البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

التقريظ هل يجوز؟

المحتوي الرئيسي


التقريظ هل يجوز؟
  • د. رفيق يونس المصرى
    14/10/2017 12:21

التقريظ :

هل يجوز بمقابل أو بغير مقابل؟

التقريظ في اللغة

التقريظ: مدحُ الإنسانِ وهو حيّ، والتأبين مدحه ميتًا. قرّظه تقريظًا: مدَحه وأثنى عليه. مأخوذ من تقريظ الأديم (الجلد) يُبالغ في دباغه بالقَرَظ. والقرَظ: شجر يُدبغ به. وقيل: هو ورق السَّلَم يُدبغ به الأدم. يتقارظان الثناء أو المدح: يمدح كل منهما الآخر. ومثله: يتقارضان، بالضاد بدل الظاء. لكن التقارظ (بالظاء) في المدح، والتقارض (بالضاد) في المدح والذمّ. يرجى من الإخوة الذين يصعب عليهم التمييز في النطق بين الضاد والظاء الانتباه إلى هذا، فالمقارظة غير المقارضة، وتعلمون أن للمقارضة معنى آخر (شركة في الربح) غير المعنى الذي ورد هنا. قرّظ الكتاب: وصف محاسنه ومزاياه، دون أن يصف مساوئه وعيوبه. قَرِظَ فلان: ساد بعد هوان. هذا ما تذكره معاجم اللغة في التقريظ.

التقريظ في الحديث

جاء في الحديث: لا تقرّظوني كما قرّظت النصارى عيسى بن مريم (لسان العرب 7/455). وفي رواية البخاري: لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدُه فقولوا: عبدُ الله ورسوله (فتح الباري 6/478). قال في الفتح: الإطراء: المدح بالباطل. أطريت فلانًا: مدحته فأفرطت في مدحه. كما أطرت النصارى عيسى: أي في دعواهم فيه الإلهية وغير ذلك (فتح الباري 6/478).

وقال علي رضي الله عنه: يَهلك فيَّ رجلان: محبّ يقرّظني بما ليس فيَّ، ومبغض يَحمله شنآني (بُغضي) على أن يبهتني (مسند أحمد 1/160)، أي على أن يكذب بأن يُلصق بي ما ليس فيّ.

تقريظ شخص وتقريظ كتاب

بهذا فإن التقريظ نوعان: تقريظ شخص أو تقريظ كتاب. والتقريظ مدح مطلق، والشخص أو الكتاب لا يخلو من ذمّ، لأن الكتب من صنع البشر، والبشر يؤخذ منهم ويردّ. فلو فرضنا أن هناك شخصًا مثاليًا لا عيب فيه، وقرّظته فقد يبدو أن تقريظك في محلّه. ولكن ليس هناك شخص مثالي، وليس هناك كتاب بشري خالٍ من العيوب والمساوئ. فإذا قرّظت شخصًا أو كتابًا فلا بد أنك ارتكبت الكذب، لأنك بيّنت المحاسن، وغضضت النظر عن العيوب، وضلّلت الناس. ومن المحتمل أن تقع في ذكر محاسن لا وجود لها، أو أن تبالغ فيها. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أنكر تقريظ الناس له، وهو خير البشر، بل هو معصوم بعصمة الله له، فكيف يستجيز الناس، بل العلماء، أن يقرظ بعضهم بعضًا؟!

وقع لي أن قرأت رسالة علمية قام بتقريظها أحد العلماء، فذكر محاسنها، ولم يذكر مآخذها. فقلت في نفسي: إما أن هذا العالم جاهل، وإما أنه كاذب. وبقراءة الرسالة وجدت فيها عيوبًا، فكيف يقرّظها من قرّظها، ولا يبيّن عيوبها؟! إن هذا التقريظ يوهم القراء بأن الرسالة خالية من أي عيب، وهذا غير صحيح ألبتة.

