البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الجهاد السني.. ومسارات الانحراف بين الخوارج والمرجئة

المحتوي الرئيسي


الجهاد السني.. ومسارات الانحراف بين الخوارج والمرجئة
  • أنس خطاب
    22/11/2015 03:57

مما يميز دين الإسلام أنه ليس ديناً طقوسياً كهنوتياً، وليس مجرد علاقات اجتماعية خالصة، كما أنه ليس نظاماً سياسياً أو اقتصادياً بحتاً، وإنما هو عقيدة ومنهاج حياة كامل.
 
فهو يشمل العبادات كما يشمل المعاملات كما يشمل النظم والشرائع، وهو في ذلك متكامل يستوعب كل حاجيات الإنسان وينظم حياته بالكامل.
 
ولذلك كان من البدهي أن تكون العبادة هي غاية خلق الإنسان، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }[1]، وأن يأمر الله عز وجل عباده أن يتوجهوا بكامل حياتهم له، كما في قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }[2].
 
ومن بين العبادات التي شرعها الله عز وجل وأمر بها عباده .. عبادة الجهاد.
 
قال تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }[3].
 
والجهاد بالإضافة إلى كونه عبادة، فهو أيضاً أحد نشاطات المرء في حياته، فإن تاريخ البشرية وواقعها المعاصر شاهدان على أن الإنسان لابد له أن يقاتل غيره .. أياً كانت أسباب ودوافع ذلك القتال .. ! وقد جاء الإسلام بتوجيه ذلك القتال ووضعه في خانة العبادات.
 
والقاعدة الفقهية تنص على أن الأصل في العبادات المنع والتوقيف، وأن الله تعالى لا يعبد إلا بما شرع، وذلك لقول الله تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ }[4].
 
وعليه؛ فالجهاد عبادة لها كيفية شرعية وضوابط وشروط لابد للمسلم المتعبد لربه من الالتزام بها، وإلا حاد وانحرف عن العبادة التي يقبلها الله عز وجل منه، وأصبح من أهل البدع الذين يتعبدون الله عز وجل بأهوائهم، فيتحقق فيه قول الله تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }[5].
 
- هل المجاهدون معصومون ؟. 
 
لما كان الجهاد عبادة مثل باقي العبادات، والمجاهدون في حقيقتهم بشر متعبدون لربهم بهذا الجهاد، كان الأصل فيهم عدم العصمة، فيجوز عليهم الخطأ والانحراف، بل والضلال والابتداع أحياناً، كما يجوز ذلك عليهم وعلى غيرهم في باقي العبادات، كما في الصلاة والصيام والذكر وغيرها !
 
فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة أنه : " يجوز الجهاد مع كل بر وفاجر "، ومعنى ذلك أن المجاهد قد يكون براً صالحاً، وقد يكون فاجراً فاسقاً !! رغم جهاده .. !
 
ونحن حين نقول مثل هذا القول على المجاهدين، فلا نقوله همزاً ولمزاً بهم ولا طعناً فيهم - معاذ الله -، وكيف نطعن في دينهم وهم إخواننا وأفضل منا !. نعيش بين أظهرهم ونجاهد معهم.
 
وإنما نحن نقر حقائق يقر بها الشرع والتاريخ، ويقبلها العقل السليم، كما يشهد عليها الواقع الذي نعايشه بأنفسنا، كما يعايشه ويشهده معنا غيرنا من أهل الجهاد والثغور.
 
إنه لحالم واهم ذلك الذي يظن أن المجاهدين لا يخطئون، وهذه وإن كان لا أحد يقولها صراحة، إلا أننا وجدنا واقعها عملياً عند كثيرين من المجاهدين وأنصارهم، فتجدهم يبررون لكل حدث وكل خطأ، ويلتمسون الأعذار والتبريرات والتأويلات، وهذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
 
لقد وقعت الأخطاء في معترك مسيرة الجهاد منذ بدايتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما في غزوة أحد حين عصى الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكانت النتيجة هزيمة مؤقتة وخسائر عظيمة في صفوف المسلمين، وكما في قتل أسامة بن زيد رضي الله عنه للرجل الذي قال : " لا إله إلا الله " تأولاً منه أنه قالها متعوذاً من السيف، وكما قتل خالد بن الوليد رضي الله عنه القوم الذين قالوا : " صبأنا " ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا.
 
