البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

إفسادٌ لا جِهاد.. كيف يحول الجهاد إلى إفساد؟

المحتوي الرئيسي


إفسادٌ لا جِهاد.. كيف يحول الجهاد إلى إفساد؟
  • أَبُو مارِيَةَ الْقحطانى
    18/05/2015 05:06

الحمد لله الذي أمر عباده بالعدل والإحسان، ونهاهم عن الظلم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله الحكيم الخبير العليم القدير، الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو بكل شيء محيط، نحمده ونشكره على نعمه التي لا تحصى، فلهُ الحمدُ في الآخرة والأولى.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق، فما ترك من خير إلا وأرشد الأمة إليه وهداها إلى الأخذ به، ولا شرًّا إلا وحذر الأمة منه وأمرها باجتنابه، صلى الله وسلم عليه وعلى صحابته ومن سار على طريقتهم واتبع نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن من أهم المهمات وأفضل القربات التواصي بالحق والصبرِ عليه، والأخذَ على يد الباغي المعتدي والحجرَ عليه وأطرَه على الحق أطرًا؛ ليكون رضى الله حليفَنا؛ فنحقق النصر والتمكين الذي هو غاية أهل الجهاد وطالبي تحكيم شريعة رب العباد؛ فإن ما يحبه الله مقدم على ما سواه، ومن ذلك: التحذير مما يخالف محبوبَ الرب -عز وجل- من المناهي والمحرمات المختلفة؛ التي تبعد العبد عن رحمة الرب جل في علاه؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهما مصلحة الجهاد وأهله، بل الأمة بأسرها تصلح بهذا الباب المهم من أبواب الشريعة، وبتحقيقهما يكثر الخير وتظهر الفضائل، وفي إهمالهما فساد الأمة وعطبها، وبالتهاون عنهما يكثر الشر ويقل الخير ويظهر الفساد في الأرض، وقد أوضح الله -سبحانه وتعالى- منزلةَ هذا الواجب العظيم في الإسلام، حتى إنه -سبحانه وتعالى- قدَّمه ذِكْرًا على الإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وكفى بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عِظَمًا وشرفًا أن قدَّمهما الله ذِكْرًا على الإيمان القلبيِّ به وهو الأصل وهما شعبتان، ومما يُلتمَس في سرِّ هذا التقديم تشريف هذا الواجب العظيم، والإشارة إلى ما يتحقَّقُ منه من المصالح العظيمة الدينية والدنيوية، ومنها تمام الإيمان وانتشاره، ومنه أيضًا ما ذكره البيضاوي –رحمه الله- في تفسيره من أن الله –سبحانه- قصد بذِكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانًا بالله وتصديقًا به وإظهارًا لدينه، وإظهار دينه هو من الوجه السابق، ومنها أيضًا أن الإيمان الواجب للفرد لا يتحقَّق إلا بأدائه لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها أيضًا أن المجتمع الذي يستحق أن يوصف بالإيمان الذي تحصل بسببه الخيرات العامة كالأمن الذي ذكره الله تعالى في قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ واجتناب العذاب باللعن وغيره كما أشارت إليه آيات وأحاديث، لا يكون إلا بأداء هذه الشعيرة العظيمة، وقد ذكر المفسرون غير هذه الأسباب، والله أعلم.

