البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

التجربة الإصلاحية الإسلامية التي لم تتح لها الفرصة

المحتوي الرئيسي


التجربة الإصلاحية الإسلامية التي لم تتح لها الفرصة
  • أسامة الرفاعي
    31/12/1969 09:00

أن تبلغ التجربة نهايتها الطبيعية لا يعني فشلها بالضرورة، فبلوغ النهاية المرسومه لا يكون إلا بعد بلوغ الغاية، وتحقيق الهدف، ورغم أن التجربة الإصلاحية الإسلامية لم تتح لها الفرصة للاكتمال في كل الدول التي جُربت فيها، إلا أنها أفلتت في تركيا، وامتدت لأكثر من عقد من الزمان، إلى الحد الذي جعلها “نموذج” تتطلع إليه الأمة، وإذا افترضنا أن التجربة قد بلغت ذروة نجاحها في السنوات الماضية، فهذا يعني أننا ربما نشهد نهايتها قريبًا، أوقل اكتمالها، إذا كان البعض لا تعجبه كلمة النهاية. وبداية أؤكد على أن الهدف هنا ليس الخوض في تفاصيل التجربة التركية إطلاقـًا، ولكنه تقييم الفكرة الإصلاحية بوجه عام، في ضوء ما وصلت إليه في تركيا.
 
كل الأحزاب الإسلامية المنضوية تحت عبائة التجربه الإصلاحية – بلا استثناء تقريبًا- تحمل أسماء من قبيل (العدالة) و(الحرية) و(المساواة)؛ فجميعها تدور حول معنى واحد وهو (تحقيق العدل). فالدافع الرئيسي لخوض التجربة هو تحقيق “العدالة” لأبناء الشعب المضطهدين، وفي القلب منهم الإسلاميون. والذين حرمتهم الدولة العلمانية من كثير من حقوقهم الشخصية والدينية، وميزت ضدهم في الوظائف العامة والحكومية.
 
أما المعاني المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي، وإن بالغ الإسلاميون في التركيز عليها، فما هي إلا (رافعة) للشق السياسي، ودليل ذلك أن المشروع الإسلامي لا يتبنى نظرية اقتصادية محدده؛ وإنما يتبنى أي نظام مالي قد يضمن له التأييد الشعبي والزخم اللازم لتحقيق المطلب الأول وهو(العدل). وعليه، فإننا إذا أردنا أن نحكم على نجاح التجربة، يجب ألا ننشغل كثيرًا بمدى ما حققته من تطوير في شبكة النقل والمواصلات، أو إصلاح لمنظومة الصرف الصحي، أو بناء المطارات …إلخ. إذ لا قيمة لكل هذا إذا لم يتحقق المطلب الرئيسي، وهو(العدالة والمساواة).
 
هل حققت التجربة الإصلاحية غايتها؟
 
يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال ثلاث محاور:
 
أولاً: مدى النجاح في ترسيخ مبدأ (الأمن والأمان) لأبناء التيار الإسلامي وعامة المستضعفين من أبناء الشعب، ولا يتصور عاقل أن ضمان (العدالة) مرتبط فقط بفترة وجود الإسلاميين في السلطة، فإذا خرجوا منها عاد الظلم والقهر؛ وإنما يقاس النجاح بمدى قدرتهم على “ترسيخ” هذه القيم في بنية الدولة والمجتمع، بحيث لا تستطيع أية حكومة أخرى قادمة تغييرها.
 
وفي تركيا تزداد المخاوف خصوصًا إذا كان أكبر حزب معارض هو حزب الشعب العلماني المتطرف الذي أسسه أتاتورك، وهو مرشح للوصول للسلطة في أي وقت! وليس الحزبين التاليين له في الترتيب في الانتخابات الأخيرة بأقل علمانية منه.
 
وطرح مثل هذا التساؤل ليس إفراطـًا في التشاؤم، خصوصًا ونحن نعيش تبعات انقلاب مصر الدموي، مع وجود تكهنات بأن القوى الإقليمية التي دعمته كان لها تأثير في نتيجة الانتخابات التركية الأخيرة، بل إن هذه القوى ترى أن المشروع التركي هو العقبة الأخيرة أمامها في القضاء على فكرة الإسلام السياسي نهائيًّا. ولا ينبغي في هذا السياق أن نتناسى تاريخ تركيا الحديث نفسه، وهو مليء بالانقلابات العسكرية الدموية، ولا نستطيع أن نتأكد من محو هذا الموروث من ذاكرة غلاة العلمانيين الأتراك، ولا يجوز كذلك أن نتخيل أن إنجازات الإسلاميين الاقتصادية ستشفع لهم إذا كشرت العلمانية الاستئصالية عن أنيابها، خصوصًا مع توافر الحاضنة الإقليمية والدولية.
 
