البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

الثقافة والتثاقف السياسي عند الإخوان المسلمين

المحتوي الرئيسي


من مسيرة لجماعة الإخوان المسلمين- أرشيفية من مسيرة لجماعة الإخوان المسلمين- أرشيفية
  • د.مصطفى جودة
    02/01/2016 08:08

لاشك أن جماعة الإخوان مرّت في السنوات الأخيرة بمجموعة من المتغيرات التي فرضتها عليها تطورات الواقع ، والخطوب التي ألمّت بالأمة ، بجانب طبيعة الجماعة ذاتها التي ترنو إلى تغيير الواقع نحو الأفضل ، عبر طروحاتها وبرامجها وآلياتها التي تسعى إلى تربية الفرد المسلم ، ثم تكوين البيت المسلم ، فالحكومة المسلمة فإعادة الخلافة ثم أستاذية العالم . 
 
وبالتالي لا يظن أحد أن الجماعة يمكن أن تكتفي بمرحلة أولى أو مرحلتين ، وتقنع ، فمثلا  أن تكتفي بتربية الفرد وتكوين البيت المسلم ، ولا تتطلع كثيرا إلى التغيير السياسي على نحو ما نجد عند جماعة-التبليغ-والدعوة">جماعة التبليغ والدعوة أو بعض السلفيين . 
 
فتكوين الفرد والبيت المسلمين  جزء  مما تطمح إليه جماعة الإخوان ، لأنها في الأساس تسعى بدأب – وإن طالت السنون وتتابعت العقود – نحو تحقيق أهدافها، فالأمر ببساطة ليس هدفا لأفراد وإنما انتشال لأمة بأكملها من تردٍ وفشل وتفرق وضياع للبوصلة ، وتشتيت للجهود ، وتكالب الأعداء ، وعدم وجود تنمية ولا نهضة حقيقية ، وغياب الهوية ، وضعف الانتماء وغير ذلك من المصائب التي نحصرها ، ونعددها ، وكثير من الحركات الإسلامية والسياسية لا تملك رؤية لحلها ، وإن توافرت رؤية لها فهي محدودة بأطر قومية أو قطرية أو فكرية وضعية ، فرؤية الإخوان-المسلمين">الإخوان المسلمين رؤية شاملة ترتقي فوق الحزبية الضيقة ، والقطرية ، والقومية،  تشمل الأمة جمعاء ، منطلقة من الفرد المسلم وأسرته ومجتمعه صغر كان أم كبر. 
 
لكي نقترح رؤية جديدة في التثاقف السياسي داخل جماعة الإخوان-المسلمين">الإخوان المسلمين ،  علينا أن ننظر إلى الواقع المعيش ، ونتأمل ما يفتقده وما يحتاج إليه ، في ضوء التحديات الجديدة والمفروضة على الأمة والمجتمع . 
    ونقصد بهذا الواقع ، الحال الذي عليه عملية الثقافة السياسية داخل الجماعة وفي أدبياتها المدروسة ، على مستوى الأفراد والمسؤولين والقادة ، فلاشك أن المرحلة الحالية والقادمة والمستقبل كله ، يحتاج إلى الفرد والقائد والداعية ذي الثقافة السياسية، والتحليل السياسي الواعي ، وهذا بناء على ما لديه من ثقافة شرعية، والتزام أخلاقي ، وحرص على الدعوة ونشر الخير . 
 
إن الرؤية المطروحة في هذا المقال مبنية على بعدين : الأول : بُعد الثقافة والمثاقفة ذاتها، والثاني : بُعد التعاطي وفهم الأحداث ونقاش الآخرين في المستجدات وأمور الوطن والمستقبل . وكما نرى فإن البعدين معا ، يعنيان ببساطة نظرة في تكوين الثقافة السياسية داخل الجماعة ، وفي محاضنها التربوية ، وحلقاتها الفكرية ومحاضراتها، بهدف إيجاد ثقافة سياسية أصيلة لدى الأفراد ، وكي تكون الصورة واضحة أكثر ، لننظر إلى أعضاء التيارات السياسية الأخرى ( خاصة العلمانية : اليسارية والليبرالية) سنجد ثقافة سياسية نوعية ( بدرجات متفاوتة ) ، ربما لا نجدها لدى الفرد والقائد الإخواني ، لأن الثقافة السياسية لم تكن هما ولا مطلبا في الأدبيات المدروسة.
 
