وقعت فيها بعد ذلك .. وما أحببت هذا التفاهم إلا لشيء واحد ، هو ضمان بقاء الدستور الذي نالته مصر 1923، والذي يوفر للمصريين من الحريات – لو نُفِّذ - ما يمنع الفرعنة ، ويحمي المستضعفين من الهوان .

إنني أنا الداعي المسلم لا أحتاج إلا إلى الحرية ، لأؤدِّي واجبي ، وأُنجح رسالتي ، ويوم أفقد الحرية أفقد كياني كلَّه!

إن الإسلام لا يحتاج إلا لهذه الحرية كي ينتشر وينتصر! .. وإذا كان بعض الفاشلين في العرض أو القاصرين في الفقه يخشَوْن هذه الحرية فليجاوزوا ميداناً لا يستطيعون أعباءه ، وليحترفوا شيئاً آخر غير الدعوة الإسلامية...!

وكان ظني أن الإخوان بعد مقتل مرشدهم وحلِّ جماعتهم في ظل استبداد مسعور ، سوف يستفيدون من التجربة ، ويستبقون في مصر ضمانات الكرامة الإنسانية ، ومعالم الحياة العامة ، أفذلك وقع؟! .. كلا... لقد مشى الأمر في طريق آخر!

وقد أحزنني وأنا في معتقل "الطور" أن الإخوان عموماً يرفضون أي اتهام لسياستهم ، وقد قلت: إنه بعد هزيمة "أحد" وقع اللوم على "البعض" من الصحابة ، فلماذا لا نفتِّش في مسالكنا الخاصة والعامة ، فقد يكون بها ما يستدعي التغيير! وما يفرض تعديل الخطة؟ لكن هذا التفكير لم يلق ترحيباً...!

والواقع أن الفكر السياسي عند جمهرة المتدينين يتّسم بالقصور البالغ ، إنهم يرون الفساد ولا يعرفون سببه ، ويقرؤون التاريخ ولا يكشفون عبره ، ويقال لهم كان لنا ماض عزيز ، فلا يعرفون سرّ هذه العزة ، وانهزمنا في عصر كذا ، فلا يدركون سبب هذه الكبوة ، ويشعرون أن العالم الغربيَّ بزغ نجمه ، فلا يدرسون ما وراء هذا البزوغ ...!

قلت لأحدهم –وكان يكابرني- ما الفرق بين دستور سنة 1923م ؛ والدستور الذي جاء بعد أيام الانقلاب">الانقلاب الناصري؟ فقال بعد تحيُّر : لا أدري ولا يضرني هذا الجهل!

قلت: تدري فقط أن تثير الشغب حول الصلاة بالنعل أو بدونها ، وحول انتقاض الوضوء من لمس المرأة أو عدم انتقاضه! .. فإذا اتصل الأمر بقدرة حاكم ما على تخريب البيوت وتعمير السجون ، وحرق الكرامات ، وترويع العائلات ؛ قلت: الجهل بأسباب ذلك لا يضر ! .. إن العودة إلى الكتاب والسنة عنوان جميل ، وسيكون هذا العنوان على فراغ قاتل يوم يتاح للفراعنة أن يتخطفونا مستندين إلى دستور وضعوه ، لم نعرف نحن لِمَ وُضع وكيف؟

قال لي آخ آخر يرقب الحوار : لا تنس أن الدستور الذي نَوَّهتَ به مستورد من الخارج!

قلت : لا أنسى ذلك ، إنه فعلاً مترجم ، ومنقول عن جملة من الدساتير الأوربية الحديثة ، وليس كل ما جاء من الخارج يعاب .. إن القوم حصّنوا أنفسهم ضد المظالم المتوقعة بهذه المبادئ القانونية .. فإذا كنا في مصر نتعرض لذات المرض ، فلا حرج من مواجهته بالحصانة المجرّبة! .. إننا نرفض الاستيراد إذا كان ما نجلبه مضاداً لما عندنا ، أو كان عندنا ما يغني عنه .

ومن حقي أن أرتقب من الإخوان كراهية من آذَوهْهم ، وأهانوا إيمانهم ، وكانوا يد الاستعمار العالمي التي بطشت بهم، وزلزلت أركانهم! وأن نُترجم هذه الكراهية إلى موقف سياسي صلب ضدّ الأقليات السياسية أو الأحزاب المصنوعة لخدمة فرد مسلّط .

