البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

التنظيمات البشرية بين الصحة والوفاة (دراسة)

المحتوي الرئيسي


المجموعات البشرية حينما تنتظم خلف عمل ما المجموعات البشرية حينما تنتظم خلف عمل ما
  • د. يحيى نعيم
    30/11/2015 09:08

الحلقة [ 1 ] : تقديم
 
هل يمكن أن تضعف التنظيمات البشرية وتمرض وأن تهرم وتموت؟
 
وما هي أسباب ذلك وما هي مظاهره وأعراضه؟
 
هل تضعف الفكرة أو تموت بمرض أو وفاة التنظيم الذي يحملها أم أن الأفكار حية وباقية و وحدها التنظيمات التي تفنى وتُستحدث؟
 
ومتى يصدر إعلان الوفاة وهل من سبيل لاستعادة الحياة قبل فوات الأوان؟
 
حول هذه الأسئلة واجتهادات الإجابة عليها تقوم هذه السلسلة مع تنزيلها على واقع الحركات الإسلامية المعاصرة في مصرنا الحبيب بإذن الله..
 
ولكن قبل المضي قدماً وكمدخل لهذه الدراسة الموجزة أعتقد بأنه من الضروري تحرير مفهوم في غاية الأهمية والصلة كثيراً ما يجري تداوله دون إدراك عميق لأبعاده ومدلولاته, وهو مفهوم (الأمــــة)..
 
وللأمانة فغالب ما سأطرحه في هذه السلسلة من خواطر هو سياحة في فكر العلامة الدكتور ماجد الكيلاني مع استنباط لبعض الأحكام وتنزيل لرؤاه التنظيرية على واقعنا المعاش..
 
وسوف ينتظم الحديث بإذن الله في الحلقات التالية:
 
1- توضيح مفهوم الأمة وربط ذلك بواقع الحركات والتنظيمات الإسلامية.
2- دورة حياة التنظيمات:
- مرحلة الصحة والعافية
- مرحلة الضعف والمرض
- مرحلة الوفاة والتحلل.
3- خاتمة وتوصيات
 
الحلقة [ 2 ] : مفهوم الأمة
 
(تعني الأمة - لغوياً- الجماعة من الناس التي تؤم جهة معينة, واصطلاحاً فهي من المصطلحات التي ولدت بميلاد الرسالة الإسلامية, وتكررت الإشارة إليه في القرآن والحديث بمعان عديدة أهمها:
 
المعنى الأول: ورد مصطلح الأمة ليدل أن الأمة هي: إنســان + رســـالة
 
و"الرســالة" هنا هي: مثل أعلى يقدم النموذج الأمثل للجوانب الخيرة في سلوك الفرد والجماعة ليأتم به الناس ويسعدوا, ويقدم الصورة الشاملة للجوانب الشريرة ليتجنبها الناس ويسلموا من آثارها, ويشير القرآن إلى هذه الرسالة في مواضع عديدة باسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"
 
أما عن –الإنسـان- فقد يكون فرداً واحداً مثل قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين)
 
وقد يكون -الإنسان- جماعة من العلماء الدعاة الذين يحملون رسالة إصلاحية مثل قوله تعالى (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وقوله جل وعلا (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف)
 
وقد يكون –الإنسان- طائفة أو قبيلة لها معتقدها ومنهجها مثل قوله تعالى (وقطعناهم إثنتى عشرة أسباطاً أمماً)
 
وقد يكون -الإنسان- جيلاً له فكر واحد ولون حضاري واحد مثل قوله تعالى ( وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم)
 
وقد يكون –الإنسان – مجموعة متميزة بالتزامها مُثل الرسالة ومبادئها, مثل قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)
 
وقد يتسع مفهوم -الإنسان- حتى يشمل الإنسانية كلها إذا اجتمعت على فكرة واحدة ومنهاج واحد, مثل قوله تعالى (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا)
 
والمعنى الثاني, فقد ورد مصطلح "أمــة" ليعني (منهاج حياة), وما يتضمنه هذا المنهاج من قيم ومعتقدات وممارسات وتقاليد, في مثل قوله تعالى (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)
 
والمعنى الثالث, فقد ورد مصطلح "أمــة" ليعني فترة زمنية, مثل قوله تعالى (وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة) وقوله جل وعلا (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة)
 
والمعنى الرابع, حيث ورد مصطلح "أمـــة" ليعني مجموعة من الناس لها مهنة واحدة أو تقوم بعمل واحد, مثل قوله تعالى (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون)
 
والمعنى الخامس, حيث ورد مصلح "أمـــــة" ليشير إلى المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور والحشرات التي تنتمي إلى جنس واحد, وتتبع نمطاً واحداً في الاجتماع وأسلوب الحياة, مثل قوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم)
 
ومما مر كله يمكن الخروج بالملاحظات الآتية على مفهوم الأمة ومدلولاته في الإسلام منها:
 
1- أن المعنى الاصطلاحي المتكامل لــ "الأمــــة" يتضمن عناصر أربعة هي : العنصر البشري – العنصر الفكري – العنصر الاجتماعي –والعنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية وتعيش طبقاً لمبادئ هذه الرسالة وتظل تحمل صفة الأمة مادامت تجمع بين هذه الصفات, أما حين تفقدها فقد يُطلق عليها اسم "الأمـــة" ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي المقبول للأمة تماماً كما يُطلق اسم "دين" على أي دين ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام.
 
2- أن العنصر الرئيسي في مفهوم الأمة هو عنصر الرسالة أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه.
 
3- لا يُشترط في العنصر البشري (المكون الأول للأمة) الروابط الدموية أو الجغرافية ولا الكم العددي, فقد يكون هذا العنصر فردا واحدا وقد يكون فئة أو جماعة أو جيل أو الإنسانية كلها مادامت تحمل رسالة ويوحدها فقه شامل لهذه الرسالة وتطبيقات فاعلة تنتج عنها نُظم وتطبيقات حضارية في ميادين الحياة المختلفة تُسهم في بقاء النوع البشري ورقيه.
 
4- تتدرج الأمة في نشأتها ونموها نمو الجسد الإنساني فكما يبدأ الجسد نطفة ثم علقة ثم يولد طفلاً ثم يصبح صبياً ثم يقوى شاباً ثم يبلغ رجلاً ثم يعود شيخاً, وكما أن الإنسان الكامل هو الذي يبلغ النضج الجسدي والنفسي والعقلي ويقوم بوظائفه كاملة فكذلك الأمة تبدأ فرداً واحداً ثم تصير مجموعة صغيرة ثم قوماً ثم شعباً حتى تنتهي بالدائرة الإنسانية كلها, والأمة الراشدة هي التي تبلغ درجة الرشد الحضاري والنوعي وأبرز إشارات هذا النضج هو حمل رسالة الدعوة للخير بمعناه الواسع وإشاعته, والنهي عن المنكر بمعناه الواسع ومحاربته.
 
5- استمرار الأمة في الحياة مرهون باستمرار حملها للرسالة وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة, فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها انتهى وجود الأمة وحل محلها أمة أخرى
6- الإطار العام الذي يحدد مفهوم المكونات الرئيسية لنموذج الأمة المسلمة في القرآن هو قوله تعالى (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض), فهذه هي مكونات الأمة المسلمة والتي يمكن أن نمثلها بالمعادلة الرياضية التالية:
 
أفراد مؤمنون + هجرة وتجمع في مهجر واحد + رسالة وجهاد + إيواء + نصرة = أمة مسلمة ذات ولاء متبادل...)(1)
 
وفي ضوء ما تقدم يمكننا الجزم بان التنظيمات والحركات الإسلامية المُعاصرة, هي في حقيقتها صور مصغرة من صورة الأمة المسلمة المنشودة (الصورة التي يتسع إطارها ليشمل الأمة الإسلامية بأسرها بل والإنسانية جميعها), فالحركات الإسلامية المختلفة هي تجمعات بشرية (متنوعة العناصر) تتوزع داخل أطر حركية وتنظيمية مختلفة (المهجر) و تحمل كل منها رسالة واحدة (فهمها للدين ورسالته) تجسدها في واقعها وتجاهد في سبيل التمكين لقيمها وتعاليمها -أو هكذا يُفترض- وتقوم العلاقة بين أفرادها على الإيواء (النفسي والمادي) والنصرة والولاء المتبادل.
 
وفي ضوء ما تقرر أيضا بعالية فإن استمرار هذه التنظيمات من الناحية الوظيفية مرهون بتجسيدها لمكونات الإيمان والهجرة والرسالة والجهاد والإيواء والنصرة والولاء في واقعها الحركي وباستمرار حملها للرسالة وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة, فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة (العنصر الجوهري في مكون الأمة كما سبق التوضيح)أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها فقدت هذه الحركات وظيفتها ومشروعية وجودها وخضعت لسنن التغيير والاستبدال بأمة أخرى أقدر على حمل الرسالة وتحقيق مفهوم الأمة المسلمة على نحوها الصحيح.
 
فمتى نُجزم بأن أي من التنظيمات الإسلامية المعاصرة يقوم بوظيفته ويتمتع بكامل عافيته وصحته, ومتى نُدرك بأنه يمر بمرحلة الضعف والمرض, ومتى نقول بأنه في طور الوفاة والتحلل؟!!..الحلقات القادمة تجيب عن هذا بإذن الله
 
----------
هوامش :
(1) د. ماجد الكيلاني: الأمة المسلمة (مفهومها - مقوماتها - إخراجها)

الحلقة [ 3 ] : مرحلة الصحة والعافية
 
* دورة حيـاة التنظيمــات البشــريـة :
 
من مظاهر قيومية الله وحكمته في الخلق أن وضع قوانين محكمة تُنظم حركة الكون والحياة, وأخضع لها جميع المخلوقات, فهي بمثابة السنن والثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان, ولا تحابي في عملها أحداً من الخلق مهما بلغ وكان..(فلن تجد لسنت الله تبديلاً ولن تجد لسنت الله تحويلا)
 
ثم كان من مظاهر رحمته وعنايته ببني الإنسان وبأمة الإسلام على وجه الخصوص, أن نبهنا لوجود هذه السنن والقوانين الحاكمة, ودعانا لاستنباطها بالنظر في سير الأولين, والتفكر في آيات الخلق والكون, ومنها قوله تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم).. (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها)
 
ونحن مأمورون بعد ذلك بمجاراة هذه السنن, والتزام أحكامها وأسبابها, وتجنب مصادماتها أو إهمالها, في كل عمل من أعمالنا الفردية والجماعية, دق أو كبر , كشرط للقبول والتوفيق الإلهي, وأي تقصير في هذا الشأن يؤدي للفشل والتخبط, ويقابله نقص مساو في العناية والقبول.
 
