البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الإسلام السياسي .. بين الجماعات الإسلامية .. و الثورة المصرية

المحتوي الرئيسي


الإسلام السياسي .. بين الجماعات الإسلامية .. و الثورة المصرية
  • محمد المرشدى
    11/02/2021 07:39

بادئ ذي بدء لم يكن مصطلح " الإسلام السياسي " أبداً أحد المفردات المتداولة في الأدبيات الإسلامية منذ بداية الإسلام و حتى سقوط الخلافة الإسلامية ، بل نستطيع أن نُجْزِم بأنه لم يكن ليدور بِخَلَدِ أحَدٍ من العلماء أو الفقهاء الأوائل أن يؤول الأمر بالإسلام إلى أنْ يُخْتَزَل في بعض الطقوس و الشعائر العبادية و يتم استبعاد الشريعة بالكُلِّية مِنَ بلاد المسلمين أو حتى تعطيلها !!

و حتى نتفهم كيف تَمَّ نَحْتُ هذا المصطلح ( الإسلام السياسي ) فسنعود للخلف أكثر من ثلاثة قرون من الزمان حين دَشَّنت الحضارة الغربية الحديثة ( السائدة على الأرض الآن ) أول تغيير ملموس لها على الأرض بظهور الدولة القُطْرية الحديثة على أنقاض مملكة الرَّب المسيحية في أوروبا ، مُعْلِنةً بذلك عن ميلاد نظامٍ عالميٍ جديد يُلْغي أيَّ سَطْوَةٍ للكنيسة ليس فقط على منظومة الحُكْم ، بل و على كل مظاهر الحياة ، و بتوالي الأيام و الأحداث اشتَّدَ عود هذه الحضارة الجارفة و تَشَكَّلت فلسفتها في الُحُكْمِ و الاقتصاد و سائر أنماط الحياة الاجتماعية ، و تَطَوَّرَت الحضارة الغربية مع الأيام لتكتسب طابِعاً براجماتياً مُتَغَوِّلاً تمكنت به من الهيمنة على كل الحضارات القديمة على الكوكب .. و من نافِلة القَوْلِ أنه كان قد تَزَامَنَ مع مراحل نموّ و صُعود هذه الحضارة الجديدة بدايات الانحسار و التفكك ­لِدولة الخلافة العثمانية التي تَسَيَّدَت قطاع كبير من الأرض المعمورة حتى هذا الزمان ، و بدا واضِحاً لِكُلِّ زعامات الحضارة الوليدة آنئذ حَتْمِيَّة تفكيك هذه الإمبراطورية الإسلامية العَجوز و التي تقف كَحَجَرِ عَثَرة أمام اكتمال حلقات هذه الحضارة الحديثة ، حيث كانت خَيْرات و شعوب و بلاد المسلمين مع غيرهم من شعوب و بلاد العالم الثالث سَتُمَثِّل ليس فقط الوقود للآلة الإنتاجية الجبارة الناشئة بل و ستكون هي نفسها السوق المُستهلكة لِمُخْرَجات هذه الحضارة أيضاً .

و بسقوط الخلافة الإسلامية تَمَّ إعادة تقسيم جسد الأمة الإسلامية التي كانت في غالبها ترزح تحت الاحتلال الغربي آنئذ و لا تملك من أمرها شيء ، و ظهرت للوجود على أنقاض أرض الخلافة دُوَل و مَمَالِك جديدة غُيِّبَت فيها الشريعة الإسلامية عن الواقع المُعَاش يوماً بعد يوم و إن كانت شعوبها مازالت تَدين بالإسلام !! في مُحاكاةٍ فَجَّةٍ لِنَشْأة الدولة القُطْرِيَّة الحديثة الأولى في أوروبا !!

