البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

التنبيه على قصة باطلة في مسألة الوضوء من لحم الإبل

المحتوي الرئيسي


التنبيه على قصة باطلة في مسألة الوضوء من لحم الإبل
  • د. عبدالأخر حماد
    11/01/2020 07:03

كنت بالأمس أستمع إلى أحد برامج الفتاوى على إذاعة القرآن الكريم ، فاتصلت إحدى المستمعات وسألت عن السبب في كون لحم الإبل ينقض الوضوء دون غيره من اللحوم ، فأجابها ضيف البرنامج مستنكراً : ( ومين قال إن لحم الإبل ينقض الوضوء ؟ ) ثم استدرك قائلاً : إن جمهور العلماء على أن لحم الإبل كغيره لا ينقض الوضوء ، ثم قال : وأما حديث : ( من أكل لحم جزور فليتوضأ ) فإنه لا يدل على نقض الوضوء بأكل لحم الإبل ؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك لسبب ،وهو أنه كان جالساً مع أصحابه يوماً ،فأحدث أحدهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( من أكل لحم جزور فليتوضأ) ولم يقل : من أحدث فليتوضأ ، وذلك من أجل ألا يحرج ذلك الرجل .

والحقيقة أن هذه القصة لا أصل لها ،ولا نعلم لها وجوداً في شيء من كتب السنة ، وقد تصدى لتفنيدها بعض أهل العلم ،منهم الشيخ الألباني رحمه الله حيث ذكر في السلسلة الضعيفة ( 3 / 268 ) أنه لم يعثر لها على أصل في شيء من كتب السنة ولا حتى في شيء من كتب الفقه والتفسير ، وإنْ كان قد ذكر قصة قريبة منها ،عزاها إلى تاريخ دمشق لابن عساكر ، لكنها من مرسل مجاهد ،وهو تابعي صغير ، كما أن فيها في الطريق إلى مجاهد راوياً ضعيفاً ، فهي قصة ضعيفة أيضاً . ثم بين أن القصة المشار إليها لا يمكن قبولها حتى من حيث المعنى ؛لأنه مما لا يليق به صلى الله عليه وسلم أن يأمر بأمرٍ لعلة مؤقتة ، ثم يترك الناس دون أن يبين لهم تلك العلة ،فيترتب على ذلك أن يأخذ الناس الحكم على إطلاقه ، حيث لم يبين لهم صلى الله عليه وسلم أنه إنما قصد بقوله هذا حالة معينة ، هي الحالة المزعومة في القصة المذكورة.

وعلى كل حال فإن الأصل المتفق عليه أنَّ البينة على المدعي ، فهذا الذي يذكر تلك القصة ويستدل بها ، هو المطالب بأن يبين موضعها من كتب السنة ، ويثبت صحتها ، وإلا رُدَّ عليه قوله .

ثم إننا نقول : إنَّ من يوجبون الوضوء من لحم الإبل لا يحتجون بلفظة : ( من أكل لحم جزور فليتوضأ) الواردة في هذه القصة المزعومة ، وإنما يحتجون بما أخرجه مسلم في صحيحه ( 360) عن جابر بن سمرة ( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل ، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم ، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا ).

وكذلك حديث البراء عند أبي داود ( 184) والترمذي ( 81) وأحمد ( 4/ 303) قال : ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الإبل ؟ قال : توضئوا منها ، وسئل عن لحوم الغنم فقال لا يتوضأ ). والحديث صححه الإمام أحمد وغيره . ففي هذين الحديثين أنه صلى الله عليه وسلم فرَّق بين لحم الإبل ولحم الغنم ، وصرَّح بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم ، ويجب من لحم الإبل ، فكيف يدعي مدعٍ بعد ذلك أن أكل لحم الإبل لا علاقة له بموضوع الوضوء ، وأن الأمر متعلق بالحدث فقط ؟.

ثم إن الأمانة العلمية تقتضي أن نثبت أن الخلاف واقع في هذه المسألة من قديم ، حيث ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه إلى انتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور ، وهو قول الشافعي في القديم ، وهو مروي عن جماعة من الصحابة . لكنَّ جمهورَ أهل العلم على القول بأن أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء ، وهو قول الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي في الجديد ، بل ذكر الإمام النووي في شرح مسلم أنه قول جمهور الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون الأربعة ، وغيرهم ، وكذا عزاه لجماهير التابعين ، وإن كان الإمام ابن تيمية رحمه الله ينازع في كون ذلك ثابتاً عن الخلفاء الأربعة كما في (القواعد النورانية ص: 31) .