من هذه السنن والقوانين الحاكمة أن الاجتماعات البشرية التي يتحقق فيها مفهوم الأمة على نحوه الموضح في المقال السابق, لها أعمار وآجال ودورة حياة أشبه ما يكون ببني الإنسان, "تمضي فيها بمراحل من الصحة والمرض والموت طبقاً لقوانين محددة, تحكمها الأسباب والنتائج, وتصاحبها الأعراض والمضاعفات, حتى تنتهي إلى أجلها ومصيرها المحتوم" وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى (ولكل أمة أجل فإذا جاء اجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)(1).
 
وقد بيّنا في ذات المقال أن التنظيمات الإسلامية المعاصرة يتحقق فيها مفهوم الأمة, ومن ثم يجري عليها سننها وأحكامها, فلكل تنظيم عمر وأجل, ودورة حياة يتمتع فيها بمراحل من الصحة والقوة, ويصيبه مراحل أخرى من الضعف والمرض, قد تؤدي للوفاة والتحلل إذا لم تتداركه يد العناية بأسباب التعافي والمداواة..
 
فمتى نحكم على تنظيم ما بأنه يعيش في طور الصحة والقوة وما أسباب ذلك ومقوماته؟.. ومتى نقول بأنه يمر بمرحلة الضعف والمرض وما أسباب ذلك ومظاهره ومضاعفاته؟.. ومتى ندّعي بأنه في طور الوفاة والتحلل وما أسباب ذلك ومظاهره ومآلاته؟
 
للإجابة على هذه الأسئلة يلزمنا الإحاطة بطبيعة العلاقة بين الأفكار والأشخاص والأشياء داخل التنظيم, ولتوضيح ذلك يقول الدكتور ماجد الكيلاني بأن (كل اجتماع بشري يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية متفاعلة هي: الأفكار والأشخاص والأشياء, وفي ضوء العلاقة القائمة بين هذه المكونات يتشكل محور الولاءات)(2) ومن ثم تتحدد طبيعة المراحل التي يمر بها التنظيم من حيث القوة والضعف والوفاة, على النحو التالي:
 
(1) مرحلة الصحة والعافية (الدوران في فلك الأفكار):
 
وفيها تحتل "الأفكار" محور الولاء الذي يدور في فلكه "الأشخاص والأشياء", حيث تُكرس طاقات الأفراد (قيادات وقواعد تنظيمية), ومقدرات التنظيم المادية, لتجسيد أفكار الرسالة وتطبيقاتها ونشرها والتمكين لمشروعها الحضاري, وفي ذلك يقول الدكتور الكيلاني بأن "الأمة تكون في أعلى درجات الصحة والقوة حين يكون الولاء لــ (الأفكار) هو المحور الذي يتمركز حوله سلوك الأفراد وعلاقاتهم, وسياسات الأمة ومواقفها, وبهذا تصبح الرسالة التي تحملها الأمة هي الغاية والمنطلق, بينما يشكل جهاد الأشخاص, وبذل الأشياء, وبناء المؤسسات, وصياغة السياسات المنظمة للحركة والاجتماع, مجرد وسائل عامة لتجسيد هذه الرسالة (الغاية) والتمكين لها.(3) 
 
وفي حال التنظيمات الإسلامية محور الدراسة فإن مرحلة دوران التنظيم في فلك (أفكار الرسالة ومبادئها) - وهي المرحلة التي يمكن توصيفها بمرحلة الصحة والعافية- تتحول فيها المعادلة المذكورة في المقال السابق (أفراد مؤمنون + هجرة وتجمع في مهجر واحد + رسالة وجهاد + إيواء + نصرة = أمة مسلمة ذات ولاء متبادل) لتصبح على النحو التالي:
 
تنظيم إسلامي في مرحلة القوة والصحة = أفكار الرسالة ( أفراد مؤمنون + هجرة ومهجر + جهاد + إيواء + نصرة) = أفراد مؤمنون بالرسالة + هجرة ومهجر لأفكار الرسالة + جهاد في سبيل الرسالة + إيواء حملة الرسالة + نصرة الرسالة وتعاليمها..وهو ما يعني في النهاية تنظيم إسلامي قادر على القيام بوظيفته من حمل رسالة الإصلاح ونشرها والتمكين لمشروعها الحضاري على النحو المنشود.
 
ولكن ينبغي هنا أن ننتبه إلى أن الأفكار التي قد يدور في محورها التنظيم هي في حقيقتها فهم للرســالة (ثوابتها – متغيراتها – مقاصدها –وتطبيقاتها في مجالات الحياة المختلفة), وليست هي الرسالة تماماً كما أن التدين هو فهم الدين وليس الدين ذاته, ولذا فإن بعض التنظيمات قد تجعل بالفعل من الأفكار محوراً لنشاطها, ولكنها لا تكون بذات القوة والعافية, ويحدث هذا التفاوت فيما بينها بمقدار تفاوتها في فقه الرسالة ورشد الممارسة والتطبيق, وكلما اقتربت الأفكار التي يدور في فلكها التنظيم من تمام الرسوخ والإحاطة في فقه الرسالة وتطبيقاتها, وبيئة العمل ومعطياتها, كلما كان التنظيم أقدر على القيام بوظيفة الحمل والتبليغ والتمكين.
 
هذا وقد تدّعي التنظيمات الإسلامية المختلفة أن محور ولاءها وحركتها هو أفكار الرسالة وليس الأشخاص أو الأشياء, وهذا كائن بالفعل, فما من حركة إسلامية إلا وتصف نفسها على هذا النحو , وهنا يلزمنا التعرف على مظاهر ودلائل الدوران في فلك الأفكار, حتى يتسنى لنا الحكم بصدق هذه الإدعاءات من عدمها؟!
 
من أهم المظاهر العملية التي تعكس ولاء التنظيم للرسالة ودورانه في فلك أفكارها ومبادئها ما يلي:
 
1- أن ينتظم سلم القيم والإدارة في التنظيم حول محور (الفكرة توجه القوة), وهذا يعني أن يتسلم "فقهاء الرسالة " و "علماء الإستراتيجية" زمام القيادة في ميادين العمل المختلفة, وبهذا يتحقق في القيادة مطلبي القوة والأمانة (إن خير من استأجرت القوى الأمين), ويتكامل فيها علم "الغايات" الذي يدور حول فقه أفكار الرسالة وتطبيقاتها, وعلم "الوسائل" الذي يدور حول فقه بناء الأمم, وتعبئة المقدرات, وتسخير طاقات "الأشخاص" و "الأشياء", لتوفير الأدوات اللازمة لتجسيد أفكار الرسالة ونشرها والتمكين لها.
 
2- أن تشيع حريات التفكير والتعبير والعمل والاختيار, وأن تتحدد وظائف الأفراد ومسؤولياتهم طبقاً لدرجة ولاءهم لأفكار الرسالة, ودرجة قدراتهم العلمية والجسدية ومهاراتهم التنفيذية, دون اعتبار لمقاييس النسب والمولد والقوة والعلاقات الشخصية المختلفة, وألا تُقدم الثقة على الكفاءة بأي حال وتحت أي مبرر.
 
3- أن تدور اهتمامات الأفراد داخل التنظيم حول المقاصد والقضايا العامة الكبرى, وحول التحديات الداخلية والخارجية, وما تتطلبه ذلك من تعبئة واستعداد وتضحيات.
 
4- أن تُرسم سياسات التنظيم ومواقفه في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية وخلافه, في ضوء توجيهات الرسالة وتعاليمها ومبادئها, وبهذا يتحقق عنصر (النصرة) المذكور في المعادلة السابقة بمعناه الشامل والعميق, ومن ذلك انتصار التنظيم للعدل في مواجهة الظلم والطغيان, ولقيم التكافل والعدل الاجتماعي في مواجهة الترف والبطر, وللحرية في مواجهة الاستعباد, وللكرامة الإنسانية في مواجهة الإذلال والاستبداد.
 
5- أن يقرأ إنسان التربية في هذا التنظيم (باسم ربه), ومن ثمار ذلك ارتقاء مستوى المعرفة إلى مستوى العلم, أي اكتشاف الحقائق الجديدة والصياغة الجديدة للمعارف السابقة (التأصيل والتجديد), ونشاط الحركة المعرفية, وشيوع روح الاجتهاد, وتعشق البحث العلمي والقراءة, وازدهار دور التنظيم التربوي وجذبه للعقول والمواهب العلمية والبحثية في الأمة.
 
..فيا تُرى أي من التنظيمات الإسلامية المعاصرة في بلدنا الحبيب يتحقق فيه هذه الصفات أو بعضها؟...اترك لكم الإجابة لتقييم الواقع والحكم عليه, وإن كنت أخشى من أن هناك من تحول عواطفه دون التحرر من قيود العصبية والتحيز والنظر اللاموضوعي, فمن الناس من (يحسبون كل صيحة عليهم) فيشتدون في خصامها دون تريث, ومنهم من إن (تأتيهم بكل آية ما تبعوا قبلتك) ومنهم من (إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً)..ولعل هذا من مظاهر المرض والوفاة التي سيأتي تفصيلها في الحلقات القادمة بإذن الله..
-----------
هوامش :
1 - د. ماجد الكيلاني ..الأمة المسلمة (مفهومها – مقوماتها – إخراجها)
2 - د. ماجد الكيلاني..نفس المصدر بتصرف
3 - د. ماجد الكيلاني..نفس المصدر بتصرف
 
الحلقة [ 4 ] : مرحلة الضعف والمرض (مرحلة الدوران في فلك الأشخاص)
 
يتسرب الضعف والمرض لجسد التنظيمات البشرية إما لضعف في المناعة أو لاقتراف أسباب المرض, تماماً كما هو الحال في الجسد الإنساني, وأعراض ضعف المناعة لدى التنظيمات الإسلامية تحديداً, يمكن إجمالها في ضعف "الإحـاطة والرسـوخ" في رؤاها ومواقفها, وضعـف الإحـاطـة هنا يعني: ضعف القدرة علي قراءة واقع الفكرة الإسلامية"الرسالة" التي تحملها. إذ أن الإحاطة هي بمثابة قطاع عرضي في البعد المكاني, الذي ينشط فيه التنظيم, بدوائره المحلية والإقليمية والدولية, وبملابساته الشائكة والمؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في فاعليته, وقدرته علي تحقيق الأهداف. بينما يعني ضعـف الرسـوخ: ضعف رسوخ العلم بخصائص الفكرة الإسلامية (ثوابتها – متغيراتها – مقاصدها – أهدافها – أولويات تنزيلها - ...) إذ أن الرسوخ هو بمثابة قطاع طولي في الفكرة, أي وعي كامل وتام بنشأة الفكرة, وخصائصها التفصيلية, ومراحل تطورها التاريخي, والعوامل المؤثرة فيها سلباً أو إيجاباً, خلال هذا المسار الزمني وحتى وضعنا الراهن.
 
