البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

التكفير .. ضوابطه وقواعده وشروطــه (بحث)

المحتوي الرئيسي


التكفير .. ضوابطه وقواعده وشروطــه (بحث)
  • مصعب الخير الدمشقيّ
    31/12/1969 09:00

خطة البحث
 
- مقدمة
- تعريف التكفير 
- شرح للناقض الثالث (من لم يكفر الكافر)
- متى نكفر المعين ؟؟
- ما هي الشروط ؟؟ ما هي الموانع ؟؟
- ما هي ضوابط ؟؟ ومن يحق له التكفير ؟؟
- وهل يحق لعامة الناس أن تكفر بعضها ؟؟
- الخاتمة مع التلخيص.
 
المقدمة 
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين وبعد:
 
أحبتي في الآونة الأخيرة انتشرت آفةٌ خطيرة بين الناس , ولا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي ... آلا وهي ظاهر التكفير !!
 
نعم التكفير ,, كلٌ يكفر بعض , وكلٌ يهرف بما لا يعرف من دون فهمٍ ولا علم , فوجب علينا كطلاب علمٍ أن نضع حداً لهذه الظاهرة الخطيرة , وأن نُبين للناس أن للتكفير أحكام وضوابط قيدها سلفنا الصالح بضوابط وقيود متينة وشديدة
لأنّ التكفير حكمٌ ليس بالأمر الهين خاصةً وهو من أخطر الأحكام وأعظمها , وذلك لما يترتب عليه من الآثار الخطيرة و المترتبة عليه من استحقاق الكافر النار يوم القيامة , ومن الآثار المترتبة في الدنيا إذا حكم على مسلم بأنه كافر من انفصاله عن زوجته المسلمة , ومنعه من الميراث لاختلاف دينه ودينها , وأنه يصبح حلال الدم غير معصوم , فهو أمر إذاً عظيم عافانا الله وعافاكم منه , وعليه فإن التكفير حكمٌ خاص لا يطلق إلا على من توفرت فيه شروط التكفير من إتيانه مكفراً من المكفرات التي لا تقبل التأويل وذلك مثلاً :
- كالاستهزاء بالرسول 
- أو سب القرآن
 
وتخلفت الموانع عن هذا القائل بمثل هذا بالكفر كأن لم يكن مُكرها أو حديث عهد بالإسلام أو عاش بعيداً عن المسلمين , فإذا توفرت الشروط فيه وتخلفت الموانع حكمنا بكفره بعد إقامة الحجة عليه لأنه قد يكون جاهلاً أو متأولاً , فاحذر يا أخي الكريم من إطلاق هذا اللفظ على المسلمين لخطورته , فقد أخرج الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( أيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما متفق عليه )) البخاري ومسلم
 
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((من دعا رجلاً بالكفر، وقال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)) -أي رجع عليه- متفق عليه.
 
وقال صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخر : (( ومن رمى مسلماً بكفر فهو كقتله )) رواه البخاري
 
فلا يكفر المسلم إلا إذا أتى بقول أو بفعل أو اعتقاد دل الكتاب والسنة على كونه كفراً ‏أكبر يخرج من ملة الإسلام، أو أجمع العلماء على أنه كفر أكبر، وذلك كـ سب الله تعالى ‏وسب رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة ، والسجود ‏للصنم ، ودعاء الأموات والاستغاثة بهم في الشدائد، ومظاهرة الكفار ومعاونتهم على ‏المسلمين، واعتقاد قدم العالم، وأن الله يحلُّ في مخلوقاته، أو الشك في البعث أو إنكاره، إلى ‏غير ذلك مما يذكره الفقهاء في باب الردة. ‏
ولا يكفر المسلم إلا إذا توفرت فيه شروط التكفير، وانتفت عنه موانعه، ومن ذلك أن ‏يكون بالغاً عاقلاً مختاراً غير معذور بجهل أو تأويل فيما يكون فيه الجهل والتأويل عذراً.‏
 
لكن ليعلم أن من استوفى الشروط، وانتفت الموانع في حقه، فلا مانع من تكفيره بعينه، لأن التكفير حكم الله، علينا أن نسقطه على من استحقه
 
وإليكم التفصيل ...
 
