البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

الإمام النووي وكتابه "الأذكار المنتخبة"

المحتوي الرئيسي


الإمام النووي وكتابه
  • عمر محمود أبو قتادة
    08/12/2015 02:12

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغر الميامين وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.
 
هذه حلقة جديدة ولقاء جديد مع كتاب جديد في مشروع الألف كتاب قبل الممات، وهذا الكتاب كتاب جليل مع إمام عظيم. مبحثه معروف لدى العامة قبل الخاصة، لأنّه يبحث في الأذكار. وعليه ستكون لنا قراءة لهذا الكتاب وللكاتب بوجهة أخرى إن شاء الله في المنفعة.
 
وليس هذا من الإغراب، وليس هو من باب ما يُقال فيه: أبعد النجعة. والنجعة هي النبعة، وهي المكان الذي يقضي فيه المرء حوائجه فيشرب الماء ويطلب الكلأ. فالمرء قد يكون بجانب بيته الماء، ولكن يترك هذا الماء الذي بجانب بيته ويشق على نفسه ويذهب بعيدًا، فهذا أبعد النجعة. يعني طلب شيئًا يمكن أن يتحصّله بالقرب فذهب به أو شقّ في طلبه، فهذا من الغلط.
 
ولكن بلا شك أن هذه محاولة لقراءة هذا الكتاب ضمن سياق أهل العلم في مباحثهم. وقبل أن نخوض في هذا الكتاب علينا أن نعرّج بالخصوص على ما ينفعنا من الكتاب والكاتب في موضوع فن القراءة.
 
وهذا أشرت إليه بعض الإشارة في كتاب فنّ القراءة، ولكني هنا أفصّل في هذه النقطة لأهميتها. منفذ هذا الموضوع هو معرفتنا لمصنف هذا الكتاب وهو الإمام النووي -رحمه الله-. هذا الإمام النووي -رحمه الله- شخصية عظيمة عجيبة، وعليها كثير من الظلال التي ربما تحتاج إلى إزالة من أجل النفاذ إلى داخلها على الحقيقة.
 
بمعنى أن الصورة عندنا للإمام النووي هي صورة الإنسان الهادئ الدمث، وهي صورة حقيقية وهو هادئ حقيقة، وليس له قرع الكتائب كما يُقال في بعض أهل العلم الذين شهد عصرهم وشهدت حياتهم معارك ضد الخصوم. فلذلك لو سألت أي سائل طالب علم أو شاديا للعلم فسألته كيف تنظر للإمام النووي يقول لك هذا الإمام العابد الذي كما قيل لم يبق إلا خصلة النبوّة ليبلغ الكمال، ذلك أنه عالم، زاهد، آمر بالمعروف وناه عن المنكر، فاجتمعت فيه خصال الخير جميعها، وحياته شهدت بهذا، ووقوفه أمام مماليك البحرية في بعض المسائل الفقهية والفتاوى التي عرضت عليه فصدّها، وخاصة قضية أخذ المكوس من الناس من أجل تجهيز الجيوش ضد التتار.
 
وهذه فتوى شهيرة له وقف فيها وحيدًا ضد فتاوى العلماء الآخرين بإجازة جبي الأموال من العامة، وقال لقطز أجيز لك أن تجمع المال من الأمة على شرط أن تنفق الأموال التي في القصور، هناك أموال تُحلى بها نساء وجواري القصور عندكم، وهناك أموال عند القادة والعسكريين، وهناك أموال عند أصحاب الحظوة، هذه أموال الأمة أُخذت، فعليك أن تستنفذ هذه الأموال وتأخذها إلى بيت المال فإن لم تكف ذهبت إلى العامة لتأخذ الأموال. هذه فتوى تدل على بصيرته وليس على عزلته، وتدل على أنه يعرف الحياة وليس خاليًا عنها؛ لأن معنى الزهد كأنّه يعطي شيئا من طبيعة الانفصال عن الواقع. وهذه فتوى رجل تدل على أنه يعيش الواقع.
 
هذه الشخصية الغريبة تلقي بظلال علينا أن نزيل قشرتها لعلنا نصل إلى بعض المعاني مما يفيدنا في القراءة، وهي قضية مهمة جدًا. أنا أكرر أنّ معرفتنا بحياة وبطريقة الإمام النووي في الكتابة وفي التصنيف ومعرفتنا بألفاظه وكيفية كتابته تلقي لنا بمعاني مهمة جدًا في التربية.
 
مما يستغرب أن هذا الإمام عاش ستة وأربعين عامًا أو قريبًا منه، فعاش عمرًا قصيرًا. فيتصور الناس أنه طلب العلم مبكرًا إذ مات مبكرًا وكتب هذه المؤلفات الكبيرة الجليلة، ابن العطار تلميذه علاء الدمشقي ألّف كتابًا سماه (روضة الطالبين في ترجمة محيي الدين) وهو تلميذه وأخص الناس به، والإمام السخاوي يقول بأن كل ما تلقّاه عن محيي الدين النووي أخذه من طريق تلميذه ابن العطار، وألّف ترجمة له.
 
فما يُعرف عن النووي إنما يُعرف عن طريق هذا التلميذ، حتى سُمي هذا التلميذ بمختصر النووي. ونسبة العلماء إلى العلماء موجودة، ونسبتهم إلى الكتب. فبعض العلماء يُنسب للكتب، أو يُنسب للشيخ حتى يلتصق به، وهذا كذلك من هذا الصنف إذ سُمي بمختصر النووي لكثرة التصاقه بهذا الإمام. وألّف فيه مصنفًا في ترجمته وأحواله وفي أخباره.
 
فيقول إنّ الإمام طلب العلم وعمره تسعة عشر عامًا. وهذا في الأزمنة المتقدمة يُعتبر تأخرًا في طلب العلم؛ لأنّ العلماء الذين يُعرف عنهم كثرة التصنيف يُذكر عنهم أنهم طلبوا العلم وجلسوا في مجالس العلم وهم في الصغر. والإمام النووي يقول إن والده أحضره إلى دمشق ووضعه في المدرسة وعمره تسعة عشر عامًا. وهو من نوى، إحدى قرى حوران.
 
فإذن انتبهوا إلى العجب، بدأ طلب العلم وهو ابن تسعة عشر عامًا، وتُوفي وعنده ستة وأربعون سنة، إذن كم سنة طلب العلم؟ ستة وعشرين سنة فقط. يعني بذل من عمره ستة وعشرين عامًا؛ في الطلب، والتأليف، والتعليم، إلى غير ذلك. فما الذي أعطى الإمام النووي هذه الخصلة في التصنيف ومتى بدأ يصنف؟
 
كان أوّل كتاب صنّفه بعد ستة أعوام من الطلب. وهذا شيء لا يُقبل عند (أهل العلم)، يعني لا بدّ للرجل أن يشيب -حتى تعرفوا مناهج الناس المعاصرين في التصنيف والكتابة إذ يضعون قواعد ذهنية خاصة بهم من أجل إسقاط الخصم! بعد ستة سنوات فقط من الطلب صنّف الإمام. طبعًا يمكن للصوفي أن يفسر المسألة بطريقة عرفانية بأن هذا فتح إلهي.
 
 
لا، العلماء لا ينظرون إلى مثل هذه التحوّلات العجيبة في الشخصية وفي الحدث بدون قراءة سننية، لا ينظرون بهذه الطريقة، ولا يقبلونها، ولا يقفزون على السنن من أجل تفسيرها تفسيرًا غيبيًا.
 