قرأت كتابًا لأحد الوجوه "الفضائية"، قلت في نفسي: لعلي أتعرّف عليه أكثر من خلال كتابه، فوجدت أنه لم يذكر شخصًا إلا وقرّظه، حتى لو كان حمارًا، حتى صار الناس عنده بمرتبة واحدة. فأصابني التقزز من الكتاب وصاحبه! هؤلاء الناس، وإن أظهروا أنفسهم بمظهر التدين والتلطف وخفة الدم، إلا أنهم لا يبحثون عن الحقائق، ولا عن الحقوق، إنما يبحثون عن أشياء أخرى، ويميلون إلى إرسال التحايا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم ومحادثاتهم. ويفعلون كما يفعله نجوم الغناء والرقص عندما يستقطعون المحادثة التلفزيونية ويوجهون التحية ويتبادلونها مع أهل المقارظة والتقارظ والتقريظ.

التقريظ التراتبي أنواع

التقريظ قد يقع من النظير للنظير، فيتبادل العلماء المدح والثناء: تمدحني وأمدحك! أنت تقول عني: العلامة الحبر الفهامة، الإمام الذي لا يشق له غبار، وأنا أقول عنك مثل ذلك فورًا أو في أقرب مناسبة قادمة. تُقرضني وأُقرضك فيه ربًا لا يجوز، وتكفلني وأكفلك لا يجوز. فهل يجوز: تمدحني وأمدحك، تقرّظني وأقرّظك؟

وقد يقع التقريظ من أستاذ لتلميذه، وربما يتم هذا في مقابل رشوة أو منفعة واقعة أو متوقعة. فكثير من طلبة العلم يطلبون من أساتذتهم تقريظ رسائلهم العلمية أو كتبهم. وربما ينتظر الأستاذ أن يصبح هذا التلميذ عن قريب شخصية كبيرة مسؤولة لها مكانتها قي بلده، فيردّ له الجميل، وغالبًا ما لا يكون ذلك من جيبه الخاص، بل من ميزانية الدولة أو المؤسسة! فهناك طلبة حصلوا على الماجستير والدكتوراه، وساعدهم أساتذتهم، وقرّظوا رسائلهم، وربما كتبوها لهم! فلما تبوأ التلميذ منصبًا ردّ الجميل لأستاذه بأن دعاه إلى المؤتمرات والندوات، أو رشحه للمناصب، أو رشحه للجوائز، أو منحه إياها إذا حدث أن صار عضوًا في لجان اختيار الفائزين!

وقد يقع التقريظ من التلميذ لأستاذه، فتجد تلميذًا يقرّظ أستاذه فيجعله وليًّا من أولياء الله الصالحين، وإمامًا من أئمة العلم، وفارسًا من فرسان الأدب أو الفقه أو التفسير، والحقيقة أن هذا التلميذ لا يستطيع أن يبيّن إضافة علمية واحدة لأستاذه، كما لا يستطيع أن يبيّن مأخذًا واحدًا، ولو فعل لانكشف أمره فورًا. غاية ما هنالك أنه جاهل أو متملّق، ولديه استمارة جاهزة للمديح لفّقها من هنا وهناك، مما قرأ أو سمع، وأعدّها لكل مناسبة. إنه يريد أن يمتطي ظهر أساتذته المشهورين لكي يرضوا عنه، ويذكروه ويقدّموه، ويكسب الشهرة بواسطتهم وعن طريقهم، حتى إذا ما صار مشهورًا مثلهم، ربما بدأ بالتطاول عليهم، وقال: أنتم رجال ونحن رجال!

وهذا يشبه من يبتغي في أول حياته الشهرة بسرعة، فيجد من الفاعلية والشطارة أن يمتطي ظهر حزب أو مجموعة من مجموعات الضغط. فهناك من امتطى ظهر الإخوان مثلاً ثم أدار لهم ظهره، وقال: أنا صرت عالميًا ولم أعد أحبس نفسي عليكم، وإني أحب كل الفئات وكل الأحزاب وكل الناس، والأصدقاء والأعداء، بشرط واحد هو أن يحبّوني، ويقول في نفسه: لا بأس إذا ضيّعنا بعض الحقوق وبعض الحقائق، المهم أن الغاية تبرر الوسيلة، ويمكن أن نلعن هذا الكلام، وأن نأخذ به في آن معًا! ويبحث عن ذرائع مختلفة لتبرير سلوكه، وتغطية مآربه.