وعلى أية حال فإنني سوف أعدّ من كبائر الإثم والفواحش ، تزوير الانتخابات ، وكبْت الحريات، والافتيات على الجماهير ، وسأسلك هذه الجرائم مع أنواع الخنا والربا ، والسرقات الكبرى ، وسأعتبر الحياد في مواجهة هذه الانحرافات خيانة لله ولرسوله ولجماعة المسلمين

***

واستطاع الأستاذ صالح عشماوي وكيل جماعة الإخوان ، على عهد الإمام الشهيد ، أن يفتتح مقراً لهذا النشاط الإسلامي ببيته في حيّ "الظاهر" ، وشرع يجمع فلول الإخوان من هنا وهناك ، ثم تحوّل هذا المركز المؤقت إلى مركز عام ، يلقى فيه دروس الثلاثاء ، كما كان الأستاذ البنا يصنع ، ويجتمع فيه محامو الإخوان لبحث قضاياهم ، ويَفِد إليه ممثلوا الشعب القديمة من الوجهين البحري والقبلي ..!

وكنا نحس أن وكيل الجماعة يقوم مقام المرشد في غيابه إلى أن ينتخب هو أو غيره من أعضاء الجماعة مرشداً جديداً مكان الإمام الشهيد .

ولم يكن المضيّ في هذا النشاط تسلية بل تضحية ، ومغامرة قد تطيح بالنفس والمال ، لأن الملك فاروقاً كان قائماً على عرشه ، وقد كثر خلصاؤه من أمثال "بوللي" و "إدجار جلاد" و "كريم ثابت" ، وآخرين نسيت أسماءهم لبُعد العهد.

***

عندما عدت إلى القاهرة وجدت أمامي مشكلة عويصة ، فإن المحكمة أبت أن تُطبق على علماء المساجد قانوناً صدر لإنصاف حملة الشهادات العالية ، ومعنى ذلك أن تبقى مرتباتنا خمسة جنيهات ، بينما يأخذ زملاؤنا المدرسون إثني عشر جنيهاً ، وكذلك الكتبة والإداريون ومن إليهم!

عندما التحقت بوزارة الأوقاف أول عهدي بالوظائف وجدتها دولة داخل الدولة! ولا غَرْوَ فهي تنفق في مصاريف الصدقات ، وتشرف على أنواع الخيرات والمبرات ، وتقوم على تحفيظ القرآن وتنشيط الجوانب الروحية والثقافية في المساجد!

وضماناً لذلك كله فهي تزرع عشرات الألوف من الأفدنة ، وتؤجِّر مثلها للفلاحين ، وتبني مئات الدور والقصور ، بل دخلت في بعض الصناعات الزراعية ، وأصبحت في الواقع وزارة زراعة واستصلاح ، وبلديات ومرافق ، وتعليم وثقافة ، وصحة وهندسة ، وذلك كله لحساب جهات البر الإسلامية .

فلما عدت إليها ثانية كانت الخطة - في العهد الناصري - قد أُحكمت للإجهاز عليها ، أو تقليص رسالتها في أضيق نطاق ، وبدأ التنفيذ بسلخ كل المستشفيات الإسلامية من الوزارة، وإلحاقها بوزارة الصحة...

كان وزير الأوقاف بصفته أميناً على أموال الأبرار من المسلمين، هو الذي يُعين مدير مستشفى "بولاق" للولادة مثلاً، وكان هو الذي يُسأل عن إمداد المستشفى بكل ما يحتاج إليه .

 

فإذا الوزارة تُكلّف بترك جميع مستشفياتها، ويلغى القسم الطبي بها، وتضيع صلة الوزارة الدينية بمستشفى "قلاوون" ، ومستشفى "الملك" ، ومَبَرَّة محمد علي ، ومستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية ، ومستشفيات ومستوصفات شتى في القاهرة والأقاليم .

المعروف أن المستشفيات تستقبل المرضى من أهل كل دين، ولكن ذلك لا يعني أن ينـزع طابعها الديني لأنه الإسلام!إن جمعيات الشباب المسيحية ينتسب إليها مسلمون، فهل يعني ذلك رفع الانتماء المسيحي عنها؟.

إن من حق المسلمين في مصر وفي غير مصر ، أن يكون لهم مستشفيات لها طابعها الإسلامي الخاص ، ويتأكد ذلك إذا أعدّوا لها من خالص أموالهم ما يكفي ويُغني .

