البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

التفسير والإفتاء دون ضوابط - جمال البنا نموذجا

المحتوي الرئيسي


التفسير والإفتاء دون ضوابط - جمال البنا نموذجا
  • د. إبراهيم عوض
    07/06/2018 06:15

 

هناك ضوابط ينبغى أن يتقيد بها من يتصدى لمهمة التفسير والإفتاء، وعدد من العلوم والمعارف لا بد له منها لفهم النص القرآنى وتذوقه، وفى ضوء هذا وذاك نستطيع أن نفهم ما يُتَّهَم به أحيانا "التفسير بالرأى". وأساس هذا ما يُرْوَى عنه صلى الله عليه وسلم من أنه "من تكلم فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"، وهو الحديث الذى لا يمكن استغناء مَنْ ينظر فيه مِنَ استصحاب الحديث الآخر الذى يقول: "من تكلم في القرآن بغير علم فقد أخطأ، وإن أصاب"، أو ذلك الذى يقول: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار". وقد نظرت فى هذه الأحاديث من ناحية التمحيص والتخريج، فظهر أن الأول منها غير موجود فى الموسوعة الحديثية المسماة: "الدرر السنية": لا فى الأحاديث الصحيحة ولا الضعيفة ولا الموضوعة، كما أن الحديث الثالث قد حُكِم عليه مرة بأنه "حسن صحيح"، ومرة بأنه "حسن"، وسبعا بأنه "ضعيف"، وذلك حسب سلسلة الإسناد التى رُوِىَ من خلالها، أما الثانى فقد قيل فى حقه إنه إن لم يكن من جهة السند صحيحا فهو صحيح رغم هذا من جهة المعنى. ولسوف أتصور أن كل تلك الأحاديث صحيحة صحة مطلقة ثم ننظر فيها على هذا الأساس لنرى أبعادها ومدى دقة فهمنا لها. ذلك أن كثيرا من الناس يظن أنها تدين تشغيل العقل وحرص الإنسان على أن يكون له رأى فى فهمه للقرآن. فهل من الممكن أن يثنى الرسول على من ليس عنده رأى، ويرفض أن يكون عنده رأى، مُؤْثِرًا عليه من يردد ما يسمعه من مأثورات فى عالم التفسير إيثارا شديدا؟

 

المعروف أن الرسول الكريم يكره للرجل أن يكون إِمَّعَة، أى لا رأى له ولا موقف نابع من عقله وقلبه وضميره، بل كل همه متابعة الناس على ما يقولون ويعملون دون تفكير. لكن قد يردّ البعض بأن المسألة هنا لا تتعلق برأى الناس الذى ينبغى أن يزنه الشخص قبل أن يتابعهم عليه، بل بأقوال الرسول فى تفسير القرآن. وجوابنا على هذا هو أن الرسول لم يترك لنا تفسيرا كاملا للقرآن، بل لبعض آياته فقط. وفوق هذا فالتفسيرات التى تركها لنا صلى الله عليه وسلم مختصرة جدا فى العادة، فماذا نفعل فى بقية القرآن إذا أردنا أن نفسرها؟ هل نتركها دون تفسير ما دام لم يصلنا عن الرسول فيها شىء؟ وحتى بالنسبة إلى الأحاديث التى وصلتنا عنه صلى الله عليه وسلم هل من الممكن أن يخرّ الإنسان عليها خُرُورًا دون أن يتأكد أنها أحاديث صحيحة؟ وهذا التأكد أليس هو إعمالا للرأى؟ ثم أليست هذه الأحاديث بحاجة إلى أن يفهمها ذلك الشخص؟ أوليس الفهم هو أيضا لونا من إعمال الرأى؟ ولقد رأينا أن تفسير القرآن يحتاج إلى ألوان مختلفات من العلوم والفنون والمعارف والتخصصات، وبخاصة فى عصرنا هذا حيث بلغ التقدم العلمى والفنى مبلغا هائلا مما يوجب التدرع لهذه المهمة بما لم يكن فى طوق السابقين ولا فى خيالهم، فما بالنا بالعصور المقبلة التى سوف يتقدم العلم فيها تقدما يدير الرؤوس ويشده العقول والنفوس؟ فالاطلاع على تلك العلوم والفنون والإلمام بها ومحاولة تطبيقها على النص القرآنى بغية فهمه وتذوقه، ألا يُعَدّ هذا إعمالا للرأى؟

 

حتى الطبرى أحيانا ما نجده، فى تفسيره الذى اشتهر بأنه إمام كتب التفسير بالمأثور، يوازن بين الروايات التى وصلته عن الرسول والصحابة والتابعين ليرى أيتها صحيحة، وأيتها غير ذلك، ومن ثم يختار ما يطمئن إليه ويترك ما سواه، مُعْمِلاً خلال ذلك كله عقله، معتمدًا على معارفه ثم مُدْلِيًا فى نهاية المطاف برأيه. وقد نبه إلى هذا فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور فى كتابه: "التفسير ورجاله" فقال: "وهو في كثير من صور انتقاده للأحاديث المسندة قوي الاعتماد على الفقه وملاءمة الآثار من الأقوال، فكثيرا ما يَرُدّ حديثًا في تأويل آية بأنه خلاف ما تقرر عند الفقهاء من الحكم. كما أنه في صور أخرى قويُّ الاستناد إلى ما بين النحويين من كلام في تخريج التراكيب وما تجاذبوه من نظر في تأويل شواهدها. وكثيرًا ما يجعل التخريج النحوي الراجح توجيهًا للقراءة وبيانًا لأولويتها، ويستخرج من رجحان القراءة وتوجيهها اختيار المعنى أو الحكم الذي يأخذ به، تبعًا لاختيار القراءة واختيار الوجه النحوي الذي خرجت عليه، فيقول: "وأَوْلَى القراءتين بالصواب في ذلك". وربما يؤكد جزمه بالاختيار فيقول: "والقراءة التي لا أختار غيرها...". وبهذه الطريقة أصبح تفسير ابن جرير الطبري تفسيرًا علميًّا يغلب فيه جانب الأنظار غلبة واضحة على جانب الآثار، حتى أنه لو اقْتُصِر فيه على مجرد عَزْو الأقوال المتخالفة لأربابها، وجُرِّد عن طويل الأسانيد ومكرَّرها لبقي وافيًا تمام الوفاء بما يقصد له من كشف عن دقائق المعاني القرآنية وما يستخرج منها من الحِكم والأحكام على اختلاف المذاهب والآراء وما يتصل بها من استعمالات اللغة ومسائل العربية، ولازداد شبهه بالتفاسير العلمية التي جاءت من بَعْدُ قوةً ووضوحًا، فلذلك يصح أن تعتبره تحولاً في منهج التفسير ذا أثر بعيد قطع به التفسير ما كان يربطه إلى علم الحديث من تبعية ملتزمة. بل إنه جعل العنصر الذي كان علم الحديث يسيطر به على التفسير أقل عناصر التفسير أهمية، وذلك هو عنصر تفسير المبهمات ومعرفة أسباب النزول، وجعل العنصر الذي لا غنى للتفسير فيه عن النقل، وهو عنصر بيان الأحكام معتمدًا على فتاوى الفقهاء، معتضدًا بمعاقد الإجماع. وإن الذين يعتبرون تفسير الطبري تفسيرًا أثريًّا أو من صنف التفسير بالمأثور إنما يقتصرون على النظر إلى ظاهره بما فيه من كثرة الحديث والإسناد، ولا يتدبرون في طريقته وغايته التي يصرح بها من إيراد تلك الأسانيد المصنَّفة المرتَّبة الممحَّصة".

 

وقد تناولت تفسير الطبرى على نحو شديد التفصيل على مدى عشرات الصفحات فى الفصل الأول من كتابى: "من الطبرى إلى سيد قطب"، وبينت الجهد الهائل الذى نهض به هذا المفسر العظيم. ومنه يتضح أن عمله فى ذلك الميدان ليس مجرد جمع للآثار الواردة عن الرسول والصحابة والتابعين وتابعيهم، بل رفد هذا كلَّه عنده رأىٌ، ورأىٌ كثير. فالرأى إذن هو أمر لا يمكن الاستغناء عنه بتاتا فى ميدان التأليف من التفسير القرآنى، اللهم إلا إذا ألغى الإنسان عقله بل وجوده ذاته وأتى إلى كتاب من كتب التفسير يجده أمامه بالمصادفة فنقله كما هو. ومَنْ مِنَ العقلاء يفعل ذلك؟ بل إن الصحابة والتابعين كانوا هم أنفسهم يُعْمِلون عقولهم ويُدْلُون بآرائهم، وإلا فلماذا كان هناك اختلاف بينهم فى فهم القرآن أحيانا؟ لو كان هناك طريق واحد على المسلم أن يسلكه فى تفسير كتاب الله لكان الصحابة أولى الناس وأولهم بسلوك هذا الطريق والتزام جادّته لا يتحولون عنها. إذن لا غِنَى فى تفسير القرآن عن استعمال الرأى، على أن يكون إعمال العقل مبنيا على توفر العلم الواسع العميق والأدوات التى من شأنها أن تعين على بلوغ الغاية فى هذا المجال، مع اتباع الأسلوب المنهجى السليم والرغبة فى الوصول إلى برد اليقين وإفراغ الوسع كله فى البحث والتقصى والاجتهاد.