وإننا نرى حاجة أهل الجهاد لطرق هذا الباب بينهم ماسةً شديدة ولا سيما في الساحة الشامية؛ فإن الوقائع المنكرة التي تحتاج لبيان حكم الله فيها والإنكار على أهلها كثيرة، ومن هنا تأكَّد العمل بهذه الفريضة الربانية؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولقد كان المسلمون في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد أصحابه -رضوان الله عليهم- وفي عهد السلف الصالح -رحمهم الله- يعظمون هذا الواجب، ويقومون عليه خير قيام، هذا مع شدة التزام تلك الطبقة المهديَّة بالدين والشرائع وتمايزهم عن الزائغين في عصورهم، بل بهذه الشعيرة الشريفة تمايزوا عنهم، فالحاجة إليه في العصور المتأخرة عنهم أشد وأعظم؛ لقلة العلم وكثرة الجهل بميراث النبوَّة وآثار الرسالة، وزيغ الكثير من الناس عن مصدر التلقي الشرعي لمختلف طبقات المكلَّفين، واتِّباعهم الرؤوس الجهال الذين ضلوا وأضلوا، وزاغوا وأزاغوا، وافتتنوا وفتنوا، وغفلة الكثير من الناس بل وتقصير المكلفين من أهل العلم في القيام على هذا الواجب العظيم، وفي زمننا هذا عظم خطر التقصير في هذه الشعيرة؛ لفشوِّ قسوة القلوب وموتها، وضعف النفوس، ولقلة الدعاة إلى الخير، وكثرة الدعاة إلى الشر، فوا أسفاه من الصدود عن صوت الحق وخفائه على كثير من العوام ومن لا فهم لهم، والإقبال على صوت الباطل وظهوره عند غالب الناس إلا من رحم ربي.

و(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأساس الأعظم للدين، والمهم الذي بعث الله لأجله النبيين، ولو أُهمِل لاضمحلت الديانة، وفشت الضلالة، وعم الفساد، وهلك العباد، إن في النهي عن المنكر حفاظ الدين، وسياج الآداب والكمالات، فإذا أهمل أو تسوهل فيه، تجرأ الفساق على إظهار الفسوق والفجور بلا مبالاة ولا خجل) .

وقد ثبت أن فاطمةَ بنت قيس قالت لرسول الله؛ صلى اللهُ عليه وسلم: يا رسول الله إنَّه خطبني معاوية وأبو جهم فقال رسول الله؛ صلى اللهُ عليه وسلم: (أمَّا أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقِه، وأما معاويةُ فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة) ؛ فإذا كان الرسولُ حذَّرَ فاطمةَ منهما وذَكَرَهما في غَيبتهما بما يكرهان وهما من أخيار الناس؛ نصحًا لامرأة في أمر دنياها؛ فكيف بأناس ادَّعوا الجهاد وغشُّوا الناس وجعلوا الإسلام كفرًا، واستحلوا دماء الموحدين؟! فكيف يسكت من أوتي علمًا عن نصح الناس في أمر دينهم؛ ببيان حال قوم يغشُّون الأمة، ويسيرون بالجهل والأهواء، يكفِّرون الأخيار بالظن والهوى، ويستحلُّون دماء المجاهدين بالخصومات، ويفسدون الجهاد، ويفتنون الأمة عن نصرة المجاهدين؟ ولهذا حذّر الشافعي -رضي الله عنه- من حفص الفرد أمام جمعٍ وبيَّن حكمه أو حكم كلامه -على خلاف- وقال له: (لقد كفرتَ بالله العظيم) ، وروى الحافظُ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن الإمام الأوزاعي قال في غيلان أبي مروان الدمشقي المعتزلي بعد أن ناظره أمام الخليفة هشام بنِ عبد الملك وكسَره: (كافر وربِّ الكعبة يا أمير المؤمنين).

وقال ابن القيم: (فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله؛ فهو من المحبة أخلى، وإن زعم أنه من المحبين، فكذب من ادَّعى محبة محبوبٍ من الناس، وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه، ويسعى في أذاه ومَساخطه، ويستهين بحقه، ويستخف بأمره، وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد، فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت، وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته، وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر) .

ويقول ابن القيم -رحمه الله- عن شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان شيخنا -رضي الله عنه- شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعلتَ محتسبًا على الفتوى؟! فقلت له: أيكون على الخبازين والطبَّاخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!).

وقال ابن حزم: (اتفقت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف بين أحد منهم؛ لقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

قال سبحانه وتعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ؛ قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (فهذه الآية تدل على وجوبه، وأن القائم به خير الناس وأفضلهم، وإن الخيرية لا تحصل إلا بذلك، وفيها أن الفلاح محصور في أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الفوز بالسعادة الأبدية).