إلاَّ أنَّهُ و على الرغم من كل المحاولات التي لم تتوقف ليومٍ من الأيام لتَغْريب فِكْر الشعوب المُسلمة بالأساليب الناعمة تارة و باللجوء للقَمْعِ و القَهر تارة أخرى لمْ تَنْجَح أنظمة الحُكْم في بلادنا الإسلامية في استنساخ النموذج الغربي في علاقة الدين " المسيحي " مع الدولة القُطْرِيَّة الحديثة ببلادنا ، و ذلك لاختلاف طبيعة الإسلام ( الذي لا يتحقق إلاَّ بالشريعة مع العقيدة معاً ) عن نموذج المسيحية المُحَرَّف الذي انقلب عليه رُوَّاد الحداثة و هم يدشنون مشروعهم الحضاري في أوروبا ، و لذلك ظلَّت أنظمة الحُكْمِ ببلادنا في صِراعٍ دائم مع غالبية الشعوب الإسلامية التي ترفض استبعاد الجانب التشريعي ( و في القلب منه النظام السياسي ) من حياتهم اليومية بحجة الحداثة و مجاراة الحضارة الغربية السائدة ، و كنتيجة طبيعية لهذا الوضع المُسْتَجَد في الأُمَّة الإسلامية ظهرت حركات و جماعات تتبنى محاولات إعادة التصور الإسلامي الكامل للحياة كعقيدة و شريعة مرة أخرى كَواقِعٍ مُعاش على الأرض ، و منذ ذلك التاريخ ظهر للوجود " الإسلام السياسي " كَمَطْلَبٍ مُلِحّ للشعوب المُسْلِمَة تَبَنَّته الحركات الإسلامية ، و لكنه مع الأسف ظهر للوجود دونما سابق إعداد أو تخطيط دقيق ، و من ثمَّ فقد بدا مشروع " الإسلام السياسي " كمشروعٍ غير مُنْجَز ، أو كَوَليدٍ مُبْتَسَر كُلَّما تَعَرَّضَ للاختبار على الأرض ، سُرْعان ما يَفْشَلَ في الصمود أمام التحديَّات المتكررة التي تقابله ، و بدا واضِحاً أنَّ قادة الحركات و الجماعات الإسلامية لا يملكون - حتى الآن - التصور الكامل لهذا المشروع ( الإسلام السياسي ) ، بل لا نُبالِغ إن جَزَمنا بأنهم لم يستطيعوا لا فَهْم الطبيعة المُعَقَّدة لهذا التَغَيُّر الهائل في شكل الدولة الحديثة التي يريدون أَسْلَمَتها و سَلْخها من هَيْمَنة الحضارة الغربية ، و لا طبيعة هذه الحضارة التي تَخَطَّت شبكتها مؤسسات الحكم في البلاد لتصل إلى أصغر فرد في المجتمع ، بل و لا حتى تحديد خَصْمَهم في هذا الصِراع الذي دخلوه وهم لا يدركون أنهم قد دخلوا في صراع صِفْرِيّ بالضرورة ، و مِنْ ثمَّ فلم تُدْرِك قيادات الجماعات الإسلامية أنَّ محاولاتهم للتغيير و تفعيل الإسلام السياسي في حقيقة أمرها لم تَكُنْ أبداً مُجَرد مزاحمة سياسية على السلطة في قُطْرٍ ما بِغَرَض الإصلاح ، بِقَدْرِ ما كانت إشعالٌ لفتيل صراعٍ حضاري كبير يتخطى بلادهم ليتصادم مع كل الرموز و الكيانات المُنْتَفِعة من هذه الحضارة السائدة ، صِراعٌ تَتَسِع دائرته لِتَتَجاوَز السُلْطة الفاسِدة و المُعَطِّلة للشريعة الإسلامية داخِل بلدهم و لِتَشْمَل كل العروش المَلَكِيَّة و العَسْكَرِية الإقليمية المُحيطة بهم ، و تظل دائرة الصراع في الاتساع لِتَشمل مُلاَّك هذه الحضارة من الدول العُظْمى و إمبراطورية المال و البنوك و الشركات الاقتصادية العملاقة !!!

و أمام هذه الصورة الكُلِّية الغائبة عن طبيعة الصِراع و طبيعة أطرافه سَيَتَبَيَّن لنا بجلاء أنَّ الحشود السِلْمِيَّة و صناديق الانتخابات و حتى آلاف الأسلحة و عشرات الآلاف من الجنود لن تَرْقى لتكون أدوات ناجِزة بأيدي مَنْ يديرون هذا الصِراع الصِفْرِيّ أمام هذه الحضارة الغربية العاتية ، ناهيك عن الغياب الكامل للرؤية الواضحة و للخِطَّة المُكْتَمِلَة لمراحل هذا الصِراع المتتالية .. و سَيَتَبَيَّن أيْضاً أنَّ كل المحاولات السابقة للتغيير لم تكن سِوى مشاريع حماسية و حالمة و بلا شك مُتَعَجِّلة ، صَدَرَت مِنْ غير المؤهلين لإدارة مثل هذا الصِراع و إن كانوا هم أطهر و أنقى مَنْ في هذه الأُمَّة ..