ثانيًا: هل تم إدماج أبناء التيار الإسلامي وغيرهم من المهمشين في مؤسسات الدولة (خاصة السيادية)، بما يحقق المساواة بينهم وبين غيرهم؟ وهذا في حد ذاته صمام أمان، وضمانه لعدم ارتداد الحال إلى ما كان عليه قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة؛ فالجيش في تركيا متشبع بمبادئ العلمانية، التي كانت هي الذريعة لكل الانقلابات العسكرية في السابق. ويتوقف نجاح أردوغان هنا على قدر ما أدخله من عناصر إسلامية تعيد التوازان المفقود إلى هذه المؤسسة.
 
ثالثـًا: هل تحقق الإنصاف والمحاسبة؟ بمعني هل تم التعويض العادل للمتضررين وأسرهم (إسلاميين وغيرهم) عن الظلم الذي وقع بحقهم من قبل الدولة خلال الحقبة الماضية؟! وهل تمت محاسبة المسؤلين عن ذلك بالقدر الذي يكون رادعًا لنظرائهم عن تكرار تلك الجرائم؟! نعم، تمت محاكمات في تركيا، ولكن الظاهر لنا أنها شكلية ورمزية إلى حد كبير. وقد تُجدد نتائج الانتخابات الأخيرة – لا سمح الله- الطمع لدى بعض العسكريين والعلمانيين، الذين ينتظرون لحظة ضعف لأردوغان لينقضوا عليه.
 
دولة أردوغان ودولة أتاتورك
 
للباحث عن إجابة للتساؤلات السابقة أن يدرس مدى التغيير (البنيوي) الذي أحدثه أردوغان في بنية الدولة، والذي لن يتغير بمجرد خروجه من الحكم. ليبحث عن تغيير كالذي صنعه أتاتورك في الدولة العثمانية وظل بعده لعشرات السنين. أو تغيير كالذي أحدثه جمال عبد الناصر في الدولة المصرية وظل ليومنا هذا. وعليه فنحن نتساءل: هل نجح أردوغان حقـًا في وضع أسس الجمهورية الثانية على مبادئه الإسلامية، أم أنه كان يعمل فقط على تحسين ظروف المعيشة في ظل دولة أتاتورك العلمانية؟!
 
ولعل الإجابة تكون بسؤال آخر:
 
كم من الوقت والانتخابات والاستفتاءات احتاج كمال أتاتورك‬ لصياغة دستور الدولة التركية القائمة؟ وكم يحتاج أردوغان‬ من الوقت والانتخابات والاستفتاءات لكي يصيغ دستورًا جديدًا للدولة؟ وهل قطعت الانتخابات الأخيرة الأمل في هذا إلى الأبد؟
 
القبول بلعبة عادلة على قواعد غير عادلة
 
لعل الخدعة الكبرى التي وقع فيها الإسلاميون هي القبول بخوض اللعبة الديموقراطية دون وضع القواعد والأسس العادلة لها. ويمكن تشبيه ذلك بقبولك بالدخول في مسابقة للجري يركب فيها خصمك دراجة نارية! فإذا كان الصراع في بلادنا محصورًا بين علمانيين وإسلاميين (لحد كبير)، فإن العلمانيين يسيطرون على كل مؤسسات الدولة سيطرة مطلقة، بينما الإسلاميون لا يملكون إلا حناجرهم.
 
لا يجادل أحد في أن حزب أردوغان إسلامي بالأساس، ومع ذلك فقد اضطره النظام لخلع عباءة الهوية الإسلامية على عتبة الدوله العلمانية، رغم أن منافسيه من العلمانيين والقوميين يصرحون بهويتهم، ولا تمنعهم الدولة من ذلك. وأكثر من هذا فقد أقسم على الحفاظ على علمانية الدولة. وذلك كشرط مسبق (فيتو) حتى يتم السماح له بمجرد الدخول في اللعبة الديموقراطية. وإلا فإن مصير حزبه الحل والحرمان من العمل السياسي. ولا أدري كيف تكون المنافسة عادلة إذا كان خصمك يجبرك على النزول على شروطه المسبقة قبل المنافسة. والمنطق يقول: إن قواعد اللعبة يجب أن توضع باشتراك جميع أطرافها ورضاهم.
 