أما الآن ففي مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية بالعجوزة مكان للراهبات المسيحيات ، يؤدين فيه شعائر العبادة وهي جمعية خيرية إسلامية.

أحرام على بلابله الدوح * حلال للطير من كل جنس؟

وبدأت الأخبار الحزينة تتوالى،فقد صدر قرار ثوري! بأن تسلم وزارة الأوقاف كل ثرواتها الزراعية والعقارية لوزارتي الإصلاح الزراعي والإدارة المحلية ، وجاءني أحد الموظفين المكلفين بالتنفيذ ، يقول لي: إن الوقف الخيري أكبر إقطاعي في مصر!

 

فقلت له: أيوصف أحد بأنه إقطاعي إذا كان ملكه كله للخير؟ إن هذه الأموال لله وحده ، حبست عينها ، وبقيت ثمرتها تبذل في صالح الإسلام وأمته.فكيف تؤخّذ منه؟

إن هذا الاغتصاب أكبر أعمال القهر والاجتياح في تاريخ مصر – وماذا عساي أفعل؟ سكتُّ مكظوماً .

ثم جاء نبأ آخر ، حُلّت جماعة الإخوان المسلمين، وصودرت أموالها، وألقي القبض على أعداد كبيرة من أعضائها.

لقد كنت مفصولاً بقرار عرفه القاصي والداني، فلما وقعت هذه المصيبة أحسست أن رياحاً عاصفة تهب بعنف لتدمر حاضر الإسلام ومستقبله ، ووقفت من بعيد أرقب ، وماذا عساي أن أفعل...؟

ثم تقرر في محاكمة هزلية قتل ستة من رجال الإخوان بينهم الأستاذ عبد القادر عودة، والشيخ محمد فرغلي و... و... وآخرون...

وقلت لمن أحاطوا بي: طالما حدثتكم عن مساوئ الحكم الفردي ، وعدم وجود دستور محترم ...

إن الملك فاروقاً لما أراد قتل حسن البنا ، دبَّر اغتياله في ظلام الليل ، وظهرت الجريمة للناس دون أن يُعرف للشهيد الراحل قاتل معروف

أما اليوم فإن لجنة تؤلف من بعض الضباط لتقتل في وضح النهار ستة من خيار المسلمين ، دون أن يجرؤ أحد على اعتراض !. إن الرعب ألجَمَ الألسنة!

أين الذين كانوا يرجمون النحاس باشا بالبيض الفاسد؟ إن الأستاذ العقاد هاجم الملك في روعة سلطانه فدخل السجن بضعة شهور ، تعلّم خلالها اللغة الألمانية!

كنتم تضحكون مني وأنا أتحمس للحريات وأركانها... هل عرفتم الآن؟

وتذكرت جدالاً دار في المركز العام للإخوان المسلمين ، يوم كنت عضواً في الجماعة ، فقد كان معروضاً علينا أن نوافق على إلغاء دستور 1923، ورأى الأستاذ عبد القادر عودة –وكان رئيس الجلسة- أن هناك تردُّداً، وسمع من يقول له: كيف سنُحكَم في غيبة الدستور؟ فقال رحمه الله متعجباً: كيف سنحكَم؟ ثم ارتسمت على فهم ابتسامة عريضة : إنكم أنتم الذين ستحكمون! أنتم أيها الإخوان!

إنني والأستاذ عبد القادر صديقان متحابان ، ولا أدري أينا أكبر سذاجة من الآخر؟ كلانا مشهور بأنه لا يصلح في ميدان السياسة .

الرجل الوحيد الذي قاوم القرار ورفضه ، هو الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال – الذي فُصل معي- في حركة إبعادنا عن الجماعة! كان - أطال الله بقاءه- أبعدنا نظراً ].

 

أخبار ذات صلة

كشف صحفي هولندي في كتاب، أن مؤسس حركة طالبان الأفغانية الملا محمد عمر، كان يختبئ على بعد مسافة قصيرة من قاعدة أمريكية في أفغانستان.

المزيد

انتهيت في المرة السابقة عند الحديث عن تجربتين لعمل مشروع حزب سياسي للإخوان بالرغم من إحساسنا بأن المجموعة المتنفِّذة في الجماعة لم تكن راغبة في ذلك ... المزيد

واعظ إخواني :

لقد أشرت إلى الميزة التي وفرها القدر لي ، وهي أني أجمع في منصبي بين الصفين الشعبي والرسمي ، مما جعلني أملك ... المزيد