البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الأنظمة الاستبدادية وأساليب الطغاة فى الحكم

المحتوي الرئيسي


الأنظمة الاستبدادية وأساليب الطغاة فى الحكم
  • محمد يوسف عدس
    14/07/2015 06:17

"الصعود إلى الهاوية" (الحلقة الثالثة) كيف يختار الطاغية المستبد وزراءه وأعوانه ..؟:
 
وما هي الخصائص المميزة التى يراعيها الطاغية فى اختيار مساعديه..؟ -لعل فى هذه القصة إجابة معقولة على هذا السؤال .. وهى قصة ترجع إلى ثمانينات القرن الماضى:
 
كُنّا ثلاثة إجتمعنا فى منزل الدكتور إبراهيم كاظم مدير جامعة قطر ، كان هو الداعى وكنا ضيفاه أنا والطيب صالح الأديب السودانى المعروف بأدبه الجمّ وفكاهته العذبة.. كان مدير مكتب منظمة اليونسكو لدول الخليج .. فهو المنسق العام لأعمال المستشارين والخبراء فى هذه المنطقة .. وكنت أعمل حينذاك ضمن فريق من الخبراء فى إنشاء وتجهيز جامعة قطر (الجديدة) .. تطرقنا فى هذه الجلسة إلى قضايا بعيدة عن هموم المشروع والعمل حيث فاجأنا الدكتور كاظم بسؤال موجه إلى الطّيب صالح قال: أنت تعرف (فلانا) وتعرف أنه طُرد من جامعة الخرطوم لاتهامه بأمور تخلّ بالشرف ..؟ فلماذا اختاره النميرى وزيرا.. أليس هذا شيئا عجيباً ..؟ ..هل يُعقل أن النميرى يجهل تاريخ الرجل !؟..
 
تملّكنى العجب والدهشة ، وتلهّفت على سماع إجابة شافية ، بينما الطيب صالح غارق فى الضحك، وقد ألقى رأسه إلى الخلف مستندًا بظهره إلى المقعد ، وجسمه يهتز من القهقهة، ثم اعتدل فى جلسته وقال : "لقد عجبِتَ ودهِشْتَ أنتَ لأنك لا تعرف ما يكفى عن النميرى ، أما أنا فلم أدهش ولم أتعجّب .. والسبب بسيط جدًّا؛ فالنميرى و أمثاله يبحثون عن ركوبة مريحة ، وكلما كانت (المطيّة) معيبة كلما كانت أكثر طاعة وأيسر قيادًا ، النميرى يادكتور يحب أن يركب ويهزّ رجليه..! وهو ليس فريدا فى هذا المضمار.. فكل حُكَّام العرب على هذا المنوال .. !"
 
أعترف أن هذه كانت أول مرة أسمع مثل هذا الكلام الصريح الواثق من الطيب صالح الذى أعرف قدره بين الأدباء وأدرك مكانته .. لقد لفت نظري بشدة إلى هذه الحقيقة ، وبدأت أبحث وأدرس أبعادها فى الواقع خلال حشد كبير من المصادر الفكرية والمراجع التاريخية والسياسية التى تحفل بها مكتبة جامعة قطر..
 
وقد خرجت من دراساتى للأنظمة الاستبدادية فى العالم الثالث ، وأساليب الطغاة فى الحكم بحقيقة أخرى مثيرة ؛ فهناك نوعان من الطغاة: طاغية ذكيّ وطاغية غبي ، صحيح أن كلاهما يشترك فى خصوصية واحدة ؛ أنه يختار مساعديه من ذوي العاهات الأخلاقية أو النفسية ؛ فلابد أن تكون فى سيرة حياة مساعده صفحة ملوثة بجريمة تمس الشرف أو الأمانة ، وإن بقيت خافية عن أنظار العوام .. ولكنها معروفة لدى الطاغية يضعها كالطوق حول رقبة الضحية ؛ فإن شاء أبقاها مستورة عن الأعين ، وإن شاء أذاعها مضخّمة خلال أجهزته الإعلامية ..
ثم يأتى الفرق بعد ذلك ؛ فالطاغية الذكي (مثل فرديناند ماركوس) لا يختار مساعديه من الحمير الأغبياء فينكشفوا بسرعة ، وإنما يختارهم من أصحاب المهارات الخبيثة الذين يجيدون صناعة الكلام الفارغ ، لإبهار العوام وشغل الناس بالقضايا الجوفاء والأمور التافهة .. فهم أولا مدربون على تسويق أنفسهم وبضاعتهم للغافلين من الناس، ثم يتكفّل الإعلام المسخّر بتقديمهم وتعظيم قدراتهم ، والتغطية على قصورهم و مفاسدهم .
 