و اليوم و نحن نعيد قراءة المشهد بعد مرور عشر سنوات عليه سَنَجِد أنَّ ثورة 25 يناير في 2011 قد عكست أحد صُوَر هذه الإخفاقات المُتَكَرِّرَة لمشروع " الإسلام السياسي " ، و لمْ تَكُنْ استثناء من كل محطات اختبار نموذج " الانبعاث الحضاري الإسلامي "

و لا يخفى على المُتابِع أنَّ بدايات ثورة 25 يناير لم تكن أبداً إسلامية الفِكْرة أو التخطيط أو التنظيم ، حيث بدأت في يومها الأول كمجرد صورة أكثر تطوراً لمئات الوقفات الاعتراضية " الوطنية " التي سبقت هذا اليوم ، غير أنَّ تراكم المظالم و رمزية المكان ( ميدان التحرير ) فضلاً عن اسلوب الحشد الجديد و المُبتكر ( السوشيال ميديا ) صنعوا زخماً إضافياً لهذا الحدث ساعد في التفاف حشود جديدة حول الطَليعة الأولى التي نادت به ، و لم يمض على هذه البداية المتواضعة نِسْبِيّاً أمام آلة الدولة الضخمة يومان أو ثلاثة حتى تعاظمت كُتْلة المعترضين داخل الميدان و تَشَكَّلت حالة من الإتحاد " العَفْوي " بين غالب أطياف الشعب المصري بالميدان على اختلاف مشاربهم و هَوِيَّاتِهم ، بل و حتى معتقداتهم ، بعد أن جَمَعَهم ظرف الزمان و ظرف المكان و تحَتَّمَ عليهم بسبب ضعفهم مِنْ جِهة و قوة و بطش خصمهم مِنْ جِهة أخرى الاحتماء ببعض ، و التَخَنّدُق سوياً ، فصنعوا بذلك " حالة اتحاد آنية " تخطت العقائد و الأيدولوجيات لبرهة زمنية لم تدم طويلاً ، و إن كان مركز الثقل فيها كان يميل يوماً بعد يوم للفصيل الإسلامي الذى كان الأكبر كَمَّاً و تنظيماً على الأرض بلا شك .

و مع هذا الحال بدا نظام الحكم في مصر عاجزاً على تحمل هذا الضغط الهائل من الشعب ، و بدأت ثمرات الحدث في الظهور بِخَلْعِ مُبارك ( رأس نظام الحُكم ) مع أغلب رموز حِزبه ، و وَجَدَ المصريون أنفسهم ( و في القلب منهم الإسلاميون ) أمام حدث لم يختبروه مِنْ قبل و لم يُعِدُّوا له العُدَّة ، فلا الطليعة الأولى تملك ظهيراً شعبياً تَستَمِدُ منه أهليتها لإدارة الأمور على الأرض ، فضلاً عن عدم امتلاكها لأي رؤية موضوعية لما بعد الحَدَث تُمَكِّنُهم من الاستمرار في المشهد الثوري بعد أنْ فاقت النتائج التوقعات ، و لا الإسلاميين بكل ما يملكونه من قُدْرةٍ على الحشد في الشارع يملكون تَصَوُّراً مُعَد سَلَفاً يسيرون عليه ، و بدا الأمر و كأن الجميع قد تفاجأ بالأحداث التي صنعوها بأنفسهم ، و سرعان ما تحول الحَدَث من الحالة الثورية إلى الحالة السياسية !! و اكتشف جميع مَنْ في ميدان الثورة بأن كل ما حدث لم يَكُن إلاَّ مُجَرَّد الشوط الأول مِنَ اللعبة السياسية مُتَعددة الأشواط ، و هم ليس فقط لا يعرفون عدد هذه الأشواط ، بل حتى لا يعرفون قواعد اللعبة و أصولها ، فراحوا يتخبطون يميناً و شمالاً ،  و سقطوا جميعاً " بلا استثناء " في كُلِّ فِخاخ شياطين الإنْسِ و الجِنِّ " بلا استثناء " أيضاً !!