فالسؤال الملحّ : كيف لجماعة تريد أن تغير واقعا سياسيا مأزوما ؛ أن يفتقد أفرادها للثقافة السياسية ؟ وكيف نناقش الناس في أمور سياسية متعددة ، وأفرادنا يفتقرون لهذه الثقافة ؟ ونحن لا نقصد أفرادا بعينهم قد يكون بعضهم مهتما سياسيا ، ولكن نتحدث عن الغالبية من الأعضاء ، ولو أردنا أن ننظر بدقة ، سنجد أن الإخوان وهم الجماعة الأكبر ، والأقوى ، والأكثر انتشارا وامتدادا ، لديها أفراد لا يستطيعون في أحيان كثيرة محاججة التيارات السياسية الأخرى ، فالآخرون يتفوقون عليهم في ثقافتهم السياسية ، وتعاطيهم مع الأحداث ، وهذا لا يعني التقليل من شأن أعضاء الإخوان ، وإنما هو رصد لأوجه النقص ليكون المسلم المعاصر في الطليعة المتميزة بين أفراد مجتمعه ، ولا تعجزه حجة أو برهان . 
 
وكي تكون الصورة أوضح ، إن هناك شريحة كبرى من الشباب ، يطرحون أسئلة كثيرة ، ترتبط دوما بالواقع المعيش بكل سوئه : سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ، وتنتظر إجابة عن هذا الواقع ، إجابة تحلل ، وتوضح ، والأهم تطرح رؤية وحلولا مستقبلية . وقد طرح الإخوان بعض الثورة برنامجا نهضويا حمل اسم " برنامج النهضة " ، وكانت هي التيار السياسي الوحيد الذي امتلك برنامجا واضحا ، ورؤية للمستقبل ، ومشروعا للنهضة ، وللأسف لم ينتبه كثير من أبناء الشعب والشباب خاصة إلى ما جاء في مشروع النهضة ، لأسباب متعددة ، ومنها عدم الترويج الكافي له بين أعضاء الإخوان أنفسهم ، فضلا عن باقي الفئات والشرائح من الشباب وأبناء المجتمع ، ولو قرأوا ما في هذا البرنامج لعلموا أن في الإخوان من يفكر للمستقبل ، ويملك حلولا رائعة ، ورؤية مكتملة ، وإن ظلت تلك الرؤية مقتصرة على مجموعة قليلة ، ولم تكن فكرا عاما ، يلتف الناس حوله ، ويتبنونه .
 
فواقع المثاقفة السياسية داخل الإخوان والتي ظهرت بعد ثورة يناير ، حيث فرضت الظروف السياسية محاورات ومساجلات بين التيارات المختلفة ، و هذا يمكن أن نقرأه في عدد من المظاهر والنقاط : 
 
أولا : أظهرت الأحداث أن كثيرا من أعضائنا يعانون افتقاد الوعي السياسي على مستوى قراءة الأحداث ، وفهمهما وتحليلها ، والظاهرة مرصودة على جميع المستويات الحركية ، بدءا من الفرد العادي إلى القيادات ، بل إن كثيرا من المسؤولين فاقدون لفهم السياسة وحركتها وأبعادها ، ويكتفون بترديد مقولات نمطية مكررة لا جديد فيها مثل : الإسلام هو الحل ، وفشل كافة الحلول المستوردة الأخرى، دون التعاطي مع الأحداث المستجدة والتغيرات السياسية الطارئة في حياة الأمة . فالأمر بالنسبة إليهم ، نوع من الحلم الفكري الكبير ، دون دراية كافية بما يتطلبه من ثقافة سياسية واسعة ، ولازمة لمحاورة الأفكار الأخرى . 
 
