البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الإستئساد فى نقد تجربة العدالة والتنمية التركي .. أسباب ودلالات

المحتوي الرئيسي


الإستئساد فى نقد تجربة العدالة والتنمية التركي .. أسباب ودلالات
  • وائل الحديني
    14/05/2015 08:22

*هذه الدراسة كتبها المؤلف عام 2010 , ونحن ننشرها اليوم لأهميتها ، فهي تقدم صورة عن النظرة التي كانت سائدة عن حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الحاكم في تركيا منذ خمس سنوات ، وأهمية هذه النظرة تكمن في خروجها على ألسنة عدد من كبار قادة الحركة الإسلامية في العالم العربي:

قبل أن يعقد حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية أول مؤتمر له ، أو يقدم عرضاً تفصيلياً لبرنامجه السياسي ، حصل على 67% من أصوات الناخبين ، فى ظاهرة قلما تتكرر فى التاريخ الحديث !
وبقدر ما كانت التجربة فى بداياتها شديدة الإغراء لشباب الصحوة الإسلامية الطامحين فى التغيير ، حظيت بنقد لاذع من عددٍ لا بأس به من رموز التيارات الإسلامية الوسطية خاصة جماعة الإخوان المسلمين فى مصر .
وكان الإعتقاد أن تحدث عمليات تقييم ومراجعة للأراء فيما بعد : هل كانت متُسرعة أو تستندُ على قدرٍ غير كافٍ من المعلومات ؟؟ هل أكَدتها ، أو صّوبتها ، أو غيّرتها الوقائع التالية والممارسات ؟؟
لكن هذا لم يحدث ، رغم أن ما أثبتته الأحداث فيما بعد يؤكد أن : تقييم مثل تجربة العدالة والتنمية ـ على ضخامتها ـ لا يمكن أن يتم من خلال معلومات أولية ، أو بيانات مبتسرة ، أو مواقف مجتزأة ، أو بالمقارنة بتجاربٍ أخرى قائمة ، نظراً لاختلاف الظرف التاريخي والواقع والسياق..
كما أنه لا يمكن قراءة التجربة ـ فقط ـ من خلال مفردات مُعلنة .. فمرونة السياسي وحِنكته تفترض على الباحث استيعاب ما تحت سطح كلماته.. فالعبرةٌ ليست بالألفاظ والمباني ولكنها بالمقاصد والمعاني !!

وهذا بدوره يطرح تساؤلاً هاماً : هل كان الفوز الكاسح للعدالة والتنمية فوزاً للحركات الإسلامية ، أم خصماً من رصيدها ؟؟

فى تعليقه على التجربة يرى د.رفيق حبيب أن : (مقالات العلمانيين ـ فى هذا الشأن تميزت ، فى الإجمال ـ بأنها تنفي عن الحزب صفة الإسلامية ، أو تقول انه حزبٌ إسلامي متطور بصورة لا يمكن تكرارها في بلادنا ) ، بينما تنوعت تبعاً لرأيه ردود أفعال وآراء الإسلاميين : فالبعض تعامل مع الحزب بوصفه إسلاميا ، والبعض تعامل معه بوصفه حزباً علمانياً ، أو حزباً كان
إسلامياً وأصبح علمانياً ، والبعض الآخر تعامل معه بوصفه حزباً إسلاميا يمثل النموذج الحديث للحركة الإسلامية .. (1)

رؤية إسلامية أولى :
يرى د.محمد مرسي المشرف على القسم السياسي فى جماعة الإخوان المسلمين ، وعضو مكتب الإرشاد (وهو أول رئيس انتخب بعد الثورة) أن : (حزب العدالة والتنمية التركي يُعلن موافقته ورضاه عن علمانية الدولة بالمفهوم الغربي المعروف) ، ويستطرد في سياق المقارنة بين الحالتين المصرية والتركية أن : (حزب العدالة والتنمية الذي يَحكم الآن أحد المكونات السياسية للدولة التركية بدستورها
الحالي ..مازالت تُقرر علمانية الدولة بدستورها وقانونها وتوجهها نحو أوربا ، وسعيها الحثيث لتصبح جزءاً منها على الرغم من الاختلاف البَيّن بين الشعب التركي المسلم والشعب الأوربي العلماني في الفكر والسلوك). (2)