و لعله باستعراض الخطوط العريضة لِسلوك الجماعات و الحركات الإسلامية ( مَحِلْ المُناقشة في المقالة ) إزاء ثورة 25 يناير يَتَبين لنا كيف أنهم جميعاً تقاسموا حالة التيه و غياب الرؤية الإستراتيجية و إن بدا زوراً أنَّ بعضهم كان أفضل حالاً من الآخر !!

- ليس سِرَّاً أن قادة السلفيين بالإسكندرية " أكبر التيارات السلفية " كانوا مع مَنْ يتبعهم في طول البلاد و عرضها من أكبر رافضي المشروع الثوري بِرُمَّتِهِ في بادئ الأمر ، و عَدَّوهُ خروجاً على الحاكم ، وراحوا ليس فقط يمنعون أنصارهم مِنَ المشاركة فيه ، بل و بالغوا في تَأْصِيل المسألة شَرْعاً فادَّعوا أنَّ الثوار خوارج و أنَّ مَنْ يشاركهم آثم و ... و .... ، إلاَّ أنَّه ما أنْ لاح في الأفق أنَّ كفَّة الثورة تميل إلى الرُجْحان ، و أصبح المحظور بالأمس مُتاحاً ، و تَنَفَّسَوا مَعَ سائِر الإسلاميين لأول مرة في حياتهم نَسائِم الحُرِّية حتى انقلبت التوجهات رأساً على عَقِبٍ ، و راحوا ليس فقط يَلْحَقون بِرَكب الثوار ، بل و ينافسونهم على الصدارة في المشهد ، و تَذَكَّروا ما طَمَسَته سنون الاستضعاف من المبادئ الإسلامية التي تُرْشِد إلى أهمية الحُكْم و " أنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " ، فراحوا ليس فقط يطالبون بنصيبٍ في كعكة الحُكْم ، بل و يتقاتلون عليها و يَدَّعون حقاً أصيلاً فيها ، بَعْدَ أَنْ ألْبَسَتهم الأحداث زوراً ثَوْبَ القادة و هم لا يَعْدون أن يكونوا قُصَّاصاً أو وُعَّاظاً بُسطاء ، و خدعتهم قدرتهم على الحَشْدِ في الشوارع ، و ازدادت جرأتهم مع الأيام بعد أن أَمِنوا العقوبة بسقوط جَلَّاديهم ، و مع توالي الأحداث دخلوا في دوامة الانقسامات الحَتْمِيَّة مع غياب الرؤية ، ثم سار كل فريق منهم بحشوده من البُسطاء المخدوعين فيهم إمَّا إلى التيه خلف سراب الأمن ، و إمَّا إلى المحارق في صراع صِفْريّ مع العسكر الذين يحسنون القتال لا الهتافات في الهواء ، و إمَّا إلى مَزَابِل التاريخ مع خصومهم بالأمس و حلفاءهم اليوم !!

-  و لا يخفى أنه كان هناك زعامات سَلَفِيَّة أخرى في القاهرة و المحافظات توقفت في أول الأمر أيضاً و لم تُشارك في الثورة بِزَعم أنَّ الثورات و المُظاهرات تخالف السنن الكَوْنِيَّة في ظهور الدَعوات تارة ، أو أنها تتعارض مع الثوابت الدعوية تارة أخرى ، فلمّا لاحَ في الأفق أنَّ الثورة ستنجح ، ألقى غالبيتهم بكل الثوابت خلف ظهورهم ، و هَرْوَلوا في ركاب الثورة باحثين عن نصيبٍ من كعكة الحكم التي كانوا بالأمس القريب يَدَّعون زُهداً فيها ، و تسابقوا في الانضمام إلى الجمعيات و الهيئات الشرعية الداعمة للثورة ، فَلَمَّا فاجأتهم الأحداث المُتَجَدِّدَة ، و سالت الدماء في الطرقات لَمْ يُسْعِفَهم الزمان لاسترجاع حتى ثوابتهم التي ألقَوْها خلف ظهورهم ، حيث سبقت بهم خُطاهم إلى مَوَاطِن متقدمة من المَشهد يستحيل معها التراجع إلى الخلف ، فإمَّا السير مع الثوار إلى المَحْرَقة أو السير مع الخصوم إلى مَزْبَلَة التاريخ !!