وكذلك ترى من كان من أتباع شيخ ما، فلما بلغ بعض الشهرة، قال: أنا لا أريد أن أستمرّ في التتلمذ على هذا الشيخ، أنا أريد أن أكون محبوبًا من كافة الأحزاب والجماعات والأفراد والرجال والنساء والكبار والصغار والمثقفين والمثقفات والفنانين والفنانات والمطربين والمطربات والراقصين والراقصات والشاذّين جنسيًا والشاذّات! أنا الآن أكبر من أحجّم نفسي ضمن نطاق هذه الفئة أو الجماعة! وبهذا تعلم ولو متأخرًا أن هذا الرجل ربما لم يكن صادقًا في الانتماء، لكنه كان يريد التسلق والوصول! وأما التبرير فلا يعدم أن يفبرك فتاوى لنفسه تبرر سلوكياته، خاصة بعد أن صار مشهورًا، ومقرّبًا إلى بعض رجال السياسة أو رجال المال، فعندئذ لا يفكر الناس  كثيرًا في نقده، بل غالبًا ما يفكرون في أن يتعلموا منه كيف وصل إلى ما وصل إليه من نجاح! هات عندئذ من يجرؤ على نقده!

وهناك بعض العلماء يستأجرون بعض المتملّقين أو المنتفعين أو الباحثين عن الارتقاء الوظيفي أو الاجتماعي أو الديني، لكي يقرّظوهم، وهم لا يزالون أحياء، ويدفعون لهم ثمن تذاكر الطائرة بالدرجة الأولى، وإنزالهم في أفخم الفنادق، ودعوتهم إلى أشهى الولائم! وهؤلاء دعاة دهاة يعرفون أنفسهم ويعرفون الناس، ويقولون في أنفسهم: إن هؤلاء الخبثاء المداحين إذا لم أضمنهم وأنا حيّ، فإني لا أضمنهم بعد الموت، فقد يتركونني ويمدحون غيري! كما أن هؤلاء العلماء يتمتعون بمهارات أخرى ربما اكتسبوها في مراكز التدريب البشري أو الإداري أو مراكز الذكاء العالمي التي ترفع شعار كيف تصبح ذكيًا، أو كيف تصبح قائدًا عظيمًا؟ نعم صاروا يتمتعون بمهارات بحيث لا يتحملون التكاليف المالية للمدّاحين من أموالهم الخاصة، بل يحمّلونها على الأموال العامة، أموال الدولة أو أموال المؤسسة التي ينتمون إليها، بدعوى أنهم علماء، ورثة أنبياء. والنتيجة أن كتابًا ضخمًا من نثر وشعر وخطابة يصدر عن منتديات التقريظ، والمقرَّظ لم يمت بعد، يقرّظون العالم في كل شيء: في السياسة والاقتصاد والاجتماع والنفس والأخلاق والفقه والوعظ والتفسير واللغة والأدب والشعر!

كما يفعلون الشيء نفسه للاستكثار من التلاميذ، فيغرّون هؤلاء التلاميذ بالثناء عليهم، في مقابل مكافآت ومنافع في المال أو الجاه أو المنصب أو الشهرة العلمية أو الإعلامية. ويحاول هؤلاء التلاميذ أن يقنعوا أنفسهم ويبرروا سلوكهم بأنهم مهذبون ومؤدبون ويحترمون العلماء، حتى إذا مات عالمنا العظيم أبّنوه بأنه كان إمامًا، وكان له عدد كبير من الشيوخ، وعدد كبير من التلاميذ وطلبة العلم والأنصار والأحباب لا يُحصون عددًا! وهذا كمن لا يجد من يصفّق له، فيستأجر بعض المصفّقين!