ونحن قلنا أكثر من مرة أن البركة والعطاء الإلهي لا بد لها من وجود الأصل. وهذه القاعدة رددناها أكثر من مرة، يعني لما النبي -صلى الله عليه وسلم- نبع الماء من بين أصابعه أمن فراغ أم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء؟ فالأصل موجود، لا بد من الأصل. لما حصلت البركة في الطعام مع النبي -صلى الله عليه وسلم- هل هكذا نزلت المائدة من السماء أم قال اجمعوا لي ما بقي لكم فجمعوا. فالأصل لا بد أن يكون موجودًا حتى تحصل البركة.
إذن هذا هو عالم السنن مع هذه الأمة، لا بد من وجود القاعدة من أجل أن تحصل البركة أو يحصل العطاء الإلهي بعد ذلك. إذًا ما الذي جعل هذه الخاصية في هذا الإمام ليؤلّف؟ ستة وعشرون سنة في الطلب وبدأ التصنيف بعد ست سنوات وهذه غير مقبولة عند (أهل العلم) لا بد أن يشيب عارضاه قبل أن يكتب كتابه! طبعًا هذا كلام غير صحيح؛ لأن الإمام البخاري بدأ تصنيف أعظم كتاب في الرجال وعمره أربع عشرة سنة. كتاب (التاريخ الكبير) للإمام البخاري بدأ تصنيفه وعمره أربعة عشر عامًا. لم يبلغ الشيء الكثير لكن هذا لتعرفوا بأن الذي يريد أن يضع حدودًا وقواعد للعلم يخطئ. 
العلم هو الأصل، الحواشي حوله إنما هي أحوال يتقلّب بها المرء وتزيد وتنقص وتذهب وتأتي ولكن المقصود هو العلم.
 
عندما يأتي أحدهم ليقول لا بد من هذه الطريق من أجل أن تكون عالمًا! ما الذي فرضها؟! تستطيع أن تذهب إلى التاريخ فتحضر كمية هائلة من علمائنا لا يوافقونك ولم يمشوا في هذه الطريقة.
 
فليس هناك طريقة محددة يفرضها المرء على طلبة العلم ليسمي هذا عالم وهذا غير عالم بسبب الوسيلة أو بسبب الحواشي، إنما العبرة بوجود العلم. هذه قضية مهمة جدًا في حياتنا. اليوم نحن نرى إسقاطات بسبب المزيّنات والنياشين. يمكن للرجل أن يكون من أجهل الناس لكن لأنه قابل شيخًا فسلّم عليه وقبّل عارضيه وقبّل يده وحذائه صار شيخًا، وهكذا يصبح الصراع على من هو الوارث للشيخ. يقول كيف تؤلف وعمرك كذا وكذا! كيف جاز لك أن تكتب! اعرض كلامه على أهل العلم، ربما هذا الكلام أفضل من كلام من شاخ.
 
هذه نقطة انتهينا منها.
 
النقطة الثانية في الشخصية هي كيف صنّف هذا الإمام؟
 
يقول الأسْنَوي في شرحه لطريقة النووي في التصنيف أن التحصيل عند النووي هو التصنيف، وأن التصنيف الذي أحدثه إنما مرده أنه كان يحصّل العلم بما صنّف. كيف؟ هذه إحدى طرق فن القراءة، وهي من أعظم طرق فن القراءة، وهو أنك لا تقرأ فقط ولكن تصنّف فيحصل لك العلم.
 
فقط البارحة قابلت رجلًا معه عشرة قراءات، قال والله ما تعلمت القراءات إلا لما بدأت أعلّمها. قال عندي ستة شيوخ في القراءات لم يتركز شيء عندي من القراءات، ولكن الذي جعلني أتقن القراءات هو أنني بدأت أعلمها. هذا منفذ لما فعله النووي، وهو أنه كان يحصّل العلم بالتصنيف. لكنه في بيئة تحترم العلماء، فإذا كتب يخشى أن يكتب الغلط فيذهب فيحقق في كل مسألة يصنّف فيها، يذهب فيتعلم، كيف يتعلم؟ يذهب ليحقق في المسألة.
 
يريد أن يعرف ماذا يقول أهل العلم في المسح على الخفين -لنبقى في مسألة الفقه التي برّز فيها الإمام النووي- فيذهب إلى هذه المسألة لا يكفي أن يسمعها ولا يكفي أن يقرأها بل يذهب ليصنّف فيها، فيبدأ في جمع أقوال العلماء، ويبدأ في جمع أدلتهم، وترجيحاتهم، وماذا قالوا في كل مسألة، وكيف ردوا على بعضهم البعض، والرد على الرد، فيصنّف، هو صنّف بشيء موجود أم أنه أوجد شيئًا مفقودًا عنده في التصنيف!؟ فحصّل العلم بالتصنيف.
 
وقد مارسها علمائنا. مثلا كتاب (المستدرك) للإمام الحاكم، دائمًا يقولون واختصره الذهبي، لماذا اختصره؟ هو اعترف أنه اختصره ليتمرّن. هو درس علم الحديث، ودرس مصطلح الحديث فأراد أن يطبّق قراءة هذا المصطلح على نص، فذهب إلى (المستدرك) وبدأ يدرس، وله تخريج كبير، والذي جاء فقط المختصر، فهو له تخريج كبير للمستدرك لكنه جاء إليه وعلّق عليه، فانتهينا إلى أن نجد وافقه الذهبي، صحيح أو كذا، فقد اشتغل شغلًا كبيرًا من أجل أن يحصّل. فبم بلغ العلم؟ بالتصنيف.
 
وصار هذا الكتاب مصنفًا يقرأه طلبة العلم وينظرون إليه. ويقع في هذه الطريقة عند الابتداء شيء من الطرب وشيء من العجب، وهذا الذي دعا الأسْنوي أن يقف عند النووي كيف هو مرات يتكلم فيطرب، ومرات يأتي بالعجائب.
 
نذكر نص الأسْنوي حتى تتضح المسألة فهذه من أفضل طرق تحصيل العلم، قال الأسْنوي في شرحه على الروضة والرافعي: "وقوع هذا للشيخ محيي الدين النووي أكثر وذلك أنه لما تأهّل للنظر والتحصيل رأى من المسارعة إلى الخيرات أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفًا. العالم يقول المسألة الفلانية وفيها كذا وكذا وهو يذهب إلى الكتب فيرجع إليها وعلى ضوء ذلك يصنّف، فكثرت تصانيفه.
 
فإذن تصانيفه هي علومه التي حصّلها فترافق التحصيل مع التصنيف.
 
الآن أنا أشعر أني لما رأيت هذا أنه بالفعل أول قشرة قد زالت - أن صورة النووي عندنا رجل زاهد عابد يعني "على البركة" وأظن أنها صورة عند كثير من الناس-  لكن من الواضح أنه رجل عظيم ذكي وصاحب فهم ويعرف كيف يعمل، فهذا يدل على أنه أتقن وسيلة في أن يبلغ درجة العلماء في التصنيف عن طريق التحصيل. الأمر كبير، تسع عشرة سنة ﻻ بد أن يلحق غيره من العلماء، هذا يدل على أن الإمام النووي ذكي يدرك حاله ووضعه الخاص.
 
طبعًا في عمر تسع عشرة سنة يجب أن يعرف المرء أنه فاته عصر الحفظ. عليك أن تدرك أن وقت الحفظ قد فاته، ست سنوات ماذا يستطيع أن يحفظ فيها؟! تبقى له بعض المحفوظات التي اهتم بها مثل المهذّب للشيرازي، فقد ذُكرت له، لكن عصر الحفظ الأول قد ذهب، فكان اهتمامه بالمعاني فأنتج هذه الكتب العظيمة وهو يصنف ويكتب. ولذلك كان في وقت واحد يشتغل في مشاريع كثيرة، ولأن عمره قصير لم يتمها.
 