- ثمّة فصيل آخر من السلفيين و بعض المُنْشَقين عن الإخوان المسلمين كان على رأسهم الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل غَرَّهم تَرَنُّح خصمهم ( الذي تَصَوَّروه كغَيْرِهِم مُنْحَصِراً في القابع على سُدَّة الحُكم بمصر ) فوَقَعوا تحت وَهْم " اللحظة الفارقة " ، فاستنفروا أنْصَارهم إلى المحرقة التي لم ينتبهوا لها لحظة ، حيث أنْسَتهُم اللحظة الفارقة " المزعومة " أنهم غير مُهَيَّئين لها ، و أنَّ سُدَّة الحُكم الشاغِرَة لا يَمْلَؤُها أبداً الضعفاء و لا مَنْزوعي الأنياب و إن كانوا أَفْهَمَ مَنْ في الساحة ، نعم قد تكون هذه هي اللحظة الفارقة لِضَبْعٍ من الضباع ( من العَسْكَر ) لِيَنْقَضَّ على سُدَّة الحُكم التي فَرَغَت بإزاحة الرئيس المعزول بعد أنْ خارت قواه و سقط ، و لكنها لم تكن أبداً هي اللحظة الفارقة للحالمين من الإسلاميين الذين لا يملكون أيٍ من أدوات الصراع بحال من الأحوال !! ، " و لا عزاء للحالمين " ، و رغم مرارة هذا التعبير أجدني مضطراً له ، لعله يُفيق الحالمين و المتحسرين على ضياع اللحظة الفارقة !! ..

- و على الرغم من أنَّ الإخوان المسلمين كانوا يعلمون بحكم تجربتهم الدعوية و السياسية الطويلة أنهم لا قِبَلَ لهم بالآلة العسكرية في يد خصومهم فقد ذاقوا مرارتها مِراراً و تِكْراراً من قبل ، إلاَّ أنهم كغيرهم تفاجأوا بعد عزل مبارك بحالةٍ من الضبابية في المشهد و غيابٍ تامٍ للرؤية الإستراتيجية حَمَلَتهم على الانخراط في العمل السياسي وِفْقَ ما أدْمَنوه قبل الثورة من العمل في دائرة المُتاح و انتهاج نفس السلوك الإصلاحي المتوائم مع الأنظمة ، و اختاروا طَوْعاً الخروج من الحالة الثورية إلى الحالة السياسية لتفادي المحرقة الحتمية التي ستؤول لها البلاد لو استمر المَدُّ الثوري ، مما اعتبره الثوار " حَدِيثي العهد بالآلة العسكرية " خيانة للثورة ، و مع توالي الأحداث ، و تحت ضغط الواقع ظهرت مساحات جديدة للحركة زَجَّت بهم زَجَّاً في صدارة المشهد ، فبات مُستحيلاً عليهم التراجع و ساروا بأتباعِهم في طريقٍ قَدَريٍّ إلى المِحْنَة ، و وَجَدوا أنفسهم و أنصارهم مَرَّة أخرى داخل المَحرقة ..

- و مع الأسف فَلَمْ يَشِذّ أيّ فصيل من الجماعات الإسلامية عن السير في هذا الصراع دونما رؤية إستراتيجية ، فقد سارعت زعامات الجهاد و الجماعة الإسلامية فور خروجهم من السجون زمن الثورة مشاركة سائر التيارات الإسلامية نفس النهج السائد في الميدان ، و غَلَبَ حماسهم تجربتهم و أخطأوا كالعادة ليس فقط في تقدير قوة خصمهم و لا حتى في تقدير قوتهم أنفسهم ، بل إنهم حتى لم يستطيعوا تحديد ماهية خصمهم في هذا الصِراع ، فَقَصُرَ نظرهم - كغيرهم - عن إدراك أنَّ خلف هذا النظام الحاكم الذين يرغبون في تفكيكه و إزاحته حلقات أوسع تدعمه و تساعده على البقاء من القوى الإقليمية المحيطة ، ثمَّ يليها حلقات أوسع من القوى الدولية العظمى التي تَقْتَات على خيرات هذه الشعوب المنكوبة ، ثم يليها حلقات أوسع بل و أشدُّ ضراوة من شبكات النفوذ الاقتصادي و المالي و العسكري التي تُهَيْمِن على الحضارة السائدة في كوكبنا ، فكانت النتيجة الحتمية هي أنْ اختنقت هذه التجربة في مهدها كَكُلّ مرة ، غير أن هذه المَرَّة كان الثمن أكبر ، و الخسائر أفدَح ، و عزاؤنا أن هذه الملحمة تركت من الدروس ما لم تتركه غيرها من الملاحم ....