ويدخل في هذا الباب أيضًا أصحاب الجاه الذين يكرّمون العلماء في موسم ما، في يوم معين من أيام الأسبوع. فيأتي العالم فيستبقه رجل السياسة أو رجل المال، فيمدح رجلَ العلم، فيضطر رجلُ العلم إلى مجاراته، فيمدح رجلُ العلم رجلَ المال بما ليس فيه، فهو لا يقول له: إنك رجل مال أو رجل أعمال أو رجل حكم أو رجل سياسة، بل يقول له: إنك عالم وأديب وإمام ولم يَجُد الدهر بمثلك!

حضرتُ ذات مرة تكريمًا لأحد العلماء، فإذا به يرتخي عزمه وينفلت لسانه في مدح من كرّمه، ولم يكن أي فقير شريف من العلماء ليحظى بكلمة مدح واحدة من جانب هذا العالِم الكريم المكرّم صاحب النفس السخية والسجايا الرضيّة! ثم ينهض الجميع إلى مأدبة عظيمة، ليتناولوا أطايب الطعام والشراب على شرف هذا العالِم المكرّم! ولولا هذا الكرم الحاتمي ما حضر اللقاء أحد من الجمهور! ومن الجمهور مشايخ يملؤون الصحون، ويحشون البطون، ويسرفون ويبذّرون، ويُلقون بالأطعمة والأشربة هنا وهناك. إنها أمسية عظيمة تستحق أن تذكر في السيرة الذاتية لكل مكرَّم ومكرِّم!

وربما يقع في هذا الباب أيضًا العلماء الذين يظفرون بجوائز نوبل، بعد حصولهم على جوائز من إسرائيل، فإسرائيل تقوم بدور المقرّظ لهذا العالم، فإذا رضيتْ عنه ومنحتْه بعضَ جوائزها، فهي "لفتة ذكية" منها للعالم أجمع لكي يقتدي بها ويفعل ما فعلته، ولكي يحصل بعد ذلك على نوبل وغيرها من الجوائز التي صارت تنزل عليه كالمطر!

 

وللأسف فإن بعض العلماء يلتمسون رضا إسرائيل، لمَ لا؟ ألا يفعل ذلك رؤساء أكبر دولة في العالم؟ إنهم يفعلون ذلك لكي يجدوا من بعدُ التطبيلَ والتزمير والشهرة والمناصب والجوائز، على الرغم من أنهم لا يجيدون إلا الثرثرة والكذب والتملق والعبارات المحفوظة والمبتذلة! ويبدو أن هؤلاء قد عرفوا جيدًا قواعد اللعبة، ومن أين تؤكل الكتف، فمن لا يجد دعمًا خارجيًا لا يجد دعمًا داخليًا، وأزهد الناس بالعالِم أهله وأقاربه وجيرانه! وهذا ما أدى وسيؤدي إلى الكثير من الكوارث بحق بلداننا ومجتمعاتنا، لأن العالم الذي لا يجد تقديرًا في بلده قد يجد الحافز للبحث عنه في بلاد أخرى، فبلده لا يشعر به إلا بعد أن يجد "لفتة كريمة" من خارج الحدود، ولو من الأعداء، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

وأنا أعلم أن شيخًا لم يكن يفتي بهذه الفتوى قبل منصبه الأخير، فلما مُنح هذا المنصب غيّر فتواه، وربما جرى عقد أو عهد بينه وبين رئيسه على أن يكون تعيينه في المنصب بهذا الشرط! ثم لما تسلّم هذا المنصب وذاق حلاوته، طمع في منصب أعلى، فبدأ يفتي فيما كان يفتي به سلفه الذي أحرز منصبًا أعلى، ومرَّ بالطريق نفسه، لكي يظفر بمنصب سلفه إذا مات! فحتى المناصب الدينية مرهونة برضا المجتمع الدولي، وعلى رأسه إسرائيل! وبهذا يتقرب بعض العلماء إلى إسرائيل، بشيء من الحيلة والمخاتلة، لكي ترضى عنه وتقرظه، أو لا تعترض عليه إذا رُشح للمناصب، أو احتلّها فعلاً! ثم يقول هؤلاء العلماء: إننا مستقلون ولا أحد يضغط علينا، مع أن كل أحد مضغوط عليه، إلا هؤلاء!