 

فإذا عدنا إلى الأحاديث الثلاثة التى مرت آنفا ونظرنا، فى ضوء الحديثين الثانى والثالث منها، إلى الحديث الذى يتحدث عن الرأى ويُفْهَم منه كراهيتُه صلى الله عليه وسلم له، تبين لنا فى الحال أن المقصود هو أن يدلى الإنسان برأيه فى تفسير كتاب الله على سبيل التقحم والاعتساف والهجوم غير المدروس، أى دون أن يستعين بما يعنيه على هذا الفهم. ذلك أن لكل شىء بابا يولَج من خلاله إليه، أما القفز على أى موضوع فى الحال من غير الاستعداد لمواجهته بالوسائل والأدوات التى تعين عليه فهو مزلق عظيم من مزالق الخطر والفساد. وعلى هذا فلو افترضنا أن ثمة شخصا جاهلا فى موضوع ما أدلى برأيه فى مسألة من المسائل المتعلقة بذلك الموضوع ثم تصادف أن جاء رأيه صحيحا، فإن هذا لا ينبغى أن يتخذ تكأة لتسويغ مثل ذلك التجرؤ على الرأى. إن المبدأ لا ينخرم لأن حالة شاذة قائمة على المصادفة المحضة قد كسرته مرةً أو يمكن أن تكسره. والإسلام لا يقيم أموره على المصادفات والاقتحامات العمياء، بل على الدراسة واتخاذ الضوابط التى من شأنها إنجاح العمل. والدنيا قائمة على نظام محكم يتمثل فى قوانين الكون التى نعرفها، أما التصرف على أساس أن الإسلام يشذ عن ذلك النظام وتلك القوانين ويؤسس للجرأة القائمة على غير أساس سوى أساس التشبث بأن حالة من الحالات الشاذة قد صحت أو يمكن أن تصح ذات يوم فأمر غير مقبول بالمرة!

 

إذن لا مناص من استعمال الرأى، بيد أنه لا بد له من ضوابط كما شرحنا. وإن الأمر كما ذكر د. مساعد فى بحثه المنشور على المشباك حول "التفسير بالرأى: مفهومه، حكمه، أنواعه"، إذ قال إن "الرأي في التفسير نوعان: محمود، ومذموم"، و"إنما يُحْمَد الرأي إذا كان مستندا إلى علم يقي صاحبه الوقوع في الخطأ"، أما التفسير المذموم من هذا النوع فهو "القول في القرآن بغير علم، سواء أكان عن جهلٍ أو قصورٍ في العلم أم كان عن هوى يدفع صاحبه إلى مخالفة الحق". ومن ذلك إقدام المفسر على ما لا يعلمه إلا الله، أو مناقضته لما ورد عن النبى يقينا من تفسير، أو اعتماده على اللغة وحدها دون سائر ما تحتاج إليه تلك المهمة الجليلة من أدوات علمية مساعدة، أو الدخول على القرآن بهوى مسبَّق يتأوله عليه حسبما ذكر الكاتب.

 

ومثالا على الطريقة المرفوضة فى التفسير بالرأى أذكر أنه، منذ نحو عشرين سنة (سنة 1996م على وجه التحديد)، صدر كتاب للأستاذ جمال البنا عنوانه: "نحو فقه جديد (1): منطلقات ومفاهيم- فهم الخطاب القرآنى"، دعا فيه إلى الدخول على القرآن والتعامل معه دون الاستعانة على ذلك بأى شىء آخر، إذ يكفى عنده أن يقرأ الإنسان القرآن لكى يفهمه. وهذه بعض عباراته فى هذا الصدد. ففى الفصل السابع من الكتاب، وهو الفصل المسمَّى: "فهم الخطاب القرآنى كما يجب أن يكون" نقرأ أنه "لكى نقترب من تلك المعايشة (للقرآن) علينا أن نكشط كل الغشاوات التى توالت عبر القرون، وأن نعود إلى القرآنِ نفسِه، والقرآنِ وحدَه، وأن نُلِمّ بمفاتيح فهم القرآن التى ألـمّ بها الصحابة بطريقة تلقائية وعفوية" (جمال البنا/ نحو فقه جديد (1): منطلقات ومفاهيم- فهم الخطاب القرآنى/ دار الفكر الإسلامى/ 1996م/ 152). وفى خاتمة الكتاب نقرأ أيضا "أنه ما دام القرآن يملك وحده قوة التاثير المطلوبة فإن كل التفاسير التى وُضِعَتْ فى عهود لاحقة هى مما لا داعى له، بل يمكن أن تفتات على نقاء وخلوص رؤية القرآن نفسه أو المضمون القرآنى" (المرجع السابق/ 197). ذلك أن التفاسير قد "أصحبت غابة كثيفة حجبت القرآن تماما وأحلت محله هذا الغثاء الذى يقوم على الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة والاجتهادات المتأثرة بروح العصر وضروراته" (السابق/ 104). وقد جال الكاتب مع عدد من كتب التفسير من مختلف العصور بما فيها العصر الحديث، فانتهى فى آخر المطاف إلى القول بأنه "لا يتسع المجال لضرب أمثلة على عجز المفسرين القدامى والمحدثين عن تفهم جوهر القرآن للوصول إلى تفسير ألفاظه" (السابق/ 121). كذلك يرفض الاستعانة فى تفسير القرآن بمعرفة تاريخ نزول آياته وسوره، وهو ما يعنى أنه يَضْرِب صَفْحًا عن علم "أسباب النزول"، وهو العلم الذى يختص بتوضيح السياق التاريخى والاجتماعى والنفسى للنص القرآنى، وهو رفضٌ يُوقِفنا وجهًا لوجهٍ أمام المجهول. بل إنه ليشكك فى صحة معظم ما ورد فى هذا الباب (السابق/ 102- 103، 121). ومع ذلك نراه يعود فيذكر أنه ما من منهج واحد يستطيع التصدى لتفسير القرآن، سواء كان هو المنهج اللغوى أو المنهج العلمى أو النفسى أو الفنى. لكنه يرجع كرة أخرى مؤكدًا أن "الموقف الأمثل أن نتعلم من القرآن لا أن نفتات عليه ولا أن نحاول أن نفككه كما يفك الساعاتى ساعة، والميكانيكى آلة" (ص 199). ليس ذلك فقط، بل إنه ليزعم أن "الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر القرآن، ونهى عن كتابة حديثه، بل أمر من كان يكتب بأن يمحوه" (ص 101).

 