فإذا كانت الأخطاء قد حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم رغم وجوده ورغم نزول الوحي وحداثة العهد به، وإذا كانت تلك الأخطاء قد حدثت والمجاهدون هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين زكاهم الله في كتابه وقال عنهم : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }[6]، وزكاهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { خير الناس قرني }[7]. فإن جواز صدور الأخطاء من غيرهم هو من باب أولى !
 
- المنهج النبوي في التعامل مع أخطاء المجاهدين :
 
المتأمل في المنهج الرباني والهدي النبوي في طريقة التعامل مع الأخطاء السابق ذكرها، يرى أنه لم يتعامل معها بالتبرير أو التماس الأعذار لها، أو كتمانها وتجاهلها والتغافل عنها، بحجة مصلحة الجهاد أو غيره من المصالح المزعومة المتوهمة، وإنما كان التعامل معها بوضوح حسم وتوصيفها بكل صراحة .. أنها خطأ وانحراف .. وإن فعلها من فعلها !
 
فأما خطأ الرماة في غزوة أحد فقال الله عنه : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ }[8]، وأما خطأ أسامة بن زيد فأنكره النبي صلى الله عليه وسلم بشدة حتى أن أسامة تمنى لو أنه لم يسلم إلا في ذلك اليوم، وأما خطأ خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : { اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد }[9] مرتين .. وهي كلمة ليست بالسهلة ولا بالهينة ! وخاصة إذا صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم !
 
كذلك فإن المنهج النبوي لم يتعامل مع تلك الأخطاء بتعطيل الجهاد أو منع المخطئين من الجهاد أو تسليط الضوء على تلك الأخطاء وتجاهل بطولات المجاهدين وتضحياتهم، كما هو شأن بعض مرجئة العصر وشيوخ الطواغيت.
 
بل قد أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنه على جيش لغزو الروم، كما استمر خالد بن الوليد رضي الله عنه في جهاد الكفار وفي قيادة جيوش المسلمين وفتح الله على يديه. 
 
معالم الجهاد السني 
 
قال تعالى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ }[10].
 
وقال تعالى : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً }[11].
 
وقال تعالى : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ }[12].
 
وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله ؟، فإن أحدنا يقاتل غضباً، ويقاتل حَمِيَّةً، فرفع إليه رأسه، قال : وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائماً، فقال : { من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله }[13].
 
بهذه النصوص الشرعية الصحيحة ترتسم وتتبين معالم الجهاد السني المبارك، فالجهاد السني ليس كأي قتال يمارسه البشر، فهو ليس كقتال الكفار أو المنحرفين من أهل الأهواء الذين ليس لهم مبادئ سامية يتحلون بها في قتالهم، فيقاتلون لغايات دنيوية، ويرتكبون الجرائم والموبقات في جهادهم.
 
إنما الجهاد السني له سماته التي تميزه عن غيره من قتال المنحرفين من أهل الأهواء والبدع.
 
فهو قتال يهدف إلى أن يكون الدين كله لله، وإلى تعبيد الناس لربهم، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كما قالها الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه لقائد الفرس رستم.
 
وأما حين يهدف القتال لنصرة جماعة معينة وتركيع الناس لها ولأميرها باسم الإسلام، فيُستعبد الناس باسم الدين، كما كان يفعل القياصرة والأكاسرة، حيث يُرَكِعون الناس لأشخاصهم ويظلمونهم ويبطشون بهم ويحكمونهم بالحديد والنار، وكل ذلك يتم باسم الله وبمباركة الكهنة والقساوسة.
 
حين ينحرف مسار الجهاد لهذا الاتجاه، فهذا ليس جهاداً سنياً، وإنما هو ضلال وانحراف.
 
كذلك حين يكون مآل القتال أو هدفه تركيع الناس للديمقراطية والدساتير الوضعية، وتسليم البلاد للغرب والمجتمع الدولي يضع فيها ما يشاء من أنظمة وقوانين كفرية، فيُحكم بين الناس بغير ما أنزل الله، وتصبح البلاد تابعة لأوروبا والغرب الكافر.
 
حين ينحرف مسار الجهاد لهذا الاتجاه، فهذا ليس جهاداً سنياً، وإنما هو ضلال وانحراف.
 