ثانيا : بناء على النقطة السابقة ، فإن كثيرا من المسؤولين والحركيين لم يستطيعوا توفير إجابات للأعضاء على المواقف السياسية والتغيرات الحادثة ، ويطلبون الانتظار لحين وصول رد القيادة ، الذي قد يبطئ ويتأخر ، وعندما يأتي تكون الأحداث قد تجاوزته، فيصبح فاقدا للتأثير ، بل قد يكون معارضا لما طرأ من تغير . 
لقد ظهرت هذه الأزمة واضحة ، عندما التهبت الأحداث السياسية في مصر بعد ثورة يناير ، وثارت آلاف الأسئلة ، التي لم تجد لها أجوبة ، وكانت القضية جلية ، فلا توجد لدى القيادات الوسطى والصغرى عقول سياسية باحثة ، ولا وعي سياسي يستوعب ، ولا قدرة على التحليل وفهم الأحداث وربطها ببعضها البعض ، ولا التنبؤ بالمستقبل . بجانب الالتزام الحركي الذي يتوهم البعض أنه يمتنع عليه أن يدلي بأي رأي ، وينتظر رأي القيادة ، مما أدى إلى وجود حالة سيولة فكرية ، وتشككات، وظنيات مبنية على معلومات مشوهة ، وقراءات فاسدة . 
 
ثالثا : ضعف الآليات والوسائل السياسية المعتمدة من قبل في التثقيف السياسي داخل الإخوان ، فهي غير ناجعة ، فقد اعتمدت - مثلا - على ندوات تثقيفية من آن لآخر ، موجهة للبعض دون الكل ، لأنها اختيارية الحضور ، ولا تقدم ثقافة سياسية متينة أصيلة ، بقدر ما هو إلقاء الضوء على الأحداث الطارئة ورؤية الجماعة لها ، أو مناقشة بعض القضايا ، وكي لا يسارع البعض باللوم والنقد الشديد، عليه أن ينظر إلى الظروف الأمنية التي عاشتها الجماعة ، واتساع برامجها التربوية وأنشطتها الدعوية ، وإغلاق الحياة السياسية من قبل الأنظمة المتعاقبة على الحكم ، وبالأدق انسداد الحياة السياسية ، مما جعل الكثيرين يرون عبث العملية السياسية ، ويتجهون أكثر إلى العمل الدعوي والتربوي والخيري . 
 
مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود خطة واضحة للتثقيف السياسية ،  كما أن عمل اللجان السياسية المشكلة لا يفيد كثيرا ، لأن القائمين عليها مجتهدون وليس محترفين أو مختصين بالعلوم السياسية ، وبالتالي ، لا نتوقع سعيهم إلى تقديم ثقافة سياسية بشكل مؤسس ومكتمل ، وعدم المواكبة الدقيقة للمستجدات ، وعموما لا يقوم الفرع بعمل الكل ، فيظل مطلب الثقافة السياسية حاجة ماسة .
 
رابعا : عدم احتواء الكتب المدروسة على تثقيف سياسي أصيل ، وإنما بعض الإشارات والإحالات ، دون تأسيس ثقافي حقيقي ، من أجل صناعة عقول سياسية تعي وتحلل ، ومن ثم ظهور رموز سياسية ، تناضل وتساجل وتنشر فكرا سياسيا جديدا ، مستوحى من فكر الجماعة ذاتها ، الذي هو إسلامي في مبناه ومعناه . فالقصد هنا ينصرف إلى أن النقاش السياسي كان يقف عند الجزئي أو الطارئ ، ولا يقدّم تأسيسا ثقافا سياسيا مكتملا . 
 
وكي نقرب الصورة أكثر، هل يمكن أن أناقش اختلاف الفقهاء في قضية فقهية عن الصلاة ، والسامع لا يعرف فقه الصلاة في الأساس ؟ أي كيف أناقش مع أعضاء قضية اختلاف الأحزاب والعمل الحزبي وغير ذلك ، وهم لا يعرفون ثقافة النظام الحزبي وآليات عمله ، وواقعه في الدول العربية والإسلامية ، ومآلات السياسة الحزبية فيها وشخصياتها ؟ يظل السؤال مطروحا ، ليفتح المجال لأهمية مدارسة الأصل بدلا من الانصراف إلى الفروع فقط . 
 