وهذا كله كلام غريب لا يستند إلى شىء، إذ ثبت أن الرسول قد ترك لنا تراثا تفسيريا، وإن لم يغطّ القرآن كله ولا كان تفسيرا مفصلا كما قلنا. كذلك ليس من المعقول ولا من المقبول أن يقوم أحد بمنتهى البساطة بكشط قاعدة المعلومات والآراء المتوفرة فى ميدان من ميادين المعرفة، تلك القاعدة التى أنجزتها جهود الأسلاف الجبارة العملاقة، زاعما أنه ينظف الطريق حتى يكون المشى فيه أسهل. ولو اتبع أصحاب كل تخصص هذا المنهج العجيب لارتدّت البشرية للتوّ إلى فجر التاريخ الإنسانى حين لم يكن فى عقل الإنسان أية أثارة من علم أو تجربة معرفية. إن العقل فى هذه الحالة ليشبه رَحًا تدور على الفاضى دون أن يكون هناك حَبٌّ تطحنه، فلا يبقى أمامها إلا أن يظل أحد شِقَّيْها يحتك بالآخر فى إزعاج مستمر وبلا أى طحين، وهو ما يعبر عنه المثل القائل: "أسمع جعجعة ولا أرى طِحْنًا"... وهكذا إلى أن ينبرى الشقان ويتفتتا. أما قياسه موقفنا الآن على موقف الصحابة فهو قياس خاطئ، إذ الصحابة كثيرا ما سألوا النبى عن أشياء فى القرآن فشرحها لهم. وعلاوة على هذا فإنهم كانوا أجدر منا بفهم لغة القرآن لأنها كانت قريبة منهم، أما نحن فلا بد لنا من دراسة العربية أولا دراسة مستفيضة نحوا وصرفا ومعجما وبلاغة... ثم ندرس لغة القرآن بدورها حتى يكون لدينا الملكة للتعامل مع النص الكريم. ولا ننس أيضا أنهم كانوا يعيشون القرآن، إذ يسمعونه غضا طريا من فمه صلى الله عليه وسلم، ويشاهدون الوقائع التى اقتضت نزول هذا النص أو ذاك، أو على أقل تقدير: كانوا يعلمون بها أو يمكنهم أن يعلموا بها مباشرة ممن شاهدها، وباستطاعتهم الرجوع إلى الرسول متى أرادوا، إذ كان يعيش بين ظَهْرَانَيْهم ويَرَوْنه ويختلطون به. أما نحن فبحاجة إلى معرفة أسباب النزول وتمحيصها قبل الأخذ بها أو رفضها. وليس معنا النبى عليه السلام بحيث نسأله عن أى شىء يَعِنّ لنا أو يَغْمُض علينا. وإذا كنا قد رأينا أن بعض الصحابة، برغم ذلك، لم يكونوا يصبيون أحيانا معنى الآيات، فما بالك بنا، وظروفنا أصعب من ظروفهم؟

 

لقد كنت جديرا بأن أفهم وأقدر موقف الكاتب لو أنه، بدلا من هذه النزعة العَدَميّة التدميريّة، دعا إلى قراءة كتب التفاسير وأسباب النزول وغيرها من الكتب المعينة على تفسير القرآن بعيون مفتوحة وعقلية يقظى نقدية بحيث لا يقبل القارئ كل ما يجده دون فهم أو تدبر، بل يُعْمِل فيه عقله ويخضعه لعملية غربلة وتنقية عند الحاجة إلى مثل تلك العملية. أى أن يكون هناك تفاعل مثمر ثرى بين تلك الكتب وبين العقل والفهم، تفاعلٌ حقيقٌ بإنتاج النتائج الجديدة النافعة، مع الإبقاء على النتائج القديمة التى تقنع العقل وتشد من أزره وتساعده على القفز والوثوب إلى آفاق أعلى وأروع. أما ما يقوله فهو للأسف تدمير فى تدمير لا يقول به أحد فى أى تخصص علمى. كذلك فدعواه بأن التفاسير كلها قائمة على الإسرائيليات هى حديث خرافة غير معقولة، إذ لم تتسرب الإسرائيليات إلى كل كتب التفسير، كما أنها فى حال دخولها هذا التفسير أو ذاك تكون محصورة فى بعض المسائل لا تعدوها، وهى المسائل التى لها صلة بالعهد القديم كقصص الأنبياء مثلا. أما سائر موضوعات القرآن، وهى تشكل الأغلبية الساحقة، فليس لها علاقة بذلك الكتاب، فكيف تدخلها الإسرائيليات إذن؟

 

وكنت من الذين ناقشوا الكاتب فى كلامه ذاك بندوة عقدتْها فى ذلك الوقت جريدة "آفاق عربية"، وقلت له إن من غير المتصور اقتحام الإنسان للقرآن على ذلك النحو الجرىء الذى من شأنه أن ينشر الفساد فى فهم كتاب الله وتفسيره واستخلاص الأحكام منه. ثم مرت السنون وطلع الأستاذ البنا بآراء غريبة بناء على دعوته السالفة الذكر. ومن ذلك ما نشره موقع الــ"www.alarabiya.net" يوم الخميس 9 صفر 1427هـ - 9 مارس 2006م تحت عنوان "فصل الجنسين عملية وحشية، وإمامة المرأة جائزة- جمال البنا: الحجاب غير شرعي والزواج صحيح دون شهود وولي"، إذ كتب الصحفى فراج إسماعيل ما يلى: "طرح المفكر الاسلامي جمال البنا، وهو الشقيق الأصغر لمؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا، آراء حول الحجاب والمرأة والزواج قد تثير جدلا كبيرا لتصادمها مع معظم الاجتهادات الفقية القديمة والمعاصرة. وقال في حوار مع "العربية.نت" إنه لا حاجة الآن للحجاب لأنه يعوق المرأة عن حياتها العملية، وأنه لا يوجد في الاسلام ما يؤكد فرضيته. وأضاف: الحجاب فُرِض على الإسلام، ولم يَفْرِض الإسلام الحجاب، فشعر المرأة ليس عورة، بل يمكنها أن تؤدي صلاتها بمفردها وهي كاشفة الشعر. واعتبر شعر المرأة ليس عورة قائلا: "مطلقا لا أرى ذلك"، مشيرا إلى أن المجتمعات الذكورية التي تخصص المرأة للبيت فقط هي التي تلح على هذه النقطة. واستطرد بأن الاختلاط ضرورة حتى لو حدثت بعض الأخطاء، فالإنسان عندما تصدمه سيارة في الشارع لا يكون ذلك مدعاة لإلغاء السير فيه. أوضح البنا أنه لا يستسيغ عزل النساء عن الرجال، بينما التطورات الحاليّة تفرض لهن حقوقا سياسية واجتماعية واقتصادية مساوية للرجال، متسائلا: كيف نعزل وزيرة عن بقية الوزراء لأنها أنثى؟ ويفجر مفاجأة جديدة خاصة بالزواج قائلا إن مسألة الشهود توثيقية فقط، فيكفي رضا وتوافق الرجل والمرأة على الزواج وحصول توافق بينهما لتصبح علاقتهما صحيحة، بشرط وجود النية باستمرار هذا الزواج وقبول نتائجه المتمثلة في الإنجاب والإقامة في بيت واحد. ولكنه حرص على استثناء العلاقات داخل المدارس والجامعات من هذا الحكم بقوله: تبقى علاقاتهم التي يسمونها: "زواجا" غير شرعية لأنه ليس هناك بيت يجمع الزوجين، والعلاقة بينهما يغلفها السرية، ولا ضمان لديمومتها. فالقلوب تتغير، وقد يخطف قلبَ الرجل أو الفتاة طَرَفٌ آخر. وأكد جمال البنا أن الحجاب أبدا لم يكن عقيدة أو شريعة بل مجرد عادات. إنه موجود من قبل الاسلام بألفي عام. نراه في كتاب حمورابي، وفي أثينا في عهد أفلاطون وأرسطو، حيث كان ينظر إلى المرأة على أنها من الحريم. كذلك ركزت اليهودية على الحجاب بشكل مكثف، وأيدته المسيحية أيضا. وقال: كان الحجاب موجودا في العالم كله على أساس أنها مجتمعات ذكورية خصصت المرأة للبيت، والرجل للعمل وكسب الرزق. ولم يكن ذلك مزعجا للمرأة لأنها وجدت في الأمومة ما يعوضها، لكن مع تطور الحياة في العصر الحديث ونمو فكرة الإنسان وأن المرأة إنسان أيضا، تغيرت مشاعرها وبدأت تطالب بحقها كإنسان. واقتضى ذلك دخول المرأة مجال العمل ومشاركتها في العمل السياسي مثل الرجل تماما، ومن ثم أصبح لا ضرورة للحجاب الذي يحمل معنيين: أن تحتجب في البيت، أو أن تغطي شعرها فقط أو شعرها ووجهها، وهو ما يسمى في هذه الحالة بــ"النقاب".

 

وأضاف أن الحجاب يحول عمليا دون مشاركتها في الحياة العملية، فما دامت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد غيرت من وضع المرأة، مما يستدعي تغيير المفاهيم بشأنها وما يستتبعها من حجاب أو غير حجاب. وأوضح أن شعر المرأة ليس عورة، ولا يوجد أبدا في الكتاب والسنة ما يقول ذلك. وهناك حديث في "صحيح البخاري" بأن الرجال والنساء كانوا يتوضأون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من حوض واحد في وقت واحد، فكيف إذن تتوضأ المرأة وهي مقنَّعة مرتدية ذلك اللباس الذي يجعلها شبحا أسود؟ كيف تغسل وجهها وقدميها ويديها إلى المرفقين؟ وكيف تمسح على شعرها؟ لقد استمر هذا الوضع طيلة حياة الرسول وفي جزء من خلافة أبي بكر الصديق وجزء من خلافة عمر، الذي فصل بين الرجال والنساء في الوضوء من مكان واحد.

 

السُّنّة ليست كما يتصورون أبدا. ليس في القرآن الكريم أو السنة الشريفة ما يأمر بالحجاب مطلقا. القرآن عندما قال: "ولْيَضْرِبْن بخُمُرهن على جيوبهن" كان ذلك في إطار الحديث عن لباس اجتماعي سائد في ذلك الوقت، فالرجال يلبسون العمائم، والنساء تختمر لتقي نفسها من التراب أو من الشمس، وبالتالي فالمسألة لا علاقة لها بالدين. ومن هنا أمر القرآن أن تسد المرأة فتحة الصدر بالخمار الذي كانت ترتديه كعادة اجتماعية، لكنه لم يأمرها بأن ترتدي الخمار، ولم يقل إنه من الضروري أن يغطَّى الرأس. القرآن ليس فيه آية واحدة تحث على الحجاب إلا بالنسبة لزوجات الرسول، وهو ليس زيا، وانما باب أو ستار. وأضاف: الإسلام لا يطلب من المرأة أن تغطي شعرها أو تنزع ذلك الغطاء. هذا ليس شأنه، وإنما يدخل في إطار حقوقها الشخصية. وقال: لا أجد حرجا مطلقا في أن تصلي المرأة بشعرها (المكشوف)، ومع ذلك لابد أن نفرق بين كونها في الشارع، فلا نرى ضرورة لأن تلبس غطاء على رأسها، وبين أن تكون في الصلاة فترتديه، وإن كنت لا أرى حرجا في أن تصلي بدونه.

 

ويرى جمال البنا أن البنطلون الذي ترتديه بعض النساء أكثر سترة وحشمة من الفستان، خصوصا أنها تركب مواصلات عامة. وقد تجري وتؤدي أعمالا تناسب البنطلون الذي يستر في هذه الحالة أكثر من أي ملابس أخرى. وقال: لا أجد داعيا لإثارة موضوع الحجاب مع الغرب بين الحين والآخر. إنها منتهى الحماقة، فضلا عن أن ذلك يتنافى مع أهمية أن يتعايش المسلمون مع المجتمعات التي يقيمون فيها، وإلا فما الداعي لمعيشتهم فيها؟ عليهم أن يعودوا لبلادهم الأصلية. وشرح ذلك مستطردا: إن أول أبجديات هذا التعايش ألا يوجدوا فروقا بينهم وبين باقي المجتمع. لقد قلت في كتاب "مسؤولية الدولة الإسلامية في العصر الحديث" والذي حاول الأزهر مصادرته: إذا وجدت المرأة المسلمة في المجتمع الأوروبي حرجا من كشف شعرها، وهذا طبعا ليس له أساس إسلامي كما قلت، ولكن إذا كان عندها هذا الحرج فلتلبس "برنيطة" (قبعة) ولا تلبس ما يسمى بــ"الحجاب الاسلامي"، الذي سيعزل بينها وبين المجتمع. وأضاف أن الحكمة من الحجاب هي "ذلك أَدْنَى أن يُعْرَفْن فلا يُؤْذَيْن". أي يعرف الناس أنهن محتشمات فلا يتعرضن للأذى. الآن المحجبات يتعرضن للأذى.

 

ووصف جمال البنا الاختلاط بأنه ضروري ومن الطبيعة والفطرة، لأن الفصل بين الجنسين عملية وحشية، فقد عشنا في الثلاثينيات من القرن الماضي مرحلة كان يتمنى فيها أي شاب أن يجلس ولو على البعد مع امرأة، لا يريد أن يفعل شيئا سيئا، ولكن لمجرد أن يتعرف على هذا الكائن الذي كان مجرد الجلوس إليه مستحيل. وقال: ليس حدوث أشياء خاطئة مبررا لأن نمنع بسببها الاختلاط. الشخص يمشي في الشارع مثلا فتصدمه سيارة، فهل نحرم المشي في الشارع؟هناك نوع من التوجيهات يراد بها اتقاء ثغرات معينة في أعماق النفس البشرية، فعندما نجد حضا على عدم الخلوة فلا يعني ذلك منع الاختلاط، فالخلوة المقصودة هنا هو المكان الذي يغلق بابه على رجل وامرأة.

وقال: لا يتم الزواج إلا برضاء المرأة، وهي نفسها التي توقع العقد ولا يوجد شئ اسمه وليٌّ عليها، فهي ليست قاصرا. المرأة حرة في اختيار زوجها مهما كان عمرها. ما دامت تتصرف في أموالها وأشيائها، فكيف لا تتصرف في عقد الزوجية الذي يقرر مصير حياتها كله.وأضاف أن مسألة الشهود في الزواج ليست مطلوبة تماما، فالغرض منها التوثيق والتأكيد على أن العملية جادة حرصا على الحقوق والواجبات في حالة الطلاق أو الموت كالميراث مثلا أو نسبة الأولاد. الشهود لتثبيت ذلك، ولم يكن في العصور الإسلامية الأولى لا توثيق ولا شهود، فقد ذهبت امرأة ورجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا له: زوجنا يا رسول الله، فقال للمرأة: هل تقبلين هذا الرجل زوجا لك؟ فردت: قبلت يا رسول الله. وسأل السؤال نفسه للرجل فأجابه بالايجاب، فتم الزواج.

 

واستطرد: إذن هو عقد رضائي من الدرجة الأولى، فلا شهود ولا مهر ولا ولي، وما حصل في الزواج من هذه الأمور عملية تنظيمية لجأ إليها الفقهاء لاحقا. علينا أن نرى أن هناك فرقا بين الإسلام الحر المفتوح وبين لزوم التطورات الاجتماعية التي تجعل أهل الفقه يقومون بتفسير لخطوط عريضة وضعها القرآن الكريم والسنة النبوية يناسب مقتضى الحال والوقت، لكن لا علاقة لهذا بالحلال والحرام. هي اجراءات رَأَوْا وجاهتها لسلامة العقل. وردا على سؤال لـ"العربية.نت" أجاب: لو أن رجلا وامرأة ليسا في حالة موانع شرعية توافقا على الزواج فإنه يصح، وتجوز علاقتهما. هذا ما أراه، لكن عليهما أن يثبتا ذلك بالشهود والعقد. العامل الأساسي في صحة الزواج هو الرضا من الاثنين وأن ينويا حياة زوجية مستقرة، وليست علاقة جنسية لمدة معينة.

 

وبخصوص الطلاق قال البنا: لا يجوز مطلقا للرجل أن يطلِّق منفردا، لأنه تزوج بصفة رضائية، ولذلك تقتضي صحة الطلاق رضا الاثنين واتفاقهما على الانفصال. ولكن أن يقوم بتخريب بيتها وتدمير حياتها ويحرمها من أولادها فهذا منتهى الإجرام والظلم، وبالتالي مهما حلف بالطلاق من الصباح حتى المساء فهذا لا يعد طلاقا. الطلاق يتم باتفاق تتقبله المرأة. زيجات المدارس والجامعات علاقات جنسية غير شرعية. ويستثني جمال البنا ما يحدث في المدارس والجامعات من علاقات طلاب وطالبات على أساس زواج عرفي من صحة الزواج بمجرد الرضا بين الاثنين، قائلا: هنا يوجد فارق، فما يحدث بين الطلاب والطالبات ليس نيته الاستمرار، لأن الأساس هنا أن يعيشا مع بعضهما ولو في غرفة وأن يتقبلا نتائج الزواج المتمثلة في الانجاب، لكن ما يحدث هو نوع من خطف العلاقات الجنسية. وحتى لو تحجج البعض منهم بأنهم ينوون الاستمرار في الزواج بعد التخرج والحصول على العمل، فإننا علينا أن نتوقع أن القلوب قد تتغير، وبالتالي يصبح كل ما مضى من علاقات عاطفية بينهما هي علاقات جنسية عابرة ليست شرعية. الزواج الذي أتحدث عنه بصيغة الرضا بين الطرفين هو أن يكون لهما بيت يعيشان فيه حتى لو غرفة، وأن يحدث استقرار ثم أولاد. وقال إن المرأة تساوي الرجل: "شقائق الرجال"، "ولهن مثل الذي عليهن"، "وللرجال عليهن درجة". وهذه الدرجة موجودة الآن في أمريكا، فلا يوجد هناك مساواة كاملة في الوظائف وقيادة الجيش، وتقريبا هذه الدرجة خاصة بالنواحي البدنية.