 

و على الرغم من التباين الواضح في سلوك و مناهج كل هذه الأطروحات الإسلامية ، إلاَّ أنَّه كان هناك ثمّة قاسم مشترك في سلوك كل هذه الرموز الإسلامية بشكل عام و الجماعات الإسلامية بِشَكْلٍ خاص و هو عدم وجود رؤية استراتيجية كامِلَة و خارطة طريق واضحة المعالم يتحركون بناءً عليها للوصول للهدف ، نعم أنبأتنا الأحداث أنه كان فينا براجماتيون فضحتهم الأزمة و كشفت عَوْراتهم ، إلاَّ أنه كان مِنَّا كذلك مَنْ يعمل وِفْقَ تصورات ساذجة لا تَرْقَى أبداً لأن يَتَكِئ عليها أيّ مشروع للانبعاث الحضاري للأُمة الإسلامية بحال من الأحوال ، و كان مِنَّا كذلك مَنْ يتبنى تصورات مَرْحلية ضيقة الأُفق تنتهي بالأمة عند إقامة الشعائر و القيام ببعض فروض الكِفايات ، فلما أخْرَجَتهم الأحداث خارج المساجد ارتبكوا و تخبطوا و تَخَطَّفَتْهُم كل شياطين الإنس فسقطوا في براثنهم و تاهت بوصلتهم ، و كان مِنَّا مَنْ بَنَى مشروعه لِلْتوْ مُحاوِلاً اقتناص الفُرْصَة التاريخية التي رآها لن تتكرر في عُمُرِهِ مرة ثانية فَوَقَعَ تحت أَسْرِ " اللحظة الفارقة " فأنْسَتْهُ عَجَلَته - على عُلُوّ كَعْبِهِ و دِقة فَهْمِه - التَحَدِّيات الحتمية التي سيلاقيها دونما أي إعداد و هو ينادي بمشروعه لإقامة الدولة المُسْلِمة المنشودة بما تَحْمِله مِنْ منظومة للقِيَم هي في الحقيقة تُمَثِّل التجسيد النهائي للمشروع الحضاري الإسلامي المُصادم بالضرورة لغالب القِيَم الحاكمة في العالم الآن ، ناهيك عن أنَّ الغالبية العُظْمى من أنصاره و إن كانوا يشاركونه نفس الحماس إلاَّ أنهم بالقطع لم يكونوا يعرفون لا تفاصيل هذا المشروع و لا طبيعة هذه التحديات .. و مع الأسف فستظل أوقات تَرَنُّح الأنظمة الهَشَّة المعارضة لدين شعوبها المسلمة دائماً سبباً مُغْرِياً للبسطاء بالثورة و الحلول المتعجلة ، و لكن منذ متى و الحضارات تُبْنى في مثل هذه العُجالة  ؟؟ و قد تَشَارك في كل ما سبق زعامات و كُتَل من جماعة الإخوان المسلمين و التيارات السلفية و الجهادية في طول البلاد و عرضها ، بل اتسعت رُقْعَة الجماعات الإسلامية حتى شَمِلَت مَنْ لا يملك أيّ " تصورات سياسية " مِنْ الأصل كجماعة أنصار السُنَّة و الجمعية الشرعية حيث اُخْتُزِلَ الإسلام في تصور مثل هذه الجماعات في إنكار بعض صور الشِرْك و البِدَع ( كالشِرْك عند قبور الصالحين و إقامة الموالد ) ، أو في بعض الأعمال الخيرية ( كَكَفالة اليتيم ) فَأُفْنِيَت أعمار الأتباع في قضايا سُرْعان ما كشفت أجواء الحرية الأولى للثورة أنها – على أهميتها - لا تُمَثِّلَ إلاَّ جُزْأً من سبعين جُزء من الإسلام المُغَيَّب ، فتناثر الأتباع في ساحات ميادين الثورة هائمين خلف كل نداء .. و على الرغم من حَدَاثة عهدنا بالتجربة التي اكتوينا جميعاً بنارها فمازال فينا مَنْ يحلم بإعادة إنتاج حالة الإتحاد الأولى للثورة مُسْتَصْحِباً فقط حجم التهديدات المُشتركة التي نواجِهُها الآن كَسَببٍ كافٍ لوجودها مرة أخرى غافِلاً عن أنَّ هذا القَدْرَ المُشْتَرَك من المطالب الثورية لعموم الشعب المصري  كالحُرِّية و العدالة و الكرامة الإنسانية و الشفافية و التي هي بالضرورة من أهم القِيَم التي يحملها المشروع الإسلامي لم تكن مِنْ قَبْل كافية للصمود أمام تعارض الأيدولوجيات و أنها توارت جانباً مع أول ظهور لِبوادر زوال التهديد المشترك ، و أن تحالفات الضرورة لم تلْغ أبداً العداوات الأيدولوجية و ما جبهة الإنقاذ مِنَّا ببعيد !! نعم قد نفهم ضرورة بل و حتمية هذا الاصطفاف داخل إطار ثوري لا يحمل الأجندة الإسلامية ، و لكنه سيظل أيضاً مفتقراً للرؤية الإستراتيجية الواضحة و للقيادة الوطنية الأمينة على كل أبناء الشعب المصري بكل طوائفه ، و إلاَّ سيظل هذا الاصطفاف المستحيل سراباً يَلْهث خلفه الحالمون ..