بدايةً دعوني أبدأ بتعريف مصطلح الكفر ومفهومه كما عرفه علمائنا وسلفنا الصالح :
 
تعريف الكفر : فالكفر لغة : الستر والتغطية , واصطلاحاً : هو ما يضاد الإيمان من الأقوال والأفعال والاعتقادات.
ولمعرفة حقيقة الكفر نسوق طرفاً من أقوال أهل العلم في تعريفه : 
 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :(( الكفر: عدم الإيمان - باتفاق المسلمين- سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم )) مجموع الفتاوى(20/86)
ويقول رحمه الله: (( إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم)) درء تعارض العقل والنقل: 1/242
ويقول رحمه الله :(( فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة أهل العلم)) منهاج السنة: 5/251
ويقول رحمه الله : ((والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، ثم مجرد تصديقه في الخبر، والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطناً ولا ظاهراً، ولا محبة لله ولا تعظيماً له، لم يكن ذلك إيماناً )) مجموع الفتاوى (7/533)
 
ويقول ابن حزم رحمه الله في تعريف الكفر: (( وهو في الدين صفة من جحد شيئاً مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معاً، أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان)) الإحكام: 1/45
 
ومن كلامهم في تعريف الكفر يمكن القول بأن الكفر قد يكون تكذيباً في القلب، وقد يكون عملاً قلبياً، مثل بغض الله تعالى، أو آياته، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون قولاً باللسان، مثل سب الله تعالى، أو سب رسوله، أو الاستهزاء بدينه وشرعه. وقد يكون عملاً ظاهراً كالسجود للصنم، وإلقاء المصحف بالقذر ونحو ذلك.
 
وأما الكافر ؟؟ فهو من قام به الكفر فهو كافر ، ولكن لا بد هنا من التفريق بين الإطلاق أي تعريف الكافر مطلقاً ، وبين التعيين أي الحكم على فلان بعينه بأنه كافر، فليس كل من وقع على الكفر وقع الكفر عليه
 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وإن تكفير المطلق لا يسلتزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع)) مجموع الفتاوى 12/487
ويقول رحمه الله: (( ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة )) مجموع الفتاوى12/466
وعرفه السبكي فقال : (( إن التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحداً ))
 
وللكفر أنواع :
 
الكفر قد يكون تكذيباً بالقلب وهذا الكفر قليل في الكفار كما قال ابن القيم ، لأن الله تعالى أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة، وقد يكون الكفر قولاً باللسان وإن كان القلب مصدقاً أو غير معتقد بهذا الكفر القولي قال تعالى: (( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ , لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ))
 
ويقول ابن نجيم : (( إن من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده ))
وقال ابن تيمية : (( الكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به , أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود وغيرهم )) مجموع الفتاوى
وقال ابن القيم مقرراً أن الكفر بالقول والعمل والاعتقاد كذلك : (( والكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر والحياء شعبة الإيمان وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر )) 
ويقول أيضاً : (( الكفر نوعان: كفر عمل و كفر جحود ، فكفر الجحود : أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله ـ جحوداً وعناداً ـ من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه . وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه ، وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاد الإيمان، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان )). 
 
والآن وبعد تعريف " الكفر والتكفير " لغةً واصطلاحاً إليكم شرحٌ مفصلٌ للناقض الثالث (( من لم يكفر الكافر فهو كافر ))
 
أولا بالنسبة للكافر المحقق : نص أهل العلم على أن من لم يكفر الكافر المحقق كفره من اليهود والنصارى أو غيرهم من الملل الأخرى فهو كافر، جاء في كشاف القناعللبهوتي "وهو حنبلي المذهب" : (( من لم يكفر من دان أي تدين بغير الإسلام كالنصارى واليهود أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فهو كافر لأنه مكذب لقوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) كشاف القناع
 
اليهود والنصارى والبوذيون وغيرهم من أهل الملل التي دانت بغير دين الإسلام كلهم كفار، وكفرهم معلوم بالضرورة من دين الإسلام. فمن أنكر كفرهم أو شك فيه أو لم يكفرهم فإنه كافر، لأن من نواقض الإسلام عدم تكفير الكفار أو الشك في كفرهم . 
 