والجهاد السني يهدف لنصرة المستضعفين من المسلمين، فهو جهاد أقيم ورفعت رايته لأجل تحرير هؤلاء المستضعفين من اضطهاد وظلم الطواغيت.
 
جهاد أقيم ورفعت رايته لأجل نصرة الأطفال اليتامى والأمهات الثكالي والنساء الأرامل والشيوخ الضعفاء العجائز، ولأجل نصرة كل مستضعف مظلوم مكلوم.
 
وحين يتحول الجهاد عن هذا الهدف، فيصبح لأجل زيادة نفوذ وبسط سلطان واتساع رقعة وتمدد مزعوم، أو يكون لأجل تضخيم جماعة وتقوية شوكتها.
 
وحين يتحول القتال لظلم المستضعفين وتكفيرهم وقتلهم واستحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم بدلاً من نصرتهم ورفع الظلم عنهم.
 
وحين يتحول القتال للمتاجرة الإعلامية بقضايا المستضعفين المظلومين لأجل تحصيل دعم مالي أو تحقيق مكسب سياسي، ويصاحب ذلك تلكؤ - وأحياناً امتناع ! - في نصرتهم والدفاع عنهم وفك الحصار عنهم وقتال عدوهم، رغم القدرة !
 
وحين يتم تحصيل الدعم المالي من خلال المتاجرة بقضايا المستضعفين المظلومين، ثم لا ينفق هذا الدعم في مصارفه لنصرة هؤلاء المظلومين، بل يكدس ويكنز ويدخر لصراع قادم مع بعض الفصائل على السلطة، بدلاً من أن ينفق في سبيل الله.
 
حين ينحرف مسار الجهاد لهذا الاتجاه، فهذا ليس جهاداً سنياً، وإنما هو قتال جاهلي منحرف.
 
والجهاد السني يهدف لرفع الفساد من الأرض وحمايتها منه، فهو جهاد يهدف إلى حفظ الأنفس والأموال والأعراض، وحماية الأرض والبلاد من الظلم والإجرام والإفساد.
 
فليس هو بذلك القتال الذي يجعل من أولوياته تكفير المسلمين واستحلال الدماء والأعراض والأموال المعصومة، والتفجير في المساجد والأسواق، فهذا ليس من الجهاد، وإنما هو من إهلاك الحرث والنسل، وهو من الإفساد في الأرض الذي ما قام الجهاد إلا لدفعه !
 
كذلك ليس هو بذلك القتال الذي تكون ثمرته الولوغ في حلبة الألاعيب السياسية مع الغرب الفاسد، والارتماء في أحضان الداعمين من الحكومات الطاغوتية واتباع توجيهاتهم، فهذا أيضاً من الإفساد في الأرض، وفيه خيانة صريحة للأمة.
 
والجهاد السني يهدف لإعلاء كلمة الله عز وجل، فهو قتال أقيم لنصرة دين الله تعالى ورفع رايته ولأجل أن تكون كلمته هي العليا. 
 
وليس هو بذلك القتال الذي يهدف لإقامة دولة مزعومة، بزعم بقائها وخلودها، وتمجيد خليفة وهمي، وزيادة رقعة ملكه وسلطانه، ولو على دماء وأشلاء المسلمين.
 
كذلك ليس هو بذلك القتال الذي يهدف لإقامة دولة ديمقراطية، أو وطنية، أو علمانية، أو غير ذلك من الأسماء المحدثة الجاهلية !
 
فكل ذلك ليس من الجهاد السني في شيء، وإنما هو ضلال وانحراف !
 
ومن أعظم سمات الجهاد السني : أنه قتال متبع للسنة في كل أحواله، ولهدي النبي صلى الله عليه وسلم ونهج صحابته، فهو متبع للسنة في أهدافه وغاياته، وفي كيفيته وأحكامه، وفي شروطه وأركانه، وفي أخلاقه وسلوكياته وآدابه، فهو مما يتحقق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : { ما أنا عليه وأصحابي }[14] .. وهذه أهم وأعظم سماته على الإطلاق، إذ لأجل ذلك سمي بالجهاد السني.
 
أما حين ينحرف القتال عن السنة وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ونهج أصحابه، سواء في غاياته وأهدافه، أو في كيفيته وأحكامه، أو في أخلاقه وسلوكياته وآدابه .. حين يحدث ذلك، فهو قتال غير متبع للسنة، ومن ثم فهو لا يستحق أن يوصف بالجهاد السني !
 