وقال الشوكاني -رحمه الله- في فتح القدير: (وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها).

وبعد هذه المقدمة نقول:

على أهل العلم أن يبينوا تعدي بعض الجماعات العاملة في بلاد الشام على حرمات المسلمين، ويعملوا بمقتضى العلم الذي حملهم الله إياه تجاه ما تفعله هذه الجماعات من مخالفات للشريعة واستباحتها الحرمات وتكفيرها خيار المسلمين والكتائب المقاتلة في بلاد الشام؛ فيظهروا ذلك بوضوح تقوم به الحجة على عموم الناس، فيهتدي الضال إذا بلغه العلم، أو يهلك شقيًّا عن بينة، ولا بد من بيانهم ضلال أولئك وبعدهم عن منهج أهل السنة والجماعة؛ وجهلهم بضوابط الحكم والقضاء، وصدورهم في ذلك عن جهل؛ حتى راحوا يفرُّون من تبعات أفعالهم الشنيعة إلى المباهلات، واستبدلوها بإقامة الحق والعدل بالحجج الشرعية، وإلى إطلاق التهم الجوفاء كالحكم على الكتائب بالردة وأنها صحوات وإثباتها بالدعاوى الإعلامية الفارغة إلا من استثارة عواطف الجهال ومخاطبة أهوائهم، وما أقبح الكلام في المسائل العظام وتقرير كبريات الأحكام بأساليب جهلة العوام، واستعانوا على تقرير مسائل الإمامة ببعض الجهال الذين لا يحسنون نصب دليل ولا فهم قول قيل، ينقل أحدهم من كتاب كلامًا ليس يدريه، وورق الكتاب أفقه منه بما فيه! ، ويفسدون بدعوى الإصلاح مخالفين في ذلك أهل العلم الثقات العدول الذين عركتهم الخطوب والفتن؛ فخرجوا منها آمنين سالمين بحمد الله، وما زالوا يبلغون عن دين الله لا يخشون فيه لومة لائم، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله.

قال شيخ الإسلام: (فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض إذا لم يكن عالمًا عادلاً كان في النار؛ فكيف بمن يحكم في الملل والأديان وأصول الإيمان والمعارف الإلهية والمعالم الكلية بلا علم ولا عدل).

وكذلك فإنه يجب على العلماء أن يبينوا للجند أنهم تبعٌ للأكابر من أهل العلم والتجربة والجهاد؛ لا للصغار الأغرار الذين لا خبرة لهم في المنهج والجهاد وأهله، وأن ذممهم لا تبرأ باتِّباع هؤلاء الذين لم يأذن الله باتِّباعهم، فالله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وهم أهل العلم في كل باب، وأهل العلم هم من يزكي بعضهم بعضًا، وليس ذلك موكولاً إلى العامي ليعيِّن هو العالم ثم يتِّبعه، فما حاجته للاتباع لو كان قادرًا على تمييز العالم من غيره؟! بل هذا اتباع للهوى لا تبرأ به الذمة ولا يمتنع به الإثم.

قال ابن عطية: (وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالمًا).

وليس كل مشتغل بالعلم يعلم تفاصيل المنهج الجهادي الشرعي وسنن التمكين؛ وخصوصًا في تقرير مسائل الإمامة ومسائل التكفير واستحلال الفروج والدماء؛ فهذه مسائل خطيرة يصدق فيها قول القائل:

لا يعرفُ الشوقَ إلاَّ مَن يكابدُه * * ولا الصبابَةَ إلاّ من يُعانِيها

قال المرداوي:
وأمرك بالمعروف والنهيُ يا فتى * * عن المنكر اجعلْ فرضَ عين تُسَدَّدِ

على عالم بالحظر والفعل لم يقم * * سواه مع أمن عدوان معتدِ

وبالعلماء يَخْتَصُّ ما اختصَّ علمُه * * بهم وبمن يستنصرون به قدِ

يعني أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على الصحيح، على كلِّ عالم، لم يقم به سواه، ولا يسقط إلا بخشيته العدوان على نفسه من جرَّائه، وأن ما كان من المعروف والمنكر علمُه مختصًّا بالعلماء؛ اختصَّ الأمر به والنهي عنه بهم، وقد يتعدَّاهم إلى من يستنصره هؤلاء العلماء ولو كان عاميًّا، فيأمرون وينهون مقلِّدين.

قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ.

قال العلامة السعدي؛ رحمه الله: (أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ بأن يخبر أن الله يعلم، أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك، لأنه يخالف قوله فعله، فلو كان صادقا، لتوافق القول والفعل، كحال المؤمن غير المنافق، فلهذا قال: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم، وَإِذَا تَوَلَّى هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا أي: يجتهد على أعمال المعاصي، التي هي إفساد في الأرض وَيُهْلِكَ بسبب ذلك الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا.

ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص، ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بِر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وألا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم.

ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله، إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، وأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين) انتهى كلامه.

وقد فحش اليوم ما تفعله جماعة الدولة من اعتداء آثمٍ على مقرات المجاهدين ومعسكراتهم، وبعض هذا الاعتداء قد طال بيوتهم؛ حيث يرسلون الشباب مشحونَ الصدر على المجاهدين مليءَ الدماغ بالافتراءات عليهم؛ ليفجروا أنفسهم في المجاهدين بحجة أنهم صحوات، قد ارتدوا عن دين الله وكفروا به؛ نسأل الله السلامة من الكفر، ومن التكفير بغير حق.

وما كنت أُرى أني سأعيش ليومٍ أرى فيه هذه الأفعال الإجرامية بذريعة الشرع وباسم دين الإسلام متدثرة بثوب الجهاد والشريعة؛ برغم أن هذه الأفعال لا يقبلها شرع ولا عقل؛ بل هي من الإفساد في الأرض الذي لا يرضاه الله تعالى، وقد سبق من قيادات (تنظيم قاعدة الجهاد) تحذيرهم من هذه الأفعال وبيان شؤمها والجرم الكبير الحاصل فيها؛ فقد أنكروا بشدة على من يفعل هذه العمليات الآثمة في أسواق المسلمين، وبينوا أن الطواغيت هم من ينفذها ليبغض الناسُ أهلَ الجهاد؛ فلذلك كان المجاهدون يتبرؤون من هذه العمليات على الدوام؛ وكذلك فقد جعل المجاهدون من يقوم بهذه الأفعال من الخارجين عن الشريعة؛ غير المنضبطين بالكتاب والسنة، وإن زعم زاعم أنهم متأولون في ذلك أو مجتهدون.

ولقد سُئل الشيخ عطية الله –رحمه الله- عن العمليات التي يعملها بعض الناس بتفجير السيارات المركونة على المسلمين؛ فأجاب بما ذكرنا، فكيف لو عاش حتى اليوم، وشاهد بأم عينه كيف يرسل بعض المحسوبين على المجاهدين -أو كذلك كانوا قديمًا وليسوا من المجاهدين بعد- الشبابَ المغرر بهم؛ ليفجروا أنفسهم على المجاهدين.

ومن جملة ما قاله الشيخ (عطية الله) -رحمه الله- عن هذه العمليات: (يجبُ الإنكار عليها واعتقاد أنها فساد وباطل وظلم وعدوان وخروج عن الشريعة الإسلامية المطهرة، وأنه لا يفعلها مَن يؤمن بالله واليوم الآخر، فضلا عن مجاهد في سبيل الله، بل إن كان ثمت شيءٌ مشروع نحوها من المشاعر والأحاسيس فهو أن يحزَنَ المسلم من ذلك ويهتَّم (يصيبه الهم) ويأسَف لها، وإنا لله وإنا إليه راجعون).