هل يجوز التقريظ لقاء مال؟

لو فرضنا أن المقرِّظ رضي بتقريظ كتاب لأحد المؤلفين، واشترط على المؤلف والناشر أن تكون له حصة مالية من إيرادات الكتاب: مبلغ مقطوع، أو حصة من المبيعات 10 % مثلاً، بدعوى أن تقريظه يؤدي إلى رواج الكتاب، ولاسيما إذا كان المقرِّظ مشهورًا، بغض النظر عن شهرته هل هي شهرة بالحق أو بالباطل؟

أنا أرى في الجواب أن ذلك يجوز إذا كان المقرِّظ شريكًا للمؤلف في الكتاب، بمعنى أنه قرأه كله، وأبدى عليه ملاحظات جوهرية في المنهج أو في الشكل أو في المضمون، والتزم المؤلف بها وأخذ بها جميعًا، أو أخذ بجزء كبير منها. وعندئذ قد يحسن ألا يكون مقرّظًا، بل يحسن أن يكون شريكًا، فيذكر أن الكتاب تأليف فلان وفلان، حتى لو كان هناك فارق بينهما في السن أو الخبرة، لأن العلم قد يوجد عند الشاب، كما يوجد عند الشيخ المسنّ، فيتقاسمان المهام والمكاسب. وهذا أمر واقع حتى في الكتب الأجنبية. وإذا أصرّ المقرِّظ أن يبقى مقرِّظًا في هذه الحالة أمكنه أن يذكر إسهامه في تقريظه، وعندئذ يكون في الحقيقة مقرِّظًا شريكًا.

أما لو اكتفى المقرّظ بقراءة الكتاب كله أو بعضه، ولم يبدِ عليه أي ملاحظة، فلا أرى له حقًا في أي حصة مالية. وأنا أتكلم هنا عن الحصة المالية للمقرِّظ، ولا أتكلم عن التقريظ الذي أبديتُ عليه أعلاه عددًا من التحفظات. المراد من هذا أن الحصة المالية لا تجوز إلا إذا جاز التقريظ، وكان لها ما يسوغها.

 

وهناك مقرِّظون مشهورون ومشغولون، وقد يكونون جهالاً في موضوع الكتاب، لا يكلفون أنفسهم عناء قراءة الكتاب، أو يقرؤون منه جزءًا صغيرًا مهملاً، ثم يكتبون تقريظهم. وقد لا يكون لتقريظهم أي صلة بمادة الكتاب، أو تكون الصلة بعيدة عما كتبه صاحب الكتاب. فيكتفي هؤلاء بأن يختموا التقريظ بكلمة مدح أو ثناء أو مجاملة على الكاتب والكتاب، وقد يكون الكاتب من تلاميذ المقرِّظ أو من مريديه أو محازبيه، يكتب المقرظ تقريظه، وقد يظهر اسمه على غلاف الكتاب، أو على الصفحة الأولى منه، ويتخذ اسمه لجذب شريحة أخرى من القراء! وقد يكون الكتاب غير مستحق للتقريظ أصلاً! فهذا التقريظ الكاذب أشبه ما يكون بالدعاية الكاذبة أو الإعلان الكاذب الذي يراد منه التسويق والترويج ولو بالباطل!