وينشأ هذين الضعفين حينما تعجز مؤسسات الفكر والتربية داخل التنظيم, عن تخريج "فقهاء الرسالة" والأفراد المؤمنين بها والقادرين على حملها بكفاءة ونجاح.
 
أما كيف يحدث هذا العجز في مؤسسات الفكر والتربية؟ فهو يبدأ حين يُقبض العلم داخل التنظيم. وقبض العلم قد يكون لأسباب طبيعية لا دخل لنا فيها كوفاة العلماء في الأمة, وفي هذا يقول رسولنا الكريم (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً إتخذ الناس رؤوساً جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا), وقد يكون باقتراف أسباب المرض, وذلك بإزاحة (فقهاء الرسالة) والعلماء الربانيين عن قيادة هذه المؤسسات وتوجيه دفتها, والذي يبدأ من إزاحتهم عن المراكز العليا لصناعة القرار والقيادة التنظيمية, ويتدرج لإزاحتهم عن قيادة المؤسسات التربوية والفكرية والدرجات الإدارية الأدنى, وينتهي بعزلهم عن التأثير في الأفراد, بل واستهدافهم بالقدح والتعريض إذا ما خالفت آراءهم توجهات القيادة الحركية, أو تعرضوا للممارسات التنظيمية بالنقد والتصويب..لينتهي الحال بهؤلاء الفقهاء والعلماء إلى اعتزال الشأن التنظيمي إيثاراً للسلامة وتنزهاً وارتفاعاً عن التنافسية البغيضة, و إلى ما يسميه الدكتور الكيلاني بــ "النفاق المزدوج", الذي يدفع القيادة التنظيمية للتفاخر بهؤلاء العلماء, واستغلال إنتاجهم الفكري في جذب أتباع جدد ومكاسب جديدة, ولكنها من ناحية أخرى تضرب بآرائهم عرض الحائط, و تقلل من أهمية توجيهاتهم ورؤاهم في الواقع, بدعوى ضعف إحاطتهم بكواليس وملابسات الأحداث!!!
 
ويحدث ذلك عندما يُوسد أمر القيادة التنظيمية إلى غير أهله, فتضيع الأمانة, وتعمد هذه القيادة بالتبعية لتقديم الثقة على الكفاءة, واختيار من هو أدنى منها كفاءة وخبرة لقيادة مؤسسات التنظيم بمستوياتها الإدارية المختلفة, مادام يدين لها بالولاء والطاعة. وذلك لتأمين قبضتها على زمام الأمور, وكيلا ينكشف عوارها وضعفها القيادي, وهنا تبدأ إزاحة الفكرة (الرسالة) من مركزية النشاط لصالح الأشخاص والأهواء, ويلج التنظيم في مرحلة دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "الأشخاص" بدلاً من أفكار الرسالة ومبادئها, وبهذا تتحول المعادلة المذكورة سلفاً في المقال السابق من:
 
تنظيم إسلامي في مرحلة القوة والعافية = أفكار الرسالة ( أفراد مؤمنون + هجرة ومهجر + جهاد + إيواء + نصرة) = أفراد مؤمنون بالرسالة + هجرة ومهجر لأفكار الرسالة + جهاد في سبيل الرسالة + إيواء حملة الرسالة + نصرة الرسالة وتعاليمها..
 
لتصبح على النحو التالي:
 
تنظيم إسلامي في مرحلة الضعف والمرض = الولاء للتنظيم وشخص القيادة (إيمان + هجرة ومهجر + جهاد + إيواء + نصرة) = أفراد مؤمنون بالحمية التنظيمية + هجرة مذهبية حزبية + جهاد ومصالح تنظيمية + إيواء حزبي + نصرة مذهبية وحزبية.
 
وتبدأ أعراض الضعف والمرض في الظهور على مستوى الممارسات والمواقف الفردية والجماعية, في ميادين العمل المختلفة (السياسة – الاقتصاد – الدعوة – التربية -..), وتتفاقم المضاعفات والمشكلات مع الوقت, بما يُهدد تماسك التنظيم, ويُفرّغ مكونات الاجتماع (الإيمان – الهجرة – الجهاد – النصرة – الإيواء - النصرة) من مضامينها الصحيحة, ويُنذر بالولوج في طور الوفاة والتحلل.
 
ولكن من البديهي والمتوقع أن ما من تنظيم إسلامي معاصر إلا وسينفي عن نفسه الضعف والمرض, وهذا كائن بالفعل, فشجاعة الاعتراف بالخطأ وإعلان التوبة والتصحيح للأسف غائبة عن غالب التنظيمات الإسلامية, وهو ما يستدعي ضرورة التعرف على مظاهر وأعراض مرحلة الدوران في فلك الأشخاص حتى يتسنى لنا الحكم بصدق هذا النفي من عدمه..
 
■ أعراض ومظاهر مرحلة الضعف والمرض(الدوران في فلك الأشخاص)
 
من أهم المظاهر العملية التي تعكس مرور التنظيم بمرحلة الضعف والمرض وإزاحة الرسالة من مركزية النشاط ما يلي:
 
1- أن يتبدل سُلم القيم والإدارة في التنظيم ليصبح محوره (القوة فوق الفكرة), الأمر الذي يؤدي لإزاحة أهل العلم والفكر (فقهاء الرسالة وعلماء الإستراتيجية) عن إدارة شئون التنظيم وقيادة مسيرته, ويجعل أولي الأمر هم أهل القوة والخطابة, الذين لا يُحسنون فقه الرسالة, ولا قوانين بناء الأمم وانهيارها, ولا قوانين تعبئة المقدرات, ولا قوانين النصر والتفوق. وإنما يُحسنون التلاعب بالمشاعر والعواطف, وخلق الأماني والشعارات, حتى إذا واجه التنظيم التحديات لم يفقهوا ما يصنعون, وآل أمرهم إلى الفشل وأحلوا أتباعهم دار البوار.
 
2- ضبابية الرؤية وتداخل المراحل وهلامية الأهداف: في حال قيادة فقهاء الرسالة وعلماء الإستراتيجية للتنظيم تكون الرؤية واضحة, لدقة رسوخهم في فهم الرسالة, وإحاطتهم بآليات تنزيلها وعقد القران بينها وبين الواقع, واعتمادهم التخطيط الدقيق الذي تتمايز فيه المراحل, وتتضح الأهداف وتكون قابلة للقياس والتقييم, أما في حال إزاحة الفكرة, ودوران التنظيم في فلك أهل القوة والخطابة (مرحلة المضعف والمرض), تضطرب الرؤية, وتتداخل المراحل, وتتسم الأهداف بالهلامية وضعف القابلية للقياس والتقدير على مستوى التقدم والانجاز, فيصبح عامل الزمن كماً مهملاً لا قيمة له في النشاط, ولا يراوح التنظيم مكانه على سلم الأهداف, وتضعف دافعية الأفراد وفاعليتهم, ويخبو الباعث القلبي الداخلي, ويُقتل الإبداع, وتشيع الاتكالية الفكرية والحركية, فلا يحمل المرء هم الفكرة ولا يستثار للعمل لها إلا بتكليف أو دفع خارجي.
 
3- حدوث التعارض المتكرر بين مواقف التنظيم وممارساته وتصريحات قياداته وبين ثوابت ومبادئ الفكرة التي يحملها, وهذا انعكاس طبيعي لضعف رسوخ القيادة في فقه الرسالة والعلم بخصائصها ومقاصدها, وإفراز متوقع للاضطراب والقصور الحاصل في مؤسسات التربية والفكر, والناشئ عن إزاحة فقهاء الرسالة والراسخين في العلم عن قيادتها, لصالح من هم اقل فقهاً ودراية وأكثر ولاءاً وطاعة لشخص القيادة التنظيمية, ويترتب على ذلك تناقض المواقف والتصريحات من وقت لآخر, وتحول المبادئ والتعاليم إلى نصوص جامدة, تتشدقها الألسن ولكن لا يُحكم بها على الواقع, ولا تُضبط التصريحات والممارسة السياسية في ضوءها. بل يتجاوز الأمر إلى التلاعب بالنصوص, وتأويلها لتبرير المواقف والخيارات, وفي هذا تطبيق عملي لما سبق الإشارة إليه من تطويع الفكرة للقوة, وتحريف النصوص عن مرادها الإلهي إلى مرادات أصحاب النفوذ والسيطرة في التنظيم, وشواهد ذلك كثيرة ومتعددة, لعل آخرها في الشأن المصري هو التصريحات المتكررة من قيادات "العمل الإسلامي" بالبحث عن مرشح رئاسي لا ينتمي "للتيار الإسلامي"! في مخالفة صريحة لمفهوم الولاية والنصرة, و ركون ومداهنة للإرادة العسكرية والغربية, والمبرر هو ترجيح المصلحة!! وكأنه لا توجد مبادئ وتوجيهات ثابتة, ولا يتوفر معيار قيمي واضح تُرد إليه الأمور, وبالتالي تطغى القيمة المصلحية, وتتحول الثوابت إلى متغيرات نسبية واجتهادية.
 
4- ظهور فقهاء أقوياء القوم المتربعين في مراكز النفوذ والقيادة, وحلول هذا النوع محل "فقهاء الرسالة", وتوليهم لمهمة تأويل آيات الكتاب وتحريفها عن مواضعها لتبرير إرادات أصحاب القوة والنفوذ ومواقفهم وممارساتهم المختلفة.
 
5- هبوط مستوى الحماسة للمعرفة والبحث, ولذلك يبدأ التقاعس والميل للتقليد, وتتوقف مؤسسات الفكر والتربية داخل التنظيم عن دورها التجديدي, بما يؤدي لهجرة العقول, وضعف جاذبية التنظيم للطاقات والمواهب, وتحوله لوطن مغلق راكد الحركة (على المستوى الفكري), اللهم إلا فيما يتعلق بالتنازعات الحزبية والمذهبية التي يُفرزها الولاء والانتصار للذات التنظيمية.
 
6- يتحول ولاء عامة الأفراد وحبهم وطاعتهم إلى "شخص" القيادة التنظيمية, وتتحرك إراداتهم إلى المدى الذي تحدده تلك القيادة, وبذلك يدخل التنظيم في شرك الصنمية: صنمية الأشخاص التي أطلق القرآن عليها- صنمية الأنداد- ,فيتحول التنظيم من (أمة رسالة) إلى (أمة سدنة), والفرق بين النوعين هو أن الأولى تضحى بالأموال والنفوس في سبيل الرسالة, والثانية تتاجر بأفكار الرسالة لاستمالة الجماهير ونيل السلطان والنفوذ.
 