بينما يطرح م/علي عبد الفتاح القيادي فى الجماعة رؤية أكثر تشدداً ، فبعد حصره لعددٍ من أوجه الاختلاف بين الإسلام والعلمانية يذهب إلى التأكيد على الأتي :
1ـ أعلن العدالة والتنمية عن احترام العلمانية واعتبارها مرجعية للحكم ، وان التقارب مع الغرب أولَى من التقارب مع العرب ، واحترام المعاهدات والاتفاقيات مع الكيان الصهيوني واعتباره ليس عدواً ، واحترام المصالح الأمريكية .
2ـ أكد "عبد الله جول" أن الإسلام لا يشكل لهم مرجعية .
3ـ رشح الحزب 150 علمانياً على قوائمه في الانتخابات الأخيرة استجلاباً للأصوات ، بهدف الوصول للحكم ، فأصبح الوصول إلى السلطة غاية لا وسيلة .
4ـ أصحاب التجربة لا يصفونها بالإسلامية ، ولم يُعلنوا أن الإسلام هدفهم ولا مرجعيتهم .
5ـ تجربة العدالة والتنمية هي تجربة إنسانية تتمتع بقدر من الشفافية والنزاهة حسنت من الأحوال الاقتصادية للمواطن التركي عبر اقتصاد هش قائم على السياحة !! ولها نفس مبادئ الأحزاب العلمانية (يعني حزب علماني بس نظيف شويه وبس ) على حسب قوله !! (3)

أما القيادي البارز فى الجماعة ، ومسئول القسم السياسي : د.عصام العريان فأكد كل الشكوك السابقة وزاد عليها فى مقالة حديثة له أشار فيها إلى أن: (إستدعاء الدور التركي لقيادة المنطقة يتم لصالح القوة الأمريكية "ستتسلم تركيا المنطقة العربية من جديد؛ ولكنها تركيا الأوروبية بقبعة أوروبية، وليس بطربوش عثماني أو برأس عارٍ، وتقدم نموذجها الإسلامي الذي يحلو للبعض أن يصفه بالإسلام العلماني؛ إسلام لا يقف ضد المصالح الغربية والأمريكية، ويقبل بالوجود الصهيوني كدولةٍ في قلب الأمة الإسلامية ، ولله في خلقه شئون، ونحن في موقع المتفرجين !) (4))

ربما تلك هي نفس الاتهامات التي ألقاها أنصار البروفيسور نجم الدين أربكان ، فى تعليقهم على تجربة الحزب : (إن توجهاتهم إيثارا لملاذ السلطة ، والعيش تحت الأضواء ، وإرضاء العسكر ومؤسسة الإعلام ، والأمريكان ، وتنازلٌ عن المشروع الإسلامي واستسلام للعلمانية ) !!

ورغم حِزمة الاتهامات التي أطلقها م.عبد الفتاح ، ود.العريان وتَحملُ كلها صفة التأكيد وتخلو من كلمة "ربما" فإن اتهامات سياسيين علمانيين أتراك تُناقض هذه القناعات ..

رؤية علمانية :

يؤكد الإعلامي حسني محلي : (أن الدستور التركي واضحٌ ..وهذا النظام علماني وهذا الحزب يشكل خطراً عليه ) ..(5)
كما يشير فائق بولوط إلى أن : ( العدالة والتنمية يعملُ على تقويض العلمانية وتقليلها بشكل أو بأخر ، وهو في ذلك ليس ديمقراطياً وربما سينقلب على العلمانية ) ..(6)
أما سفر توران فينقل عن اردوغان قوله بالقمة الإسلامية في ماليزيا 2003: (إن تركيا كدولةٌ إسلامية حديثة تستطيع أن تكون نموذج تفاهم الحضارات ). (7)

ويعتبر آخرون أن "جول" الإسلامي تهديدٌ ناعم للعلمانية .. حتى المدعي العام كان من ضمن ما أورده ضد أردوغان فى دعوى حل الحزب ، كان كلماتٌ قالها في سياق مُعارضته لدعاوَي الانفصال التي أطلقها حزب العمال الكردستاني : (إن الخالقَ المطلق خلقنا جميعاً فلماذا نتفرق ؟؟) . (8)

وهدده دينز بايكال رئيس حزب الشعب الجمهوري بأن مصيره سيُشبه رئيس الوزراء الأسبق"عدنان مندريس" (الذي اعُدم) فأجابه اردوغان (انه عندما بدأ السير في هذا الطريق حمل كفنه الأبيض معه) . (9) وقد عّد المدعي العام هذا القول عملاً ضد العلمانية !!
وقال "كمال أناضول" رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الجمهوري عن أردوغان (حتى وان غير قميصه ، فإن القماش واحد) (10) ..

