البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الأضحى والخليل إبراهيم

المحتوي الرئيسي


الأضحى والخليل إبراهيم
  • م.أسامة حافظ
    08/09/2015 12:33

منذ أيام مات ولد لأحد أصدقائي كان أصغر أبنائه – آخر العنقود – وكان قد أنجبه على كبر فكان أحب أبنائه إليه لا يكاد يفارقه.. كان مرتبطا ً به أشد الإرتباط يشتري له لبن العصفور إن طلبه .. وكان الإبن شديد الحب لأبيه والإرتباط به .
 
ذهبنا جميعاً نودعه إلى قبره .. كان الأب يبكي على ولده بحرقة .. وانهار باكيا ً ونحن ننزل الغلام إلى القبر ونوسده التراب .
 
واجتمع أحبابه من حوله يصبرونه ويدعونه أن يتماسك من أجل حاله وسنه.. ومن أجل أولاده الآخرين .. ومن أجل لم شمل عائلته التي تعاني مثل معاناته وهو رجلها وكان – صبره الله – يقول " أعرف كل ذلك لكن مش قادر " .. أبكي عافاه الله وصبره كل الحاضرين تأثرا ً. 
 
خرجت من هذا المشهد الأليم وقد شعرت لماذا أمرنا أن نحتفل على مر السنين باستسلام الخليل إبراهيم عليه السلام لأمر الله سبحانه أن يذبح ولده .
 
لقد كنت أقرأ القصة واستغرب أن خصها الله سبحانه بهذه الحفاوة من بين كثير من الأعمال الصالحة والتضحيات التي عملها الأنبياء على مر العصور.. رغم كثرتها وتنوعها.
 
لم أكن قد تذوقت ألم الحرمان من الولد المحب البار على قلب الأب .. ولا شعرت كيف يصبر لتلك الصدمة اللهم إلا من كلام أجوف كنا نردده خال من المشاعر.. حتى شاهدت هذا المشهد .. أو قل عشته منذ يومين.
 
وهنا بدأت أشعر حقيقة بمشهد الخليل العظيم واستسلامه لأمر الله .. وأحوال العارفين لا تدرك بمجرد الكلام أو القراءة عنها.. وإنما يدركها القلب بالمعايشة والإحساس " لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ".
 
لقد انتظر صابرا عليه السلام أن يرزقه الله الولد زمنا ً طويلا ً حتى أدركته الشيخوخة وكبر سنه ووهن عظمه.. ثم من الله عليه بالولد على كبر.. ففرح به أشد الفرح وقام على تربيته وحفظه.. وقد زاد الله في إنعامه وحفظه له فنشأ نبيا ً حليما ً – عاقلا – تقيا فزاد حب الأب له وارتباطه به.
فقد كان إبنه الوحيد الذي رزقه على كبر.. كما أنه كان باراً بوالديه ذا عقل ودين.
 
ومع نمو الغلام ومرور السنين يزداد حب الأب لولده وارتباطه به حتى إذا بلغ معه السعي "أي أن صار شابا ً " يشارك أباه السعي.. أو قل يحمل عنه عبئ ذلك.
 
وقد كبر ووهن ورقت عظامه.. أمره الله أن يذبحه بيده .. أن يذبح سنده الوحيد من البشر في الدنيا .. وأن يحرم نفسه بره وعقله وحبه وحمله بعد أن هرم وشاخ .. أن يحرم نفسه من انتظاره السنين الطوال ومن ذكريات الحرمان الطويل .. ثم من الفرحة العارمة بمجيئه .. وسهر الليالي في العناية به.. والكد والكدح لإطعامه وتلبية حاجاته.
 
أمر أن يحرم نفسه من مستقبل الغلام الذي كان يحلم به له ولنفسه .. ويعد نفسه وغلامه له تحقيقا لأحلامه لوحيده العاقل اللبيب البار المحب.
 
أمر أن يمزق قلبه بيده الذي استقر فيه الغلام طوال سنوات طفولته وغلمته وشبابه ويذبح ذكرياته وأحلامه وآماله التي ملأت حياته بعد مجيء الغلام .
 
كان يمكنه أن يتعلل ليتملص من الأمر والتكليف .. وما أكثر ما يفعل البشر ذلك إن شق عليه الأمر فيقول مثلا ً:
 
لماذا وما يفعل الباري بدماء ولدي .. ويتجاهل أن الله لا يسأل عما يفعل وكان يمكنه أن يشكك.. فالأمر جاءه في المنام – وهو أدنى درجات الوحي الرباني – فيقول أضغاث أحلام .. ويتعلل للفرار من الأمر الأليم.
 
ولكنه (صلى الله عليه) لم يفعل وما كان له أن يفعل .. وإنما حمل سكينه وساق ولده ومعه كان أحلامه وذكرياته وأمانيه.. بل قل وقلبه المحب وانطلق به ليذبحه وينفذ أمر مولاه جل وعلا .
وتل ولده لجبينه ووضع السكين على رقبته وانتظر أن تسيل دماء ولده الوحيد الأثير أو قل دماء قلب الأب المستسلم الراضي بأمر الله .
 
وهنا انتهي الإمتحان بهذا النجاح المعجز الباهر.. وأدركت البشرية لماذا اتخذ الله إبراهيم خليلا – صلى الله عليه – إنه قلب ارتقى في محبة الله حتى غطت على كل محاب الدنيا بكل ما فيها ومن فيها.. وانشغل بإرضاء الله عن كل مراضى البشر وأولهم نفسه.. فأرضاه الله وأحبه واتخذه من بين العباد خليلا.
 
هذه هي قصة الأضحية .. هي قصة الاستسلام والإنقياد الذي يذكرنا الشارع الشريف بها كل عام في هذه الأيام .. ويقدم لنا هذا الأنموذج البشري الفريد لنتمثله ونتطلع إليه.. ونرتقي طمعا في الارتشاف من منهله وبحره الفريد الواسع .
 
صلي الله عليه وعلي نبينا الكريم وجمعنا بهم في ظل عرشه الكريم.

أخبار ذات صلة

1 -  ذو ذاكرة  قوية جعلته يحفظ القرآن وهولا يزال طالبا حفظاً متيناً ينافس الحفاظ وهو يراجع جزء من القرآن يومياً فى صلوات النوافل وأظن أنه ضاعف ذلك خل ... المزيد

البغي له عاقبة ، وهو ليس خاصاً بالمستبدين والطغاة ، بل ينسحب على كل من بغي وتجبر ولو كان من الراكعين الساجدين ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فت ... المزيد

لاينبغي أن ننسى أن أرض لبنان جزء من الأرض المقدسة بالشام التي دنسها أكابر المجرمين،  والجريمة الكارثية في بيروت..متعددة الأطياف.. ومتنوعة الأطراف، وم ... المزيد

التقى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي برئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي، السبت، وقبل انطلاق مجلس شورى حركة ال ... المزيد