 

وأضاف: يجوز للمرأة أن تؤمّ الرجال في الصلاة إذا كانت أكثر علما بالقرآن. ولقد ألفتُ كتاب "جواز إمامة المرأة الرجال"، وهو يتضمن ذلك. فالإمامة عملية تحتاج إلى مؤهل، وليست حقا فطريا. وقد وضع الرسول (ص) هذا المؤهل، وهو العلم بالقرآن، فجعل صبيا يؤم قومه بمن فيهم الشيوخ لأنه كان أعلمهم بالقرآن، وجعل مَوْلاً (أي عبدًا) يؤم الصحابة كلهم، وكان من بينهم أبو بكر وعمر. فإذا كانت المرأة أعلم ممن تؤمّهم فهي أحق بالإمامة، ولكنها تغطي شعرها، فهي هنا في صلاة جماعة. وبالتالي فإن الأمر بالنسبة لغطاء الشعر يختلف فيما لو كانت تصلي بمفردها، فصلاة الجماعة تحتاج الى الضوابط. وبالطبع لا توجد من ستصلي إماما بالناس وشعرها مكشوف. وأضاف: قابلتُ في قَطَر الدكتورة أمينة ودود، التي فجرت موضوع قيام المرأة بإمامة المصلين، وهي سيدة محتشمة جدا، وتغطي رأسها، وعلى علم، وأعطيتها نسخا من كتابي حول هذه القضية".

 

والآن إلى مناقشة بعض ما جاء فى هذا الحوار: فأما قوله إن "شعر المرأة ليس عورة فهو يتعارض مع أمر القرآن والحديث لها بأن تغطى شعرها وصدرها ولا تبدى زينها إلا ما ظهر منها، وهو الوجه والكفان. وهذا ما فصله الحديث الشريف حين حدد ما يجب على المرأة البالغة ستره، وهو كل جسمها ما عدا الوجه والكفين. وقد أمر القرآن والحديث المرأة المسلمة بهذا رغم أنه لم يقيدها بلزوم البيت خلافا لما يقوله البنا عن المجتمعات الذكورية التى لاترى لها مكانا خراج المنزل. ثم إنه لمن غير المفهوم ألا يكون شعر المرأة عورة، ومع هذا يصر الكاتب على تغطيته إذا أمَّت الرجلَ فى صلاة الجماعة، إذ ما دام قد أباح لها كشفه فى الظروف الاعتيادية وفى الصلاة الفردية، فلماذا الإصرار على تغطيته فى صلاة الجماعة التى تكون فيها إماما للرجل؟ ترى من أين أتى بهذه التفرقة؟

 

 

يقول إنه لا يجد "حرجا مطلقا في أن تصلي المرأة بشعرها (المكشوف)، ومع ذلك لابد أن نفرق بين كونها في الشارع، فلا نرى ضرورة لأن تلبس غطاء على رأسها، وبين أن تكون في الصلاة، فترتديه، وإن كنت لا أرى حرجا في أن تصلي بدونه". فلنلاحظ كلمة "لا أجد"، و"لا أرى"، وهذا هو الرأى المذموم، وهو الرأى الذى يقوم على النزوة والتحكم دون ضابط شرعى، وكأن من حق كل إنسان أن يقيم من نفسه مشرعا بغير الاستناد إلى نصوص القرآن والسنة. ثم يمضى الأستاذ الكاتب خطوة أخرى فى طريق الدعاوى التى ليس لها مضمون حقيقى فيقول: "ليس في القرآن الكريم أو السنة الشريفة ما يأمر بالحجاب مطلقا. القرآن عندما قال: "ولْيَضْرِبْن بخُمُرهن على جيوبهن" كان ذلك في إطار الحديث عن لباس اجتماعي سائد في ذلك الوقت، فالرجال يلبسون العمائم، والنساء تختمر لتقي نفسها من التراب أو من الشمس، وبالتالي فالمسألة لا علاقة لها بالدين. ومن هنا أمر القرآن أن تسد المرأة فتحة الصدر بالخمار الذي كانت ترتديه كعادة اجتماعية، لكنه لم يأمرها بأن ترتدي الخمار، ولم يقل إنه من الضروري أن يغطَّى الرأس". فهل حين يقول القرآن بصيغة الأمر: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها..." يكون المقصود لفتها إلى وضع اجتماعى سائد فى الملابس يمكن أن يتحول إلى تعرية جزء أو أجزاء من الجسد فى أى وقت، بل يمكن أن يتحول إلى الكشف الكامل كما هو الحال فى مجتمعات العراة؟ ومن أين للكاتب بأن النص هنا خاص بعصر الرسول؟ إن الأمر موجه إلى المؤمنات بإطلاق، وليس إلى الصحابيات وحدهن.

 

كذلك لو كان هذا هو مقصد القرآن لما اهتمّ بإصدار مثل ذلك الأمر الذى ستلتزم به المرأة تلقائيا نزولا على مقتضيات التقاليد والأعراف الاجتماعية، أو لأراح واستراح فقال مثلا: قل للمؤمنات: يلتزمن بملابس عصرهن. ولكن من الذى سوف يحدد تلك الملابس يا ترى؟ ألسن هن؟ ومعنى هذا أن عليهن الالتزام بما سوف يضعنه من نظام للزى. لكن أليس ذلك القول هو العبث بعينه؟ أم إن الغاويات والفاسدات هن اللاتى ينبغى أن يوضع فى أيديهن مهمة تحديد الزى النسائى، أو على الأقل: نشره، فى المجتمع المسلم؟ لكن معنى هذا هو أن يلقى المؤمنات مقاليد أمورهن فى الملابس إلى ذلك الصنف من النسوة الخليعات؟ وهكذا ترى أن كلام الكاتب يؤدى بنا فى كل الأحوال إلى ما لا يقبله الإسلام. لكن ما رأيه فى الحديث التالى الذى ينسف كل ما يقوله عن أن الأمر فى ملابس النساء مرجعه إلى تقاليد المجتمع وعاداته؟ ففى البخارى "عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل. لما أنزل الله "وليضربن بخُمُرِهنّ على جيوبهن" شققن مُرُوطَهنّ فاختمرن بها". فمن الواضح أن تقاليد المجتمع العربى آنذاك لم تكن تغطية المرأة صدرها كما هو واضح من الحديث. فما قوله فى ذلك؟

 

ثم كيف ينكر أن يكون فى السنة أمر بالحجاب، بمعنى تغطية جسم المرأة ما عدا الوجه والكفين، وفى أحاديث الرسول: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفَّيْها"، ‏وفى حديث آخر "عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏أن ‏ ‏أسماء بنت أبي بكر ‏دخلت على رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم، ‏وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏وقال: يا ‏أسماء‏، ‏إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه"، وفى حديث ثالث "عن ‏ ‏عائشة قالت: ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: لا تُقْبَل صلاة الحائض (أى الفتاة التى بلغت المحيض) إلا ‏بخِمَار"، وفى حديث رابع: "‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها ‏لزوجها كأنه ينظر إليها‏"، وفى حديث خامس "عن ‏أبي هريرة ‏ ‏قال: ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ‏صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء‏ ‏كاسيات عاريات‏ ‏مميلات ‏مائلات ‏رءوسهن كأسنمة ‏البُخْت ‏‏المائلة. لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليُوجَد من مسيرة كذا وكذا"؟

 

أما القول بأن القرآن إنما أمر النساء بتغطية الصدور حتى لا يدخلها التراب ولا تسفعها الشمس فهو كلام مضحك، إذ التراب سوف يدخل من أية فتحة فى الملابس. وبالمثل لا يقتصر سفع الشمس على الصدور، بل هناك الوجوه والأيدى أيضا. ثم لو كان هذا هو السبب لكان قد أمر الرجال أيضا بذلك. أم ترى الإسلام لا يبالى بتغبير أجسام الجنس الخشن وتلويح الشمس لها؟ وهل التراب والشمس لا يهددان المرأة إلا فى حضور الرجال؟ وهل التراب والشمس لا يهددان المرأة إلا حين تبلغ المحيض؟ ذلك أن الرسول قد حدد الوقت الذى يجب على المرأة تغطية نفسها، ألا وهو وقت بلوغ المحيض كما رأينا فى الحديث الشريف. كما ربط القرآن بين تلك التغطية وبين وجودهن فى حضرة الرجال حسبما تقول بقية الآية. ثم لماذا نهى القرآن الرجل عن النظر إلى النساء، ونهاهن عن النظر إليه، إذا كانت المسألة مسألة أتربة وأشعّة شمسية؟ "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ..." (النور/ 30- 31).