فشرحه على مسلم لم يتمه، والمجموع لم يتمه، وشرحه على البخاري لم يتمه. لكن من الواضح أنه كان يريد أن يكون في هذا الباب وهذا الباب ويحصّل في كل مسألة، كان يذهب إلى الحديث لا من أجل أن يقول ما عنده ولكن ليكتشف ما عند النصّ ويستنطقه ليستفيد وهذه الاستفادة يكتبها، فتصبح كتابًا من عنده، فيُمدح هذا الكتاب، وهذه القضية عجيبة من الشيخ.
 
النووي له كلمة اعترف بهذا في مقدمته على المجموع، يتحدث عن كيفية تصنيف المجموع، والمجموع هو شرح للمهذب، وقد قال أنّ شرحه ليس شرح المهذّب بل شرح للمذهب. هو قال أنّ ما أعظم من شرح المهذّب هو شرح المذهب، يعني مذهب الإمام الشافعي، وما أتم تصنيفه، انظر كيف يكشف سرّ نفسه العظيمة.
 
يقول النووي: "وينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهّل له"، التصنيف الذي يفهمه الناس على أنه إظهار ما عندك، ولكن انظر إلى ما يقول: "فبه يطّلع على حقائق العلم ودقائقه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة".
 
وبعد ذلك في ختام الكلام قال: "وبذلك يصبح الرجل مجتهدًا". يعني بعد التصنيف يصير مجتهدًا. وفي نهاية الكلام يقول "وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد".
 
والناس عندهم المجتهد هو الذي يكتب، وهو يقول لا، إذا كتبت على ضوء هذه المعاني من التفتيش والتحقيق والمراجعة والبحث حينئذ تصبح مجتهدًا.
فهذا تفسير لكلمة قلتها وأكررها: الكتابة ليست وضعًا لما هو موجود ولكنها حفر للذات. إذا كانت كتابة ذاتية فهي حفر للذات، وإذا كانت للتحقيق فهي حفر للكتب. الكتابة عملية حفر واستنباط. كما أن الناس يستنبطون بالسماع، يجلسون عند العلماء للسماع ثم الاستفادة، كذلك عليهم أن يذهبوا لأنفسهم فيحفرون فيها، ومن ذلك حفرهم في الكتب.
 
وإذا كتب المرء بهذه الطريقة استقرّت عنده العلوم، بخلاف من يسمع فقط. لو ذهبت إلى مسألة أنت حققتها تجد نفسك تحفظ رجالها وتحفظ مسائلها لأنك درستها وحققتها، أكثر منه لو أنك سمعتها، وهذا أمر مقرر.
 
الإمام ابن حزم توفي سنة 456هـ، والإمام النووي توفي سنة 676هـ، والغزالي توفي سنة 505هـ. ومعرفة الطبقات مهمة في معرفة وفاة الرجل.
 
هذه نقطة مهمة في فن القراءة في أن من أعظم طرق القراءة في مسائل العلم والفقه ومسائل الخلاف وهو أن تقرأ وتبحث وتقارن وتفتش وتكتب، ولا بأس أن تكتب. وحينئذ أنت ترتقي، فيمكن أن تخطئ، والعلم مثل قضية التربية، تخطئ وتصيب، ويراجعك الناس، وأنت تقول القول وترجع عنه غدًا، وهذا هو طريق العلم.
 
فمن أجل هذا كثرت كتب النووي. إذن هو ست وعشرين سنة يحصّل ويصنّف، فجعل التصنيف طريقًا للتحصيل، أو جعل التحصيل سبيله في التصنيف.
 
النقطة الثانية في الموضوع وهي أننا ندرك بعد هذا الأمر أن النووي رجل عابد، وللذكر نحن في الأسبوع الماضي كنا نتكلم عن (الديارات)، أنا كنت أريد أن أختار الأسبوع القادم (الدارس في تاريخ المدارس)، لأن الذي يقابل الديارات فيما تكلمنا عنه المدارس الإسلامية التي أنشأها علمائنا وأنشأها ملوكنا المسلمون وماذا كان فيها من العلوم، وماذا كان فيها المكتبات، وما كان فيها من مفاخر، لكن نؤجل هذا الكتاب والكتاب القادم سيكون كتاب المنقذ من الضلال للغزالي.
 
نرجع للنووي، النقطة المهمة جدًا في الباب وهي أن هذا الإمام بلا شك فيه نفحة إلهية، بمعنى أن الله -سبحانه وتعالى- بارك لكتبه، ووضع لها القبول، ولذلك انتشرت هذه الكتب. وهذه الكتب ليست فريدة في تصنيفها، ولكن وُضع لها الانتشار. يعني الآن من يجهل كتاب (رياض الصالحين)؟ هو كتاب منتشر، ولا بد لكل أحد في بيته أن يرجع إليه.
 
كتاب الأذكار الذي بين أيدينا، (التبيان في آداب حملة القرآن)، كتبه مشهورة ومعروفة، وله كتب في الرجال، وله كتب في مصطلح الحديث، وله مصنفات كثيرة. يعني هذا إمام عظيم، فلا بد أن نعترف كما يقول علمائنا عندما يأتون للورقات للجويني ويحسبون أكثر من ستين شرحا لها، حتى أنّ بعضهم نظمها شعرًا، هذا لا بد فيه شيء. يعني لم يكن هناك صراع على العقول في زمانهم، يعني لم يكن هنالك المؤسسة الفلانية التي إذا رعت الشيخ صار مقدمًا، وإذا أماتته مات - مثل المغنيين اليوم - إذا تبنّته مؤسسة يصير مشهورًا، وإذا أماتته المؤسسة مات واندثر.
 
إنما علمائنا على طريقة عبد الرزاق الصنعاني لمّا حجَّ -وذُكر هذا في ترجمته- فحجّ من صنعاء لمكة، فانتظر أول يوم أن يأتيه التلاميذ ليسمعوا منه الحديث، فما جاء أحد. وثاني يوم انتظر أن يأتيه طلبة الحديث، وطلاب الحديث، وعلماء الحديث فلم يأتوه؛ فوقف إلى الكعبة فقال يا رب أ كذّاب أنا حتى لا يأتيني أحد.
 
ففي ثالث اليوم ما وجد أحد متسع لمكان على باب بيته وعلى مجالسه، فهذا وضع إلهي ولا شك. لأن الرجل يقول ما قدر أحد أن يكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السحر إلا أصبح الناس يقولون فلان كذاب، فهو قال كلمته والله -عزَّ وجلَّ- ردّ عليه بأن قذف القلوب إليه، سبحانه جلّ في علاه.
 
فمن هذا الدين أن يضع الله -سبحانه وتعالى- القبول لكلامه في قلوب الناس، وأن يصبح كلامه منتشرًا، وله فضل وذكر، ويسيرا بين الناس، هذا ليس بفعل مؤسسة، وليس بفعل كذب ودجل وإعلام ومال يُنفق حوله، إنما هذا بوضع إلهي. هذا الدين لا يقوم إلا على الإخلاص.
 
ومن هنا فإن الإمام النووي -رحمه الله- لا بد أن نعترف أن انتشار كتبه كان لشيء إلهي فيه، يعني أنّ الله أراد أن يبارك فيها، والناس يحبونه ويحترمونه، ولو انتقدوه لا يستطيعون أن يذهبوا بعيدًا. يعني إذا الناس ردّوا عليه فقالوا أنّ فيه بعض أشعرية، لكنهم لا يستطيعون أن يحرقوا كتبه لهيبته وعظمته، الإمام النووي إنسان عظيم، لو ردّوا عليه في بعض المسائل يردون عليه بالعلم وبالاحترام وبالتقدير، فهي شخصية كسبت القلوب. فحتى لو أراد خصم أن يضربه فإنه يراعي العوام والعلماء الذين يحترمونه.
 