7- تتغير فلسفة التربية وأهدافها ليقرأ إنسان هذه المرحلة (باسم التنظيم), أي لإعزازه وإثبات تفوقه على نظرائه في القوة والتملك والمكانة. (شيوع المذهبية والتحزب)
 
8- اعتماد "تربية القولبة العقلية و الإرادية" بدلاً من "التربية التجديدية" داخل مؤسسات التربية والتزكية بالتنظيم, ويعني ذلك أن النظام التربوي يعمل على صب "فكر منتقى" في قوالب جامدة من التفكير , ويستهدف توجيه إرادات الأفراد لما فيه رغبات النخبة المتسلطة والمسيطرة داخل الحركة, ولهذا الأمر مخاطر عديدة أهمها:
- أن التربية التجديدية تُدرب الإنسان على تقويم المنجزات وتحليل الموجودات باستمرار, وتبقيه في علاقة جدلية مع الواقع والبيئة المحيطة, وبحث دائم عن الطرق والوسائل العملية والإبداعية اللازمة لمواجهة هذا الواقع وفهمه وتطويره.
 
أما في تربية (القولبة العقلية والإرادية) فتحذر إنسانها من تقويم الواقع, وتعتبر كل محاولة في هذا المجال إثارة للفتنة, وبثاً للفوضى, وبلبلة للصفوف, وهدم للنظام. وتظل تعمل للتستر على أمراض هذا الواقع وأدوائه حتى تُزمن وتستعصي على العلاج.
 
- أن التربية التجديدية تُخرّج إنسان قادر على الانعتاق من الآبائية والاغتراب, وقادر على تقويم الممارسات على أسس علمية – عقلانية سليمة, تناقش المشكلات القائمة بشجاعة وإيجابية, بهدف التشخيص والمعالجة. وتغرس فيه شجاعة الاعتراف بالخطأ, والمبادرة للتصحيح ولو كلفه ذلك التخلي عن قناعات ومسلمات كان يظنها صالحة.
 
أما في تربية القولبة العقلية والإرادية فيصاب الإنسان بالذعر حينما يتبين أن الواجب يفرض عليه التخلي عن كثير من المعتقدات والقيم والنظم والتقاليد والممارسات الفكرية والتطبيقات العملية المانعة من التحرر والتقدم, ويظل حبيس ما تقرره النخبة السلطوية, وينحصر الصواب فيما تقدمه هذه النخبة, ويسبغ عليها طابع العصمة والاستمرارية, ويحارب كل من يجرؤ على نقده أو إنكاره.
 
- أن التربية التجديدية تنجب مجتمعاً مفتوحاً, يهيئ لحسن استثمار المقدرات وتنمية قدرات الأفراد والجماعات وتعبئتها إلى القدر الكافي لتلبية الحاجات ومواجهة التحديات.
أما تربية القولبة العقلية والإرادية فتنجب مجتمعاً مغلقاً, تُهدر فيه الطاقات وتعطل فيه القدرات ويعجز الناس عن فهم واقعهم وحمل مسئولياتهم.
 
9- تشيع "معرفة اللغو والتسلية" ويزداد تسطيح الفقه والفكر, وتنتقل التربية من فقه الأعمال إلى فقه الأشكال, ويسود العجز والكسل عن ابتكار الجديد, ويحل محله اجترار سير الآباء والفخر بتراث الأجداد.
 
10- فوضى الثقافة وسطحيتها, فلا تزيد اجتماعات الخلايا والأسر والحلقات داخل التنظيم عن كونها حلقات سمر أو سهرات, لتناول الشاي والمرطبات وأكل الفواكه والحلوى, ثم قراءة نماذج من الملصقات الذهنية والشعارات الغامضة الفضفاضة, ثم الانتهاء بمقولات الزهو الحزبي والشحن المذهبي. صحيح أن المردود الثقافي لم يكن سلبياً كله, وأن الجماعات والأحزاب أوجدت نوعاً من الصحوة والاهتمام بالقضايا العامة, ولكن هذه الصحوة لم ترتق لمرحلة اليقظة, ولم تتجاوز مستوى الحس إلى مستوى الوعي, فجاء المحصول (ثقافة وعظية) أفرزت جيلاً حل عنده (اللغو الثقافي – السياسي) محل (المعرفة العلمية) المنظمة.
 
11- أن تصبح الدكتاتورية والقسوة والخصومة اللدودة سمات واضحة في تعامل أعضاء التنظيم مع المخالفين, ذلك أن التنظيمات التي تمر بمرحلة المرض والدوران في فلك الأشخاص, تُعلّم أتباعها بأن الحق المطلق والصواب المطلق والفضيلة المطلقة هي عندهم ومن صفاتهم, وأن الباطل المطلق والخطأ المطلق والرذيلة المطلقة هي من صفات خصومهم ومن هم خارج صفوفهم.
 
12- شيوع الظن والهوى بدل التفكير العلمي, إذ أصبحت الحمية الحزبية هي القاعدة في تشكيل الآراء وإصدار الفتاوى والأحكام, وترتب على هذا اللون من التفكير أن صار العضو الحزبي لا يجمع المعلومات ولا يحللها ولا ينقحها ثم يبني الأحكام, وإنما صار نبياً بدون وحي, وفيلسوفاً بدون حكمة, ومثقفاً بدون قراءة, ومختصاً خبيراً في كل شيء بدون دراسة!
 
هذا..ويؤدي تستر التنظيم وإنكاره لوجود هذه الأمراض وإهماله في معالجتها إلى تنامي الضعف, وتفاقم الأزمات, وتسارع الخطى نحو طور الوفاة والتحلل والاستبدال. وشخصياً استشرف ذلك في ضوء إشارة رسولنا الكريم في الحديث الشريف رداً على السائل عن الساعة وقوله: إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة, فقيل له كيف إضاعتها؟ فقال إذا وُسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة. والساعة هنا قد يتسع معناها ليشمل زوال التنظيم (الاجتماع البشري) وفقدانه لمقومات الحياة والاستمرارية, وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنه (كان رجال من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا لا يُدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم) في إشارة إلى موتهم, وعليه فعندما يوسّد الأمر لغير أهله في التنظيمات البشرية, فالساعة المنتظرة هي وفاة هذه التنظيمات, وفقدانها لمقومات البقاء, وخضوعها لسنن الاستبدال والتغيير.
 
----------
هوامش :
* العناصر من 4 – 12: الدكتور ماجد الكيلاني مع بعض التصرف في العبارة

الحلقة [ 5 ] :مرحلة الوفاة والتفكك (الدوران في فلك الأشياء)
 
ينتهي التنظيم البشري إلى طور الوفاة والتحلل, عندما يفقد مقومات بقائه, ومشروعية وجوده المرتبطة بأدائه لوظيفته وتحقيقه لأهدافه التي تأسس من أجلها. وفي التنظيمات الإسلامية تحديداً, فإن مصيرها يؤول إلى الوفاة والتفكك, عندما تتمزق فيها روابط الأمة المسلمة "المذكورة في المقال الأول", أو تَفرُغ من معانيها ومضامينها الحقيقية (عجز عن التجسيد) , وعندما تعجز عن تحقيق الإحاطة والرسوخ في حمل رسالة الإصلاح ونشرها وإسقاطها على الواقع في ميادين الحياة المختلفة (عجز عن الحمل والبلاغ والتنزيل), وعندما لا تُراوح المكان, وتفشل في تحقيق أهداف التمكين في مدى زمني معقول ومنطقي. (عجز عن تحقيق الأهداف والتمكين للرسالة)
 
تنظيم إسلامي في طور الوفاة والتحلل = تنظيم فاقد لـــ (مقومات البقاء + مشروعية الوجود) = تنظيم (عاجز عن تجسيد الرسالة ومبادئها+ عاجز عن حمل الرسالة ونشرها وتنزيلها بصورة صحيحة على الواقع + عاجز عن تحقيق الأهداف والتمكين لمشروع الرسالة الإصلاحي)
 
ويحدث ذلك عندما يتوسد القيادة من ليسوا بأهلها, من أصحاب النفوذ والخطابة على النحو الذي جرى توضيحه في المقال السابق, فيأخذون بناصية التنظيم إلى الانحراف عن الدوران في فلك الرسالة إلى الدوران في فلك الأشخاص, وشخص القيادة التنظيمية تحديداً, ليدخل التنظيم بذلك في مرحلة الضعف والمرض, التي تم تفصيل أعراضها ومظاهرها في المقال السابق أيضاً..
 
ولأن هذه القيادة المفتقدة للأهلية عادةً ما تتسم "كنمط قيادي" بالصلف والعناد, وشدة الاعتداد بالرأي, والتعالم, والتعالي على النقد واعتباره تهديداً لمكانتها وفضح لضعفها– الأمر الذي يدفعها لمخاصمة أصحابة بل والفجور في الخصومة في بعض الأحوال- فإنها تعمد إلى التستر على هذه الأمراض وإنكارها, أو التظاهر بإصلاح ما تعجز عن مداراته منها, من خلال إجراءات شكلية قد تخفف من ظهور الأعراض, ولكنها لا تمتد لجذور المشاكل بالعلاج والمداواة. ويترتب على ذلك تفاقم هذه الأمراض وتزايد مضاعفاتها, وتقلص دوائر الولاء لدى أفراد التنظيم من القيادة العامة المركزية إلى القيادات الوسطى فالقيادات الصغرى المباشرة, إلى أن تنتهي لدوران الفرد حول نفسه, وعندها تتحول صلة الأفراد بالتنظيم إلى "نفاق" ومجاملات لا صلة ولاء وانتماء, فيرتبط أحدهم بالتنظيم بقدر ما يحقق أهدافه ومنافعه الشخصية, ففلان التاجر يطمح في رواج تجارته, وفلان الطبيب يرجو أن تكتظ عيادته بأبناء التنظيم وذويهم, والآخر المعلم يطمع في تكثير سواد الطلبة بدرسه, وهكذا..وهنا تتمزق روابط وعناصر الأمة, وتنكمش في بؤرة الأنانية الفردية, لتصبح المعادلة على النحو التالي:
 
"تنظيم إسلامي في أدنى مراحل الضعف والمرض = تنظيم إسلامي يدور غالبية أفراده في فلك أنفسهم = ولاء الفرد لنفسه (الإيمان – الهجرة والمهجر – الجهاد والرسالة – الإيواء – النصرة) = أفراد أنانيون + هجرة فردية + جهاد فردي ورسالة فردية + إيواء فردي + نصرة فردية"..1
 
"وفي هذه المرحلة يصبح المكان الذي يجد الفرد فيه قضاء مصالحه هو المهجر الذي يشد إليه رحاله, ويصبح العمل لتأمين رغباته ومصالحه هو مظهر الجهاد الذي يفرغ فيه الفرد طاقاته العقلية والنفسية والجسدية, ويتحدد مفهوم الإيواء في توفير الإقامة المريحة الزاخرة بالمصالح الشخصية, ويتحدد مفهوم النصرة في منافحة الفرد عن مصالحه الخاصة دون سواها, ويتحدد مفهوم الولاية في الأنانية الفردية وتقديمها على أي شيء آخر"2...ثم تكون مشاركته في أعمال التنظيم مشاركة خالية من الروح والباعث القلبي, بل قد تُشكل الأنشطة التنظيمية المختلفة عنده عبئاً, إذا عطلت مصالحه الخاصة, أو حالت دون رغباته الأنانية.
 