 

كذلك فالقرآن الكريم واضح تماما فى الربط بين ضرب النساء الخمار على جيوبهن، أى أطواق جلابيبهن، وبين إخفاء الزينة، وليس بين ضرب الخمر على الجيوب وبين الوقاية من التراب والشمس: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النور/ 31). ويرتبط بهذا، كما سبق بيانه، أن الآية السابقة على هذه تأمر الرجال بغض البصر، بما يدل على أن تغطية الشعر والصدر هنا مسألة أخلاقية لا صحية كما يردد المؤلف على غير أساس. وهو ما نلاحظه أيضا فى حديث القرآن فى موضع آخر من ذات السورة عن القواعد من النساء، إذ ذكر كلمة "الـجُنَاح" و"الاستعفاف": "وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (النور/ 60). وهل يتصور متصوِّرٌ أن عقاب المرأة التى لا تحمى نفسها من الغبار والشمس هو النار كما ورد فى الحديث الآخر؟ وهل كان فى بيت رسول الله حين دخلت عليه أسماء وحدد لها ضوابط ملبس المرأة المسلمة أتربة وشمس؟ أم هل كان معمولا حساب الغبار والشمس حين نهى الرسول المرأة عن أن تصف صديقتها لزوجها كأنه يراها خوفا من أن تتغبّر وتَسْمَرّ أوصافها؟

 

وأدهى من هذا قول الكاتب: "لا أجد داعيا لإثارة موضوع الحجاب مع الغرب بين الحين والآخر. إنها منتهى الحماقة، فضلا عن أن ذلك يتنافى مع أهمية أن يتعايش المسلمون مع المجتمعات التي يقيمون فيها، وإلا فما الداعي لمعيشتهم فيها؟ عليهم أن يعودوا لبلادهم الأصلية. وشرح ذلك مستطردا: إن أول أبجديات هذا التعايش ألا يوجدوا فروقا بينهم وبين باقي المجتمع". إذن فعلى المسلم أن يغير لون شخصيته وأخلاقه وقيمه وعقيدته وعباداته ومعاملاته حسب أوضاع المجتمع الذى يعيش فيه، وعلى أوامر الدين ونواهيه العفاء. ذلك أن المجتمعات الغربية بوجه عام تنظر إلى الإسلام كله، وليس الزى النسائى منه فحسب، نظرة الكراهية والعداء، وتعمل بكل سبيل إلى تذويب المسلمين فى عاداتها وتقاليدها وذوقها وطعامها وملابسها وعقائدها وثقافتها عموما، وتريد منهم أن يشربوا مثلها الخمر ويأكلوا الخنزير ويمارسوا الربا والزنا واللواط والسحاق ويَدَعُوا الصلاة والصيام والحج والختان ويشتموا محمدا ورب محمد والكتاب الذى نزل على محمد. ولو أصاخ المسلمون السمع إلى نصيحة جمال البنا لكان فيها حتفهم المعنوى ولما بَقُوا بعدها مسلمين. أم إن الإسلام معناه لدى كاتبنا أن يتضاءل المسلم كلما واجهته عقبة من العقبات، ثم يظل يتضاءل دائما أبدا حتى يتلاشى ولا يعود فى نهاية المطاف مسلما؟ فلماذا لم يعتمد الرسول هذه السياسة فى مكة والمدينة ويبتعد عن إثارة المشركين والمنافقين وأهل الكتاب باختطاط ذلك الطريق الجديد الذى لم يكونوا يعرفونه، طريق الإسلام، ويريح نفسه ويريح أتباعه ويريح تلك الفئات بالإبقاء على كل شىء كانت هذه الفئات تسير عليه حتى لا يستفزهم، واضعا نفسه وأتباعه فى موقف حرج دون أدنى داع؟

 

ثم إن البنا يزجر المسلمات اللاتى يعشن فى الغرب ويغطين صدورهن وأذرعتهن وشعورهن، داعيا إياهن أن يعدن إلى البلاد التى أتين منها. لكنه نسى أن تلك الحشمة ليست بذات أهمية عنده فى أى مكان، وليس فى الغرب وحده. كما نسى أيضا أن فلسفة الديمقراطية الغربية هى حرية كل فرد فى أن يلبس ما يشاء، بل فى أن يصنع بجسمه كله ما يشاء بما فى ذلك اللواط والزنا والسحاق، فكيف يضيق صدر تلك الديمقراطية ويضيق صدره هو أيضا تبعا لها بتلك المساحة الصغيرة التى تريد المرأة المسلمة أن تمارس فيها حريتها؟ ثم أين حكاية الوقاية من الأتربة وأشعة الشمس؟ ترى هل يتعين على الغربيين أن يتجاهلوا الاعتبارات الصحية ما دام للمسلمين صلة بالأمر؟ لو أنه نصح المسلمين الذين يعيشون فى الغرب بعدم الاصطدام دون داع مع المحيط السياسى والاجتماعى الذى يعيشون فيه وأن يأخذوا من أحكام العلماء بما لا يوقع عليهم العنت فى مجتمعهم الجديد، متخذين من قول الرسول الكريم: "يسِّروا ولا تعسِّروا" ومِنْ ذَمّه صلى الله عليه وسلم للتنطع شعارا ودثارا لهم، واضعين فى اعتبارهم أنهم لا يعيشون فى مجتمع مسلم وأن عليهم احترام أوضاع هذا المجتمع فيما لا يجور عليهم فى دينهم، ومجاملة الناس من حولهم والبشاشة فى وجوههم ما داموا لا يتعرضون لهم بأذى، ومبادلة المودة والهدية بمثلها لمن يودّونهم ويُهْدُون إليهم، لكان لكلامه وقع آخر ولقلنا معه ما يقول. وقد نقل د. القرضاوى عن سفيان الثورى كلمة عبقرية هى: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد" (د. يوسف القرضاوى/ فقه الأقليات المسلمة/ دار الشروق/ القاهرة/ 2001م/ 50). أما أن يمحو جمال البنا المسلمين الذين يعيشون فى الغرب ويرى أنه ليس من حقهم أن يمارسوا أوامر دينهم ولو فى مثل هذه التفصبلة الصغيرة فذلك أمر لا يمكن الموافقة عليه.

 

وكنت كتبت الفقرات الخاصة بالأستاذ البنا قبل عدة أيام، وإذا بى فى الساعة الواحدة والنصف من صبيحة اليوم (الخميس 26/ 7/ 2007م) أطالع فى جريدة "المصريون" الضوئية مقالا بعنوان "مشروع قانون أمريكي يقضي بالسجن 20 عاما لمن يعتنق الإسلام"، وهذا المقال يرد بالإيجاب على توجساتى من نظرة الغرب إلى الإسلام، فما رأى الأستاذ البنا؟ على كل حال أرجو من الله ألا يكون تعليقه هو أن الأمريكان أحرار فيما ينوون فعله بالإسلام والمسلمين، وأن على المتضرر اللجوء إلى ترك أمريكا والعودة من حيث جاء. لكن سوف تكون هناك مشكلة أخرى هى أن هذا القانون إذا صدر فسيطبَّق بالدرجة الأولى على الأمريكيين الذين يريدون اعتناق الإسلام، فأين يذهب هؤلاء، وليس لهم من وطن إلا أمريكا؟ على كل حال هذا هو المقال، وأنا أهديه للأستاذ البنا: "قامت منظمة "أمريكيين من أجل الوجود القومي" العنصرية بتدشين مشروع قانون لتجريم اعتناق الإسلام وتجريم كل من يُسْلِم ويتمسك بالإسلام وحبسه لمدة 20 عاما. جاء هذا ضمن خطة كبيرة تتبناها المنظمة للقضاء على الإسلام الذي تصفه بالمؤامرة الإجرامية لإسقاط الحكومة الأمريكية وتقويض الدستور. وتأتي هذه المطالبات من هذه المنظمة نتيجة لمخاوفها المتزايدة من الإسلام، خاصة بعدما أثبتت إحصائيات رسمية ارتفاع نسبة معتنقي الإسلام في الولايات المتحدة عن أي وقت سابق. هذا، وتعتبر هذه المطالبة الأولى من نوعها في العالم. وتقول المنظمة إنها في صدد تصنيف المساجد والمراكز الإسلامية حسب درجة تمسكها بتعاليم الإسلام، وإنها ستطرح هذا التصنيف على الرأي العام وصناع القرار الأمريكي. وحسب صحيفة "اللواء" الأردنية تأتي هذه المطالبات ضمن مجموعة من المشاريع الهادفة للتضييق على الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة بهدف تهجيرهم وخنق تطور الدعوة الإسلامية في البلاد. ويرجح البعض أنه لو استمر الحال على ما هو عليه من تضييق وتشديد فإن الإسلام في الولايات المتحدة سيعود إلى أيام السرية في بداية الدعوة في مكة المكرمة".