يعني لو جئنا لشخصية أخرى مثلًا كالسبكي، السبكي عالم من علماء الأمة العظام، لكن ربما تجد مثلًا لخصومته مع شيخ الإسلام ابن تيمية يجرؤ بعض الناس على زيادة العيار ضده، لكن هو نفس الشيء، ما عند السبكي هو عند النووي، والأشعرية التي عند السبكي هي الأشعرية عند النووي، والشافعية عند السبكي هي الشافعية عند النووي. لكن بلا شك أنهم لا يقدرون على النووي كما يقدرون على السبكي، كون السبكي حاربه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
 
هذا مهم جدًا وهو أنه من أراد أن ينتشر أمره بين الناس فلا ينتشر إلا بالحق، ومن الحق ألا يطلب الظهور، بل هو يكتب لله، ونفعًا للأمة، ومن أجل أن يتقرب إلى الله بما يكتب. يخلص للّه ويتقرّب إليه بهذه الكتابة، وألا يهتم للناس مدحوه أو ذموه أو قبلوه أو رفضوه، فمن الإخلاص أن يكون في قلبه كذلك، كما قال ابن عطاء الله السكندري صاحب الحكم فله كلمة بأن الشيء لا ينبت حتى يُدفن.
 
هل الشيء ينبت قبل أن يُدفن؟ لا بد أن يُدفن هذا الشيء حتى ينبت، فأول شيء لا بد أن تدفن نفسك.
 
حتى لا بد أن تهلك نفسك بمجاهدتها بأن تذهب عنها كلمة "الأنا". كلمة "الأنا" صنم ووثن، يجب أن تجاهد نفسك كما تجاهد عدوك، وهذه "الأنا" تدفنها، فإذا دفنّتها على الحقيقة وليس الكذب والدجل كما يضع بعضهم على الكتب "أحقر من ترى وأفقر من في الورى" ولو لم يسلم عليه أحدهم لضربه بالنار. فعليه أن يدفن نفسه من أجل أن تنبت.
 
النقطة الثالثة في موضوع القراءة هنا وهي أننا أمام قراءة تعبّدية لا بد أن يكون لها طقوسها. يمكن أن يكون هناك تقصير في كتاب فنّ القراءة في القراءة التعبدية، هذا الكتاب "الأذكار" هو من حكمة القرآن. يعني النص النبوي هو من حكمة القرآن، وفرع من القرآن. والقرآن هو أعظم الكلام، وبالتالي قراءته أعظم القراءة. ولننظر إلى هذا المعنى في قراءة القرآن:
 
أول معنى في المعاني الجليلة عندما يكون الكلام عظيمًا وأعظم كلام هو كلام الله، نطبق هذا المعيار وننزل به على كلام الناس بكثرة العظمة أو قلتها، فعلينا أن نطبّق هذا الكلام، كيف؟ الآن نحن علمنا أن الكلام العظيم يعطيك بمقدار إقبالك عليه، الكلام الضعيف والهزيل تأتيه وقد نوّر فتخرج عنه وقد ذهب. وأنا وصفت لكم إياه مثل العلكة. الكلام الضعيف الذي ليس له قيمة مثل العلكة، تأكلها أولًا تجدها حلوة، ثم بعد ذلك تصير كالجلدة فترميها.
فالكلام العظيم كلما أتيته أعطاك، وأعظم الكلام هو كلام الله، لا يخلق من كثرة الترديد، كلما أتيت إليه وجدته أعطاك من العلوم. وبالتالي الكلام العظيم ميزانه هو الذي يبقى متجددًا في العطاء، وهذا يوجب علينا قراءة ما.
 
ما دام أن معنى الكلام العظيم هو ما يقدم إليك الغذاء كلما أتيته هذا يوجب عليك القراءة. هذه قاعدة من قواعد القراءة، لا يجوز لك أن تقول هذا كتاب قرأته وفرغت منه. إلا إذا كان كتابًا من كتب العلكة، يعني كالقصة أو الرواية من الكتب الجديدة أو خبر جريدة، يعني يمسكها بعض القراء وبعد ذلك يرمونها ويضعونها للأكل وللشرب، وإن كان هذا لا يجوز لأن اللغة شريفة والأساس أنها وضع إلهي وتوقيفي لا يجوز إهانتها، حتى اللغات الأخرى لا يجوز الأكل عليها ولا إهانتها، لكن الناس يفعلون.
 
فإذا كان الكلام بهذه القيمة انتهينا منه وهو كلام قديم فحينئذ يصح ألا ترجع إليه، لكن إذا كان كلاما لأهل العلم فعليك أن تعود إليه مرة بعد مرة، لا يجوز لك أبدًا أن تقول هذا كتاب انتهيت منه وتضعه ولا تعود إليه. وكلما كان الكتاب ضروريًا ومهمًا عظيمًا عليك أن تكثر العودة إليه. وهذا أول ما يُطبق على القرآن، عليك أن تعود إليه في كل يوم. ويكفي أن من ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب.
 
هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينتجون علومًا وينتجون معارف وينتجون حكمة من بيوتهم الخربة ولا قرآن فيها هؤلاء كذابون، ينتجون كلامًا هدر كما يسميه الجزائريون، كلام شوارع، كلام مساطب كما يقول المصريون، لا قيمة له. الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب. فعليه أن يعود إلى القرآن مرة بعد مرة.
 
هذه القاعدة نطبقها على أول درجة بعد القرآن وهي الحديث. من هنا قراءة التعبد للنص النبوي توجب إليك أن تعود إليه مرة بعد مرة. هذا كتاب (الأذكار) هو كما وصف الإمام أحمد إمامه الشافعي لما قال عبد الله لأبيه أحمد: يا أبتي مالي أراك تكثر الدعاء للشافعي؟ يدعو له كل يوم. فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل عنهما غناء؟
 
هذه كلمة ليس لعظمتها، ولكن لأن الناس العظماء يعرفون بعضهم البعض. أحمد لا ينظر للشافعي أنه منافس، ولا أن إسقاطه يدعو له وقال له هذا كالشمس للدنيا، هل يمكن للدنيا أن تستغني عن الشمس؟ وكالعافية للبدن، هل البدن بغير عافية يستطيع أن يتحرك ويمشي ويقوم بواجباته وأعماله؟ فهذا الشافعي هو هكذا. هذه الكلمة يقولها هذا الإمام عن هذا الإمام العظيم، وفي الحقيقة أحق الناس بهذا الوصف هو الحديث النبوي. الشمس كل يوم تشرق أم لا؟ والعافية البدن كل يوم تأخذ لها طعام أم لا؟ وكل يوم تذهب إلى الخلاء حتى تنقي البدن من الأوساخ والقاذورات والأمراض.
 
فلذلك القراءة الدينية القراءة التي فيها معاني التعبد لا بد أن تعود إليها مرة بعد مرة، ولذلك هذه ضرورة الأفكار. لأن مسألة العلم في القرآن مربوطة بمسألة الإيمان. ولذلك لا بد أن نقرن العلم بالإيمان، العلم بما يقوله النبي -صلى الله عليه وسلم- مقرون بالإيمان، والإيمان هو قول وعمل. فلا بد من العلم من القول، لا بد أن تبقى مكررًا دائمًا للنص النبوي. كلما أشرقت الشمس، كلما أفقت من نومك، كلما أردت أن تنام، كلما أردت أن تأكل، فأنت تعيش حال التعبد. هذه هي قراءة التعبد، القراءة التي تشعرك دائمًا بعبوديتك لله في كل يوم.
 