وقع لي أني قرأت كتابًا أراده صاحبه على شاكلة كتب الإعجاز العلمي، وقدّم له عدد من الدعاة والمشايخ. ولكن بدا لي أنهم لم يقرؤوا الكتاب، فأحدهم تكلم في التقديم عن نفسه، والآخر عن عمله، والثالث تكلم كوزير خارجية ... إلخ. وتمنيت أن يكون واحد منهم قرأ الكتاب وفهمه ونقده، والكتاب كله تفاصيل علمية مملّة مستنسخة من كتب دراسية جامعية وغيرها، وليست له أي قيمة علمية في بابه وعنوانه. ثم إني أتساءل هل يجوز التقريظ المحض للكتب؟ إن أشك في هذا، والله أعلم.

المسألة هنا هي التقريظ بمقابل مادي لقاء الجاه أو الشهرة فقط. وأرى هذا غير جائز، وإن كنت أعتقد أن عددًا من مشايخ هذا العصر سيجيزونه لأنهم حولوا الإسلام إلى تجارة (بزنيس). يحبّون أن يتكسبوا من كل شيء كغيرهم من الناس، ولا يعدمون أن يفتوا لأنفسهم بما يحبّون من الفتاوى، أو يجدون من يفتي لهم بالجواز وتقاسم الحصص! وهناك من يغريهم ويشجعهم ويغدق عليهم!

وقد يطلب بعض المؤلفين من الناشر أن يكتب فلان من المشايخ تقريظًا للكتاب، وربما يعارض الناشر ذلك، خشية أن يطالبه المقرِّظ قريبًا بحصته من الكعكة! وربما يقول الناشر للمؤلف: إنك لا تحتاج إلى من يقدّمك ويقرّظك، داري (دار النشر) أنا تغنيك عن ذلك، وتقريظها خير من تقريظه!

من حيل التقريظ

- قد يدخل المقرِّظ في علاقة مباشرة مع الناشر والمؤلف لهذا الغرض، أو يدخل في علاقة غير مباشرة عن طريق توسيط بعض المكاتب الاستشارية "الإسلامية" التي تتكاثر هنا وهناك لتحلّ محل الهيئات الشرعية، ولتتكسب من خلال الفتاوى الشرعية، والتقاريظ العلمية، بحيث يظهر اسم المكتب دون اسم العالِم، وكلما كانت هذه المكاتب أكثر ترخصًا وتساهلاً وتحايلاً زادت مكاسبها من عملائها. وإذا كانت بعض الهيئات الشرعية تنشر فتاواها وتقاريظها فإن هذه المكاتب قد لا تفعل ذلك، وربما تؤثر الكتمان وعدم الشفافية، ولاسيما في ظل الانتقال الحالي من علماء الصف الأول إلى علماء الصف الثاني والثالث.

- ألّف أحدهم رسالة علمية أرسل بها إلى أحد الأمراء، فأرسل إليه الأمير خطابًا يُعلمه فيه بتسلم الرسالة أو الكتاب لا أكثر، فحوّل صاحب الرسالة خطاب الأمير إلى خطاب تقريظ! لعله أراد بهذا أن يفرض شراءه على عدد من الجهات بدعوى أنه رجل مدعوم!

- كتب شخص كتابًا في موضوع ما، ثم أرسله إلى عدة جهات لنشره، ثم نشره في إحدى دور النشر الخاصة، ربما على حسابه الخاص، وألحق بالكتاب صورًا من خطابات الاعتذار عن عدم النشر، للإيحاء بأن هذه الجهات تتبناه، وخصص صفحة في بداية الكتاب لشكرها وتقديرها، وللإيحاء أيضًا بأن هذه الخطابات هي خطابات تزكية وتقريظ، والحقيقة أنها خطابات تملّص مهذب! وبعد مرور سنة أو أكثر أرسل صاحبنا إلى مَن طَلب تقريظهم في السابق طالبًا منهم أن يرشحوه لنيل جائزة مقدمة من أحد البلدان! وأرفق بخطابه ترشيحات له من بعض الدعاة الشعبويين، ولا أعتقد أبدًا أنهم رشحوه بعد قراءة الكتاب والوقوف على أهليته للترشيح. لا ندري ربما يرشحونه، ثم يقولون للجهة المعنية: لقد رشحناه على سبيل المجاملة وكسب الرضا والتماس الشعبية! أو يتركونه يسقط في معركة المرشحين للجائزة!