وبلوغ التنظيم هذا الطور معناه تمزق العلاقات, وتعطل فاعلية عناصر الإيمان والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة في تجسيد الرسالة, وحملها, والعمل للتمكين لمشروعها الحضاري. وهو ما يعني الدخول لمرحلة الوفاة والتفكك..
 
وهنا يلزمنا توضيح نقطتين من الأهمية بمكان قبل مواصلة الطرح وهما:
 
أولاً: "أن سلسلة الانحسارات المتوالية التي يمر بها التنظيم تتم بدرجة متفاوتة عند الأعضاء, فقد يكون أناس على دائرة الولاء للفكرة, في الوقت الذي يكون آخرون على دائرة الولاء للأشخاص, وآخرون على دائرة الولاء للأشياء"3, وتصنيف المراحل هو تبعاً للغالبية المهيمنة على سلوك التنظيم ومساره, والتي تملك التأثير في توجهاته. وهي تتمثل في مرحلة الصحة والعافية فيمن يدورون في فلك الرسالة, وفي مرحلة الضعف والمرض فيمن يدورون في فلك الأشخاص , وفي مرحلة الوفاة والتفكك فيمن يدورون في فلك الأشياء.
 
ثانياً: "ليس حتمياً أن تتوالى الانحسارات حتى تنتهي بالتنظيم إلى مرحلة الوفاة, فقد تحدث حركة مراجعة وتجديد ترد للتنظيم قسطاً من العافية, أو تمنع زيادة التدهور, أو تنقله من مرحلة المرض إلى الصحة من جديد"4.ولكن هذا يتطلب إما أن تتحرك شريحة قوية من القواعد في صورة تياريه, للضغط على القيادة لإحداث مراجعات جذرية على المستوى الفكري والحركي, أو أن تتعرض القيادة لصدمات إفاقة تجنح معها للمبادرة الذاتية للتصحيح, وللأسف كلا الأمرين في التنظيمات الإسلامية شديد الصعوبة والندرة, فعادةً ما تقوم القيادة غير ذات الأهلية بتجفيف منابع الخلاف والاضطراب بداخلها, من خلال الإرهاب الفكري, والاغتيال المعنوي, والفصل التنظيمي للعناصر المقلقة, وبالتالي ففرصة تكون شريحة التصحيح وتحولها لشريحة ضغط داخلي تكاد تكون معدومة, وعادة لا يتجاوز الأمر حد الجهود الفردية المشتتة, التي لا تملك قدرة فعلية على التغيير في المسار والتوجهات. كما أن هالة القدسية والعصمة التي تضفيها القواعد على القيادة في التنظيمات الإسلامية, تحول دون مبادرة الأخيرة بإعلان التوبة والمراجعة الفكرية والحركية لما تراه في ذلك من إنتقاص لقدرها أو إثبات على ضعفها, ولذلك عادة ما تعمد إلى تأويل لنصوص الدينية ولي عنق الأحكام الشرعية والاسقاط الخادع لأحداث السيرة والتاريخ على واقعها, لتبرير مواقفها وتصريحاتها, التي عادة ما تكون متناقضة ومرتبكة, كانعكاس طبيعي لضعفها في فقه الرسالة ومسائل التخطيط الاستراتيجي.
 
وعليه..فإذا كان الغالب المتوقع في ظل قبضة غير ذوي الأهلية من رجال القوة والخطابة على زمام الأمور, هو تضييع الأمانة, وانحراف التنظيم عن الدوران في فلك الرسالة إلى الدوران في فلك الأشخاص, واستمرار هذا التدهور والانحسار إلى أن ينتهي الحال بالدخول في طور الوفاة والتفكك..فما هي إذاً أعراض ومظاهر هذا الطور الأخير, وما هو المصير الذي ينتظر هذا التنظيم وأعضائه؟
 
■ أعراض ومظاهر مرحلة الوفاة والتفكك (مرحلة الدوران في فلك الأشياء)
 
"ينتهي التنظيم إلى طور الوفاة والتحلل, حين يصبح المثل الأعلى الذي يوجه الحياة والحركة بداخله هو:
 
دوران الأفكار والأشخاص في فلك الأشياء
 
والتجسيد العملي لهذا الدوران, هو تمركز شهوات الحياة ومتعها ومغانمها في محور نظام القيم السائدة, وتكريس الطاقات الفكرية والبشرية لتوفير هذه الشهوات والمتع, ونسيان أو إهمال ما عداها من مهام وأدوار ورسالة قام التنظيم بالأساس لحملها ونشرها والتمكين لمشروعها.
 
والمحصلة النهائية لهذا التبدل والانحسار, هي بروز "إنسان" أناني, تدور اهتماماته حول ملكية الأشياء, والعض عليها بكل الأنياب المادية والنفسية, كالتآمر والغش والظلم والاغتصاب, دون اعتبار للآخرين ومصائرهم. ويُطلق على هذا النظام القيمي اسم (الملك العضوض), والذي تتفاوت شهوته بتفاوت دوائر الملكية داخل التنظيم, فهي تبدأ من ملكية الفرد الخاصة التي يتحصل عليها من الانتفاع بعلاقته بالتنظيم, حتى تبلغ أقصى سعتها عند شعور القيادة المركزية بملكية التنظيم, وحق التصرف فيه بما يؤمّن مصالحها, ويتوافق مع أهواءها, وشبع رغباتها في التحكم والنفوذ.
وقد أجمل رسولنا الكريم أعراض الوفاة في الأمة (التنظيم البشري) في أكثر من حديث, أهمها قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت شحاً مطاعاً, وهوى متبعاً, ودنيا مؤثرة, وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك خاصة نفسك, ودعك من أمر العامة)
فالشح المُطاع, والهوى المتبع, والدنيا المؤثرة, وإعجاب كل ذي رأي برأيه, كلها أعراض رئيسية للوفاة, يتفرع عن كل منها عشرات من المضاعفات والتفاصيل." 5
 
أما عن تفاصيل هذه الأعراض فهي كما يلي:*
 
1- شيوع الشح المطاع
 
الشح في اللغة اشد البخل, وقيل البخل يكون في المال أما الشح فيكون في المال والمعروف. ولقد ورد ذكر الشح في القرآن الكريم في خمسة مواضع, تتكامل جميعها لتدل علي ثلاثة أمور:
 
الأول: أن من يُبتلى بالشح يتصف بعدم الإنفاق في سبيل الله, والجبن أمام الأعداء, وسلاطة اللسان على الأصدقاء, والغياب عن التضحية والبذل, والحضور عند الطمع والغنيمة (الآيات 18- 20 من سورة الأحزاب), ومثال ذلك في العمل الإسلامي ضنّ البعض بإنفاق أوقاتهم وأموالهم في ميدان الدعوة وفعل الخيرات, وصغار بعض الهيئات والحركات الإسلامية أمام السلطة المستبدة, الظالمة والمعادية للدين, والتزلف إليها, وغض الطرف عن انحرافاتها وانتهاكاتها الشرعية, بل والدعوة لطاعتها وتحريم الخروج عليها, في الوقت الذي لا تسلم الجماعات العاملة معها في ميدان الدعوة وحمل الرسالة, من سلاطة نقدها لمنهجها وسلوكياتها في أمور يتسع فيها الخلاف ولا تقدح في أصول الدين وثوابته. ومنه أيضاً غياب أو خفوت صوت البعض في نقد الظلم والاستبداد, وتأخره عن صفوف المواجهة مع الباطل, ثم علوه وحضورهم بعد زوال الطاغية, وتقمصهم لدور حماة الدين والشريعة, على نحو ما جرى في الثورات العربية من بعض الحركات الإسلامية المعاصرة.
 
الثاني: أن من برئ من الشح يتصف بالسخاء والبذل, وإيثار المصلحة العامة, ومحبة الغرباء كمحبة الأقرباء, ماداموا من أمته الممتدة الأطراف (الآية 9 من سورة الحشر), ونقيض ذلك ما نراه من ترجيح بعض الحركات والأحزاب الإسلامية لمصلحتها الخاصة على حساب المصلحة العامة للأمة, في الخيارات والمواقف السياسية. وما نلمسه في أحوال البعض من أبناء هذه الحركات من ازدراء وغلظة وجفوة لكل من لا ينتمي لحزبه أو جماعته, في تضييق مؤسف لمفهوم الأخوة الإسلامية, ومخالفة صريحة لقيم وتعاليم التكافل والتواصل والتراحم بين أبناء الأمة الواحدة.
 
الثالث: التشبث بمنافع ومزايا لم يعد بالإمكان الوفاء بحقها, وعدم التعفف عنها ومنحها لمن هم أكثر قوة وقدرة على أدائها (الآية 128 من سورة النساء), ومن ذلك تشبث القيادات الطاعنة في العمر بالمناصب الإدارية الكبرى, لإحكام السيطرة على سلوك التنظيم وتوجهاته, بحجة أنهم الأكثر حكمة وقدرة على الحفاظ على سلامته من نزق الشباب وطيشهم, فتكون المحصلة هي الميل للجمود ورفض التغيير والتجديد إلى أن يتيبس التنظيم فكرياً ويتكلس حركياً!!
 
2- إتباع الهوى
 
المحور الذي يدور حول الهوى, هو مجانبة العدل في السلوك والتفكير والشعور, ثم الانطلاق في ذلك كله من الحمية العصبية والشهوات النفسية. ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت الهوى –الصفة الثانية للأمة الميتة- يتضح أنه يتمثل فيما يلي:
أ‌- الظـلـم: الذين يمارسون الظلم إنما يمارسونه عن هوى, كما أن الذين يخنعون أمام الظالم ويرضون بظلمه, إنما يفعلون ذلك بسبب الهوى. ولذلك قال رسولنا الكريم (إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم فقد تودع منها), فالتنظيم الإسلامي يموت, وينتهي دوره ومشروعية وجوده, عندما يغض الطرف ويسكت أمام سياسات الظلم, وتطبيقاته في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وغيرها من ميادين الحياة. 
 