وربط الله -عزَّ وجلَّ- لكل كلمة تقال معنيان؛ المعنى القدري المتحقق بها، والمعنى العلمي الذي هو يلزمنا الآن في باب فن القراءة. الآن لما تخرج من بيتك وتقول بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يتنحى عنك الشيطان ويقول كيف لكم برجل قد كُفي وعُفي، فهذا أمر قدري تحقق به، غير الأجر الأخروي، لكن تحقق بهذا الذكر أمر قدري.
 
ولذلك العلماء لما جاؤوا إلى قوله (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) كما شرح ذلك ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية قال هذه الكلمات الكونية. يعني الله -عزَّ وجلَّ- يجعل بكلماته التي تقولها الشرعية يجعل كلمات كونية حفاظًا، تقوم، وتعطيك، وتمدك، وتقوي بدنك. أحدهم يسأل كيف أنا أقوم الليل فيقوى بدني؟ هذا عالم من الغيب، هناك ملائكة وغيرهم.
 
لما الشيطان يحول عنك وأنت تبقى بينك وبين الشيطان لأن الشيطان جزء من تدميرك، هو جاء من أجل أن يدمرك. وأعظم شيء في الشيطان هو أن يمنعك أولًا من الانطلاق، فإذا أبيت الانطلاق جعل انطلاقك للشر، وهذا شرحته في سورة الإسراء. قال الله تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا}. الشرك والمعصية أول طريق للشيطان أن يجعلك تقعد، لا تنطلق، وﻻ تتحرك.
 
ولكن بعدها قال {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ} أولها لمنعك من العمل الصالح، والثانية {فَتُلْقَى} لأن الشرك لا يدفعك إلا للعمل الفاسد.
 
هذه قراءة تنير لك الحياة، وهذه قراءة تدمر القراءة الفاسدة، والشرك بالله قراءة فاسدة وهو حكم على الوجود بغير ما فيه. ما هو الجهل وما هو العلم؟ خلاصة العلم وإن كان نهايتهم كما قال الرازي هو شيء في النفس مفهوم لا يحتاج إلى تعريف، لكن أغلبهم يقول إن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو عليه. الآن الشرك هو ماذا؟ اعتقاد الشيء على غير ما هو عليه. إذًا ما هو الجهل؟ ألا تعرف الشيء. لكن الجهل المركب هو أن تعرف الشيء على غير ما هو عليه. فالجهل هو ألا تعرف الشيء، لكن الشرك أن تعرف الشيء على غير ما هو عليه فهذا جهل مركب.
 
ومقصود القراءة هو تحصيل المعرفة، المعرفة يعني العلم؛ أن تعرف الشيء على ما هو عليه. فأول شيء في موضوع الذكر كونها أولًا قراءة تخرجك إلى العمل، لأنها تمنعك من قضية {فَتَقْعُدَ} فالشرك يثبّط إرادة العمل التي فيها صلاح الوجود. وصلاح الوجود ﻻ تبنيه الكلمات، الكلمات ﻻ تبني عمارات، الكلمات لا تقدر على المشركين، الكلمات لا تهدم الأصنام، الكلمات تبني العقائد من أجل أن تدفع الإرادات للعمل.
 
الكلمات تنشئ العقائد، والعقائد تصنع الوجود، تقيمه وتحركه. {فَتَقْعُدَ} فإن القعود مقصد من مقاصد الشيطان في الشرك.
 
إذًا المقصد الأول هو تحقيق الأمر القدري، انتهينا منه. نحن قلنا لمقصدين: القراءة الدينية التعبدية. المقصد الثاني في الباب وهو تحقيق العلم.
 
أولًا تحقق لك الجانب القدري الذي تحدثنا عنه، الجانب الثاني كلما مارست القراءة كلما ازددت علمًا. وهذا الناس يعرفونه فيما شرحناه، قلنا إن قول القائل بأني قرأت الكتاب فانتهيت منه خطأ. كلما ذهبت إلى القرآن وقرأته تفتّح لك، كلما جئت للحديث وقرأته تفتّحت لك معانيه، كلما قمت بالعلم وذهبت إلى الكتاب كلما فُتح لك. لأنه طيب، وقلنا هذا ميزة الكلام العظيم، فميزة الكلام العظيم أن له أثواب متعددة.
 
كم عدد الأثواب؟ بعدد مرات ذهابك إليه. كم أثواب القرآن؟ بعدد قراءة القارئين له منذ أن أُنزل إلى يوم القيامة، كلما ذهب إليه القارئ حصل له معاني. والدليل الناس يبكون ما زالوا، حتى العامي يقرأ فيبكي. فلذلك القراءة الدينية لا تحقق فقط العصمة والأجر لكنها تحقق العلم، وهذا العلم هو العلم النافع.
 
من أجل هذا أيها الإخوة الأحبة هذا الذي ذكرناه عن القرآن فيما ذكرناه وهذه القواعد في القراءة يجب أن تُطبق في كتاب الأذكار. هذه لا ينفع معها أن تقرأ الكتاب فتعرف ما فيه، هذه يجب عليك أن تفهم أنها أن تذهب إليها مرة بعد مرة كالعافية للبدن، كل يوم تأكل، كل يوم تذهب إلى بيت الخلاء، كل يوم، لا أحد يقول مللت من هذا. الشمس هل تقول اليوم أنا اليوم لا أريد أن أشرق؟
 
وذلك لأن الإنسان بحاجة إلى هذه المعاني كالعافية. الشافعي علم، ولكن هذا العلم لا بد مرة بعد مرة، وهذه هي القراءة الدينية التي نحتاجها.
يكفي هذا في موضوع كتاب الأذكار، وهذا الكتاب إنما جعله الإمام للتعبد.
 
هناك قضية أحب أن أعرّج عليها وهي مهمة: وأنا أقرأ في رياض الصالحين ولي خبرة بـ (إحياء علوم الدين) كونه من الكتب التي في وقت من الأوقات المرء أحبها حبًا عجيبًا، وفي وقت من الأوقات رماها رميًا تامًا، والحق أن المسألة ليست لها إعجاب لدرجة الانصهار والذوبان، ولا رمي لدرجة الإنكار والرفض. ولذلك فكتاب (إحياء علوم الدين) من الكتب التي تُقرأ مرة بعد مرة، لأسباب متعددة كثيرة؛ لفاعلية هذا الكتاب إيجابًا وسلبًا في تاريخ الأمة.
 
والحق أني وجدت أن الإمام النووي متأثر بالإحياء، وباختصار ولا أريد أن أشدد عليها ولكن إن شاء الله يوافقني طلبة العلم إذا قرؤوه أن كتاب (رياض الصالحين) وكتاب (الأذكار) إنما مستخلص من كتاب (إحياء علوم الدين) حتى بترتيبه. وذلك أن الإمام الغزالي في الإحياء قسّم كتابه إلى أربعة أقسام: أولًا العبادات، ثانيًا العادات، ثالثًا المنجيات، رابعًا المهلكات. تجد أن رياض الصالحين شامل للمنجيات والمهلكات، وبالترتيب.
 
يعني أول باب في المنجيات هو الإخلاص، ثانيًا الصبر، ثالثًا الشكر. هذا أين؟ في الإحياء، وهذا نفس الشيء حتى في ترتيب الفصول في رياض الصالحين. فليس متأثرًا فقط به ولكن حتى أنه جعل رياض الصالحين في هذا الباب على وفق هذه المعاني.
 