بل هو قتال أهل الأهواء المنحرفين .. !!

- مسارات الانحراف على طريق الجهاد السني :
 
لما كان الجهاد حركة بشرية انفعالية، كان من الطبيعي أن يعتريه الخطأ والصواب، والصحة والبطلان، كما كان من الطبيعي أن يصطدم في طريقه الطويل بمنعطفات تحرفه عن مساره الصحيح، وهذه المنعطفات مختلفة في شكلها ومضمونها ومآلها، ولكنها تتفق جميعاً في أنها تؤدي لمسارات منحرفة عن الجهاد السني الصحيح المشروع.
 
فهناك منعطف ينحرف بالجهاد لمسار الغلو والتكفير والقتال على مذهب الخوارج.
 
وهناك منعطف ينحرف بالجهاد لمسار الإرجاء والانبطاح وتمييع الدين بدعوى السياسة الشرعية وتحقيق المكاسب وتقليل الخسائر.
 
وهناك منعطف ينحرف بالجهاد للنفاق والعمالة والإفساد في الأرض !
 
وهذه المنعطفات - والله أعلم - لا تظهر في أول طريق الجهاد، وإنما هي تظهر بعد فترة من بدايته، ومنها ما يظهر عند ازدهار نجمه وقرب نضوج ثمرته.
 
وقد وقعت بعض نماذج لتلك الانحرافات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فكيف بغيرهم من العصور والأزمنة ؟!.
 
لقد كان عبد الله بن أبي بن سلول أحد منعطفات الطريق التي تعترض مسار الجهاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمثل منعطف النفاق والخيانة.
 
ثم كان بعد ذلك عبد الله بن سبأ على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه نموذجاً آخر لمنعطف النفاق والخيانة والإفساد في الأرض.
 
وكان ذو الخويصرة كذلك أحد منعطفات الانحراف التي تعترض مسار الجهاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمثل منعطف الخوارج.
 
وذو الخويصرة هو الرأس الذي تفرعت عنه الخوارج بعد ذلك بفرقها وطوائفها المختلفة، وقد روى قصته البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : ( بينما نحن عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسِمُ قِسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال : يا رسول الله اعدل، فقال : { ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل }، فقال عمر : يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال : { دعه؛ فإن له أصحاباً يُحَقِّرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِية }، إلى أن قال : { يخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس }، قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه )[15].
 
وكما قلنا؛ فإن تلك المنعطفات لا تظهر في أول طريق الجهاد، وإنما يتأخر ظهورها لفترة، وقد يتأخر ظهور بعضها عن بعض.
 
وهذا أيضاً واضح في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، فعبد الله بن أبي بن سلول لم يظهر في أول الجهاد، وإنما تأخر ظهوره إلى غزوة أحد عندما رجع بثلث الجيش، ثم بدأ بعدها يدبر المكائد للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم ظهر كذلك عبد الله بن سبأ على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه كنموذج آخر للنفاق والإفساد، ليفسد على الأمة دينها بنشره الفتن وتسعيره الحروب بين المسلمين، وليخدم بذلك أعداء الدين والأمة.
 
وذو الخويصرة لم يظهر في أول الجهاد أيضاً، وإنما تأخر ظهوره لعام 9 هـ[16].
 
وأما المرجئة فتأخر ظهورهم كثيراً إلى ما بعد فترة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، حيث ظهروا كرد فعل لبدعة الخوارج، وهذا الظهور لم يكن مرتبطاً بالحركة الجهادية في الأرض، وإنما كان مرتبطاً بالحركة السياسية للأمة، ثم اصطدم الإرجاء مؤخراً بالجهاد في واقعنا المعاصر.
 
والدارس لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه استطاع بحكمته النبوية الرشيدة أن يقطع الطريق على كل تلك المنعطفات، فحفظ الله به الدين والجهاد من الزيغ والانحراف.
 
وبذلك كان جهاده صلى الله عليه وسلم مدرسة لنا، نتعلم منها الجهاد السني الصحيح، كما نتعلم منها كذلك كيف نواجه تلك المنعطفات المنحرفة بحكمة نبوية رشيدة.
 