أسباب رفض الإسلاميين لتجربة العدالة والتنمية قبل إتضاح معالمها .

أعتقد أنها ترتبط بعدد ٍمن العوامل من بينها :
1ـ انحيازاً إلى شيوخ الحركة الإسلامية التركية ، ورفضاً للانقلاب الأبيض الذي قاده أردوغان وإخوانه من جيل الشباب ، بافتراض التشابه بين تلك الحالة وتجربة حزب الوسط المصرية رغم الاختلافات ، فالوسط لم يؤثر بأي شكل من الأشكال على البنية التنظيمية للإخوان ، وكان عبئا سياسياً وفكرياً على مُنظروه ، بعكس شباب تركيا الذين خرجوا بكامل هيكلهم عدا
رعيلهم الأول الذين آثروا القائد على من سواه .

2ـ البراجماتيه الواضحة في خطابهم السياسي ، وتأكيدهم على التمسك بالخط العلماني الذي اقره أتاتورك ..

3ـ عدم فهم مواقفهم المعلنة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل ورغبتهم المُلحة في الانضمام للاتحاد الأوربي

4ـ الاعتقادُ بانحياز الحزب للعمل السياسي بالكلية على حساب التربية ووسائل التغيير وغير ذلك من البرامج المعتمدة ، التي تتبناها الحركات الإسلامية الوسَطية ، والتشابك غير المبرر ـ تبعاً لرؤيتهم ـ لديه بين الأهداف ، والوسائل ، والغايات .

5ـ طمأنة النظم العربية ـ الديكتاتورية ـ أن التجربة التركية غير مشجعة ، وغيرُ قابلة للتكرار ، بسبب ما شابها من تنازلات وإسقاطات خطيرة تُخل بالمنهج الإسلامي وفروضه القابلة للتطبيق ، وذلك لتخفيف حالة الحِنق والخوف التي انتابت تلك النظم من التجربة و توابعها ..

6ـ الهروبُ من مَأزق المقارنة بالحالة التركية بتعظيم السلبيات ، وغض الطرف عن الايجابيات ..

7ـ يعتقد البعض أن نجاح هذه التجربة ، والمطالبات بإستنساخها يعني الطعن فى مدى صواب منهجية تلك الحركات ، ومشروعها الحضاري للتغيير ، وبالتالي ضياع أكثر من ثمانين عاماً من عمرها فى التضحية والبذل ، بين المكتسبات والإخفاقات .

8ـ أعتقد أن هجوم العريان على التجربة مرتبط بشائعات ثارت عن مدى إمكانية تطبيقها فى مصر ، وربما كان رده رسالة تحمل تطمينات إلى أعضاء مكتب الإرشاد قبل أزمته الأخيرة .

9ـ قد يكون المقصود طمأنة العسكر والمعسكر العلماني في تركيا بعدم وجود أجندة إسلامية خفية للعدالة والتنمية لتأمين سيره في طريقه وفق رؤيته الخاصة .

الواقعية الأردوغانية وتصديها لمخطط الإستبعاد : (رؤية إسلامية مغايرة للرؤية الأولى)
ينص الدستور التركي على انه : لايجوز تأسيس حزب إسلامي أو على أساس ديني .
ملاحظة : نفس المادة أضيفت إلى الدستور المصري بعد تعديلات شملت37 مادة من مواد الدستور فى عام 2007، وبذا تساوت الظروف بين التيارين ـ الإخوان والعدالة ـ فى تلك النقطة تحديداً .