إني كما أكره التقريظ المحض أكره بالمقابل الذم المحض، فمن أراد النقد فعليه أن يبدأ ببيان الحسنات قبل السيئات. وعليه أن يتجنب الإفراط في المدح والذم، وأن يتحقق من أن الحسنات موجودة فعلاً، وكذلك السيئات أو نقاط الاختلاف. ولا شك أن ذكر الأخطاء والنواقص في النقد أو النقد الذاتي فيه حافز لتصحيح هذه الأخطاء وتدارك هذه النواقص في المستقبل، إما من الشخص نفسه أو من غيره. فقد أحسن من قال بأن علينا أن نعلّم طلابنا ما نجهل كما نعلّمهم ما نعلم. وأقل ما يمكن أن يقوله مقدّم الكتاب بعد بيان الحسنات أن هذا لا يعني أن مقدّم الكتاب يتفق مع صاحب الكتاب في كل أمر، فهناك أمور لا يتسع المقام لبيانها. لكن هل يرضى صاحب الكتاب بذلك؟ قد يرضى لأن همّه بالدرجة الأولى بيان اسم المقرِّظ، فالجمهور من الناس قد لا يلتفتون لأي شيء آخر سوى ظهور هذا الاسم على الكتاب، وهذا فيه ما فيه! وهناك من المؤلفين من يستفيد من ملاحظات بعض العلماء، ثم يذكر أسماءهم وأنه قد استفاد منهم، ثم يبيّن أن ما قد بقي من أخطاء ونواقص ومآخذ إنما يبقى على عاتق المؤلف وحده. ولكن هذا التواضع من المؤلف قد لا يخلي مسؤولية هؤلاء العلماء إخلاءً تامًا. وقد تكون ملاحظاتهم مجرد ضرب من ضروب المجاملة للمؤلف، وغالبًا ما يكتفون بملاحظة واحدة أو ملاحظات قليلة لدفع البلاء عنهم.

وسواء كان المؤلف حيًا أو ميتًا فإني أميل إلى بيان ما له وما عليه، ولا يمنع هذا من أن أقول كلمة حق بالرصيد الصافي. ويجب أن يكون الاتفاق واضحًا بين مقدّم الكتاب وصاحب الكتاب، كي لا يكون هناك أي التباس في الحاضر أو في المستقبل حول الحقوق المعنوية والمادية لكل منهما. ولا بأس في نظري من أن يقال: فلان أحسن من كتب في هذا الموضوع حتى الآن. ولا بأس في إجمال المزايا وتفصيل المآخذ، لأن تفصيلها يمنع الريبة في النقد، ويبيّن مقدرة الناقد. على كل حال إن بيان المآخذ يخرجنا من التقريظ إلى النقد. ويجب أن نعلم أن التقريظ أو النقد إنما هو ضرب من الشهادة، فيجب أن تكون شهادة حق لا شهادة زور، وشهادة إنصاف لا شهادة تحامل أو تملق. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكره المدّاحين، ويخشى على الممدوح من الغرور، وإن كان مستحقًا للمدح. ومدح الإنسان في غيبته أفضل من مدحه في وجهه، والله أعلم.

خاتمة

أمام هذا التساهل الملحوظ في التقريظ فإن على قارئ الكتاب ألا ينخدع كثيرًا بالأمر، وعليه أن يعلم أن هذا التقريظ ربما لا يعدو أن يكون مجرد كلام، اللهم إلا في حالات نادرة جدًا، فربما قرَّظ المقرِّظ ما لا يعلم، وربما فعل ذلك لأجل منفعة أو  تعصب لمذهب أو جماعة أو كاتب أو غير ذلك. ولئن لم يتحفظ المقرِّظ أبدًا فإن على القارئ أن يعلم أن في العمل مآخذ لم يعرفها المقرِّظ، أو عرفها كلها أو بعضها وغض النظر عنها! وقد تكون شهرة المقرظ شهرة مزيفة مصنوعة من الخارج لكي يلعب هذا الشخص دورًا مرسومًا يراد به تخريب الدين أو الأمة بالتدريج، وبطرق خفية، ظاهرها الدين وباطنها القضاء على الدين عروة عروة!