خامسا : إن المحصلة لما سبق ، وهي متوقعة وطبيعية ؛ سقوط كثير من الأفراد المهتمين بالشأن السياسي ، في تفسيرات وسائل الإعلام والفضائيات ، ومن المعروف أنها تحمل أجندات ورؤى تختلف في أقل تقدير عنا ، وفي أسوأ التقديرات فإنها معادية ، وتحمل تحليلات علمانية ، ضد هويتنا وثوابتنا وشريعتنا ، وتؤدي في النهاية إلى بلبلة فكرية ، وكثير من المنشقين أو المعارضين للإخوان يقفون كثيرا عند غياب الرؤية السياسية ، التي تقدم تحليلات عميقة ، وأجوبة شافية . 
 
سادسا:  إن الهدف الأساسي في هذا المقال هو الوعي بأن السياسة جزء أساسي من رسالة الحركات الإسلامية  نحو الأمة ، لأنها  تربي أفرادها على التغيير السياسي والمجتمعي ، ولا نعني هنا دراسة كتب الشرعية">السياسة الشرعية في كتب الشريعة فقط وهي لازمة حتما ، لكي تؤسس الثقافة السياسية الشرعية ، وإنما نعني الفكر والعلوم السياسية بشكل عام ؛ التي تجعل الفرد قادرا على فهم أبعاد السياسة الدولية والمحلية والإقليمية ، ومتابعة تطوراتها ، ومعرفة شخصياتها والمؤثرين فيها ، كي يستقبل ما يحدث بعقل واع شامل الرؤية ، عميق النظرة ، يربطه برؤيته الإسلامية ، وطموحه للتغيير ، ومن ثم يجتهد في عمله الدعوي والفكري والحياتي مستعينا بالمرجعية السياسية الشاملة التي تعلمها ، ويتابع الشأن العام في أمته وعالمه من خلاله ، بل ويستطيع أن يكون رأيا وموقفا بشكل مستمر إزاء ما يسمع من أخبار. 
 
سابعا : إن الحركات الإسلامية عامة والإخوان بشكل خاص في حاجة ماسة إلى فهم ما يسمى " المجتمع المدني " والذي هو مختلف المنظمات والمؤسسات والهيئات والأنشطة غير الحكومية وأيضا النقابات والروابط والاتحادات المختلفة ، التي تعتمد على العمل التطوعي ، وعليها أن تعرف فلسفة وقوانين ولوائح المجتمع المدني ، حتى يتحرك الأفراد على بينة وفهم ، لأن العمل التطوعي هو لبّ حركة المسلم المثوبة من الله ، ولنا أن نتخيل ما يمكن أن تقوم به الجمعيات المدنية المتنوعة في رسالاتها وبرامجها وأنشطتها نحو المجتمع، بجانب استيعابها لطاقات الشباب المسلم.
 
رؤية للمستقبل :
 
إن الرؤية التي نطرحها هنا ترنو إلى المستقبل ، وتستفيد من الماضي ، تعقد الأمل في النفوس ، ولا تعرف للإحباط سبيلا ، لأنها أولا تعي أن الثقة والثبات من الله سبحانه وتعالى ، ومن ثم تدرك أن كل ما يقال من انتقادات أو سلبيات إنما هو في دائرة فقدان البوصلة الصحيحة أو خوار النفوس أو من القاعدين الذين لا يفلحون إلا في نثر الكلمات ، وهم عن العمل بعيدون ، لا يعرفون إلا تدبيج المقالات ، وإلقاء الخطب ، وكثير منهم لا يدركون أبعاد الأزمة ولا طبيعة التحديات ، بسبب قصور إدراكهم وضعف ثقافتهم السياسية ، وتعاملهم مع السياسة يتم بمنطق النظرة الجزئية وليست الرؤية الكلية ، وتلك طامة كبرى ، لأن أية استراتيجية حقيقية للتطوير والبناء والنهضة يجب أن تكون شاملة رحبة ، وليست إصلاحات جزئية آنية، ترتبط برؤية أشخاص أو واقع محلي هنا أو هناك . 
 