وكتاب الأذكار للإمام النووي هو كتاب العبادات. الآن لو ذهبت إلى كتاب الأذكار، وفتحت المجلد الأول سواء كان بالتقسيم الخماسي مثل النسخة الموجودة عندي، فلو ذهبت إلى المجلد الأول والذي فيه العبادات وجدت أن الأذكار التي يشرحها والعبادات التي يشرحها الغزالي موجودة في كتاب الأذكار. بل ترتيب الأذكار في كتاب (الأذكار) للنوي مرتبة على ما رتّبها الغزالي؛ كيف تبتدأ وكيف تنتهي حتى تنتهي بالاستغفار، وإن كان الإمام النووي يفسّرها لماذا هو فعل ذلك، يقول أردت أن أختم بكتاب الاستغفار من أجل أن تكون هي الخاتمة أن يغفر الله لي، لكن الترتيب موجود.
 
ماذا يفيد هذا؟ هذه النقطة عندي تفيد نقطتين: النقطة الأولى وهي مهمة جدًا ويجب أن تربطها في طريقة تصنيف الإمام النووي وهي أن الإمام النووي لما ألّف كتبه لم يصل لدرجة النضوج التام لينشأ فنونًا جديدة. يعني لو جئت للإمام الشافعي هل سبقه أحد في تصنيفه هذه المادة؟ هو ابن بكارتها (يقصد الأصول)، سواء من جهة العلم أو من جهة التصنيف. التصنيف يعني أن يضع الأبواب وكذا. فهو ابن بكارتها وهو إمامها، وبالتالي لا يمكن أن يؤلف هذه الكتاب على القاعدة التي ذكرناها وهي "التحصيل عن طريق التصنيف" لا يمكن أن تقع.
 
لأن هذا الباب من التصنيف لا يمكن أن يقع إلا بعد أن يستوفي الرجل مطالب العلوم، وأن تنضج عنده بحيث ينشئ علومًا جديدة. وحينما نرى كتب النووي -رحمه الله- فهي ليست على هذا الباب، بل نرى كتابًا هكذا هو كتاب أوجده أو كتاب وضعه على وفق آخر إنما هو يمشي على نسق الأولين. (الأربعين النووية) على نسق ما ألّفه العلماء، يشرح (المجموع) على طريقة شرح الفقهاء، ويشرح (مسلم) على هذه الطريقة، وهكذا يشرح لكنه لا ينشئ كتبًا هي في تصنيفها وفي علومها مادة جديدة.
 
ولا شك أنه في عصر متأخر صعب أن نطالبه بهذا المطلب، فالعصر المتأخر العلوم فيه قد وضعت قواعدها، واستقرّت معانيها، إلى غير ذلك. ولكنها تبقى حالة يجب أن ننظر إلى الإمام النووي فيها.
 
هذه ليست تهمة للإمام النووي، فلا يأتي أحدهم ليقول أنت صغّرت منه، لا، هذا ليس تصغيرًا للإمام النووي، ولكنها حكم على طريقته، وعلى كتبه، وعلى تصنيفه.
 
فهذه ماذا تفيدنا؟ تفيدنا هذه النقطة أيها الإخوة الأحبة وهذه النقطة قالها الشاطبي في الموافقات، وعاب على الذين يزعمون ويفتخرون أنهم حين يؤلّفون لا يرجعون إلا إلى صدورهم، يقول هذا عيب، لماذا لا يرجعون إلى الكتب الأخرى. يقول لا بد للعالم أن يرجع إلى الكتب، ما دام قادرًا على ذلك فعليه أن يرجع إلى الكتب ويعترف أنه استفاد وأخذ، بل لا يمكن للعالم في أصول ما أن ينشئ علمًا إلا إذا ارتكز على القواعد الأولى، ولكنه يزيد هنا وينقص هنا ويفعل هنا بحسب ما يريد أن ينفع به الأمة.
 
والإمام النووي لا يقول أنا ابن بكارة هذه العلوم، بل حين جاء إلى الأذكار اعترف قال أخذتها من كتاب النسائي. وهم يقسمون كتب الحديث إلى قسمين؛ كتب أصول، وكتب فروع، وهذا شرحناه من قبل.
 
كتب الأصول هي التي تذكر الحديث بسنده كالبخاري يذكر حديثًا منه إلى قائليه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أو إلى الصحابي، وهكذا مسلم، وهكذا أبو داود.
 
لكن هناك كتب الفروع وهي على طريقة (رياض الصالحين) يجرّد الأسانيد وينسبها، ويزيد عليها كما يقول أنا أخذت هذه وصنعت فيها صنيعًا أني حكمت على الأحاديث. ليس هنا مجال الكلام على الخطأ أو الصواب، هذا فعله العلماء من قبل، وحقّقوا هذا الكتاب، وخرّجوا أحاديثه. يعني هناك الإمام ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- خرّج أحاديث (الأذكار) وحكم عليها بقواعد أهل العلم؛ الصحيح والضعيف إلى غير ذلك.
 
لكن هذا يفيدنا بأن الرجل لا يقل فضله لو أنه استفاد ممن سبقه. وهكذا هو النووي استفاد ممن سبقه، وأنشأ على غرارهم، ومع ذلك صار الفرع أكثر انتشارًا ومعرفة من الأصل. يعني الناس الآن العابدون الذين يريدون الأذكار هل يذهبون إلى الإحياء أم يذهبون إلى أذكار النووي؟ إلى الأذكار.
 
فهذه نقطة لا تُعاب على الرجل، وعلينا أن نفهم أن المصنفين بعد القرون الأولى من التصنيف هم يبني بعضهم على بعض، وهذا ليس عيبًا. وهذا مهم في القراءة، عليك ألا تحتقر، لأن هناك من يحتقر يقول هذه أخذها من فلان، وهذه أخذها من فلان، نعم لا بأس، لكن هل صنعها صناعة جديدة؟ هل قدّم لها؟ هل مهّد لها؟ هل زاد عليها؟ إلى آخره، فلا يُعاب هذا الباب ولكن من بركة العلم أن يُنسب العلم لصاحبه.
 
يعني ينبغي على طالب العلم أن ينسب هذا العلم لصاحبه، أن يقول هذه أخذتها من فلان إلى غير ذلك، ولا يظهر للناس أنه هو الذي أتى بما لم يأت به الأوائل. وقلت سابقًا بأن كتاب العلم في الإحياء قد أخذه كاملًا صاحب الجامع في طلب العلم الشريف، والناس مساكين هو أخذه بكل هيكله التام ووضع فيه كلام الغزالي ووضع فيه كلام ابن تيمية ووضع من هنا ومن هنا وملأ الحواشي في هيكل كتاب الإحياء بزيادات، والناس ظنوا أنه هو الذي أتى بما لم يأت به الأوائل، وهو مأخوذ بأصوله من كتاب الإحياء.
 
فينبغي على المعاصرين أن يظهروا هذا، لا أن يسبوا الغزالي ثم إذا بهم عالة عليه! لأن الغزالي في الحقيقة يعترف حتى أكابر خصومه أنه من عقلاء التاريخ، وهذا لا شك فيه.
 
النقطة الثانية في هذا الباب وهي لماذا الإمام النووي أراد إفراد الأحاديث في كتاب الأذكار وأوردها في كتاب رياض الصالحين بتجريدها فقط بالنص، وطريقة الغزالي ليست كذلك. الغزالي يتكلم على الأحاديث، يعني هو له إنتاج ذاتي بخلاف النووي. النووي يقدم الأذكار كما هي مع زيادات في مسائل الفقه وسنأتي إلى شخصية النووي العجيبة هنا، في الأذكار فيه شخصية غريبة النووي يظهرها، سنأتي إليها.
 
فهو في رياض الصالحين يجرّد الأحاديث ويأتي بمسائل فقهية قليلة جدًا. لكن طريقة الغزالي تختلف، الغزالي يأتي أولًا بالموضوع ويشرحه على منواله وطريقته في الطريقة التي قال عنها علمائنا أن الغزالي أوّل من مزج الفقه بالتصوّف. ولذلك لما يأتي ابن تيمية مثلًا لبعض المسائل ويقول وهذه أجمع عليها العلماء وإن كان بعض أهل التصوّف ممن تكلموا في الفقه قالوا غير ذلك.
 