** و على الرغم مِنْ أنه كان القاسم المشترك في سلوك كل العاملين في الحقل الإسلامي الدعوي هو عدم وجود رؤية استراتيجية كامِلَة يتحركون بها للوصول للهدف كما أسْلَفت ، إلاَّ أنَّ هذا لا يعني بالضرورة التهوين مما بَذَلَتهُ هذه الأجيال المتعاقبة ، بل و لا حتى تحميلها وِزْرَ النتائج الكارثية للتجربة الإسلامية طيلة قرنٍ من الزمان ، نعم توالت و تكررت أخطاءَها بل و خطاياها كثيراً ، فقد غاب عن التجربة الإسلامية دائماً العُلَماء الربانيون و القادة المُؤَيَّدُون ، بعد أنْ انقطع منذ بداية سنوات ضعف الخلافة حَبْل العِلْم و غَلَبَ على كل محاولات البعث الحضاري مرة أخرى الطابع الحماسي الذي يفتقر ليس فقط للسنن الكونية لقيام الحضارات بل و يفتقر أيضاً للتصور الصحيح و الكامل للشريعة الإسلامية التي ستتبناها هذه الحضارة !! و لكن بِحَسْبِ المُخْلِصين ممن قام بهذه التجارب المتعاقِبة صِدْق النوايا و الإعْذار إلى الله بِبَذلِ الوِسْع و إنْ أخطأوا العمل ، فَعَدَم إنجازِهم للمشروع على مستوى الأُمَّة ، لا ينافي أنَّهم كأفراد قد بذلوا أنفسهم و أعمارهم و أموالهم في سبيل الله ، و لا شك أنَّ تجاربهم على مرارتها و ارتفاع تكلفتها سَتُمَثِّل في مجموعها رصيداً تراكمياً للخبرات يشير بوضوح إلى أنَّ الرضا بالسَيْر في دائرة المُتاح ، و العَجَلَة قبل الإعداد ، و غياب التصور الكامل للمشروع الحضاري الإسلامي ، و عدم الأخذ بالسُنن الكونية لنشأة الحضارات لن تَصِلَ بنا أبداً إلى الهدف ، و قبل كل هذا و ذاك أنَّ الحضارات لا تنهض أبداً حال الاستضعاف ..

أعلَم أن هذا الطرح لن يروق للكثيرين فحتى يومنا هذا مازال هناك قادة للجماعات الإسلامية يخاطبون أتباعهم بهذا الخطاب الرَغْبَوي الحالِم ، بل و يَلْوُون أعناق النصوص ليستشهِدوا لأتباعم أنه قد مَرَّت السبع سنوات العِجاف بعد الانقلاب على مشروع الثورة ، و قد أوشك أنْ يُظلنا عام فيه يُغاث الناس و فيه يعصرون في إشارة لِقُرب الفَرَج القَدَري الذي لا عَمَلَ لنا فيه !! ، و على النقيض من هؤلاء الحالمين سنجد - و يا للأسف - فريقاً آخر من الشامتين يَتَنَدَّرون على إخوانهم مِمَنْ سُجِنوا و هُجِّروا خارج بلادهم من باقي التيارات الإسلامية الذين لم يشاركوهم خطيئتهم فقالوا بأنهم قد دخَلَوا في التيه و لن يخرجوا منه قبل أربعين سنة ( لاوين لأعناق النصوص أيضاً ) ، و غاب عن هؤلاء و هؤلاء أ نَّ السُنن لا تحابي من لم يأخذ بالأسباب ، و أنه و منذ قرابة القرن من الزمان فإن كل الجماعات و الحركات الإسلامية في حالة من التيه بالفعل و لم يهتدوا بعد إلى خارطة الطريق إن صَحَّ التعبير !! ..