أما الطغاة الأغبياء فهم فى هذا درجات ؛ ولكن تجمعهم خصلة واحدة مشتركة ، تتمثَّل فى اختيار مساعديهم من التكنوقراط الأغبياء فى السياسة [يعترف لك الوزير بلا خجل فيقول: أنا فنيّ لا أفهم فى السياسة ؛ وهو-لفرط جهله- غير مدرك أن وظيفته سياسية قبل أي شيء آخر] ..
 
وهناك سمة أخرى مشتركة بين هؤلاء الطغاة: أنهم يفضلون فى مساعديهم ألا يكونوا من الذين يجيدون الكلام ؛ حتى يبقى الطاغية هو المتكلم الأوحد ، والشارح الأوحد والزعيم الأوحد ؛ فعل هذا عبد الناصر والسادات ، و قلّدها مبارك بافتعال ملحوظ ..
 
أغبى الأغبياء من الطغاة ، هو الذى يحرص على اختيار أسوء العناصر ، من ذوى السمعة الرديئة ، المشهورين بالسوك الصادم ، والعبارات الصادمة لمشاعرالجماهير[الزند تموذج] ؛ لعل الطاغية الغبي بهذا الاختيار يريد أن يصرف عيون الجماهير واهتماماتهم عن متابعة عيوبه الشخصية ، ومخازيه فى الكلام والسلوك .. ومواقفه المخزية .. فأهم شيء عنده أن يساعده الأعوان فى تجميع السلطات كلها فى قبضته .. وإطلاق يده فى العبث بكل شيء .. مادام هناك من يصفق له ، وهناك إعلام لا عمل له إلا تمجيد كل ما يقوله أو يفعله .. ومنافقون يطبلون له ويزمرون .. .. 
 
اللعبة مفهومة وتسير بانتظام ويُسْر .. حتى تحدث ثورة تقلب الأمور وتفجر الفضائح المستورة وينكشف الغطاء عن مستنقع العفونات والرذائل ..
لاحظت أيضًا أن الطغاة بلا استثناء -بما فيهم "فِرْدِنانْد ماركوس"- يختارون وزراءهم ؛ بطريقة نمطية ؛ فيأتون بهم من حيث شاءوا ويعزلونهم من وظائفهم حين يشاءون .. ولا أحد يعلم لِمَ جِيئَ بهم ولِمَ تمَّ عزلهم..؟! وقد إعتاد الناس ألّا يسألوا عن الأسباب.. إمّا يأسا وإمّا غفلة وإمّا لا مبالاة .. فكذلك اعتاد الزعيم الأوحد ؛ ألا يشرح الأسباب للناس فهذا أمر لا يخصّهم.. 
 
ولأن الزعيم الأوحد لايستمد شرعيته من الشعب وإنما من قوى خارجية [ مثل أمريكا و إسرائيل] فإنه لا يشعر بأدنى التزام نحوشعبه .. أو ضرورة لتفسير أعماله ومواقفه ، بل يترك الأمر لفرق المطبلين والمزمِّرين فى أجهزته المختلفة .. !
مطبلين والمزمِّرين فى أجهزته المختلفة .. !
 
** هذه إذن حقيقة لابد أن نفهمها:
الطاغية المستبد لا يعبأ برضا شعبه لأنه يعتمد فى تعزيز سلطته على الإرهاب والتضليل ، والتخويف من الكوارث المحيطة والترويع ، والتجويع .. وخلق عدو وهميّ يمتص من العوام مشاعر الكراهية والغضب ، التى صنعها هو كنتيجة لعوامل القهر والإحباط التى سلّطها على جموع الجماهير التعيسة ..
 
ونتابع الموضوع فى حلقة تالية إن شاء الله..

أخبار ذات صلة

إن الخصيصة الأولى من الخصائص العامة للإسلام هي: الربانية.

والربانية ـ كما يقول علماء العربية ـ مصدر صناعي منسوب إلى "الرب"، زيدت ... المزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فهذا رد على الدكتور حاكم المطيري غفر الله لي وله فيما كتبه ... المزيد

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد