البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

ابن تيمية والتصوف السني:

المحتوي الرئيسي


ابن تيمية والتصوف السني:
  • هيثم سمير عبدالحميد
    27/01/2019 09:23

لم يكن ابن تيمية يبدع التصوف في نفسه ولكن كان يبدع الممارسات والفلسفات الخاطئة التي تسربت للتصوف ،وكان معظما لآئمة التصوف السني وكان ابن القيم رحمه الله تعالى هو وريثه في هذا الباب، وكتاب المدارج من أرقى كتب التصوف السني.

اولا: لفظ التصوف السني من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى:

قال رحمه الله تعالى في نونيته اثناء تعداد معسكر اهل الحق:

أهل الحديث جميعهم وأئمة الـ ... ـفتوى وأهل حقائق العرفان

العارفون بربهم ونبيهم ... ومراتب الأعمال في الرجحان

صوفية سنية نبوية ... ليسوا أولي شطح ولا هذيان

هذا كلامهم لدينا حاضر ... من غير ما كذب ولا كتمان

فاقبل حوالة من أحال عليهم ... هم أملياء أولو إمكان

فإذا بعثنا غارة من أخريا ... ت العسكر المنصور بالقرآن.

ثانيا: ما هو التصوف السني:

التصوف السني هو الذي وصفه شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله:

"هو ـ أي الصوفي ـ في الحقيقة نوع من الصديقين فهو الصديق الذي اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذي اجتهدوا فيه فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال: صديقو العلماء وصديقو الأمراء فهو أخص من الصديق المطلق ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين أنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضاً كل بحسب الطريق الذي سلكه من طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده وقد يكونون من أجلّ الصديقين بحسب زمانهم فهم من أكمل صديقي زمانهم والصديق من العصر الأول أكمل منه والصديقون درجات وأنواع ولهذا يوجد لكل منهم صنف من الأحوال والعبادات حققه وأحكمه وغلب عليه وإن كان غيره في غير ذلك الصنف أكمل منه وأفضل منه". انتهى

وهو الذي قال فيه ابن القيم رحمه الله تعالى في المدارج:

(و‍التصوف: زاوية من زوايا السلوك الحقيقي، وتزكية النفس وتهذيبها. لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه). فإن المرء مع من أحب. كما قال سمنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة. فإن المرء مع من أحب. والله أعلم".

ف‍التصوف السني هو مسلك يهدف الى تزكية النفس وتحسين الخلق والسمو بالروح والقرب من الله تعالى وبلوغ درجة الاحسان.

و‍التصوف السني ماكان مضبوطا بالكتاب والسنة مستمدا منهما ولا يخالفهما كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"فمن بنى الكلام في العلم: الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة وهذه طريق أئمة الهدى".

ثالثا: موقف ابن تيمية رحمه الله تعالى من التصوف والصوفية:

من افضل ما يمثل موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية هذا النقل النفيس:

ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت " الصوفية و‍التصوف ". وقالوا: إنهم بتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام. وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. و " الصواب " (( أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة))؛ ولكن عند المحققين من أهل ‍التصوف ليسوا منهم: كالحلاج مثلا؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق. مثل: الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره. كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي؛ في " طبقات الصوفية " وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد".

 

رابعا: نماذج من تعظيمه رحمه الله تعالى لآئمة التصوف السني:

1- قال رحمه الله تعالى:

"(وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة) مثل سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والأوزاعي وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والشافعي وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله بن المبارك وشقيق البلخي ومن لا يحصى كثرة. إلى مثل المتأخرين: مثل الجنيد بن محمد القواريري وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي ومن بعدهم - إلى أبي طالب المكي إلى مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدي والشيخ أبي البيان والشيخ أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين. كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ."

2-" ولهذا كان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة إ(مام هدى)، فكان قد عرف ما يعرض لبعض السالكين، فلما سئل عن التوحيد قال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم.

فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرًا عن الحلول والاتحاد. فجاءت الملاحدة ـ كابن عربى ونحوه ـ فأنكروا هذا الكلام على الجنيد؛ لأنه يبطل مذهبهم الفاسد. (والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال)".

3- سمى رحمه الله تعالى الشيخ عبد القادر الجيلاني قطب العارفين في كتاب الاستقامة.

وغيرها كثير مما يرهق نقله وتتبعه.