 

لكن الجمهور الذين لا يَرون الوضوء من لحم الإبل ، لا يَردُّون الأمر الوارد في حديثي جابر بن سمرة ، والبراء ،بمثل تلك القصة الواهية التي أشرنا إليها ، وإنما هم يجيبون عن ذلك بأجوبةٍ ،من أشهرها جوابان ذكرهما الإمام النووي في المجموع ( 2/ 59) عن أصحاب الشافعي رحمه الله ، أولهما : أن ذلك الأمر منسوخ بحديث جابر : ( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسّت النار ) . أخرجه أبو داود ( 192 ) والنسائي ( 185 ) .، والثاني : حمل الوضوء الوارد فيهما على الوضوء اللغوي أي غسل اليدين والمضمضة . ثم قال النووي رحمه الله : ( وهذان الجوابان اللذان أجاب بهما أصحابنا ضعيفان : أما حمل الوضوء على اللغوي فضعيف ؛ لأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي كما هو معروف في كتب الأصول ، وأما النسخ فضعيف أو باطل ؛ لأن حديث ترك الوضوء مما مست النار عام ، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص يقدم على العام سواء وقع قبله أو بعده ) . وكان الإمام النووي قد أشار في أول حديثه عن هذه المسألة إلى أن القول القديم في مذهب الشافعي أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء ، ثم قال عن هذا المذهب القديم : ( وهو ضعيف عند الأصحاب ، ولكنه هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل ، وهو الذي أعتقد رجحانه ، وقد أشار البيهقي إلى ترجيحه واختياره والذب عنه ) .[ المجموع : 2/ 57]

وعلى كل حال فنحن نعتقد أن الأمر في مسائل الخلاف الفقهي – بحمد الله - واسع ، وأنه لا يُنكر على من أخذ في مثل هذه المسائل بأي من الأقوال الواردة عن السلف رضوان الله عليهم . وإنما قصدنا فقط التنبيه على أنه لا يجوز ردُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه القصص الواهية ، وبخاصة أن غالبية من يستمعون إلى تلك البرامج هم من العوام الذين لا يستطيعون التمييز بين الغث والثمين ، ولا يدرون شيئاً عن قواعد أهل العلم في نقد الأحاديث والآثار .

وأخيراً : فلعل من المناسب أن أعود إلى ما بدأنا به الحديث ،وهو السؤال عن الحكمة في نقض لحم الإبل للوضوء ، ذلك السؤال الذي انشغل ضيف البرنامج عنه بحكاية القصة الموضوعة التي أشرنا إليها ،فأقول : إنه على القول بأن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء ،فإن حكمةَ ذلك مما لم يذكر في الأحاديث الصحيحة ، فالأولى أن لا نشغل أنفسنا بالبحث عن ذلك ، وأن نقول : إن ذلك أمرٌ تعبدي لا تعلم حكمته ، إذ الأصل أن على المسلم أن يعمل بما بلغه من التشريع الإلهي ، سواء عرف حكمته أو لم يعرف ، وإن كان بعض أهل العلم قد التسموا حكماً لمسألة الوضوء من لحم الإبل ،منها أن الإبل فيها طبيعة شيطانية ، تتمثل في كونها ذات شدة ونفور ، فلعل الإنسان كما يذكر ابن تيمية في شرح عمدة الفقه ( 1/ 185) : إذا أكل لحم الإبل أورثه ذلك حالاً من الشدة والنفور شبيها ًبحال الشيطان ( والشيطان خُلق من النار ، وإنما تُطفأ النارُ بالماء ، فأُمر بالوضوء من لحومها كسراً لتلك السَّورة ، وقمعاً لتلك الحال ....) . هذا والله تعالى أعلى وأعلم .

عبد الآخر حماد

عضو رابطة علماء المسلمين

16/ 5/ 1441هـ- 11/ 1/ 2020م

 

أخبار ذات صلة

شهدت تظاهرة في العاصمة الإيرانية طهران، السبت، احتجاجا على حادث الطائرة الأوكرانية، تمزيق صور للجنرال " المزيد

من سلك آليات القراءة الهادئة للملفات الشائكة خاصة في القضايا المحورية حول الصراع العالمي الكوني بين أهل الإسلام السني ونحل الباطل ذو الصبغة الصهيونية الما ... المزيد

انطلقت في العاصمة الإيرانية طهران، صباح الاثنين، مراسم تشييع قائد فيلق القدس بالحر ... المزيد