وبالتالي عندما نطرح رؤية ما ، فليس معناه الهدم وإعادة البناء ، وإنما البناء على ما هو موجود ، بعد فرز ما هو سلبي ، أو اقتضته مرحلة من المراحل ثم انقضت ، وانبلاج واقع جديد ، يتطلب رؤية جديدة ، تكمل ، وتواصل ، وتستغل الإيجابي ، وتنحّي السلبي ، وتقرأ الواقع قراءة مستقبلية مفعمة بالأمل . 

أهداف التثاقف السياسي : 

إننا نطالب بأهمية إعادة النظر في الثقافة السياسية المدروسة داخل الحركات الإسلامية عامة ، والإخوان على وجه الخصوص ، ، لتحقيق جملة من الأهداف ، التي ستفيد الشباب الإسلامي ، الطامح إلى التغيير في ضوء تمسكه بهويته الإسلامية ، وإيمانه أن ما أصلح الأمة في أولها سيصلحها بلاشك في آخرها . 
 
أولها : تكوين نريد شخصيات مثقفة سياسيا ، تقرأ وتعي وتناقش ، وخاصة على مستوى المسؤولين والقيادات ، ونعني هنا أهمية الرؤية السياسية النابعة من ثقافة سياسية ، لأن هؤلاء لهم دور أساسي في التوجيه والقيادة والإجابة السريعة عن التساؤلات المطروحة من الشباب حديثي السن ، الذين لن ينتظروا كثيرا لكي يحصلوا على الإجابات ، بل سيسارعون بالبحث عن أجوبة قد تضللهم ولا تشفي غليلهم.
 
ثانيها : تكوين كوادر سياسية حركية ، أي لشخصيات تتحرك بحماسة وفهم ، وثقافة سياسية ودأب ، لا أن تتحرك فقط وتنشط دون خلفية سياسية عميقة ، ولا تقدم إجابات عمن يسألها ، بل تضطلع بالنقاش والتحليل أولا بأول . 
 
ثالثا : الطموح إلى تكوين أفراد يتعاطون مع الجديد اليومي من الأحداث السياسية ، ويحاورون الناس في تجمعاتهم المختلفة ، ويقدمون لهم التصور الصحيح للأمور ، بعيدا عن التصورات العلمانية والتأويلات الفاسدة المستندة إلى القومية والقطرية أو إلى رؤى تستند إلى فلسفات يسارية أو يمينية ، بعضها عفا عليه الزمن ، وكثيرها منقول من تجارب مجتمعات علمانية ، دون تأصيل إسلامي لها . 
 
رابعا : تكوين خبراء وباحثين سياسيين ، يضطلعون بالكتابة والبحث والتأليف، فلا يعقل أن لا نجد من يقدم لنا أوراقا مختلفة عن قضايا متعددة ، ويضطر الإسلاميون إلى الاستعانة بباحثين آخرين ، لا يحملون رؤية إسلامية ، ولا يقدمون تحليلا معمقا.

الثقافة السياسية المطلوبة : 