خامسا: التلقي للتصوف والانتساب الى شيخ معين عند ابن تيمية رحمه الله تعالى:

الانتساب الى شيخ معين مكروه عند ابن تيمية رحمه الله تعالى وليس محرما هذا من حيث أصل الحكم وغن كان سائغا في الجملة، لكن قد يكون محرما كما إذ تلبس بالعصبية للانتساب وعقد الولاء والبراء عليه او قد تزول الكراهة اذا دعت الحاجة اليه ، وهذه النقولات الثلاث توضح ذلك ان شاء الله.

قال رحمه الله تعالى:

"بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري. فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان".

وقال ايضا رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه وجزاه الله عنا خيرا:

"وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين: فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن. كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنهم التابعون؛ وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر. ولا يتعين ذلك في شخص معين؛ ولا يحتاج الإنسان في ذلك أن ينتسب إلى شيخ معين كل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها؛ وكل ميت وصل إلى الإنسان من أقواله وأعماله وآثاره ما انتفع به في دينه فهو شيخه من هذه الجهة؛ فسلف الأمة شيوخ الخلفاء قرنا بعد قرن؛ وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ولا يخص أحدا بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه فيقدم من قدم الله تعالى ورسوله عليه ويفضل من فضله الله ورسوله قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {لا فضل لعربي على عجمي؛ ولا لعجمي على عربي؛ ولا أسود على أبيض؛ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى} .

وقال ايضا رحمه الله تعالى:

"ومن أمكنه الهدى من غير انتساب إلى شيخ معين فلا حاجة به إلى ذلك ولا يستحب له ذلك بل يكره له. وأما إن كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره إلا بذلك مثل أن يكون في مكان يضعف فيه الهدى والعلم والإيمان والدين يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد في دينه وعلمه فإنه يفعل الأصلح لدينه. وهذا لا يكون في الغالب إلا لتفريطه وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده. فأما الانتساب الذي يفرق بين المسلمين وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع فهذا مما ينهى عنه ويأثم فاعله ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم."

سادسا: اقسام الصوفية عند ابن تيمية رحمه الله تعالى:

قال رحمه الله : "الصوفية " ثلاثة أصناف " صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم. فأما " صوفية الحقائق ": فهم الذين وصفناهم - اي: بقوله : هو ـ أي الصوفي ـ في الحقيقة نوع من الصديقين- وأما " صوفية الأرزاق " فهم الذين وقفت عليهم الوقوف. كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق. فإن هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط: أحدها العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم. والثاني التأدب بآداب أهل الطريق وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها.

والثالث أن لا يكون أحدهم متمسكا بفضول الدنيا فأما من كان جماعا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقا فإنه لا يستحق ذلك. وأما " صوفية الرسم " فهم المقتصرون على النسبة فهمهم في اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم".

اما اصحاب الحلو والاتحاد فهم خارجون عنده رحمه الله تعالى عن مسمى الصوفية بل وعن مسمى الاسلام ذاته.

واختم المنشور بهذا النقل الجميل لشيخ الاسلام رحمه تعالى من كتابه اقتضاء الصراط المستقيم:

"ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة، والصور الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات، ثم تجد قد ابتليت هذه الأمة من اتخاذ السماع المطرب، بسماع القصائد وإصلاح القلوب والأحوال به ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين، وقال سبحانه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [البقرة: 113] فأخبر (( أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه)).

((وأنت تجد كثيرا من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة، والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى أن المتمسك (بها منقطعا عن الل))ه وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا .

وإنما الصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل".

وانا اعيذك بالله اخي الكريم من تلك المشابهة المذمومة.

 

أخبار ذات صلة

"الداعية" الإخواني وجدي غنيم (مواليد 1952).. شخصية قد تكون مُثيرة للجدل، ولكنها أيضًا تُثير التساؤلات أكثر من الجدل.

غني ... المزيد

هناك رجال من أهل العلم نفروا لطاعة الرحمن بالجهاد، فتركوا زهرة الدنيا ومتعها، وأقبلوا على الله إلى مظان الموت والبلاء.

هم ... المزيد

لو كنت مهموماً بما يحدث فى بلادنا من تغريب وتسطيح وتجهيل، وتريد أن تساهم فى إحداث توازن جديد ليُعيد بعض الحق إلى نصابه أملاً فى إعادة كل الحق إلى نصاب ... المزيد