قال القاضي عياض عند ذكره لما هو كفر بالإجماع : (( ولهذا نُـكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو توقف منهم أو شك أو صحح مذهبهم، وإن أظهر الإسلام واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهار ما أظهر من خلاف ذلك)) الشفاء
 
وقال في صاحب الإقناع وشرحه -وهما من كتب الحنابلة- في باب المرتد: (( أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى واليهود، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر، لأنه مكذب لقوله تعالى: " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " )) آل عمران: 85 , الإقناع وشرحه
 
أما المسلم الذي ارتكب مكفراً جهلاً أو خطأً أو تأويلاً ولم تقم عليه الحجة فلا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر عليه ، ولكن يقال : إن ما قال أو ما فعل يعتبر شركاً دون الحكم عليه هو نفسه بالكفر أو الشرك ما لم تتوفر شروط التكفير وتنتفي موانعه
 
ولذلك أنصحك أخي الموحد بتقوى الله تعالى قبل إطلاق حكم الكفر , والحذر الحذر من تكفير المسلمين , والخوض في هذه الأمور الشائكة التي ربما زلت فيها الأقدام وضلت بها الأفهام .
فقد قال أهل العلم : إن الخطأ في إدخال ألف كافرٍ في الإسلام , خير من الخطأ في إخراج مسلم واحد من الإسلام.
 
أما الآن سنفرق بين الكفر المعين , والمطلق :
 
ليكن عندك علمٌ أخي القارئ أنه يوجد فرق بين تكفير شخص بعينه إذا فعل فعلاً ما، وبين إطلاق الكفر على نفس الفعل، لأن إطلاق الكفر على نفس الفعل لا يستلزم كفر فاعله، لأن الفاعل قد يكون له من العذر ما ينفي عنه هذا الحكم، كالذي يجلس على المصحف، فهذا الفعل كفرٌ من حيث أصل حكمه الشرعي، لكن هل فاعله كافر ؟ والجواب: أنه يُنظر في أمره، فإن كان يعلم أن الذي جلس عليه هو المصحف، وأن حرمته معلومة لديه، حكمنا بكفره عيناً، وإن كان لا يُعلم لم نحكم بكفره عيناً؛ وإن كان ذات الفعل كفراً. 
 
فالتكفير حكم شرعي ، وهناك فرقٌ بين الإطلاق في الحكم فيقال من فعل كذا فهو كافر، وبين التعيين، فإطلاق القول بالتكفير لا يستلزم تكفير الشخص المعين، وتكفير المعين لا بد له من تحقق شروط وانتفاء موانع، وأما إطلاق القول على معين بأنه مشرك مع عدم تنزيل أحكام الكفر عليه فلم نجد أحداً من أهل العلم ذكر هذا التفريق في كتبهم ، وما يقال في الكفر يقال في الشرك من حيث إطلاق اللفظ وتنزيل الأحكام .
 
وأعلم أخي المسلم إن عدم تكفير المعين لا يمنع من وصف عمله بأنه كفر :
 
وهناك تفصيلٌ في هذه المسألة , قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (( وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر , والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم وعدم من ينبههم )) الدرر السنية
وقال رحمه الله في مجموعته: (( وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك ))
 
فقد يفعل المسلم عملاً كفرياً ولكن لا يحكم عليه بالكفر نظراً لوجود مانع كالإكراه أو الجهل أو التأويل ونحو ذلك، ولذا قرر أهل العلم أنه لا يحكم على مسلم معين بالكفر لمجرد عمل وقع فيه حتى تقام عليه الحجة التي يكفر مخالفها، وأنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، وأن الحكم على الفعل بأنه كفر لا يلزم منه كفر فاعله، وأقوال العلماء في بيان هذه الضوابط كثيرة، قال شيخ الإسلامابن تيميةرحمه الله: (( وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه وقد يتوب من فعل المحرم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع )) مجموع الفتاوى
 
فيمكن أن يعمل المسلم عملاً يوصف بالشرك أو الكفر , ولكن لا يحكم على صاحبه بشيء من ذلك إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع ، وقال أهل العلم: 
(( لا بد من التفريق بين الحكم على الفعل بأنه كفر، وبين الحكم على الفاعل بأنه كافر، للاختلاف في متعلق كل من الأمرين , فالحكم على الفعل الظاهر بأنه كفر متعلق ببيان الحكم الشرعي مطلقاً , وأما الفاعل فلا بد من النظر إلى حاله، لاحتمال طروء عارض من العوارض المانعة من الحكم بكفره من جهل أو إكراه أو غيره ذلك ))
وعلى ذلك فلا يسمى شخص بعينه مشركاً لمجرد صدور فعل من أفعال الشرك منه ...
 
