البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الانتصار الثاني للأفغان

المحتوي الرئيسي


الانتصار الثاني للأفغان
  • د. عبدالأخر حماد
    07/03/2020 05:18

الاتفاق الأخير الذي وُقِّع في الدوحة بين الحكومة الأمريكية وحركة طالبان الأفغانية هو بمثابة اعتراف من الإدارة الأمريكية بهزيمتها في أفغانستان ، كما أنه يعد انتصاراً حقيقياً لحركة طالبان ، تلك الحركة التي تُصنَّف أمريكياً على أنها إحدى منظمات الإرهاب في العالم . ومع ذلك فقد أُجبرت إدارةُ ترامب على الجلوس معها على طاولة المفاوضات ،وتوقيع اتفاق تاريخي بينهما ينص على انسحاب قوات أمريكا وحلفائها من أفغانستان خلال أربعة عشر شهراً .

وللتذكير -ومن أجل تعريف الأجيال الجديدة بما لم تعاصره من أحداث- ،فإني أشير إلى أن العدوان الأمريكي على أفغانستان قد بدأ في أكتوبر 2001م، وذلك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي شنها تنظيم القاعدة على عدة أهداف داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي أسفرت عن مقتل حوالي ثلاثة آلاف شخص ،وإصابة ستمئة آخرين . وقد كان قادة تنظيم القاعدة وعلى رأسهم أسامة بن لادن متواجدين في الأراضي الأفغانية ، وكانت طالبان هي التي تحكم أفغانستان في ذلك الوقت ، وقد رفض زعيمها الملا عمر طلب الحكومة الأمريكية بتسليم زعيم تنظيم القاعدة لها ، فكان ذلك هو المبرر الظاهر للغزو الأمريكي لأفغانستان .

وقد تمكنت القوات الأمريكية وقتها من إزاحة حركة طالبان عن سدة الحكم وتولية عملاء لها على حكم أفغانستان . ولكنَّ طالبان لجأت عقب ذلك إلى شن حرب عصابات على القوات الأمريكية وحلفائها وعملائها ، وهو ما أدى إلى خسارة الخزانة الأمريكية لأكثر من تريليون من الدولارات بحسب تقدير مصادر صحفية أمريكية ، إضافةً إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة.

وبسبب تلك التكلفة المالية والبشرية الهائلة لجأت إدارة ترامب إلى التفاوض مع الحركة ،حتى تم التوصل إلى لاتفاق المشار إليه . وإني لأتذكر جيداً أن الملا عمر رحمه الله كان قد قال عشية الغزو الأمريكي لبلاده : " إن الرئيس الأمريكي جورج بوش يمكنه أن يحدد موعد دخول قواته إلى أفغانستان ، أما تاريخ خروج تلك القوات من أفغانستان فنحن الذين سنحدده ".

وقد صدَّقت الأيام ما قاله الملا عمر ، فها نحن الآن وبعد مضي قرابة عشرين عاماً على تلك الأحداث الجسام نجد أمريكا بكل قوتها وجبروتها تتخلى عن أهدافها المعلنة سابقاً ،والمتمثلة في القضاء على حركة طالبان وإبادتها ، وتسعى بدلاً من ذلك إلى التفاوض معها من أجل الخروج الآمِن من أفغانستان ،ضاربةً عرض الحائط بتلك المقولة الخائبة التي ظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ترددها وهي قولهم : إنه لا مهادنة ولا تفاوض مع الإرهابيين .

إنه إن كان هناك من درس ينبغي الخروج به من هذا الأمر فهو أن نعلم أن أولئك القوم-أعني أمريكا وحلفاءها- لا يعرفون إلا لغة القوة ،فهي التي يخشونها ويحسبون لها ألف حساب ، وأنه مهما اختلفنا أو اتفقنا مع حركة طالبان فلا بد من الاعتراف بأنها كانت تمثل خلال العقدين السابقين طليعةً مقاتلةً تحمل عبء الجهاد على أرض أفغانستان ، تلك الأرض الطيبة التي نجح رجالها من قبل في إلحاق الهزيمة بقوات إمبراطورية من أعتى الإمبراطوريات في التاريخ ،وأعني بها قوات الاتحاد السوفيتي السابق ،الذي أُجبِر قادتُه في أواخر الثمانينات من القرن الماضي على سحب جنودهم من أفغانستان ،بعدما نجح المجاهدون الأفغان بإمكاناتهم المحدودة في إلحاق الهزيمة بهم ،فخرجوا يجرون أذيال الخيبة ، مُتخلِّين عن أذنابهم وعملائهم .

( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

 

أخبار ذات صلة

قال تعالى : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا.

..< ... المزيد

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية مقال رأي لنائب زعيم المزيد