يشير محمد العادل إلى أن الأحزاب التي تصنف إسلامية فى تركيا تعرف من خلال الشعارات التي ترفعها ، أو من خلال تدين قادتها ، وأنصارها ، وأيضاً من خلال الأنشطة والمشروعات التي تطرحها ، وليس من خلال مشروع التأسيس للحزب ، أو الأدبيات : لأن الدستور التركي يمنع تأسيس أحزاب ذات مرجعية دينية أو عرقية ، وعليه فمسألة أسلمة الدولة غير مطروحة كشعار أو مشروع لدى التيار الإسلامي التركي ، لكنهم يتفقون جميعاً على العمل من أجل أسلمة المجتمع دون التصريح بذلك . (11)

ويؤكد سعد عبد المجيد أن حزب العدالة ليس تياراً واحداً ، وإنما يتكون من مجموعة من حزب الرفاة والفضيلة ، ومجموعة من "يمين الوسط " :أعضاء من حزب الوطن الأم والطريق القويم ، ومجموعة أعضاء منفصلين عن الحزب الجمهوري اليساري.(12)
ورغم أن عبد المجيد يراه أمراً سلبياً ، فان زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي ينظر له من زاوية أخرى : (اردوغان وجول وهم من ابرز من كان يُعِدهم اربكان ـ من الشباب ـ لخلافته نجحا في استقطاب قطاع واسع من اليمين العلماني المحافظ الذي تخلى عن الأحزاب بسبب فسادها ، وعجزها عن تقديم الحلول للمشكلات كما استقطبوا فئات اقل من تيار اليسار) .(13)

وبينما يؤكد عبد المجيد أن : (الأحزاب الإسلامية لابد أن تكون لها برامج إسلامية ، تستند للفكر الإسلامي وتتخذ من آيات القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، والشريعة الإسلامية ، وقادة الإسلام العظام والخلفاء الراشدين منهجاً في تحركها ) ، يطلق د.رفيق حبيب على تحرك العدالة والتنمية ما يسميه (المرحلية التي تقوم على التُقية السياسية والتي لا تعلن عن
المراحل المستقبلية ) بمعنى :أن الحزب قد لا يُعلن عن المراحل التالية إلا بعد أن يتخلص من الضغوط الواقعة عليه ، وهذه المراحل قد ترتبط بالمشروع الإسلامي علانية ) ، وفى هذا السياق يؤكد الغنوشي أن (الفكرة الأساسية للعدالة والتنمية ـ وهو الحزب الجديد من أحزاب الحركة الإسلامية ـ تَحمُل جملة من التعديلات على السياسات المعهودة اعتباراً بما حدث في
السنوات الماضية ، حيث تعرضت الحركة الإسلامية لمخطط إقصاء واستئصال على يد صاحب السلطة العليا ( الجيش ) ..

لكن اردوغان فى مرحلة لاحقة استطاع بحِنكته أن يُوجه سهام النقد للجيش أكثر من مرة في سابقة غير معهودة فقد قال مرة : إن مكان الجيش الثكنات ، ولا تدخُل له في السياسة ، وحينما سمح لهم بالتدخل بشمال العراق حصل على صمتهم في قضية الحجاب ، كما أنه في كل مرة يلجأ اردوغان فيها لصناديق الانتخاب كان يرسلُ إشارة للجيش : نحن قادمون بأوامر عليا من الشعب ..
ويشير الغنوشي إلى أن (ما يصدر عن جماعة العدالة والتنمية من بعض النظريات لا يُحمل على الارتباط بتحولات فكرية ، بل هو مجرد خطط عملية تتصل بفقه الواقع وترتيب الأولويات ) ، ويضيف : (حراس المعبد العلماني علقوا رئيس الوزراء الأسبق مند ريس على المشنقة ) !! كان ذلك بسبب السماح بالآذان باللغة العربية ، ومدارس الأئمة والخطباء ..

أما بالنسبة لقضية أمريكا وإسرائيل ، يقول الكاتب محمد العادل : (إن العدالة والتنمية وجد تركيا محملة باتفاقيات سابقة مع تل أبيب لا مجال للهروب منها ، كما إن حزب العمال الكردستاني الذي يخطط للانفصال بشرق تركيا له علاقات معهم ويحظى بدعم أوربي) . (14)
كما يرى سعد عبد المجيد أن اردوغان يتعامل مع الأمريكان بندية : فهو استضاف مؤتمر القدس الدولي في حين رفضته دول إسلامية ، وهو المؤتمر الذي استبق مؤتمر انابوليس وأفشله , كما يشارك الجيش التركي في قوات حفظ السلام لكنه لا يقاتل ولا يتجاوز الأعمال الإغاثية خاصة في أفغانستان ، وانه فتح الباب للاستثمارات والأموال العربية ، وامتنع عن إقامة علاقات
مع أرمينيا تضامناً مع أذربيجان التي تحتل أرمينيا ثلث أراضيها من العام 94) ..