لا يكتفي العلمانيون في بلادنا فقط بوضع قواعد اللعبة، ولكنهم سرعان ما ينقلبون عليها إذا شعروا أنها لا تسير لصالحهم. وقد دأب العلمانيون في تركيا على حظر أنشطة الأحزاب الإسلامية (قضائيـًّا)، فإذا أفلتت من الحظر وفازت بالانتخابات انقلبوا عليها (عسكريًّا). وتأمل هنا التناغم في استعمال القضاء والجيش لقمع الإسلاميين، فالجيش والقضاء “إيد واحدة” تمامًا كما يحدث في مصر.
 
التأسيس قبل الحكم والسياسة
 
لا جدال في أن التجربة الإصلاحية تقوم على الإصلاح من داخل النظام، بما يعني أمرين مهمين:
 
الأول: الإبقاء على شكل الدولة ومؤسساتها كما هي (أي النظام نفسه). وعليه، لا يجب انتظار تغيير جوهري في الأسس التي قامت عليها الدولة، أو في بنية مؤسساتها السيادية. (يلتزم حزب أردوغان بحماية المبادئ العلمانية للدولة ولا يستطيع المساس بها).
 
الثاني: الاعتماد على التدرج، وعامل الزمن في إحداث التغييرات الكبيرة، عن طريق تراكم التغييرات الطفيفة. ورغم أن التجربة الإصلاحية ملتزمة بدورة الديموقراطية، التي تحدد مدة البقاء في السلطة بسنوات معدودة، لم يخبرنا أحدهم كم من الوقت نحتاجه لإنجاز الإصلاح المنشود. أضف إلى ذلك أن الشعوب تغير أمزجتها بأسرع مما نتخيل.
 
الخلاصة:
 
توحي النتائج التي وصلت إليها التجربة التركية إلى أنه من الأجدى أن تعطى الأولوية لوضع أسس عادلة للدولة، قبل الصراع على من يحكمها، أو كيف يحكمها. وأن الجهد الحقيقي يجب أن يبذل لبناء الدولة العادلة قبل المنافسة السياسية وتكوين الأحزاب.
 
وأهم خطوة في بناء الدولة العادلة هي التمثيل العادل لجميع أبنائها – بما فيهم الإسلاميون في مؤسساتها السيادية تحديدًا. فهذا التمثيل هو أهم من تمثيلهم في مؤسسات شكلية (وأعني ما أقول) كالبرلمانات والمحليات والوزارات، دون الاقتراب من الدولة العميقة. والمؤسسات السيادية تملك حصانة ضد الديموقراطية، ولديها القدرة على الحفاظ على نواتها الصلبة دون تغيير لعقود؛ فمعدل التغيير فيها أبطأ مئات المرات من معدل تغيير الحكومات والبرلمانات والوزارات، وهذه المؤسسات هي جسد الدولة الحقيقي، وغيرها هو الثياب الخارجية التي تغيرها متى شائت. والتجربة الإصلاحية تنشغل فقط بترقيع هذه الثياب الخارجية، ولا تستطيع المساس بجسد الدولة مهما طال بها الزمن. ولو حاولت، فإن هذه المؤسسات ستنقلب عليها.
 
باختصار، ستظل العملية الديمقراطية مجرد مصيدة تضمن تحجيم الإسلاميين، وبقائهم داخل حدود دائرة مغلقة، تحت سمع وبصر القوى الداخلية والخارجية، مالم تقم على أسس سليمة، وهذه الأسس لا يمكن بناؤها عن طريق المشروع الإصلاحي، بل إنها تحتاج إلى مشروع آخر ثوري وتأسيسي.

أخبار ذات صلة

إن القراءة الظاهرية لنتيجة الانتخابات الت ... المزيد

كنت في إسطنبول قبل عدة أسابيع وشهدت جزءاً من الحملات الانتخابية الصاخبة للأحزاب المتنافسة، من صور وأعلام وشعارات وخطب وأناشيد ... المزيد

تعيش تركيا لحظات مفصلية وفارقة في تاريخها الحديث حيث تشهد جولة إنتخابية هي الأهم منذ صعود حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002، فمن المقرر توجه النا ... المزيد