 

وأطرف شىء هنا هو أن الأستاذ البنا، بعد كل ما قاله عن انعدام الصلة بين تغطية الرأس والدين وبعد تأكيده أن تلك التغطية لا تعنى الاحتشام بقدر ما هى اتباع للتقاليد التى كانت موجودة فى بلاد العرب وقتذاك، يستدير على أعقابه بعد كل هذا فيؤكد أن أمينة ودود، التى كانت أول امرأة تؤم الرجال فى صلاة الجمعة فى إحدى الكنائس الأمريكية منذ عدة سنوات، هى امرأة محتشمة. كيف؟ لأنها "تغطى رأسها" بنص كلامه: "قابلتُ في قطر الدكتورة أمينة ودود، التي فجرت موضوع قيام المرأة بإمامة المصلين، وهي سيدة محتشمة جدا، وتغطي رأسها، وعلى عِلْم، وأعطيتها نسخا من كتابي حول هذه القضية"! وأمعنُ فى الطرافة أن يقول عنها ذلك وهى تعيش فى الغرب، الغرب الذى يكره أن تغطى النساء المسلمات شعورهن فيقرّعهن كاتبنا ويزجرهن ويدعوهن إلى ترك ذلك الغرب والعودة إلى بلادهن إن أصررن على مخالفة المجتمع هناك وتغطية رؤوسهن! وهذا كله إن دل على شىء فإنما يدل على التخبط وعدم اتباع المنهج العلمى والتجرُّؤ على اقتحام حَرَم التفسير دون ضوابط ودون أخذ الأهبة لذلك بالاستعانة بالعلوم والمعارف اللازمة لهذه المهمة.

 

أما بالنسبة إلى ما قاله عن الزواج فنقف منه أولاً أمام قوله إنه يكفى تماما أن يكون هناك رضا وتوافق بين الرجل والمرأة وأن تكون هناك نية الاستمرار فى تلك العلاقة وقبول نتائجها المتمثلة فى الإنجاب والعيش فى بيت واحد حتى يكون الزواج صحيحا. والحق أن هذا كلام غريب لا أدرى من أى معين شرعى استقاه. فهل يا ترى لو لم يعش الطرفان فى بيت واحد، ألا يصح الزواج؟ فعلى سبيل المثال إذا لم يكن بمقدور الزوج توفير بيت له ولزوجته وعاش كل منهما فى بيت أهله مرة، وفى بيت أهلها مرة، ألا يكون هذا زواجا سليما؟ وعلى الناحية الأخرى أليس هناك كثير من الرجال والنساء يعيشون فى بيت واحد، ولكن على سبيل المخاللة لا الزواج؟ ثم ما حكاية قبول الإنجاب أيضا؟ أترى لو أن الزوجين قررا ألا ينجبا، ألا يكون زواجهما شرعيا؟ وماذا لو قدر الله عليهما نكاية فى جمال البنا ألا ينجبا؟ ألا يصح لهما زواج؟ ثم فلنفترض أننا قبلنا هذه التشريعات العجيبة، فكيف نعرف منذ البداية أنهما سينجبان أو لا ينجبان؟ أليس ذلك شرطا من شروط الزواج عند الكاتب؟ فكيف يتم الزواج، وأحد شروطه لم يتحقق ولن يتحقق إلا بعد الزواج، وربما لن يتحقق إلى الأبد؟ مشكلةٌ ولا الشياطين الزُّرْق تستطيع حلها! لكن هل قال المشرع ذلك؟ هل نجده فى القرآن أو فى الحديث؟ أم ترى الكاتب قد قرر أن يجعل من نفسه مشرعا؟ فهل يصح هذا فى الإسلام؟

 

إن جمال البنا ينظر إلى الزواج على أنه مسألة شخصية لا دخل للمجتمع فيها، مع أنه عقد اجتماعى، وليس تصرفا فرديا مثل تناول الطعام والشراب مثلا. فلماذا إذن يشترط فيه أن يقبل الزوجان بالإنجاب؟ أليس ذلك افتياتا منه على حريتهما الشخصية؟ لكنه من منطلق الحرية الشخصية أيضا يعود فيزعم أن الإشهاد فى الزواج لا قيمة له ولا لزوم، وأنه لمجرد التوثيق فقط. فهل التوثيق شىء بسيط كما يحاول أن يزرع البنا فى نفس القارئ؟ إنه مدار كل شىء فى الواقع. وبدون هذا الإشهاد والتوثيق كيف يعرف الناس أن فلانا زَوْج فلانة، وأنها زوجة فلان؟ وكيف يستطيع كل من الطرفين أن يثبت حقوقه وواجبات الطرف الآخر تجاهه أمام مؤسسات الدولة؟ ألم يحرّم الكاتب بنفسه زواج طلاب الجامعة بحجة السرية؟ فلماذا يقبل السرية هنا، ويرى الزواج صحيحا دون إعلان وشهود؟ ألم يقل إن ضمان الاستمرار فى ظل السرية غير موجود، وإن القلوب قد تتغير فتخطف قلب الرجل امرأة أخرى؟ لكن هل ثمة ضمان فى تحول قلب الرجل عن الزوجة إلى امرأة أخرى فى ظل التوثيق والإعلان والعيش فى بيت واحد حتى لو أنجبت له قبيلة من الأطفال؟

 

وهو يدّعى كذلك أن الزواج على عهد رسول الله كان يقع دون شهود، ضاربا مثلا لا أدرى من أين أتى به على هذا الذى يدعيه. هل يظن أننا نصدق ما يقول من أن الصحابى والصحابية اللذين طلبا من الرسول أن يعقد زواجهما ما إن انتهيا من هذه الخطوة حتى أخذ الزوج زوجته إلى فندق لا يعرفهما فيه أحد وعاشرها فيه معاشرة الأزواج للزوجات دون أن تعلم قبيلتاهما ويدعوا الناس إلى طعام العرس وتُضْرَب الدفوف؟ ولقد كان التوثيق مرعيًّا فى كل عقود الزواج آنذاك، وإن لم يسجَّل فى أوراق رسمية، إذ كان يكفى شهادة الناس الشفوية، وهى مثل شهادتهم الكتابية سواء بسواء، لأن الحياة لم تكن قد تعقدت بعد، وكان كل فرد فى محيط الزوجين يعرف كل فرد آخر عِزَّ المعرفة، ومن ثم لم يكن ممكنا التدليس فى أى أمر من أمور الزواج. وهذا هو التوثيق، إلا أن الكاتب ينظر إلى عملية التوثيق من ثَقْب إبرة فلا يتخيلها إلا على صورة واحدة هى صورة الأوراق الرسمية التى عليها ورقة دمغة وختم النسر وتوقيع شاهدين. وهذا هو الفهم والتحليل لدن الكاتب، ثم هو يجعل من نفسه مع ذلك مشرّعا للمسلمين، ضاربا عُرْض الحائط بكل التراث التشريعى فى هذا الصدد، وعلى رأسه أحكام القرآن والسنة! الحق أن ما يزعمه كاتبنا غريب غاية الغرابة. إن كلامه، مع شديد الأسى والأسف، أقرب إلى التباسط فى الحديث منه إلى أى شىء آخر. والخوض فى شؤون القانون والشريعة على هذا النحو أمر لا يصح!

 

ثم ما قاله عن المهر، وما أدراك ما قاله عن المهر! إنه لا يرى أهمية له، والزواج عنده يتم دون مهر على الإطلاق. ولو أنه قال إن غُلُوّ المهر مسألة غير مستحبة، وإنه إذا كان الزوج فقيرا فيكفيه أن يقدّم ولو خاتما من حديد أو يعلّم زوجته شيئا من القرآن مثلا أو يقوم بالعمل عند والدها مدة معينة نظير زواجه منها لقلنا له: "نعم ونعام عين"، لكنه مع بالغ الاسف يلغى المهر تماما. وبإلغائه المهر لا يعود هناك أى فرق بين الزواج والمخاللة. أما النية فمرجعها إلى الله، ومن يا ترى يستطيع قراءة النفوس وما تنتويه؟ وعلى هذا كله فمن الواضح أن عقد الزواج قد تحول على يد الأستاذ جمال البنا إلى شىء هُلاَمِىّ لا قِوَام له ولا حقيقة.