ويؤكد الغنوشي أن (حرص الإسلاميين على الاندماج في أوروبا هو نوع من تجريد الخصم من سلاحه) ، يقصد العلمانيين ويضيف : (انضمام تركيا إلى أوربا وهي موحدة وراء حزب قوي ، وزعيم شاب ألمعي ، تمثلُ فرصة كبيرة لقيام ديمقراطية تركية إسلامية حقيقية متخففة من سطوة الباب العالي ..)
ويصب الغنوشي جام غضبه على من يرفضون تجربة العدالة والتنمية تحت حجج واهية : (ليس الإسلاميون الأتراك وحدهم من فُرض عليهم صياغة أيديولوجياتهم بما يتواءم مع السياج المفروضة عليهم ، إن جملة التيارات الإسلامية في البلاد التي تعيش بتحديث فوقي صارم مثل تونس والجزائر ومصر قد اضطرت للإقدام على نوع من الموائمة فقد تخلى الكثيرُ منهم عن مسمى الإسلام في "الراية" التي يرفعونها مثلاً للانسجام مع قانون الأحزاب ، مع أن لا احد صرح بأنه تنازل عن شيء من إسلامه) !!

كما أن كثير من التيارات الإسلامية تقبل أقباط ويساريين على قوائمها الانتخابية ، وتعتبر ذلك تعايشاً محموداً وانفتاحاً لم يقل أحد أنه طمعٌ في الأصوات ويتحدث عن الغايات والوسائل !!

فلماذا هذا الاستئساد في نقد التجربة التركية ... (يظل هذا السؤال مطروحاً) ؟؟

ويرصد د / رفيق حبيب عدداً من ايجابيات التجربة التركية ، ومنها :
ـ انتصار الحزب انتصاراً للحركة الإسلامية ، ودليل على قدرتها على التعامل مع الواقع ، وعلى حل المشكلات الاقتصادية والسياسية .
ـ دليل على أن الحركة الإسلامية ليست مشروعاً حالماً بل واقعي .
ـ كوادر الحركة والتي تعمل وفق التزامات أخلاقية ، ووفق تصورها عن الانتماء لامتها وجماعتها تستطيع تحقيق المصلحة العامة والتي عجز عن تحقيقها الجميع ..
تجربة العدالة والتنمية فى تركيا تجربة خارج إطار التاريخ بالموازين العقلية ، وبنظرة إنسانية وقيمية على دور تركيا فى العدوان الأخير على غزة ، يشير إبراهيم البيومي غانم إلى أن : تصدي أردوغان لمزاعم الرئيس الإسرائيلي فى دافوس ، وعدم تردده فى إعلان موقف بلاده بشجاعة تليق به وببلده ،: (يتأكد منه أن المزاج التركي لا يقل إعتزازاً بهويته ، وعمقه
الحضاري) (15).
بينما يؤكد راشد العنوشي أن عبقرية هذا الفريق تمثلت فى جملة ماتمثلت به فى رسم مسارب ضيقه تجنبهم الصدام مع النظام العلماني ، ولو تمكنوا من مواصلة السير عليها سينتهون إلى توسيع تلك المسارب التي تتحرك فيها الديمقراطية اليوم فتحاصره بالجماهير عن طريق ما تحققه من نجاحات وإلتفاف شعبي .

قراءة فى مرتكزات السياسة التركية فى الداخل والخارج ، وكيف حولت المبادئ إلى برامج :

(1) توسعة الأفاق ، وتهميش المحددات ، وإجادة سنن المدافعة :
في مرات عديدة تدخل الجيشُ التركي وانتصب الجنرالات برعايةٍ علمانية لفرض واقعاً يرونه الأصوب ، كما أن المدعي العام ُ يقفُ دائماً على أهبة الاستعدادِ كرأس حربةٍ ، للمطالبة بإعدام هذا ، وحظر هذاك ، والجيشُ غالباً فى كل هذه الأحوال أداةُ بلا عقل ! وما حدث في الساعة التاسعة وخمس دقائق في 10 /11 /1938عندما لفظ أتاتورك آخر أنفاسه في قصر دولما
باغشة في اسطنبول لم يكن يعني أن العلمانيةً الاتاتوركية فقدت حصونها المنيعة فحراس صنم أتاتورك كانوا أكثر التزاماً بمبادئه ، واشدُ تطرفاً في مواجهة أعدائه .
يشير كمال السعيد حبيب إلى أن التقاليد العثمانية التي تقوم على التوافق