مثال كراهية قصّ الأظافر قبل غسل الجنابة، فالغزالي مثلًا قال من الأفضل للمسائل التي خرجت فيها التصوف عن حد الفقه أنه ليس حسنًا أن تقص أظافرك وأنت جنب لأنك تقلع الأظافر وهي جنب، فاغسلها أولًا ثم قصّها. وهذا مخالف للإجماع، يعني يجوز للرجل أن يقص أظافره وهو جنب، ويجوز أن يحلق شعره وهو جنب، لا نقول الشعر الذي سقط منك عليه جنابة يجب تغسله! فهذا خلاف الإجماع فهو مزج الفقه والتصوف بهذا المعنى.
 
فهل نستطيع بعد هذا الكلام نستطيع أن نقول إن النووي (وهو معظم للغزالي) وفي كتابه روضة الطالبين في فقه الشافعية أخذ كثيرًا من كتب الغزالي الثلاثة، والغزالي وضع ثلاثة كتب في فقه الشافعية هي مرجع مذهب الشافعية، هي البسيط، والوسيط، والوجيز. البسيط يعني الوسيع ليس معنى البسيط أنه سهل، البسيط من البسط وهو الكثرة. فأعلاها هو البسيط، وأصغرها الوسيط، وأقلّها هو الوجيز.
 
ففي روضة الطالبين لما تقرأ لا تجد مسألة إلا وقد أخذ من الغزالي من كتبه، فهو معظم للغزالي. لكن هل صحيح أن الإمام النووي أراد بهذه الكتب أن يضع كتبًا سنية مقابل الفقه الصوفي؟ يمكن، وأنا أميل لهذا، وإن كانت قراءتي للنووي في طريقة تصنيفه ربما تمنع هذا المعنى فيما ذكرنا كيف يصنّف. ولكن مما ذُكر عنه ولا ينبغي أن تُذكر إلا لأنها ابتداء، في أنه لبس الخرقة من بعض مشايخ الصوفية.
 
يعني يُذكر في ترجمة النووي أنه أخذ البيعة الصوفية، يعني على الأذكار وغيرها. وهذا لا يُستبعد في بداية أمره، ولكنه الفقيه لا بد أنه قطعًا خرج من ذلك كله. فإذا قيل ذُكر في ترجمته أنه كان يزور شيخه فلا بأس بهذا، ليس فيه مشكلة. لا ينسى زيارة الشيخ الكبير الذي جاء إليه وهو صغير فبايعه على التصوف ومسح على رأسه وتنبّأ له بالمستقبل الباهر أن يعود إليه مرة ثانية فيزوره، ولكن بلا شك أن الفقه الذي عليه إمام كالنووي لا يمكن أن يلتقي مع التصوف.
 
وهنا يمكن أن نقول انتهينا في نظرتنا لهذا الكاتب أو المصنف والكتاب.
 
أنا أريد أن أقرأ نصًا لأحد الإخوة وهو يسأل عن تعزية الكافر. الغريب أن الإمام النووي وأنا كنت أظن أنه إجماع لكن وجدت بعض أهل العلم يرى الكراهة وليس الحرمة، كراهة تعزيته. ولكن الذي كنت أعلمه أنه لا أحد يخالف، ثم وجدت بعض أهل الفقه. فهو لما يأتي إلى تعزية الكافر في كتاب الأذكار لا يذكر خلافًا فيها، وإنما يذكر صيغة التعزية فأقرأها سريعًا فقط لمنفعتها في الباب وإن كانت مسألة فقهية لها مجال آخر لكن هي فرصة، ثم نأتي إلى شخصية غريبة، شخصية مقارعة في الإمام النووي، ليس كما تتصورنه ساذجًا أو سهلًا أو لينًا، بل له عبارات قاسية يقرع فيها خصومه.
 
في التعزية يقول: "فصل، وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه. -يعني يريد أن يقول بأن ألفاظ التعزية ليست توقيفية، تقول ما تحب على ألا تخالف الشرع-. فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. -وهذا من الفقه الذي ينبغي أن يُقرأ كتاب الأذكار ليس فقط من العامي ولكن على العالم أن يقرأه. واستحبَّ أصحابنا -المقصود به الشافعية- أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ، وفي تعزية المسلم بالكافر- يعني المسلم يعزّي مسلمًا فيمن مات من أقربائه من الكفار. يعني واحد مسلم أبوه كافر فمات، والمسلم يريد أن يعزي هذا المسلم بالكافر ماذا يقول؟
 
"وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك. وأحسن عزاءَك". -لأنه مسلم فله الأجر. وفي تعزية الكافر بالمسلم؟ واحد كافر وابنه مسلم ومات ويريد يعزي الكافر بالمسلم: " أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك". وفي تعزية الكافر بالكافر؟ "أخلف الله عليك".
 
وهناك باب نقرأ الكثير منه إن شاء الله وهو ربما بعض الناس صنّف على منواله، قال: "باب في ألفاظ حُكي عن جماعة من العلماء كراهتها وليست مكروهة". هذا باب من أبواب المناهي اللفظية والألفاظ التي نُهي عنها وهي صحيحة. وأريد من الإخوة عند قراءة هذا الكلام أن يقرؤوا هذه الكلمات بوجهين: طريقة النووي في الرد عليها وشدتها. وثانيًا إما أن هؤلاء العلماء لم يصلهم النص أو وصلهم ولم يفهموه فأتوا بالمسألة على طريقة الرأي، فهموا الكلمات على معاني. وهذه نجدها اليوم عند البعض، يأتون إلى ألفاظ يقولون غير صحيحة.
 
قال: "اعلم أن هذا البابَ مما تدعو الحاجةُ إليه لئلا يغترّ بقولٍ باطلٍ ويعوّل عليه. واعلم -انتبه إلى هذه المقدمة المهمة- أن أحكامَ الشرع الخمسة، وهي: الإِيجابُ، والندبُ، والتحريمُ، والكراهةُ، والإباحةُ؛ لا يثبتُ شيءٌ منها إلا بدليلٍ.” يعني لما يأتي بعض أهل العلم يقول أستحب كذا، أكره كذا، لا بد من دليل، فليست على مزاجه.
 
" وأدلة الشرع معروفةٌ -يعني المقصود الكتاب والسنة والإجماع والقياس إلى آخره- فما لا دليلَ عليه لا يلتفتُ إليه، ولا يحتاجُ إلى جوابٍ؛ لأنه ليس بحجةٍ.” انتبهوا إلى هذه الكلمة، النص لا يحتاج للجواب، المعنى أنّه إذا ورد على هذا النص اعتراض من قول أو شبهة أو قياس، فيقول بأنّ هذا لا يحتاج للجواب عليه، يقول فلو كان كذا أو افرض أنه كان كذا تقول له هذا النص، وهذه عظيمة، هذه طرق مهمة جدًا.
 
طبعًا كما ترون كلام أهل العلم وامتلائه بالمعاني شيء غريب جدًا. قال: " ولا يحتاجُ إلى جوابٍ؛ لأنه ليس بحجةٍ، ولا يُشتغل بجوابهِ؛ ومع هذا فقد تبرعَ العلماءُ رحمهمُ الله، في مثل هذا بذكرٍ دليلٍ على إبطالهِ". إذًا ذكر الدليل على إبطاله قال: تبرع.
 