بهذا نستخلص : إن عدم تكفير المعين لا يمنع من وصف العمل الفلاني بأنه شرك أو كفر , وإن تكفير المعين أمرٌ خطير وجليل ما لم تتحقق فيه الشروط , وتنتفي عنه الموانع التي سنذكرها ... 
 
واعلم أخي الموحد أن لفظ الشرك يدخل فيه الكفر، ولفظ الكفر يدخل فيه الشرك، وهما سواء من حيث إطلاق اللفظ وما يترتب عليهما من الأحكام .
 
الشروط والموانع :
 
لما كانت مسألة التكفير ليست بالأمر الهين ، احتاط الشرع في إطلاقها احتياطاً شديداً فأوجب التثبت ، حتى لا يتهم مسلم بكفر ، وحتى لا تستباح أموال الناس وأعراضهم بمجرد الظن والهوى ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا } (النساء:94) 
فحذرهم من التسرع في التكفير ، وأمرهم بالتثبت في حق من ظهرت منه علامات الإسلام في موطن ليس أهله بمسلمين .
ومما يدل على احتياط الشرع في مسألة التكفير ومبالغته في ذلك ، إيجابه التحقق من وجود شروط التكفير وانتفاء موانعه ، فلا يجوز تكفير معين إلا بعد التحقق من ذلك تحققاً شديداً بعيدا عن التعصب والهوى ، وموانع التكفير هي :
 
1 - المانع الأول : الجهل: 
وهو خلو النفس من العلم ، فيقول قولاً أو يعتقد اعتقاداً غير عالم بحرمته ، كمن يعتقد أن الصلاة غير واجبة عليه ، أو أن الله غير قادر على حشر الأجساد إذا تفرقت ، والسبب وراء ذلك جهله بوجوب الصلاة وقدرة الله جلا وعلا ، فعنأبي هريرةرضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال :
(( كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت ، قال لبنيه : إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح ، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا ، فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ، ففعلت ، فإذا هو قائم ، فقال ما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رب خشيتك فغفر له ))رواهالبخاري
 
فهذا رجل جهل قدرة الله جلا وعلا فظن أنه إذا أحرق ونثر رماده في البر والبحر فإن الله لا يقدر على جمعه ، ولا شك أن الشك في قدرة الله جلا وعلا ، والشك في البعث كفر ، ولكنه لما كان جاهلاً غفر الله له .
 
ويكون مانعاً إذا كان من الجهل الذي لا يتمكن المكلف من دفعه أو إزالته , مثل شخصٍ في مكان منقطع وليس لديه أي وسيلة للعلم وللتعلم . 
والعلماء متفقون على عدم عذر المُعْرض إن تمكن من العلم, والمراد هنا هو عُذرُ من لم يتمكن من العلم . قال القرافي : "لأنَّ القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف رفعه لا يكون حجة للجاهل لاسيما مع طول الزمان واستمرار الأيام فإنَّ الذي لا يُعلم اليوم يُعلم في غدٍ ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فسادٌ فلا يكون عذراً" ا.هـ. الفروق (4/448) 
 
وقال البعلي : "جاهل الحكم هل هو معذورٌ أم لا؟", ثم قال: "فإذا قلنا يُعذر فإنما محله إذا لم يُقصِّر ويُفرِّط في تعلم الحكم أما إذا قصر أو فرَّط فلا يعذر جزماً" ا.هـ. قواعده (1/58):
فيُعتبر الجهل مانعاً لمن كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تخفى أو تُشكل على مثله .
وسيأتي التفصيل في قسمٍ مخصصٍ من البحث لهذه المسألة , إن شاء الله تعالى ...
 