والتعايش بين خيارات متعددة تسببت فى فشل الأتاتوركية الإستئصالية ، بينما تراجعت للسبب ذاته الأربكانية الإحيائية الجذرية .
أما الأردوغانية التوافقية فى صفتها الديمقراطية المحافظة "العثمانية الجديدة " والتي تبناها أردوغان وجول وبولنت أرينش ، وعبداللطيف شنر، قد إستوعبت الدرس ، وجعلت الدولة تسبق الدين بخطوة ، بإدراك جديد ، وإنتهاج خيارات مغايرة ، لم يفرضوا مبادئ الإسلام من أعلى ، وإنما وقفوا مع الجميع فى نفس الصف ، ومن ثمَ بدأو التفاوض والحوار للوصول إلى حلول
وسط ....
كما سعوا للتوفيق بين طبيعة النظام القائم ، وتلك الطاقات التي يملكونها بدون صدام ..
كما أنهم نجحوا فى واقع جديد يتميز بـ :
1ـ الإستقرار السياسي .
2ـ الإستقرار الأمني بعد المضي خطوات فى الحرب ضد حزب العمال الكردستاني من جهة ، واستمالة الأكراد من جهة أخرى .
3ـ الإستقرار الأقتصادي بعد التخلص من شبح الأزمات الإقتصادية المتكررة .

يقول أحمد منصور : وتشكل قصة نجاح حزب العدالة والتنمية في المجال الاقتصادي التركي احد أهم عوامل زيادة شعبية الحزب جماهيرياً ومن العناصر الأساسية التي دفعت إلى فوزه في الانتخابات التشريعيةٍ والرئاسية الأخيرة ، والتي استطاع من خلالها اكتساح جميع منافسيه وإخراج النخبة العلمانية والجيش (من حلبة المنافسة ) ووضعهم في خانة ضيقة ، وكان الوضع
الاقتصادي البائس ، والانهيار التجاري والمالي لتركيا هو التحدي الأول للعدالة والتنمية ، لكنه بمرور الوقت أصبح المعجزة التي ثبّت اردوغان من خلالها أقدامه ، ووضع اسمه كواحد من أهم الشخصيات تأثيراً في التاريخ التركي الحديث . (16)

4ـ الإعلاء من قيمة ثقافة التحالف مع مختلف التيارات السياسية ، وهي خطوات قام بها أربكان سابقاً مع بولنت أجاويد ، وتانسوا تشيللر !

(2) تقديم القدوة فى غيبة المصطلح :

يقول سعد عبد المجيد : لم يتخلف أردوغان يوماً عن واجب العزاء لأي تركي يفقد عزيزاً ويدعوه للجنازه. اقترب الطيب من الجماهير خاصة البسطاء منهم ، قال احدهم : نحن نفخر بأردوغان ونعتقد أنه لن يجرؤ أحد بعد اليوم على السخرية منا أو إهمالنا .
يشير رجل الأعمال - التركي من أصل سوري - غزوان مصري إلى أن : كل من يعيش فى استانبول يدين للطيب بالماء والهواء النظيفين ، والخضرة التى تملأ المكان .. كانت وسائل الإعلام سابقاً تنصح كبار السن و الأطفال ألا يخرجوا للشارع لأن الهواء ملوث ، كما كانت الكمامات توزع فى الشارع .

أما جول : لا تفارق الابتسامة وجهه في أشد المواقف صعوبة ومشقه.. ويعتبر واحداً من السياسيين الذين لا تأخذ التجربة السياسية والخبرات المتولدة عنها من الرصيد الإنساني لديهم... وإنما تضيف إليه ، فى رمضان .. يقوم جول باصطحاب زوجته يومياً إلى منزل إحدى العائلات الفقيرة بالعاصمة أنقره لتناول طعام الإفطار ليؤكد أنه خرج من بين هؤلاء ، وانتمائه الحقيقي لهم .
رغم ذلك وصف أردوغان نفسه بأنه رئيس متدين لحكومة علمانية ، مضيفاً : العلمانية الحقيقية من وظائفها حماية الدين والمتدينين لا محاربتهم .