 

والآن إلى النصوص لنرى المدى الشاسع الذى يفصل بين كلامه وبين شريعة الإسلام فى موضوع المهر والإشهاد. ألم يأمر الله الرجال بأن يؤتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلَة، أى أن يعطوهن المهر فى مقابل زواجهم بهن؟ قال تعالى: "وآتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلَة. فإن طِبْن لكم عن شىءٍ منه نَفْسًا فكلوه هنيئا مريئا" (النساء/ 2). ألم يأمر الرسول صحابيا يريد الزواج بأن يلتمس ولو خاتما من حديد فيقدمه إل زوجته؟ ألم يقترح عليه، حين تبين له عجزه، أن يكون مهره هو ما يحفظ من القرآن؟ ففى الحديث أنه قال له أولا: "هل عندك من شيء تُصْدِقها (أى تمهرها به)؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إزارك إن أعطيتَها جلستَ ولا إزار لك، فالتمس شيئا. فقال: ما أجد. قال: الْتَمِسْ ولو خاتما من حديد. قال: فالتمس فلم يجد شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل معك من القرآن شيء؟ قال: "نعم سورة كذا، وسورة كذا" لسُوَرٍ سماها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زوّجتكها بما معك من القرآن". ألم ينه الرسول عليه السلام عن إهمال المهر حتى لو كان متبادلا بين رجلين يزوج كل منهما الآخر أخته أو ابنته مثلا، هذه فى مقابل تلك؟ جاء فى الحديث "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشِّغَار. والشغار: أن يزوج الرجل الرجل ابنته على أن يزوجه الرجل الآخر ابنته، وليس بينهما صداق". وجاء فى الحديث أيضا: "من تزوج امرأة على صداق، وهو ينوي أن لا يؤديه إليها، فهو زانٍ". هل يستطيع الكاتب أن يمدنا ولو بمثال واحد على حالة زواج تمت فى عهد الرسول دون مهر؟ مرة أخرى نقول إنه لا يهم قيمة المهر ولا نوعيته، فالمهم أن هناك مهرا، وأنه عنصر من عناصر الزواج لا يصح إلا به: "من أعطى في صَدَاق امرأةٍ مِلْءَ كفّيْه سَوِيقًا أو تمرا فقد استحلّ". لا بد إذن من المهر حتى لو كان اعتباريا لا شيئا ماديا، ففى الحديث "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها"، كما "تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام: أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة، فخطبها، فقالت: إني قد أسلمتُ. فإن أسلمتَ نكحتُك. فأسلم، فكان صداق ما بينهما". وفى الشهود: "لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد وشاهِدَيْ عَدْل"، فكيف تواتي البنا نفسُه بعد ذلك كله على إنكار لزوم المهر والإشهاد والإشهار إذن؟

 

ويبقى الطلاق، الذى أفتى فيه كاتبنا من عند نفسه، وعلى راحته تماما، بأنه "لا يجوز مطلقا للرجل أن يطلّق منفردا، لأنه تزوج بصفة رضائية، ولذلك تقتضي صحة الطلاق رضا الاثنين واتفاقهما على الانفصال. ولكن أن يقوم بتخريب بيتها وتدمير حياتها ويحرمها من أولادها فهذا منتهى الإجرام والظلم. وبالتالي مهما حلف بالطلاق من الصباح حتى المساء فهذا لا يعد طلاقا". ترى من أين للكاتب بهذا الكلام؟ إن التشريع لا يستند إلى هوى كل إنسان، وإلا ما كان تشريعا. وفى الإسلام تشريعات للطلاق لا بد من مراعاتها، وإلا لم يكن طلاقا شرعيا. وليس فى تلك التشريعات أخذ موافقة الزوجة على تلك الخطوة. لو أنه قال إن هناك خطوات ينبغى استنفادها أولا قبل وقوع الطلاق لكان هذا هو الكلام السليم. ومن تلك الخطوات التى ينبغى مراعاتها قبل الطلاق الإتيان بحكمين: واحد من أهل الزوج، وواحد من أهل الزوجة، ليحاولا التوفيق بينهما وإزالة أسباب الشقاق التى تعكر صفو علاقتهما. ومنها مما يهمله كثير من الناس الآن أن الطلاق لا يقع إذا حدث فى فترة حيض أو فترة طُهْر تمت فيها معاشرة بين الزوجين، وألا يكون الزوج غضبان منفعلا لا يتحكم فى أعصابه فيتلفظ بالطلاق وهو لا ينويه ولا يريده... كذلك لا ينبغى أن يخرج المطلِّق طليقته من البيت إلا بعد استيفائها العِدّة، فلعله كلما رآها أمامه تغلبه اعتبارات العشرة ويراجعها مرة أخرى. أما إلزام الزوج بأن يحصل على رضا زوجته بالضرورة قبل تطليقها فذلك تعسف غير مقبول، وإكراه له على العيش مع امرأة لا يريدها ولا يجد سعادته معها، فأى عيش هذا؟ ومعروف أن الحكمين يستطيعان الكثير فى هذا الصدد، وهو كاف جدا. وكلام البنا عن الضرر الذى يلحق بالزوجة لا معنى له، فالضرر غالبا على الزوج، لأن عليه دفع النفقة ومؤخر الصداق وما إلى ذلك، فوق خسارته لمقدم الصداق. وكما أنه لا خوف عليه من الدخول فى تجربة زواج جديدة إن شاء، فكذلك لا خوف عليها ولا ضرر من الدخول فى تجربة مشابهة. ولا يقولنّ أحد إن وضع الطلاق فى يد الرجل فيه غبن للمرأة، إذ من حقها أن تخلعه، وبدون رضاه أو موافقته بالضرورة. أما قول الكاتب إنه مثلما تزوج الرجل رضائيا فكذلك لا ينبغى أن يطلق زوجته إلا رضائيا، فقياس خاطئ. ذلك أنه حين أراد الزواج منها كان لا بد من رضاها، ولو لم ترض وكان هو يريد إمضاء الزواج فإنه لا يجوز أن تُكْرَه على "العيش معه ضد رغبتها". ونفس الشىء نقوله فى الطلاق، الذى يريده الزوج فى الوقت الذى تريد الزوجة إكراهه على "العيش معها ضد رغبته". فهل يجوز ذلك؟ هذا هو وضع القضية على النحو السليم، أما تصوير الأستاذ البنا للأمر فهو تصوير خاطئ، علاوة على عدم مشروعيته إسلاميا، وإلا فليأتنا بنصوص من القرآن أو الحديث، ولا أقول: بنصوص من الفقهاء، تدل على أن ما يقوله صحيح! وهيهات!

يقول الله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا* وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا" (النساء/ 128- 130). ويرتبط بذلك ما ورد فى الحديث الشريف التالى: "عن عائشة رضى الله تعالى عنها: "وإنِ امرأةٌ خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا"، قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلِّقني، ثم تزوَّجْ غيري. فأنت في حِلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي. فذلك قوله تعالى: فلا جُنَاح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا، والصلح خير". وهذا مثال على ما يمكن عمله فى تلك الحالة، أما إكراه الزوج على الاستمرار فى زواجه بامرأة لا يرغبها فهذا هو الظلم المبين. ومعروف أن الطلاق بغيض فى الإسلام، بل هو أبغض شىء إلى الله رغم حِلِّيّته، فينبغى ألا يسارع الرجل إلى الطلاق، كما لا ينبغى أن تسارع المرأة هى أيضا إلى الخُلْع، إلا أن هذه قضية أخرى.

 

أخبار ذات صلة

فمن أشنع الأخطاء الشائعة ..صرف آيات الحُكم والتحاكم كلها إلى الحُكام دون المحكومين...وإلى الرعاة دون الرعايا، أوالحكومات دون الشعوب، مع ان التحاكم ل ... المزيد

بيان من على موقع «مركز الفلك الدولي» موقع من سبعة عشر خبيرا فلكيا من مختلف الدول الإسلامية يؤكد صحة توقيت صلاة الفجر الذي عليه كل الدول الإسلام ... المزيد

في عام 1980م من القرن الماضي - وكنت مازلت طالبًا بالجامعة - وُجِّهت إليَّ دعوة مع أخي د. عصام العريان - وكان قد تخرج من كلية الطب - لحضور مؤتمر طلابي وشباب ... المزيد

فهل تفزع فيه للقربي من الله وتقبل ،

فلعل نفحة من ربنا تصيبنا فلا نشقي بعدها أبدا،

مع اول ليل ... المزيد

تعليقات