و لا يَسْبِقَنَّك الفَهْم و تَدور في دائرة الاتهامات ، فأنا أحد أبناء الدعوة السلفية ، و قضيت عُمري دائراً في فلكها ، غير أني لم أتَلَبَّس بالحزبية المقيتة التي سَرَت فيها مؤخراً كما سَرَت في غيرها من الجماعات ، و أعْرِف لِدُعاتِها قَدْرَهم الذي رَفَعَهم الله به زَمَناً ، فلما تَطَاوَلوا و أرادوا أنْ يَتَبَوَّؤوا مَنْزِلاً لم يتأهَّلوا له كان ما نَرَاه و لا نَرْضاه ، و لا يُنْكِر فَضَلَ هذه الدعوات كلها مُجْتَمِعة إلاَّ جاحد أو حاسِد أو مُبْغِض ، بَيْدَ أن الحديث هنا يتجاوز كل هذه المجهودات الدعوية شديدة التواضع أمام مشروع الانبعاث الحضاري للأُمَّة  ، و هذا التناول ليس جَلْداً للذات ، و لا براءة مِنْ كل هذه التجارب و لا من أهلها ، نعم نبرأ إلى الله من الأخطاء كما تبرأ رسولنا صلى الله عليه و سَلَّم مما صَنَعَ خالد بن الوليد رضي الله عنه ( رواه البخاري ) ، و لكننا لا نبرأ أبداً مِنْ خالد بن الوليد سيف الله المسلول و لا مِنْ كل مَنْ نحا نحوه فقَصَدَ الحق فأخطأه ، و نستغفر الله عَمَّا دفعنا إليه حماسنا و قِلة عِلْمنا من أخطاء ، و لكن المقصود من هذا التناول هو إعادة توجيه البوصلة لِلْوِجهة الصحيحة وِفْق خارطة طريق جديدة واضحة المعالم و الأهداف .. و هذا موضوع طويل أسأل الله التوفيق و السداد في صياغته ..

** أعلم أن هناك تفاصيل كثيرة أخرى لم يتم استعراضها في هذا الطرح ، و لكني آثرت عدم مناقشتها عَمْداً لعدم الشوشرة على الفكرة الأساسية للمقالة ..

**  و إلى مَنْ لا يَمَل من قول سَئِمْنا مِنَ التَنْظير و المُنَظِّرين  ..

 **  أقول صَدَقت ،

و لكن هل وصلنا إلى النظرية حتى نتوقف ؟؟ 

بالقطع لا !!!

#مرحلية_الحركة_لا_مرحلية_التصور

#الإسلام_السياسي

#الجماعات_الإسلامية_والمشروع_السياسي

#الثورة_المصرية_والمشروع_السياسي_الإسلامي

 

أخبار ذات صلة

صليبية ترامب (البروتستانتي) التي ظهرت في تلويحه بالإنجيل علانية أكثر من مرة ..لم ينافسها في التعصب إلا صهيونية بايدن (الكاثوليكي) الذي بدأ أولى ساعات عهد ... المزيد

يشير تأكيد نبأ اعتقال زعيم فرع تنظيم "قاعدة الجهاد في جزيرة العرب" خالد باطرفي في اليمن إلى حالة الانحدار التي شهدها تنظيم "القاعدة"، منذ مقتل ... المزيد

١- شهر رجب شهر حرام، ولا يخفى تعظيم الشرع لها.. فمما يجدر بمن استقبل رجب أن يجدد التوبة وصلاح القلوب واستقامة الأحوال.

٢- وردت بعض الأح ... المزيد

قد يكون الظاهر نعم، ولكن الحقيقة على خلاف ذلك، لأن الغرب سيظل صاحب موقف عنيف من منطقة الشرق الأوسط خصوصاً الدول العربية والإسلامية التي فككها من قبل وقس ... المزيد