لقد تمثلت طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة تلك المسارات المنحرفة، في تحذير المسلمين من منعطفاتها وتبيين معالمها وفضح مناهج أصحابها، حتى لا ينخدع بها أحد فيقع في حبائلها.
 
أما منعطف الخوارج فتمثلت طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في معالجته في الإنكار على أصحابه، وذلك في قوله لذي الخويصرة : { ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل }.
 
وفضح منهجهم وتبيين أمرهم للناس وتحذيرهم منهم حتى لا ينجرفوا معهم في انحرافهم، وذلك في قوله : { إن له أصحاباً يُحَقِّرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِية }، وقوله : { يخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس }، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في وصف الخوارج وذمهم والتحذير منهم ومن منهجهم.
 
مع الكف والإمساك عن قتالهم مالم يقاتلونا { دعه؛ فإن له أصحاباً يُحَقِّرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم }، فإن قاتلونا فلا حل معهم سوى قتالهم وقتلهم .. { طوبى لمن قتلهم وقتلوه }[17].
 
وقد اتبع علي بن أبي طالب رضي الله عنه تلك الطريقة النبوية في التعامل معهم.
 
وأما منعطف النفاق والخيانة، فقد نزلت الآيات تلو الآيات والسور تلو السور تفضحهم وتبين سماتهم وأوصافهم .. { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ }[18].
 
وجاءت الأحاديث تلو الأحاديث تحذر الناس من المنافقين وتبين علاماتهم .. { آية المنافق ثلاث }[19].
 
- متى تظهر منعطفات الانحراف ؟.
 
عندما تنطلق حركة الجهاد البشرية، وأثناء مسيرة الجهاد السني تظهر تلك المنعطفات المنحرفة، فتتجه كل فرقة إلى مسارها البدعي الذي يتوافق مع الطبيعة النفسية لقيادتها وأفرادها، وما تحمله عقولهم من مقدمات فكرية وعقدية منحرفة ومشوهة.
 
والانحراف في بدايته لا يكون كبيراً ظاهراً كما هو الحال في منتصف الطريق ونهايته، فإن الناس لا يتحولون عما هم عليه من الخير إلى الشر فجأة، وإنما هم يتدرجون في ذلك التحول، فيكون الانحراف في أوله بسيطاً لا يراه غالباً إلا ذوي العلم والخبرة ممن رزقهم الله البصيرة والفقه في الدين، ثم بعد ذلك تتسع درجة الانحراف وتكبر تدريجياً، حتى يراه غالب الناس.
 
وهو في ذلك مثل انحراف مقود السيارة، فإن السيارة إذا انحرف مقودها لا تنتقل إلى طرف الطريق مباشرة، وإنما تنحرف بشكل تدريجي حتى تنتقل من وسط الطريق إلى أحد أطرافه.
 
ولذلك فإن من ينزلقون في هذه المسارات المنحرفة لا يرون الانحراف في أوله لجهلهم وخفة عقولهم، بل إنهم لا يستطيعون رؤيته بعد ذلك أيضاً لإشراب قلوبهم له واعتقادهم إياه حقاً يدينون الله به ولغلبة الأهواء عليهم، فيعمدون إلى التأصيل لما وصلوا إليه من نتائج باطلة بمقدمات منحرفة فاسدة.
 
وقد أحسن وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه }[20].
 
بين الخوارج والمرجئة .. وقفة ومقارنة
 
( المرجئة أشد الفرق إفساداً للدين، والخوارج أشد الفرق إفساداً للأمة )
 
- الخوارج أصل المرجئة[21] :
 
رغم أن المرجئة أشد خطراً على الدين من الخوارج كما قال أهل العلم، إلا أن الخوارج هم السبب الأول والرئيسي لظهور الإرجاء، ولولا غلو الخوارج لما كان هناك إرجاء !
 
وقولنا أن الخوارج هم أصل المرجئة، هو على الحقيقة وليس بطريق التضاد ورد الفعل كما قد يفهم البعض، وأما القول بأن كلاً منهما رد فعل للآخر، فهذا من ناحية التطور التاريخي والواقعي لكل منهما، وليس من ناحية أصل النشأة.
 
فأصل نشأة الخوارج الأوائل هو ما حدث من خلاف بين علي رضي الله عنه ومعاوية، فحكموا عليهما بالكفر.
 