والأدهى من ذلك في زماننا العجيب, أن هناك من الحركات الإسلامية التي يدّعي قادتها وأفرادها العمل لنصرة الدين وتحكم الشريعة من لا يكتفي بالسكوت عن الظلم, بل يعين الظالم على ظلمه ويبرره, بل ويشرعنه له على هواه..وكأنهم ما مر على أسماعهم قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار), أو كأنهم ما دروا بقول رسولنا الكريم: (ألا إنه سيكون من بعدي أمراء يظلمون ويكذبون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منهم ومن لم يصدقهم بكذبهم ومن لم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه)..!!
 
ب‌- يشيع الخطأ في الأحكام والقرارات والسياسات والمواقف: وإلى هذا يشير قوله تعالى (ومن أضل ممن اتبع هواه).
 
ت‌- انطفاء فاعلية الحقيقة رغم تعريف الناس بها: فشيوع الهوى معناه الاحتكام إلى النزعات والحمية والشهوات مما يبطل فاعلية الحقيقة رغم وقوف الناس عليها, ومن أمثلة ذلك حرص الكثير من أبناء الجماعات الإسلامية على الانتصار لمواقف وتوجهات وتصريحات القيادة التنظيمية وتبريرها, حتى وإن خالفت ثوابت الرسالة, أو منظومتها القيمية, أو تعارضت مع أبجديات الممارسة العلمية الصحيحة في مختلف الميادين (السياسية والاقتصادية والتربوية و..), بل يتجاوز الأمر في بعض الأحيان إلى استنطاق التاريخ ليشهد زوراً بصوابية هذه الانحرافات, من خلال الاستدعاء والتنزيل المعوج لأحداث السيرة النبوية على الواقع, وما ذلك كله إلا انعكاساً لغلبة الأهواء, ودليلاً واضحاً على السقوط في مستنقع الحزبية والمذهبية البغيضة.
 
3- إيثار الدنيا:
 
وهذه هي الصفة الرئيسية الثالثة للتنظيم في مرحلة الوفاة, ومحورها الوقوف عند العناية بنعيم الدنيا وشهواتها ومغانمها, وقعود المرء عن طلب الثواب والنعيم الأخروي..وقد تكرر الحديث عن إيثار الدنيا في مئات المواضع في القرآن والسيرة, ومن تحليل الآيات والأحاديث التي عالجت إيثار الدنيا يتضح أن من صور ذلك:
 
أ‌- -- شيوع صنمية المال: وارتفاع قيمة الفرد داخل التنظيم بقدر ثراءه المادي ليتحول معيار التفاضل من ميزان "التقوى" إلى ميزان "المال والمادة", الأمر الذي يسمح بنفوذ رجال الأعمال, وصعود نجمهم داخل التنظيم. وتقديمهم للمناصب القيادية والإدارية, حتى وإن كانوا يفتقدون لمؤهلاتها العلمية والفقهية.
 
ب‌- فساد القيادة والقواعد وانتهاكهم للقيم والثوابت: ذلك أن التنظيمات التي تُبتلى بإيثار الدنيا ومغانمها العاجلة, عادة ما تدفع بالعناصر المترفة إلى مراكز القيادة فيها بسبب اختلال معيار التفاضل بين أبناءها (على نحو ما سبقت به الإشارة), بالإضافة لحرصها على تأليفهم وتوثيق ارتباطهم بالتنظيم, مظنة أنهم قادرون -بحكم ما عندهم من ثراء ونفوذ- على تقوية التنظيم وتثبيت أركانه, ويترتب على ذلك فساد الإدارة, وضياع الأمانات, وإلى هذه الحالة يشير قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)
 
والفسق المشار إليه في الآية نوعان:
 
فسق القيادات أي انحرافها عن المنهاج القويم في الحكم والإدارة, واستعبادها للأفراد, وكبتها للحريات, وتسخيرها لإرادات الأتباع بما يتوافق مع إرادتها وأهوائها.
وفسق القواعد التنظيمية بسكوتها عن انحراف القيادة عن تعاليم الرسالة وثوابتها, وتملقها, وتبرير ممارساتها.. ومن ذلك نفهم إدانة المولى سبحانه وتعالى لفرعون وقومه على السواء, لأنهم سمحوا له أن يستخف بهم, وأطاعوه على انحرافه, وكانوا جنداً له في غيه (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين).
 
ت‌- سطحية التدين: وتتخذ هذه السطحية مظهرين: سطحية التدين عند العامة من القواعد التنظيمية, حيث يجري التركيز على المظاهر والأشكال, وتتحول الأنشطة الدينية والتربوية إلى مجرد طقوس ومناسبات للغو واللهو , وباباً للمراءاة والتظاهر بالعبادة والالتزام.
 
وسطحية التدين عن العلماء والباحثين, حيث يجري التركيز في البحث والعلم على المسائل الخاصة بطقوس وأشكال العبادة الظاهرة, مع إغفال أو ضعف الاهتمام بالمقاصد والأعمال القلبية الباطنة. ويُتَعلم العلم للتباهي والمراءاة والجدال, فنرى من الباحثين من لا يهتم إلا بإثارة الشبهات والقضايا الخلافية التي طواها الزمان, واستقر الراسخون في العلم على أنه يسع فيها الخلاف بين المسلمين, بما لا يقدح في العقيدة وأصول الدين وثوابته, وما يترتب على ذلك من إحياء وتأجيج للنعرات الحزبية والمذهبية البغيضة, وهذا في الوقت الذي يُهمل فيه الباحث النظر في القضايا الكبرى والمهمة, التي تتصل بالنشأة والمصير وغايات الوجود, ومقومات الإصلاح والارتقاء بحاضر الناس ومستقبلهم.
 
4- إعجاب كل ذي رأي برأيه:
 
ومحور هذه الصفة الأخيرة من صفات التنظيم الذي يمر بمرحلة الوفاة والتفكك هو تعطل روح الجماعة والعمل الجماعي, وتوقف التعاون و تبادل الخبرات والمشورة مع الهيئات والتنظيمات الأخرى العاملة في ميدان الدعوة الإسلامية, أو النهضة الوطنية والأممية بشكلها الاشمل والأعم.
 
وينشأ عن ذلك شيوع التعصب للرأي, والعجب, والكبر, والنزاع بين هذه التنظيمات, وحتى داخل التنظيم الواحد, الأمر الذي يؤجج بالتبعية مشاعر الحقد والحسد والكراهية بين الأفراد بعضهم البعض, على الرغم من ظاهر اشتغالهم جميعاً لنصرة الدين والنهوض بالأوطان!, ويميل أبناء كل تنظيم إلى التستر على الأخطاء, والنواقص والعيوب, ورفض النقد الذاتي..ويبقى الخاسر الأكبر في هذا كله, هو الفكرة والرسالة, التي يتم تشويهها وتحريفها, وتمييع ثوابتها, وتحميلها بما ليس فيها لتبرير الهزائم والنكسات والأزمات.
 
وينتهي ذلك كله إلى تحطم روح الجماعة والعمل الجماعي, وإغلاق قنوات الاتصال والتفاهم, وانتشار الفتن والمظالم وشيوع الخصومات, الأمر الذي يدفع بالفئات التي فيها بقية من صلاح داخل التنظيم (أولئك الذين تمسكوا بالدوران في فلك الرسالة وأفكارها الصحيحة), إلى الهجرة المعاكسة والهروب من رائحة الموت التي تنتشر بين جنبات التنظيم, بحثاً عن حاضنة جديدة توفر لهم الأمن والسلام النفسي, وتمنحهم القدرة على العيش في كنف الرسالة, وتجسيد أفكارها ومبادئها, في أجواء حرة ومحفزة على البذل والعطاء.
 
أما الخردة البشرية فتستمر في أتون الصراعات, وتواصل الانحراف عن أفكار الرسالة لصالح الأشخاص والأشياء, ويدخل التنظيم في مرحلة اللاعودة فتبوء محاولات الإسعاف والإصلاح بالفشل وترتحل الرسالة إلى أمة أخرى اقدر على فهمها, وتجسيدها, والوفاء بحقوق حملها.
 
فهل يتوقف عمل السنن والأقدار عند هذا الحد أم أن هناك مظاهر لإعلان الوفاة ومراسم للدفن, وما هو مصير أعضاء التنظيم بعد التفكك وإعلان الوفاة؟
 
----------
هوامش : 
1, 2, 3, 4 , 5 = د. ماجد الكيلاني (الأمة المسلمة - مفهومها - مقوماتها - إخراجها) 
* العناوين الرئيسية والفرعية لتفاصيل الأعراض للدكتور ماجد الكيلاني والشرح والتنزيل لصاحب المقال.
 
الحلقة [ 6 ] : مصير التنظيم وأعضائه بعد الوفاة 
 
تظل التنظيمات الإسلامية الميتة قائمة وحاضرة في المشهد حيناً من الدهر, وذلك لأنها في فترة الوفاة وما بعدها وإلى أن يتم إعلان الوفاة وتفكيك المؤسسات, تظل متكئة على رصيدها التاريخي إبان مرحلة القوة والعافية, وعلى عدد من الأنشطة الدعوية والخدمية والخيرية التي اعتادت على ممارساتها من نشأتها. فيظن البعض بأنها مازالت نابضة بالحياة, وهي في الحقيقة تتآكل من الداخل, وتنبعث منها روائح الوفاة الكريهة التي جرى توضيحها في مظاهر وأعراض الوفاة بالمقالين السابقين, تماماً كما كان الحال في جثة سليمان عليه السلام, التي ظلت متكئة على منسأته (عصاه), تُرعب العاملين تحت أمرته من الإنس والجن, إلى أن أكلت دابة الأرض تلك المنسأة, وخرت الجثة, وعندها تبين العاملون ما كانوا فيه من جهل تسبب في أن لبثوا زماناً في العذاب المهين..ومثل ذلك في النظم المستبدة الظالمة, التي تعيث فيها الطبقة المترفة فساداً, وتستنزف موارد البلاد وثرواتها, لإشباع رغباتها ونزواتها الرخيصة, وتنقطع صلتها بالشعوب التي تحكمها, عبر سياساتها وممارساتها الظالمة, التي تتسم بالبطش وانتهاك الحريات والحقوق, فتفتقد بذلك تلك النظم لمقومات الحياة والبقاء, وتنبعث منها روائح الوفاة الكريهة, إلا أنها تظل متكئة على أجهزتها المخابراتية والأمنية, وتوهم المرعوبين من جماهيرها أنها حية, قوية البأس والمراس. فتجبن المعارضة الواهنة عن مدافعتها, وتلبث الشعوب لسنوات طوال في العذاب المهين, إلى أن يأكل هذه المنسأة غزو خارجي, أو ثورة داخلية (على نحو ما جرى في الثورات العربية المباركة), فتنهار انهياراً سريعاً وعجيباً يُدهش العقول التي جهلت بسنن وقوانين الحياة, فتقول كما قالت الجن من قبل: (لو كنا نعلم الغيب ما لبثنا في العذاب المهين).
 