2- المانع الثاني : الخطأ : 
وهو انتفاء القصد, مثلَ : سَبْقِ اللسان, 
وهو أن يقصد بفعله شيئاً فيصادف فعله غيرَ ما قصد ، كمن يريد رمي غزالٍ فيصيب إنساناً ، أو كمن يريد رمي كتاب كفر فيرمي كتاب الله جلَّ وعلا ، والأدلة على العذر بالخطأ كثيرة منها قوله تعالى : (( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم )) الأحزاب :5 
 
ومن الأحاديث المشهورة في العذر بالخطأ: قوله : صلى الله عليه وسلم : (( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
وهذه الأدلة عامة في العذر من عموم الخطأ وثمة دليل خاص يدل على العذر من الخطأ في مسائل الكفر ، وهو ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته ، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح )) مسلم
 
ولا شك أن مخاطبة الله بالعبد كفر ومروق من الدين إن كان عن قصد وتعمد، ولكن لما كان نطق الرجل لها خطأ كان معذورا بخطئه. والعبرة في الخطأ كمانعٍ من موانع التكفير ، أنْ يقصد المكلف بفعله إتيانَ الفعل المُكَفِر لا أنْ يقصد الكفر به 
 
3 - المانع الثالث : الإكراه :
وهو إلزام الغير بما لا يريد ، ففي هذه الحالة يكون المكرَه في حلٍّ مما يفعله أو يقوله تلبية لرغبة المكرِه دفعا للأذى عن نفسه أو أهله ، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده ولطفه بهم حيث لم يكلفهم ما يشق عليهم ، قال تعالى : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )) النحل: 106 
 
وللإكراه شروطٌ لا يكون مانعاً بدون توفرها :
1- أن يكون التهديد بما يؤذي عادة كالقتل والقطع والحبس والضرب ونحو ذلك .
2- أن يكون المكرِه قادراً على تحقيق ما هدد به ، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة ، فإن لم يكن قادرا لم يكن للإكراه اعتبار .
3- أن يكون المكرَه عاجزاً عن الذب عن نفسه بالهرب أو بالاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك .
4- أن يغلب على ظن المكرَه وقوع الوعيد ، إن لم يفعل ما يطلب منه . 
5- أنْ يُظهِّر إسلامه متى ما زال عنه الإكراه
 
فإذا اجتمعت هذه الشروط كان الإكراه مُعتبراً شرعاً .
كفعل عمار بن ياسر رضي الله عنه فقد أخرج 
 
أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما وراءك؟", قال: شر يا رسول الله, ما تُركتُ حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير. 
قال: " كيف تجد قلبك؟" قال: مطمئن بالإيمان. قال: "إنْ عادوا فعُدْ", حديث صحيح على شرط الشيخين
الحاكم في مستدركه (3362)
والبيهقي في الكبرى (16673)
 
4- المانع الرابع : التأويل: 
والمراد به: وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهادٍ أو شبهةٍ تنشأ عن عدم فهم دلالة النص, أو فهِمَهُ فهماً خاطئاً ظنهُ حقاً, أو ظنَّ غير الدليل دليلاً. 
فيُقدم المكلف على الفعل الكفري وهو لا يراه كفراً ، فينتفي شرطُ العمد، فإنْ أُقيمت عليه الحجة وبُيِّنَ خطأه وأصرَّ على فعله كَفَرَ حينئذٍ . 
والتأويل المانع: هو التأويل السائغ, وهو الذي له مُسوِّغٌ في الشرع أو في اللغة ، مثاله: تأويل المتكلمين لليد بالقدرة . 
وأما التأويل غير السائغ: فهو التأويل الذي ليس له مُسوِّغٌ في الشرع أو في اللغة ، ويكون صادراً عن محض رأي وهوى . مثاله : تأويل الرافضة لقوله تعالى: ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان)) بالحسن والحسين .وهو غيرُ مقبولٍ, وغير مُؤثرٍ في الحكم بالكفرِ.
قال ابن الوزير: "وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله, كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعادِ الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار"ا.هـ. الحق على الخلق في رد الخلافات (1/377)
 
وهذا المانع من التكفير إنما يختص بأهل الاجتهاد دون غيرهم من المتقولين على الله بالجهل والهوى ، وذلك أن المجتهد قد يترك مقتضى نص لنص آخر يراه أقوى منه ، كمن اعتقد من الصحابة حل الخمر مستدلاً بقوله تعالى : (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين )) المائدة:93 
فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم ، اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا , وإن أصروا على الاستحلال قتلوا فلم يكفرهم الصحابة رضي الله عنهم من أول وهلة لتأويلهم ، بل أجمعوا على أن يبينوا لهم خطأ استدلالهم فإن أصروا قتلوا ردة ، فلما استبان للمتأولين خطأ استدلالهم رجعوا وتابوا .
والتأويل المعتبر في هذا المقام هو ما كان له وجه في الشرع واللغة العربية ، أما إن كان لا يعتمد على شيء من القرائن الشرعية أو اللغوية فهو غير معتبر شرعاً كتأويلات الباطنية ونحوهم .
 