وهذه الحادثة هي نفسها أصل نشأة الإرجاء، ولكن المرجئة لم تحكم عليهما بكفر أو إيمان، وتوقفت في أمرهما وأرجأته إلى الله عز وجل في الآخرة، وأول من قال بذلك محمد بن الحسن بن الحنفية، ومنه أخذ المرجئة الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم الإرجائي الخبيث، في إرجاء أمر العباد إلى الله في الآخرة وعدم الحكم عليهم بالكفر، رغم أن الحسن ندم على قوله ورجع عنه بعد ذلك.
 
ثم تطور كلا المذهبين بعد ذلك ليأخذا طريقاً متضاداً، وذلك حين اتجها لمناقشة مرتكب الكبيرة أو الذنوب فيما هي دون الكفر، فاتجهت الخوارج إلى تكفير مرتكب الذنوب، أياً كانت درجة تلك الذنوب - سواء كانت من الذنوب المكفرة أو من غير المكفرة -، واتجهت المرجئة إلى عدم تكفير مرتكب الذنوب، أياً كانت درجة الذنوب، فاتفقوا في مخالفتهم لأهل السنة، واختلفوا في الحكم على مرتكب الذنوب.
 
ومما يبين اتفاقهم في الأصل، أنهم يتفقون - مخالفة لأهل السنة - أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص، ولكنهم اختلفوا في إدخال العمل في مسمى الإيمان، فذهبت الخوارج إلى إدخاله وقالوا الإيمان قول وعمل، وذهبت المرجئة إلى عدم إدخاله وقالوا الإيمان قول بلا عمل.
 
فالخوارج والمرجئة من حيث النشأة مذهباً واحداً، وليسا مذهبين متضادين كما يظن البعض، إلا أنهما تطورا بعد ذلك ليكونا مذهبين متضادين كأشد ما يكون التضاد، وصار كل منهما رد فعل للآخر، وتقاسما الغلو في تناقضهما، كل يغلو في طرفه المضاد للآخر.
 
فالحقيقة أن بداية مذهب المرجئة أنه انشق عن مذهب الخوارج، وأصبح كرد فعل له، فلما كفر الخوارج بكل ذنب، جاء المرجئة على طرف نقيض فلم يكفروا بأي ذنب، ولما رأوا أن سبب تكفير الخوارج للمسلمين اعتبارهم العمل جزءاً من الإيمان، أخرجوا العمل من مسمى الإيمان !، وهكذا افترق المذهبان بعد أن كانت أصل نشأتهم واحدة.
 
وهذا الكلام نقوله لننبه على ما نتوقعه من خطورة ظهور الإرجاء وغلوه في ساحة الشام، وخاصة أننا بدأنا نرى بعض أعراضه وعلاماته عند البعض.
 
- الخوارج والمرجئة بين الاتفاق والافتراق :
 
مما يتفق فيه خوارج ومرجئة العصر أنهم يعرفون الإيمان نظرياً على طريقة أهل السنة ولا يكادون يخالفونهم في شيء البته، ولكنهم عند التفريع والتطبيق العملي يخالفون قواعد أهل السنة ويذهبون إلى مذاهبهم الفاسدة.
 
فهم عند تعريف الإيمان يقولون الإيمان قول وعمل، ويقولون بتبعضه، وأنه يزيد وينقص، تماماً كقول أهل السنة، إلا أنه اتفاق نظري فقط.
 
وأما عند التفريع والتطبيق العلمي فتظهر حقيقة مذهبهم الفاسد.
 
فأما الخوارج فيفرعون على طريقة عدم تبعض الإيمان، وأنه شيء واحد لا يتبعض أو يتجزأ، ولا يزيد ولا ينقص، رغم قولهم بتبعضه وزيادته ونقصانه نظرياً، وبذلك يقعون في مذهب الخوارج الفاسد فيُكفَّرون بما ليس بمكفر، فينقضون إيمان المرء بمجرد وقوعه في عمل يخالف الإيمان، بغض النظر عن درجة المخالفة، هل هي مخالفة لأصله أم هي مخالفة لكماله الواجب. فهذه طريقتهم العملية في التعامل مع مسمى الإيمان.
 