إن رؤيتنا للثقافة السياسية المطلوبة تستند إلى تقديم ثقافة سياسية تتسم بكونها ثقافة شاملة ، توضح أبعاد السياسة أولا ، والشرعية">السياسة الشرعية ثانيا ، فلا يمكن أن نقدم الثقافة السياسية دون تأصيل شرعي لها ، وما أكثر الكتب التي تتناول الشرعية">السياسة الشرعية ، وإن كان يغلب عليها الطابع التأليفي القديم ، فلا بد من السعي إلى تقديم سياسة شرعية بقالب مبسط جديد ، لأن الهدف هو تثقيف الأفراد في الشرعية">السياسة الشرعية . ومن ثم يتم تقديم كتب سياسية مبسطة مشوقة ، حتى لا ينفر منها الأفراد ، وعرض بعض موسوعات العلوم السياسية الميسرة ، فهم في حاجة إلى مفاهيم وتصورات عن الدولة الحديثة الكائنة في عالمنا ،  بحدودها المعلومة ، وسلطاتها المرسومة ، بجانب التعريف بالدستور والهدف منه ، ومفهوم دولة القانون، ودولة المؤسسات ، وأيضا التعريف الأحزاب وطريقة عملها سياسيا، وكيفية قيام نظام حزبي صحيح وناجح ، مع الأخذ في الحسبان أن هذا النظام ليس هو الهدف في حد ذاته ، وإنما الهدف هو حياة سياسية حقيقية ، تحقق مقاصد الشريعة وكلياتها الخمس ، وتعطي للأفراد حقوقهم وحرياتهم ، وتحميهم ، كما يجب التوسع أكثر ، للتعريف بالتجارب السياسية الناجحة في العالم مثل التجربة الماليزية والتركية وهي دول مسلمة ، وأيضا تجارب النمور الآسيوية في دول جنوبي شرقي آسيا واليابان، ودول أمريكا اللاتينية ، وغيرها ، فتلك الدول قدمت نماذج للنهضة القوية والسريعة دون الدوران في فلك الغرب : ثقافة وسياسة واقتصادا ، فجاءت نهضتها وفق هويتها وثقافاتها الوطنية ، وليس كما يروج العلمانيون عندنا بأن شرط النهضة الحقيقية يجب أن يسير وفق التجربة الأوروبية التي تبدأ بإقصاء الدين كهوية وثقافة ومرجعية
فلابد أن يكون الوعي في كل هذا : الاستفادة من سائر التجارب الإنسانية في العمل السياسي ، نسترشد بها ، من أجل إقامة الدولة القوية ، المستندة إلى مقاصد الشريعة السمحاء ، وأخلاق وقيم الإسلام ، وتقيم حكما صالحا راشدا قويا .
 
وفي هذا الصدد ، يجب النظر إلى الحركات الإسلامية الأخرى التي اتخذت من السياسة ميدانا لها ، أو دخلت معترك السياسة من قبل ، لمعرفة تاريخهم السياسي ، وممارساتهم ، ولنا في تجربة الإسلاميين-في-السودان">الإسلاميين في السودان والمغرب">المغرب والكويت وتركيا وماليزيا وغيرهم وغيرهم أمثلة واضحة ، فتُدرَس تجاربهم ، ويتم التعرف على سلبياتهم فبعضهم لم يملك رؤية ولا ثقافة ولا تجربة سياسية ورغم ذلك دخل معترك السياسة بكل دهاليزه وأكاذيبه،وبعضهم أحسن في تجربتهم وأثمر، وغيرهم فشل وجادل وأنكر.
 
أيضا ، من المهم دراسة الشخصيات السياسية الناجحة بغض النظر عن انتمائه، من أجل إيجاد القدوة والمثل ، وهناك شخصيات وطنية عظيم أفادت أوطانها . فالسياسي الحقيقي في منظور إسلامنا هو الذي يمتلك المصداقية والمبادئ ويسعى إلى خدمة الناس ، وليس المتكلم الثرثار المتلون ، وللأسف فإن هناك قناعة لدى البعض أن هدفنا هو العمل التربوي وأننا لسنا أهل سياسة ، وهذا خطأ ، فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، ولا مانع من وجود شخصيات متفرغة في العمل الدعوي والتربوي ، ولكن لابد أن يكون لديها وعي سياسي كاف ، تستنير به في عملها ، وترشد الأفراد . 
 
إننا نشدد على أهمية الثقافة والتثاقف السياسي لأنه ببساطة هو ميدان الحركة الأساسية ، ولا يمكن أن يتغيب الإسلاميون بينما يطالبهم الآخرون بالحضور . 

أخبار ذات صلة

مقدمة ونقاط

لطالما احترم المنصف النقد العلمي المبني على وقائع وحقائق لا على جهل وشقاشق ... المزيد

أستاذي الدكتور صلاح الدين سلطان، أحد الدعاة البارزين في هذا العصر، وأحد العلماء العاملين، وصاحب التجربة الثرية والواسعة في الدعوة إلى الله تعالى، ذ ... المزيد

أعلنت جهتان مسؤوليتهما عن الهجوم المسلح على العرض العسكري في مدينة الأحواز جنوب المزيد

تعليقات