تلك هي موانع التكفير ، وهي تدلنا على مبلغ حرص الشرع على وجوب التحقق من وقوع الكفر من فاعله ، حتى لا يسفك دم معصوم بالتهمة والشك ، وفي ذكر هذه الموانع درس لمن يمارسون التكفير دون اعتبار لتوافر شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ولا يعني ذكر تلك الموانع أن نتهيب من تكفير من كفره الله ورسوله لثبوت وصف الكفر في حقه بتوافر شروط التكفير وانتفاء موانعه ، فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم ، ولكن الواجب هو التثبت 
 
متى يُعذر المرء بالجهل ومتى لا يعذر ؟؟
وأما عن العذر بالجهل في مثل هذه الأمور، فيختلف الحكم على الإنسان بأنه يعذر بالجهل أو لا يعذر باختلاف البلاغ وعدمه، وباختلاف المسألة نفسها وضوحا وخفاء، وتفاوت مدارك الناس قوة وضعفا. فمن بلغته الدعوة ووضح له الحق وأقيمت عليه الحجة في مسألةٍ ما فهذا لا يعذر بجهله، وكذا من يقيم في ديار المسلمين ويسمع المواعظ والخطب، ويسمع كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا قد بلغته دعوة الله وأقيمت عليه الحجة ولا يعذر بجهله، بخلاف من يعيش مسلماً في بلاد الكفار أو في بادية أو صحراء ولا يختلط بالعلماء فهذا جاهل قد يعذر بجهله ببعض الأمور، ومن ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد قيام الحجة وإزالة الشبهة، وإزالة عوارض التكفير من جهل أو تأويل أو إكراه 
 
والدليل على أن المؤاخذة إنما تختص بمن قامت عليه الحجة وبلغته الدعوة قوله تعالى: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" الأنعام: 19 
وقال سبحانه: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" الإسراء: 15 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم. .
 
قال شيخ الإسلامابن تيمية في هذا السياق : (( والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحده وما يجحده حتى تقوم عليه الحجة.
وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها، ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر وجب تأويلها، وإن كان مخطئاً
وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنت مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له. فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك)) من مجموع الفتاوى
 
قال شيخ الإسلام أيضاً : (( وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. 
وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون: حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك ))من مجموع الفتاوى
 
وقالالسيوطي : (( كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك، كتحريم الزنى والقتل والسرقة والخمر والكلام في الصلاة والأكل في الصوم ))
 
فهذه إشارة موجزة فيها ضابط للمسائل التي لا يعذر فيها بالجهل، وفيها بيان لمن هو الذي يعذر فيها بالجهل ومن لا يعذر , وهذا هو الحق الذي نعتقده في هذه المسألة. 
 
العذر بالجهل في كلام العلماء :
العذر بالجهل يختلف باختلاف الأشخاص والأمكنة والمسائل، وخلاصة القول فيه ما قاله الإمامالسيوطي - رحمه الله :
(( كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية يخفى فيها مثل ذلك كتحريم الزنى والقتل والخمر والكلام في الصلاة والأكل في الصوم ))
 
وقال شيخ الإسلامابن تيمية -رحمه الله : (( وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر؛ كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك )) من مجموع الفتاوى
 
قال شيخ الإسلامابن تيمية : (( ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص، فقد يكون على وجه يعذر فيه، لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته.. كما قررته في غير هذا الموضع وقررته أيضاً في أصل التكفير والتفسيق المبني على أصل الوعيد، فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يُستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة، فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة، سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال.
فأما حكم الدنيا فكذلك أيضاً، فإن جهاد الكفار يجب أن يكون مسبوقاً بدعوتهم، إذ لا عذاب إلا على من بلغته الرسالة، وكذلك عقوبة الفساق لا تثبت إلا بعد قيام الحجة )) من مجموع الفتاوى 10/372. 
 