وأما المرجئة فهم على العكس من ذلك، فتجدهم يفرعون على طريقة أن الإيمان قول بلا عمل، وأنه ليس هناك عمل أو ذنب مكفر، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، طالما شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
 
فهم ينظرون إلى كل ذنب على أنه مخالف للإيمان الواجب، حتى لو كان مخالفاً لأصل الإيمان هادماً له، لأن أصل الإيمان عندهم - عملياً - هو القول فقط، فلا ينقضون إيمان المرء بوقوعه في المكفرات، ولا ينظرون لأعماله على أنها من المكفرات أصلاً !
 
فهم متفقون في تعريفهم النظري للإيمان مع أهل السنة والجماعة، ولكنهم مختلفون معهم مفترقون عنهم عند التفريع والتطبيق العملي.
 
ومما يتفقون فيه كذلك - أي الخوارج والمرجئة - أن مآل جهادهم تسليم الأمة لأعدائها، وإن اختلفت طريقة التسليم.
 
فالخوارج ينتهجون الشدة والعنف في طريقتهم، مما ينفر الأمة عنهم ويفضح حالهم سريعاً، وتجربة الجزائر خير مثال، وخوارج الشام والعراق يسيرون على دربهم بنهج مفضوح.
 
أما المرجئة فهم على العكس من ذلك، فطريقتهم ناعمة لينة تخدر النفوس وتلبي شهواتها، حيث يظهرون للأمة بمظهر المنصف المشفق عليها، الذين يخففون على الأمة مشاق الحياة، وييسرون عليها أمور دينها، فلا ينتبه الناس لهم، فيطول وجودهم وأثرهم في الأمة، ولذلك كان علماء السلف يرون المرجئة أخطر على الأمة من الخوارج، وتجربة حماس بفلسطين خير مثال.
 
ولا تخلو الشام من مرجئة يسيرون على خطى حماس !
 
والحاصل أن مآل اتباع الأمة لأي منهما أن تجد نفسها قد سُلِمَت لأعدائها، فالحقيقة أن وجود الخوارج والمرجئة ليس سوى حجر عثرة في طريق تقدم الأمة ونهضتها، وإن زعمت كلتا الفرقتين أنها أحد أهم أعمدة البناء في هذه الأمة، إن لم تكن هي عمودها الوحيد ! .. ولو تنبه المساكين لحالهم لعلموا أنهم ليسوا سوى معاول هدم ودمار !
 
والحمد لله رب العالمين ...
_______________
 
[1] الذاريات : 56.
[2] الأنعام : 162 - 163.
[3] البقرة : 216.
[4] الشوري : 21.
[5] الكهف : 103 - 104.
[6] التوبة : 100.
[7] صحيح البخاري ( 2652 ).
[8] آل عمران : 152.
[9] صحيح البخاري ( 4339 ).
[10] الأنفال : 39.
[11] النساء : 75.
[12] البقرة : 251.
[13] صحيح البخاري ( 123 ).
[14] سنن الترمذي ( 2641 ).
[15] صحيح البخاري ( 3610 )، صحيح مسلم ( 1064 ).
[16] انظر فتح الباري لابن حجر، ( 12 / 304 ).
[17] سنن أبي داود ( 4765 ).
[18] محمد : 30.
[19] صحيح البخاري ( 33 )، وغيره. ومما يستفاد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الجهاد كان يعالج منعطفاته المنحرفة بالدعوة والتعليم والبيان، وهذا يبين أن الجهاد لا يمكن أن ينفصل أبداً عن طلب العلم والدعوة والتربية.
[20] سنن أبي داود ( 4597 )، والحديث حسن.
[21] للتفصيل راجع كتاب ( ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي )، للدكتور / سفر الحوالي، ص 205.

أخبار ذات صلة

علق الدكتور أحمد الريسونى، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، على تصريحه السابق، الذي قال فيه إنه ليس كل من زار القدس مطبّعا أو داعيا للتطبيع، والذي ... المزيد

اعتبر مرشح عبد الفتاح مورو مرشح حركة النهضة للانتخابات الرئاسية في تونس، أن ايقاف المرشح الرئاسى ورجل الأعمال، نبيل ... المزيد

وسطية هذه الأمة جَعْلٌ إلهي،‏ وليست مجرد نزعة انسانية أو اختيار بشري يرغبه البعض ويزور عنه آخرون‏.‏ (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ... المزيد

أكد وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، الخميس، مقتل حمزة بن لادن، نجل زعيم تنظيم ال ... المزيد