(3) مرحلية الإنجاز : معركة الحجاب نموذجاً

صرح اردوغان مرة ً انه يتمنى أن يرى المحجبات والسافرات وهن يسرن يداً بيد في الجامعات.. ربما سيتوقف الكثيرون أمام مقولة اردوغان متهمين إياه بالتراجع والتنازل !!
لكن الوضع في تركيا جدُ متداخل ومتشابك فهذه الكلمات على بساطتها عَدّها المدعي العام دليلاًَ على نية اردوغان هدم العلمانية !!
وكان اردوغان في رحلته لاستراليا عام 2004 قد تقدمت إليه فتاتان تركيتان تدرُسان في الجامعة هناك بعد مَنعهما من الدراسة الجامعية في تركيا بسبب الحجاب ، وطَلبتا منه حل المشكلة فأجاب : ( إنني اعرف هذه المشكلة جيداً ، وقد قاست منها عائلتنا كثيراً فقد حصَلت ابنتان لي على الدرجة الكافية للالتحاق بجامعة (بوغاز إيجي) ولكنهما لم يستطيعا الدوام في تلك
الجامعة لكونهما محجبتين ، أنا اعرف هذه المشكلة جيداً وارى أن حلها يتم بالتفاهم مع الأحزاب الأخرى . لذا ارجوا ألا يطالبني احد بحلها بشكل منفرد لأنني لا أريد إثارة التوتر في البلاد !)
لكنه في يناير 2008 تحدث بالقول : ( سنتخطى هذه المشكلة معاً .. لا حاجة للانتظار للدستور الجديد .. حل هذه المشكلة بسيط للغاية سنجلس معاً ونحلها بجملة واحدة )! (17) ....

وفى فبراير اقر البرلمان التركي التعديلات التي اقترحها العدالة والتنمية على المادة 10 و42 من الدستور بموافقة 411 عضواً وامتناع 47 عن التصويت ، لكن المحكمة الدستورية التركية أصدرت يوم 5 يونيو قراراً يقضي : (ببطلان التعديلات الدستورية التي تسمح للطالبات بدخول الجامعة بالحجاب) وهو القرار الذي قال اردوغان : (انه تجاوزاً لصلاحيات المحكمة).. بينما رأى رئيس أركان الجيش التركي "ضرورة احترام قرار المحكمة "..

(4) بناء السياسة الخارجية التركية على أسس ومرتكزات طموحه :
ذكر أحمد داو دأوغلو منظر السياسة الخارجية التركية ، ومحركها المرتكزات التي تقوم عليها السياسة الخارجية التركية فى مقالاته ودراساته ، وهي تهدف من وجهة نظره إلى :
ـ التوفيق بين الحريات والأمن.
ـ تصفير المشكلات مع دول الجوار والوصول إلى علاقات جيدة مع الجميع .
ـ إتباع سياسات متعددة الابعاد ومتعددة المسالك تتلائم وتتواءم مع الظروف العالمية المتحركة .
ـ تطوير الإسلوب الدبلوماسي ، وإعادة تعريف تركيا من جديد كطرف فاعل وليس مجرداً جسر للتواصل .

ولم يخفى أوغلو طموحه فى أن تتحول تركيا إلى قوى مؤثرة فى النظام العالمي الجديد الذي يعتقد أنه سيتم تأسيسه خلال من 10 إلى 15 عام ، كبديل للنظام الحالي ، واستناداً لهذه المبادئ يرى أوغلو أن توفير الأدوات الضرورية لها بتطلب إعادة بوصلة تركيا إلى عمقها فى العالم الإسلامي والغربي الذي إبتعدت عنه منذ إنهيارالسلطة العثمانية ، مما جعلها جزء تابع للمنظومة الغربية الإسرائيلية . (18)

خاتمة :

يعتقد البعض أنه ربما لم يسبق لرجل أن يحكم بلداً من قبره ولمدة زادت على ثلاثة أرباع قرن سوى رجل واحد ذاك هو أتاتورك ، وهذا ربما إشارة إلى قوة العلمانية التركية وقدرتها على فرض ميولها ، رغم مرور الزمن .
لكن : معظم الدول العربية أيضاً تُحكم من خلال قبور وبسياسات مستمرة ، وضعها أموات ولو كانوا فى الظاهر أحياءً !!
فالاستبداد والقهر يتعارضان مع مفهوم الإنسانية والحياة ، والجمود لا يتفق أبداً مع شرايين أوطان تتدافع فيها الدماء وهذا يتطلب أن تقرأ الأحداث بموضوعية من خلال السياق الملائم ، فانتقائية التعرض والإدراك والأحكام المرجعية المندفعة ربما لم تعد مُجدية مع روح العصر الذي يتطلب الإحاطة والتقليب ، كما يجب أن تفهم التجارب، ويستفاد من دروسها بدون التنازل عن الثوابت ، والخطوط العريضة التي إقرتها الجماعات ، وأرتضتها الصفوف .