ومثل ما قاله السيوطي وشيخ الإسلام وابن تيمية في المحرمات يقال في الواجبات المعلومة من الدين بالضرورة , كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج.
 
أدلة العذر بالجهل :
أدلة العذر بالجهل كثيرة، منها قوله تعالى: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )) الإسراء:15
وقوله تعالى: (( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ )) الأنعام: 19 
 
ومنها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له. فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. 
 
والخُلاصة أن العلماء متفقون في الجملة على مبدأ العذر بالجهل ، إلا أنهم يتفاوتون في كيفية الأخذ به، وفي المسائل التي يُعذر فيها بالجهل .
 
(( ضوابط في التكفير )) 
 
1- الضابط الأول : الحكم على الناس يجب ان يكون بعلم وعدل :
يتعين على من تصدر للحكم على الناس أن يتصف بالعلم والعدل أما عن الإتصاف بالعلم فقد قال تعالى : (( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )) الإسراء: 36
وقال تعالى : (( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ )) النور: 15
وأما عن الإتصاف بالعدل فقد قال سبحانه وتعالى : (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ )) الأنعام: 152
 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك : ((والكلام في الناس يجب ان يكون بعلم وعدل , لا بجهل وظلم كحال اهل البدع ))
وقال ابن القيم : (( والله يحب الإنصاف , بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل , خصوصاً من نصب نفسه حكما بين الأقوال والمذاهب ))
 
وقد قال تعالى : (( وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ )) الشورى 15.
ولقد درج أهل السنة على تحري الإنصاف مع غاية الورع , وقد ضرب السلف الصالح رضي الله عنهم أروع المثل في الورع والتثبت .
والمقصود من ذلك كله أن يزم المسلم لسانه بزمام التقوى , وأن يربط على قلبه برباط الورع , وأن لا يعجل على احد بأمر حتى تقوم بينته وتنقطع معذرته وتزال شبهته ثم إذا ثبت خطؤه , نُظر في سائر اموره وعامة احواله .
 
الضابط الثاني : من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه بالشك :
 
يقول شيخ الإسلام : (( فليس لأحدٍ أن يكفر أحدا من المسلمين و وإن أخطأ وغلط حتى تقوم عليه الحجة وتبين له المحجة و ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه ذلك بالشك , بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة )) من مجموع الفتاوى
 
قال تعالى : (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً )) الأحزاب: 58
ومما يدل على هذا الضابط : قوله تعالى : (( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) 
وفي الصحيحين: (( أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) 
وفيه أيضاً : (( ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ))
 
وعليه فمن كفر مسلماً بغير بينة ولا برهان فقد كفر , إلا أن يكون مجتهداً معذوراً أو متأولاً مخطئاً , ومن المعلوم أن الذين يُكّفرون بالكبيرة هم الخوارج , وأن الذين لا يرون للمعاصي تأثيراً في الإيمان هم المرجئة , وكلتا الطائفتين على غير هدى , والحق ما عليه أهل السنة : أن المعاصي تُـنقص الإيمان ولا تنقضه .
 
الضابط الثالث : توفر الشروط وانتفاء الموانع : الشخص نفسه الواقع في الكفر , هل توفرت فيه أربعة شروط , وانتفت الموانع التي تقابلها , فإن انتفى منها شرط واحدٌ لا يجوز تكفيره .. وقد سبق تفصيل هذا الأمر في بداية البحث .
 