بيّن بعض الإخوة الحضور أن التقريظ قد يراد به التشجيع، والجواب أن التشجيع يحصل بحافزين: حافز إيجابي، وحافز سلبي. فإذا اكتفينا بالإيجابي ربما أدى هذا إلى الاسترخاء والغرور. وإذا اكتفينا بالسلبي ربما أدى هذا إلى اليأس والنفور. ولابد من أن يحذر الناقد من أن يسيطر عليه التملق أو التعصب أو التمذهب أو التكسب.

هذا الموضوع بين التقريظ والنقد، في الحياة وبعد الموت، بالنسبة للأفراد والمؤسسات، لا ريب أنه يستحق أن تكتب فيه رسائل علمية للماجستير أو الدكتوراه. ومن وظائف المركز وباحثيه تفتيق البحوث أمام الباحثين وطلاب الدراسات العليا، وهذا ما كان للمركز فيه دور، ولا يزال بحمد الله. فهناك موضوعات افترعها المركز، ثم تعاقب عليها الباحثون. وهناك كثير من طلاب الدراسات العليا وغيرهم يتصلون بالمركز من أجل البحث عن موضوع، أو من أجل خطة البحث، أو من أجل حلّ مشكلة عويصة في البحث. ولا ريب أن للباحثين دورًا، إنما يبقى دورهم من خلال المؤسسة التي ترعاهم، والفضل لله أولاً وأخيرًا.

وهذا الموضوع سواء كان التقريظ بمقابل أو بغير مقابل أراه مفيدًا لا على مستوى المركز فحسب، بل على مستوى الجامعة بجميع كلياتها ومراكزها البحثية. سألني بعض الإخوة: هل يختلف الحكم في التقريظ بين الفرد والمؤسسة؟ أقول يمكن بيان مزايا المؤسسة، وقد يمكن التعبير عن المآخذ بتعبير آخر مثل: التحديات أو المشكلات التي تواجه المؤسسة.ٍ أشكر جميع الإخوة الذين أبدوا ملاحظاتهم، وقد استفدت منها جميعًا في إعداد الصيغة النهائية من هذا الحوار.

أخيرًا إن علينا أن نتساءل: أيهما أفضل: التقريظ في الكتاب نفسه، أم النقد خارج الكتاب وبعيدًا عن صاحبه؟ هل ترون أنه قد آن الأوان لفتح ملف التقريظ، أو ملف ظاهرة التساهل في التقريظ والتكسب والتنفّع من ورائه؟ وهل يمكن القول بأن عالَمنا الذي نعيشه هذه الأيام هو عالَم تقريظ وتقارظ وقِراظ ومُقارظة!

 

أخبار ذات صلة

استكمالا لما سبق أن ذكرته عن ذكرياتي مع العالم الرباني الشيخ محمد الغزالي، وعن دوره العظيم فى توجيه جمهور ما عُرف بالصحوة الإسلامية.

< ... المزيد

تحت هذا العنوان؛ كتبتُ عدة مقالات في مجلة البيان التي تصدر من لندن وتطبع في الرياض، والتي اعتُقل مؤخرًا رئيس تحريرها ومجلس إدارتها؛ الفاضل المِفضال ... المزيد

2700 غارة في عشرة أسابيع! الطيران الحربي لأقوى قوّتين عسكريتين في العالم، روسيا وأمريكا، يحرق دير الزور بما فيها ومَن فيها، يقصف المدنيين العالقين في ... المزيد

توفي إلى رحمة الله منذ أيام قليلة الأستاذ "محمد مهدي عاكف"، المرشد السابق للإخوان المسلمين، ومنذ ذلك الحين أحيا بعض الإخوة والأصدقاء ذك ... المزيد

تعليقات