وفي حال التنظيمات الإسلامية, فإنها تظل متكئة على منسأة الأعمال الدعوية والخدمية وغيرها من الأنشطة الظاهرة, بما يُعمي البعض عن رؤية أعراض ومظاهر الوفاة التي تنخر في جسد التنظيم من الداخل, إلى أن تأكل الدابة هذه المنسأة, فينهار التنظيم, وينفرط عقده, وتتمزق أطرافه, وتُعلن الوفاة بشكل رسمي لا يحتمل التأويل أو المداراة.
 
والدابة في حالة التنظيمات الإسلامية, إما أن تكون صراع صفري مع نظام مستبد في عنفوانه لا تقدر الحركة بما فيها من أمراض على مواجهته, أو كيان حركي جديد قادر على حمل الرسالة وتجسيد الفكرة وبناء روابطها, تهفو إليه القلوب التي فيها بقية من صلاح, فتتوالى الهجرات العكسية من التنظيم المتهالك إلى التنظيم الناشئ, ويفرغ التنظيم القديم بالتدريج من الطاقات والمواهب الواعدة, وتحدث الانشقاقات والانقسامات المتكررة, التي تتصدع فيها بنيته وتتفكك مؤسساته, ولا يبقى بداخله سوى الخردة البشرية التي لا تمتلك مواهب البناء, ولا مقومات الحفاظ على التنظيم, فتقوده من خلال الممارسات الخاطئة والسلبية إلى الانتحار الذاتي, أو السقوط في الهاوية, ليتحول إلى ألعوبة في يد أعداء الفكرة والرسالة, الأمر الذي يستنزف من رصيده التاريخي والشعبي إلى حد الفناء.
 
"ولا تتوقف السنن والأقدار عند إعلان وفاة التنظيم, وإنما تستمر في عملها خطوات أخرى, لمنح أعضائه فرصة أخيرة, لإصلاح الذات, واستعادة الفطرة السليمة, والتخلص من أدران مرحلتي المرض والوفاة وآثارهما النفسية السيئة, وبناء الإرادة الذاتية الصالحة للمشاركة من جديد في حمل رسالة الإصلاح. ويصف القرآن الكريم هذه الخطوات العلاجية بــ "التقطيع في الأرض" و "الابتلاء بالحسنات والسيئات" ..وإلى هذه الخطوات يشير قوله تعالى:
 
(وقطعناهم في الأرض أمماً منهم الصالحون ومنهم دون ذلك * وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون)
 
فإذا ما فشل أفراد التنظيم البائد في الاستفادة من فرصة العلاج والتوبة مضت السنن بهم لخطوتها الأخيرة حيث يتم استبدالهم بخامات بشرية جديدة اقدر على حمل الرسالة والوفاء بتكاليفها, وإلى هذه الخطوة يشير قوله تعالى:
 
(ثم أنشأنا من بعدهم قوماً آخرين)
(وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)
 
وتفاصيل هذه الخطوات وتتابعها هي كما يلي:
 
1- التقطيع والتجزئة:
 
التقطيع المشار إليه هنا هو: تفكك عناصر التنظيم المتوفى, وانهيار مؤسساته, وتبعثر أفراده إلى أقليات متناثرة هنا وهناك. وحقيقة هذا التقطيع أنه معالجة لــ (الصالحين) ومن هم "دون ذلك", ذلك أن عضو التنظيم البائد هو إنسان مُثقل بالأغلال والآصار الثقافية والاجتماعية والفكرية, التي تراكمت خلال فترات الجمود والآبائية, وأدت إلى وقوعه في أسر صنمية (الأشخاص والأشياء), فصار يعاني من مرضين:
 
الأول: عدم وضوح الرؤيا الفكرية, ولذلك يعجز عن النظر الصائب في مصادر الرسالة, وأحداث وقوانين الاجتماع البشري.
 
والثاني: هو موت الإرادة العازمة, والعجز عن التحرك إلا نحو الحاجات الإنسانية الدنيا, المتمثلة في الغذاء والكساء والجنس, دون التطلع للحاجات العليا, المتمثلة في التقدير وتحقيق الذات. ولذلك فهو إنسان غير صالح لحمل الرسالة بحالته القائمة, إلا إذا أعيد تشكيل شخصيته, وقام بنقد ذاتي جسور, أو توبة نصوحة من آثار التقليد والآبائية والعجز, وهذا ما يوفره التحرر من اسر مجتمع الولاء لـــ (الأشخاص والأشياء), والعيش في بيئة التقطيع.
 
2- الابتلاء بالحسنات والسيئات:
 
وهذه خطوة مكملة لسابقتها, إذ هي تمرير لإنسان ما بعد الوفاة في سلسلة من الخبرات الايجابية والسلبية, التي تدربه على محاربة الشر والباطل, ونصرة الحق, والتزام الصواب, والدوران في فلك أفكار الرسالة من جديد. فالابتلاء هنا هو إعادة امتحان بزينة الحياة الدنيا ومصائبها, ليتدرب الإنسان على التحرر من قيودها, وعلى حمل الرسالة من جديد. وهو فرصة لإعادة النظر في الموروثات الثقافية والاجتماعية, لبلورة نموذج جديد من المثل الأعلى, ونموذج جديد من النظام التربوي, وتجميع شظايا التنظيم, وتنمية قدراتها على تسخير إمكاناتها البشرية والمادية, لبناء صورة جديدة من صور الاجتماع البشري على أسس وقواعد سليمة, بما يمنحهم فرصة الإقلاع من جديد للمشاركة في حمل رسالة الإصلاح والإمامة, وهو ما يصفه القرآن الكريم بعملية" الرجوع" التي يشير إليها جزء الآية القائل (لعلهم يرجعون)
 
3- الاســتبدال:
 
يأتي الاستبدال كخطوة أخيرة في عمل الأقدار والسنن بالتنظيم البشري الهالك وأفراده, وذلك حينما تفشل الجماعات "المقطعة" في الأرض في "ابتلاء الحسنات والسيئات", وتعجز عن التحرر من آصار وعلائق البيئة التنظيمية الفاسدة, فتخلد إلى الأرض, وتصل إلى حالة "الغثاء"..
 
والغثاء هي نهاية مأساوية يشير إليها قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة فجعلناهم غثاء فبعداً للقوم الظالمين * ثم أنشأنا بعدهم قروناً آخرين * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون)
 
فالغثاء هم بقايا ونفايات بشرية, تعيش على هامش مجرى الاجتماع الإنساني, في صورة أقليات متناثرة, تحمل ثقافات هامشية تراثية, وليس فيها قابلية للبعث والإسهام في حمل الرسالة من جديد. فلا هي مستعدة للتضحية, ولا هي قادرة على التحرر من رق الشهوات الفردية. وابرز صفاتها هو "الوهن" أي: حب الدنيا وكراهية الموت والتضحية -حسب تعريف رسولنا الكريم- فهي تخاف وتجبن من حمل الأمانة, ودفع تكاليف الحرية. بل إن هذا الجبن يصبح عند الغثائيين مرادفاً للحكمة والعقل." 1
 
ولذلك ترحل الرسالة لتزكية خامات بشرية جديدة, مازالت تحتفظ بفطرتها المعافاة من الوهن, وحين تكتمل تزكية هذه العناصر الجديدة, تبدأ دورة حياة أخرى, ويتسلم الإمامة وحمل رسالة الإصلاح تنظيم جديد وأفراد صالحون, يعملون على نشر تعاليمها, وتجسيد أفكارها, وإخراج أمتها, والتمكين لمشروعها الحضاري.
 
----------
هوامش :
1- د. ماجد الكيلاني (الأمة المسامة)..بتصرف بسيط
 
الحلقة [ 7 - الأخيرة ] : خاتمة وتوصيات
 
استهدفت هذه السلسلة توضيح ما يلي:
 
1- أن للأمم أعمار وآجال ودورة حياة أشبه ما يكون ببني الإنسان, تمضي فيها بمراحل من الصحة والمرض والموت طبقاً لقوانين محددة, تحكمها الأسباب والنتائج, وتصاحبها الأعراض والمضاعفات, حتى تنتهي إلى أجلها ومصيرها المحتوم.. وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى (ولكل أمة أجل فإذا جاء اجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
 
2- أن المعنى الاصطلاحي المتكامل لــ "الأمــــة" يتضمن عناصر أربعة هي : العنصر البشري – العنصر الفكري – العنصر الاجتماعي –والعنصر الزمني. فالأمة يتسع مفهومها ليشمل كل اجتماع بشري يلتف حول فكرة ما, ويسعى للتمكين لمشروعها في حقبة زمنية محددة, وتقوم بين أفراده روابط وصلات اجتماعية وتنظيمية, لتجسيد هذه الفكرة, ونشر مبادئها وتطبيقاتها العملية في ميادين الحياة المختلفة. وهذا ما يتحقق في التنظيمات والأحزاب الإسلامية المعاصرة, وبالتالي يجري عليها ما يجري على الأمم من سنن وقوانين ودورة حياة.
 
3- أن العنصر الرئيسي في مفهوم الأمة هو عنصر الرسالة, أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية, ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه.
 
4- أن التنظيمات الإسلامية هي صورة مصغرة من مشروع الأمة المسلمة المنشود إخراجها لحمل رسالة الإصلاح والهداية للعالمين. وأن الإطار الذي يحدد المكونات الرئيسية اللازم توفرها في هذه التنظيمات هو قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض), وعليه فأي تنظيم إسلامي يفتقد لهذه المكونات, أو يعجز عن تجسيدها بصورة صحيحة, يظل غير مكتمل البناء والأركان, ومن ثم يفتقد للأهلية والقدرة على إخراج أمة الرسالة والتمكين لمشروعها الإصلاحي.
 