" ومقصودي بهذه المقدمةِ أنّ ما ذكرتُ أن قائلاً كرههُ، ثم قلتُ: ليس مكروهاً، أو هذا باطلٌ -يعني كلام القائل باطل-، أو نحو ذلك، فلا حاجةً إلى دليل على إبطاله، وإن ذكرتهُ كنتُ متبرّعاً به". انظروا هذا هو النووي، تلاحظون هذه شخصيته في المناظرة وشخصية القراءة موجودة في داخل هذا الإمام.
 
" وإنما عقدتُ هذا الباب لأُبيِّن الخطأَ فيه من الصواب، لئلا يُغترّ بجلالةِ مَن يضافُ إليه هذا القولُ الباطل". يعني كون العالم جليل وقال هذا القول لا تغتر فيه فهو قول باطل.
 
" واعلم أني لا أُسَمِّي القائلين بكراهةِ هذه الألفاظ". هذه طريقة الإمام الشافعي؛ وقال لي المخالف، وناظرت أحدهم، والذي ناظره العلماء، ولكن كما قال عبد الرحمن المعلّمي لا يذكر أسماء من يناظرهم من باب التواضع. حتى لا يقول أنا نظرت فلان، من باب التواضع وأن يستر عليهم. النووي يقول حتى لا أشهّر بهم. " واعلم أني لا أُسَمِّي القائلين بكراهةِ هذه الألفاظ لئلا تسقطَ جلالتُهم ويساءُ الظنّ بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلةٍ نُقلت عنهم، سواءٌ أصحّتْ عنهم، أم لم تصحّ، فإن صحَّتْ لم تقدحْ في جلالتهم كما عرف، وقد أضيفُ بعضُها لغرضِ صحيحٍ: بأن يكونَ ما قالهُ مُحتملاً، فينظر غيري فيه".
 
يعني ممكن يبيّن بعد ذلك أن هذه المسألة انظر إلى غيري، " فلعلّ نظرهُ يخالفُ نظري، فيعتضدهُ نظرهُ بقولِ هذا الإمامِ السابقِ إلى هذا الحكمِ، وبالله التوفيقُ". انظروا إلى ألفاظه في الرد.
 
" فمن ذلك ما حكاهُ الإمامُ أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابهِ: "شرح أسماء الله الحسنى" عن بعض العلماءِ أنه كره أن يُقال: تصدّق الله عليكَ، قال: لأن المتصدّقَ يرجُو الثواب". يعني هو يقول إن بعض أهل العلم نقل عنه النحاس في كتابه شرح أسماء الله الحسنى يقول لا يجوز تصدق الله عليك، لأن المتصدق عادة يرجو الثواب وهذا لا يجوز في حق الله. " قلتُ: هذا الحكم خطأ صريحٌ، وجهلٌ قبيحٌ، والاستدلال أشدُ فسادًا".
 
" وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال في قصرِ الصلاةِ: "صدقةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فاقْبَلُوا صدقتهُ".
 
" وَمَنْ ذلك ما حكاهُ النحاسُ أيضاً، عن هذا القائل المتقدم ذكرهُ، أنه كره أن يُقال: اللَّهمّ أعتقني منَ النَّارِ، قال: لأنه لا يعتقُ إلا مَن يطلب الثواب". نفس المعنى.
 
" قلتُ: وهذه الدعوى والاستدلال من أقبح الخطأ، وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبعُ الأحاديثَ الصحيحة المصرِّحة بإعتاق الله تعالى مَن شاءَ من خلقهِ لطال الكتابُ طولاً مُمِلًّا.
 
وذلك كحديث: "مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً أعتقَ اللَّهُ تَعالى بكُل عضوٍ منها عضوًا مِنَ النَّارِ".
 
وحديث: "ما مِنْ يَوْمٍ أكْثَرُ أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ عَبْداً مِنَ النّارِ مِنْ يومِ عَرَفة"
 
ومن ذلك قولُ بعضهم: يكرهُ أن يقولَ: افعلْ كذا على اسم الله؛ لأن اسمهُ سبحانه على كلِّ شيءٍ. قال القاضي عياضُ -رحمهُ الله- وغيرهُ: هذا القول غلط.
 
فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه في الأضحية: "اذْبَحُوا على اسْمِ الله" أي: قائلين: باسم الله.
ومن ذلك ما رواهُ النحاسُ، عن أبي بكرٍ محمدِ بن يحيى -قال: وكان من الفقهاء الأدباء العُلماء، قال: لا تقُل -وهذه منتشرة هذه الأيام من بعضهم-: جمعَ اللهُ بيننا في مستقرٌ رحمتهِ -على أساس الرحمة صفة للذات، ومستقرها في ذات الله-، فرحمةُ اللهِ أوسعُ من أن يكونَ لها قرارٌ، قال: ولا تقُل: ارحمنا برحمتك.
 
قُلتُ: لا نعلمُ لما قالهُ في اللفظين حجة، ولا دليلَ له فيما ذكرهُ، فإن مرادَ القائل بـ "مستقر الرحمةِ": الجنةُ". يقول أحدهم اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك، الجنة هي رحمة الله. هل يجوز أن تطلق الأثر على الصفة؟ {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} هذا إطلاق للصفة على أثرها، فأثرها تجري بأعيننا برعايتنا، أثر العين هي الرعاية.
 
" ومعناهُ: جمعَ الله بيننا في الجنة التي هي دارُ القرار، ودارُ المقامةِ، ومحل الاستقرارِ، وإنما يدخلها الداخلون برحمة اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ من دخلَها استقرَّ فيها أبداً، وأمِنَ الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمةِ الله تعالى، فكأنه يقولُ: اجمع بيننا في مستقرٍّ ننالُهُ برحمتك". اللغة العربية تتحملها، هذا هو الذي جعل العربية بليغة.
 
روى النحاسُ عن أبي بكرِ المتقدمِ، أنه قال: لا يقُل: اللهمَّ أجِرْنا من النارِ، ولا يقُل: اللهمْ ارزقنا شفاعةَ النبي -صلى الله عليه وسلم، فإنما يشفعُ لمنِ استوجبَ النار. -لقوله شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي-. قال لا تطلب الشفاعة، والشفاعة أكثر من عشر أنواع، منها أن ترتفع درجة المرء تكون درجته في الجنة في مكان فيشفع له النبي فيكون في درجة أعلى، وهكذا فالشفاعة درجات.
 
وألفاظ أخرى من هذا الباب، وقضية سورة كذا إلى سورة كذا إلى آخره، وذكر فيها بيان الجواز.
 
" ومن ذلك ما جاء عن مطرفٍ -رحمهُ الله، أنه كره أن يقول: إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ في كتابهِ؛ قال، وإنما يقالُ: إن الله تعالى قال. كأنه كره ذلك لكونه لفظاً مضارعاً، ومقتضاهُ الحالُ، أو الاستقبالُ، وقول الله تعالى هُو كلامهُ، وهُو قديمٌ". ولا نريد أن نتناقش "قديم" فهو غير صحيح، وكلامه حصل حيث أراد جل في علاه من الزمن.
 
الحقيقة أعجب لطالب علم، أعجب لعابد، أعجب لمن يعمل في دين الله وألا يكون هذا الكتاب أنيسه، وجليسه، ومؤدّبه، وعاملًا به في كل وقت.
 
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من الذاكرين كثيرًا والذاكرات، آمين.
 
والله تعالى أعلم، وبارك الله فيكم.

أخبار ذات صلة

الذين يصرون على اختصار الشريعة واختزالها في إقامة حدود العقوبات، التي تمثل شُعبة واحدة من شُعَب الإيمان البِضع وسبعين ؛ هؤلاء جهلوا أو تجاهلوا أن (ح ... المزيد

طالب أحمد النجل الأكبر، والمتحدث باسم أسرة محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في المزيد

تعليقات