هل يحق للناس تكفير بعضهم بعضاً ؟؟
لا شك أن التكفير كما ذكرنا أنه حكمٌ شرعي مرده إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلماء الحق الراسخون في العلم ، وليس مرده إلى رغبات الناس وأهوائهم، فمن كفره الله تعالى في كتابه أو كفره رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته فهو الكافر، والحكم على الشخص المعين بأنه كافر لا بد له من توفر الشروط وانتفاء الموانع التي ذكرناها 
ولا يجوز أن يُطلق لفظ الكفر على المعين حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع
 
قال الحافظ ابن عبد البر وغيره من أهل العلم : (( من ثبت عندنا إسلامه بيقين فلا نخرجه منه بشك ))
 
و معنى كلامه رحمه الله تعالى أن الواقع في الكفر لا يكفر إلا بيقين تام , و اليقين التام أهله نحارير العلماء وليس عامة الناس الذين لا يعرفون شروط التكفير وموانعه وضوابطه. 
ولقد حذر الله تعالى من اتهام الناس بالباطل وأخذهم بالظن وإطلاق الأحكام دون تريث , وتوعد على ذلك .
بذلك نستنتج أن الحكم بالكفر يتطلب التثبت وتوفر الشروط وانتفاء الموانع ... والذي يطلق الحكم يجب أن يكون عالماً بهذه الشروط والموانع وأن يتصف بالعلم والعدل .
 
قال تعالى : (( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )) 36: الإسراء.
وقال تعالى : (( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ )) 15: النور.
وأما عن الإنصاف بالعدل فقد قال سبحانه وتعالى : (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ )) الأنعام 152.
 
خُلاصـة وخاتمـة للبحث :
 
التكفيرُ مسألةٌ عظيمة زلت فيها أقدام , وضلت فيها أفهام ، فنسأله تعالى أن يهدينا للحق إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
واعلم أخي الموحد وفقك الله أن الحكم على إنسان بالكفر أمر من الخطورة بمكان عظيم ، لأن المرء يكون به حلال الدم بعد أن كان معصوماً ، قال صلى الله عليه وسلم: 
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله)) متفق عليه 
وفي رواية ((حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به)).
 
وأعلم أخي الحبيب أن المنهج الحق في هذا الأمر هو (( منهج أهل السنة والجماعة )) فلا تأخذ بأقوال الغُلاة ولا بأقوال المرجئة , وخذ من علماء الحق علماء أهل السنة والجماعة المجاهدون الموحدون المرابطون .
 
وأنه يجب علينا أن نفرق بين الحكم على اطلاقة وبين تخصيصه على المعين، فليس كل من تلبس بشيء من مظاهر الكفر يكون بالضرورة كافراً . 
بل لابد من التفريق بين الحكم على الفعل بأنه كفر ، وبين الحكم على الفاعل بأنه كافر ، للاختلاف في متعلق كل من الأمرين. 
فالحكم على الفعل الظاهر بأنه كفر متعلق ببيان الحكم الشرعي مطلقاً , وأما الفاعل فلابد من النظر إلى حاله ، لاحتمال طروء عارض من العوارض المانعة من الحكم بكفره من جهل أو إكراه أو غيره ذلك , ويتلخص هذا في قيام الحجة على المعين بحيث لا يكون معذوراً بجهلٍ أو تأويلٍ أو إكراه
 
وإقامة الحجة لا تكون إلا من أصحاب العلم والعدل والانصاف , من العلماء الربانيين وليس من علماء السلاطين وعلماء الشاشات , الذين يهللون ويكبرون لسلاطينهم , ويقِلبون الحق باطلاً والباطل حقاً 
وأذكركم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( ليس لأحدٍ أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط ... حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ، ومن يثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك. بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة)) من مجموع الفتاوى
 
وبقوله أيضاً : ((إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع )) مجموع الفتاوى
 
أسأل الله أن يكون هذا البحث دواءً لأسئلتكم , وأن يكون حجةً لنا , لا حجةً علينا .
 
 

أخبار ذات صلة

ما أن خرجت المقابلات التي أجرتها (الجزيرة مباشر) مع مجموعة من السياسيين والناشطين المصريين، والتي دارت حول شهادتهم، أو بمعنى أدق: رؤيتهم، وما رأوه في فترة ال ... المزيد

المقال الأوّل: السّخرية من الأعداء والحكّام المستبدّين

السُّخرية هي النّاطق الرسميّ باسم الغالبيّة المقهورة حين يتوارى الجدّ ... المزيد

صدر لي كتاب على مشارف عام ٢٠٠٠ بعنوان ( حمى سنة ٢٠٠٠ ) وقد ذاع صيته في ذلك الوقت لانهماك الناس في أعراض تلك الحُمى، حيث احتل ذلك الكتاب المرتبة الأولي في الكتب ... المزيد