لم يعد هناك مكان للإطروحات الثنائية المختزلة ، إما هذا أو ذاك ، فبينهما تتعدد المسالك ، وتكمن الفرص ، والتغيير لن يرتبط برفض تجارب الآخر ـ الشبيه ـ بقدر التشابك مع الواقع وفرض قيم ما للتغلب على جمودة ، سواء ضاقت مسالك الصدام أم إتسعت .
اقسم اربكان يوماً أن يحمل السعادة للعالم حينما أعلن انه ليس المؤسس الفعلي للرفاه ، وإنما سبقه الملوك العظام بايزيد ومحمد الفاتح وملكشاه ، لكنه لم يستطع أن يحقق الحلم ، لكن الحلم إلى تلاميذه أقرب ، بدون الانتقاص من رأي المعارضين ، أو من أبوته للجميع .
......................

المراجع
(1) حيرتنا مع العدالة والتنمية ...د/ رفيق حبيب .. المصريون
(2) الإخوان المسلمون والأحزاب الإسلامية المعاصرة .. نافذة مصر
(3) العلمانية والإسلام لا يلتقيان ..م / علي عبد الفتاح .. نافذة مصر
(4) دور جديد لتركيا د / عصام العريان .. إخوان أون لاين
(5، 6، 7) لقاء مفتوح غسان بن جدو .. قناة الجزيرة
(8)المؤامرة على العدالة والتنمية أرخان محمد علي.. المجتمع الكويتية (1ـ2)
(9) المؤامرة على العدالة والتنمية أرخان محمد علي.. المجتمع الكويتية (2ـ 2)
(10) صحيفة الزمان التركية 27 نوفمبر 2006
(11)أبرز النجاحات والإخفاقات فى المسيرة السياسية للحركة الإسلامية التركية محمد العادل .. ورقة مقدمة من مركز العادل للدراسات فى ندوة بـ مراكش ..
(12) سعد عبد المجيد صحافي عربي مقيم فى تركيا .
(13)رؤية خاصة فى تجربة الدالة والتنمية التركي .. الشيخ / راشد الغنوشي
(14) أبرز النجاحات والإخفاقات فى المسيرة السياسية للحركة الإسلامية التركية محمد العادل .. ورقة مقدمة من مركز العادل للدراسا ت فى ندوة بـ مراكش ..
(15) جدلية الإستيعاب والإستبعاد ...إبراهيم البيومي غانم
(16) معركة أردوغان القادمة .. أحمد منصور
(17) إبراهيم البيومي غانم ..ماذا يجري فى تركيا ؟؟ (4) المصري اليوم
(18) طبيعة الدور الإقليمي التركي . محمد نور الدين . مركز الجزيرة للدراسات.
(19) الواقعية الأردوغانية والوحشية العلمانية من يضحك أخيراً ، قراءة فى
تجربة الإسلام السياسي فى تركيا (1ـ5) وائل الحديني ..نافذة مصر
......................
*هذه الدراسة كتبها المؤلف عام ٢٠١٠

*المصدر: الإسلاميون

أخبار ذات صلة

إختلف العلماء في حكم صلاة الغائب ، فذهب البعض إلى أنها غير جائزة ، و أنها كانت من خصوصيات النبي صلى الله عليه و سلم ، و أجازها الجمهور ، ثم إختلفوا ، فحصره ... المزيد

**.. من المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة تغيرات للأصلح أو للأسوأ.. وبوسع من ابتلاهم الله بالولايات العامة للمسلمين أن تكون الأزمات والنوازل الحالية فرصة ... المزيد

في أعقاب حرب الخليج الأولي التي انتهت بتحرير الكويت وتدمير القوة العسكرية للعراق وفرض الحصار عليه، صدر كتاب عام 1992 بعنوان: "نحن رقم واحد: أين تقف أمري ... المزيد

لم تعجبني الدراسة المسلوقة التي قام بها أربعة من الشباب المصري بتركيا ونشرها المعهد المصري للدراسات هناك عن مبادرة الجماعة الإسلامية عام 1997.

المزيد