5- أن مراحل الصحة والضعف والوفاة التي يمر بها التنظيم يُحددها طبيعة العلاقة بين ثلاثية الأفكار والأشخاص والأشياء بداخله, حيث ترتبط الصحة والعافية والقوة بدوران التنظيم (أشخاصاً وأشياء) في فلك الرسالة (الفكرة) التي يحملها, وفي حال إزاحة الفكرة عن مركزية النشاط, واستبدالها بالأشخاص من ذوي النفوذ والقوة, فإن التنظيم يسقط في براثن المرض والضعف والترهل, فإذا لم تتداركه يد العناية بالمراجعة والتصحيح والعلاج, يتحول التنظيم من (أمة رسالة) إلى (أمة سدنة), والفرق بين النوعين هو أن الأولى تضحى بالأموال والنفوس في سبيل الرسالة, والثانية تتاجر بأفكار الرسالة لاستمالة الجماهير ونيل السلطان والنفوذ. وعندها يلج التنظيم لا محالة في مرحلة الوفاة والتحلل, والتي يدور فيها (الرسالة والأشخاص) في فلك الأشياء المادية والمنافع الدنيوية الزائلة.
 
6- أن سلسلة الانحسارات المتوالية التي يمر بها التنظيم تتم بدرجة متفاوتة عند الأعضاء, فقد يكون أناس على دائرة الولاء للفكرة, في الوقت الذي يكون آخرون على دائرة الولاء للأشخاص, وآخرون على دائرة الولاء للأشياء, وتصنيف المراحل هو تبعاً للغالبية المهيمنة على سلوك التنظيم ومساره, والتي تملك التأثير في توجهاته. وهي تتمثل في مرحلة الصحة والعافية فيمن يدورون في فلك الرسالة, وفي مرحلة الضعف والمرض فيمن يدورون في فلك الأشخاص , وفي مرحلة الوفاة والتفكك فيمن يدورون في فلك الأشياء.
 
7- أن استمرار التنظيمات الإسلامية من الناحية الوظيفية مرهون بتجسيدها لمكونات الإيمان والهجرة والرسالة والجهاد والإيواء والنصرة والولاء في واقعها الحركي, وباستمرار حملها للرسالة وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة (العنصر الجوهري في مكون الأمة كما سبق التوضيح),أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها, فقدت هذه الحركات وظيفتها, ومشروعية وجودها, وخضعت لسنن التغيير والاستبدال بأمة أخرى أقدر على حمل الرسالة وتحقيق مفهوم الأمة المسلمة على نحوها الصحيح.
 
8- أن التنظيمات الإسلامية الميتة تظل قائمة وحاضرة في المشهد حيناً من الدهر, وذلك لأنها في فترة الوفاة وما بعدها وإلى أن يتم إعلان الوفاة وتفكيك المؤسسات, تظل متكئة على رصيدها التاريخي إبان مرحلة القوة والعافية, وعلى عدد من الأنشطة الدعوية والخدمية والخيرية التي اعتادت على ممارساتها من نشأتها. فيظن البعض بأنها مازالت نابضة بالحياة, وهي في الحقيقة تتآكل من الداخل, وتنبعث منها روائح الوفاة الكريهة التي جرى توضيحها في مظاهر وأعراض الوفاة بالمقالات السابقة, تماماً كما كان الحال في جثة سليمان عليه السلام, التي ظلت متكئة على منسأته (عصاه), تُرعب العاملين تحت أمرته من الإنس والجن, إلى أن أكلت دابة الأرض تلك المنسأة, وخرت الجثة, وعندها تبين العاملون ما كانوا فيه من جهل تسبب في أن لبثوا زماناً في العذاب المهين..
 
في ضوء ما تقدم من تفصيل في المقالات السابقة, يمكننا أن نخلص لعدد من الملاحظات والتوصيات الختامية, ومنها ما يلي:
 
1- بالنظر في واقع و مآلات كافة الحركات الإسلامية التي نشأت في مطلع القرن الماضي, ورفعت شعارات "بعث الحياة الإسلامية" و " إقامة حكم الله في الأرض" و "استعادة الخلافة والريادة الحضارية"وغيرها, يمكننا القول بأن رسالة الإصلاح التي ضربت بجذورها في عمق التاريخ البشري, وتسلمت رايتها الأمة المحمدية إلى قيام الساعة, هي اليوم بلا مشروع يحملها, وبلا كيان تنظيمي قادر على إخراج أمتها والتمكين لمشروعها الحضاري.
 
فأنضج هذه الحركات وأوسعها انتشاراً هما (الحركة الوهابية) و (حركة الإخوان المسلمون), وكلاهما انتهيا إلى ما دون تحقيق الغاية المنشودة أو هكذا أدعي, حيث توقفت الحركة الوهابية عند استعادة الملكية الإسلامية (النموذج الأموي والعباسي), ولم تتمكن من تجاوزها لاستعادة الحكم الراشدي المنشود. واهتمت في تطبيقاتها العملية للرسالة بالمظهر الشعائري للعبادات, وأهملت أبعاداً كثيرة فيما يتعلق بالمظهر الاجتماعي والكوني والجهادي. وركزت في تطبيق الشريعة على الحدود, وقصرت جهودها عن تجسيد القيم التي ما شُرعت هذه الحدود إلا لصيانتها وحفظها, "حيث الأصل في الشريعة أن القيم هي جوهر الدين وروحه, وهي مُراد حمل الرسالة والجهاد, وهي مقاصد الحياة وغايتها, أما الحدود فهي شُرعت لحراسة هذه القيم من أن يُعتدى عليها أو يقصر في إتباعها". ونشأ عن هذا الاختلال أن رسخ في عقل أجيال المسلمين أن الشريعة تقتصر على تطبيق الحدود, بغض النظر عن القيم التي تحرسها هذه الحدود هل هي متوافقة مع تعاليم الإسلام ومبادئه أم أنها مستمدة من قيم الجاهلية والعصبية القبلية؟!, وبذلك صارت "يد" السارق الكبير المتخم بالثروة المعزز بالقوة الذي يجب أن يقام عليه "الحد" تقطع "يد" الفقير الجائع الذي يجب أن يُرفع عنه ذلك "الحد"!!..ومما قطع الطريق على تصحيح تلك الأخطاء, وجبر هذا القصور تحول الحركة الوهابية من الصورة التنظيمية الجهادية, إلى صورة التيار الفكري المقيد بتوجهات الدولة وسياساتها, بل والمشرعن لممارساتها في غالب الأحوال.
 
أما جماعة (الإخوان المسلمون) فعلى الرغم من عبقرية الإمام البنا في استيعاب مفهوم الأمة, ومقومات إخراجها, وبناءه لروابطها بين أعضاء التنظيم, إلا أن الأقدار التي عاجلت الإمام بالشهادة قبل استكمال عمله والتمكين لمشروعه, وما تلاها من محنة الصدام مع السلطة الحاكمة قبل استيفاء أسباب النصر والمدافعة, وإخفاق المشروع فيما بعد عن مواصلة التجديد الفكري (فقه الرسالة), خاصة بعد إعدام الشهيد سيد قطب وأمثاله, وتنحي العديد من أهل العلم والفكر عن مراكز القيادة وصناعة القرار..كل هذا وغيره أدى لعجز قيادات التنظيم المتتابعة -على ما فيها من فضل- عن بلورة رؤى واستراتيجيات جديدة تتناسب مع معطيات الواقع ومستجداته (فقه الواقع), خاصة في مسار العمل السياسي ومدافعة النظم المستبدة. فصارت الجماعة لا تراوح المكان على سلم الأهداف لعقود متتالية, وانصرفت همة الحركة للحفاظ على كيانها التنظيمي في مواجهة تهديدات السلطة, مع "صرفها للوقت في طاعة" عبر أعمال البر والأنشطة الخدمية والاجتماعية المختلفة, وبعضٍ من المناوشات محدودة السقف والفاعلية مع السلطة القائمة.. وهو ما تسبب مع الوقت في الإزاحة التدريجية "للفكرة" من مركزية النشاط, وتحول ولاء الأعضاء للدوران في فلك "أشخاص " الجماعة أكثر من الدوران في فلك "الفكرة والرسالة" التي تحملها, وحرص القيادة والأبناء على وجود "الجماعة" الشخصي والاعتراف لها بالفضل والمكانة العليا, أكثر من حرصهم على "أفكار" الجماعة, ونمائها وبلورتها وانتشارها وتجددها بما يُلبي الحاجات ويواجه التحديات.
 
"ولقد انسحبت هذه الصفة على العملية التربوية داخل التنظيم فصار "الأعضاء" يُنشّأون (وربما دون دراية أو قصد) على الانتماء لــ"أشخاص" الجماعة, أكثر من الولاء لــ "أفكارها". وصاروا يضفون على أشخاص القيادة "عصمة" غير منطوقة ولا مكتوبة, ولا يسمحون بالنقد الذاتي, ويعتبرونه تجريحاً وشتماً وتخريباً للصف وتفريقاً للجماعة.
 
كذلك انسحبت هذه الصفة على تركيب الجماعة نفسها, فصارت في أغلبها إلا من رحم ربي وهدى, تتكون من صنفين من الناس: صنف يدور في فلك "الأشخاص", وصنف يدور في فلك "الأشياء", أما الأعضاء الذين يدورون في فلك "الأفكار" فأغلبهم يمرون على الجماعة مروراً ولا يستقرون, لأنهم حين يبدأون أطروحاتهم وتساؤلاتهم الفكرية, وحين يرفضون التقاليد والممارسات الخاطئة في القيادة والتبعية والتطبيق, يُقابلون بالرفض الجماعي والإرهاب الفكري, ويُتَهمون بالخروج على القيادة, وشق عصا الطاعة, ويُدّعون دعاً إلى خارج الصفوف.
 
كما وقد نشأت حالة من التماهي والخلط الخطير بين مصالح الأشخاص (ذوي النفوذ والقوة داخل الجماعة) ومصلحة التنظيم ومصالح الوطن والدين, وجرى التنظير بين أروقة الحركة إلى أن ما يخدم مصالح التنظيم هو ما يخدم مصالح الدين والوطن, ولو جرت المصارحة بصدق لاستبان أن ما يتوافق مع أهواء ومصالح البعض من ذوي النفوذ والمكانة داخل الجماعة في بعض المواقف والتوجهات, هو ما يجري الدفاع عنه والتبرير له باسم المصلحة العامة والخاصة.
 
أخبار ذات صلة

نشر ناشط وصحفى إسرائيلي يدعى "بن تسيون تشدنوفسكي" صورا على حسابه بموقع "انستغرام" التقطها من داخ ... المزيد

استكمالا للحديث عن الرئيس علي عزت بيجوفيتش (رحمه الله)، والذي أشرت في المقال السابق، أنني شرفت بمقابلته مرتين، أولاهما بالبوسنة، وستكون مدخلا للحدي ... المزيد

مثال : انصار الشرعية والإستحقاقات الإنتخابية الخمسة .

هل هى لديهم من ثوابت شريعتنا الاسلامية ؟ !!!

المزيد

أعلنت وسائل إعلام إيرانية، السبت، مقتل أحد المستشارين العسكريين للحرس الثوري ال المزيد

تعليقات