وقال -رحمه الله- شارحًا كلامه السابق: (وأما أن مثل هذه التفجيرات في أسواق المسلمين باطلٌ وفسادٌ وظلمٌ وعدوانٌ وخروج عن شريعة الإسلام؛ فظاهر جداً، ومعلوم عند جميعِ العلماء بل عند جميع المسلمين، فإنها تستهدف المسلمين المعصومين، وتسفك دماءَهم التي حرمها الله، وقد وقع بها قتل العشرات منهم وجرح العشرات كذلك، وتدمير شيءٍ كبير من أملاك المسلمين وأضرار وأذى غير خاف، ومعلوم من دين الإسلام بالضرورة تحريم دم المسلم، ومعروف تشديد الشريعة المطهرة فيه، وتعظيمها لأمره، وأنه من أكبر الكبائر، بعد الإشراك بالله تعالى.

فإن الله -عز وجل- نهى عن قتل النفس إلا بالحق بصريح العبارات ومحكمها وبأنواع الدلالات وتعددها، وبدأ في ذلك وأعاد، في كتابه العزيز، وقرن قتل النفس -بغير الحق- بالإشراك به تعالى في مواضع في النهي والذم، وبين أنه فعل العصاة الجبارين والفجرة المتمردين الممقوتين من رب العالمين، وأخبر أن النفس لا يجوز أن تقتل إلا بالحق وهو الموجب الشرعي والحكم الإلهي باستحقاقها للقتل، وأخبر أن من قتل نفسا بغير حق فإنه بمنزلة من قتل الناس جميعا في جرمه وفجوره وشناعة ما أتى أو في جرأته على الرب عز وجل وفي تمرده وإفساده: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وأخبر أن المؤمن لا يُتصوَّر منه أن يقتُلَ مؤمنا، لا يكون هذا أبدًا، إلا على وجه الخطأ، بيانا لشدة منافاة هذه الشناعة للإيمان: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً، وأخبر أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فإنه مستحق لأشد السخط والعذاب من الملك القهار: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً نسأل الله السلامة والعافية، والصواب الذي لا شك فيه في معنى الخلود المذكور في الآية أنه ليس هو كخلود الكفار والمشركين في النار، وإنما هو دون ذلك قطعا للأدلة القاطعة من الكتاب والسنة أن الموحدين لا يخلدون في النار، ولكنه تعبير عن شدة وطول عذابهم في جهنم والعياذ بالله، وفي هذا كفاية للمتعظين، ومزدجر للمتهورين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وفي السنة المطهرة في ذلك شيء يصعب حصره؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

وفيهما من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) وذلك تعبير عن عظم شأنها عند الله.

وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله؛ صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا)، وقال عبد الله بن عمر: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) ؛ فاللهم إنا نسألك العافية والمعافاة الدائمة يا رب العالمين.

وفي السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتْلِ مؤمن بغير حق).

وفيها كذلك: (كلُّ ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجلُ يقتل المؤمن متعمدًا، أو الرجل يموتُ كافرا).

ويكفي الإنسانَ المسلم أن يراجع كتاب الترغيب والترهيب للمنذري في باب (الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) ليطلع على ما تُرعَب منه القلوب وتقشعر منه الجلود في ذلك.

وللمجاهدين خصوصًا في قصتي أسامة بن زيد والمقداد بن عمرو -رضي الله عنهما- عبرة ٌودرس لمن أراد الله واليومَ الآخر وكان مجاهدًا حقا في سبيل الله، من الذين قال الله فيهم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ.

وأنا أذكر القصتين هنا للتذكير، وليراجعْهما القارئ في كتب الشروح ليعرف ما فيهما من الفقه وما استنبط العلماء منهما من العلم:

– قصة أسامة بن زيد: روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الحرقة من جهَينة فصبَّحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاريُّ، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟) قال: قلت يا رسول الله إنما كان متعوذًا، قال: فقال (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟) قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

– قصة المقداد بن عمرو: روى البخاري ومسلم عن المقداد بن عمرو الكندي وكان شهد بدرًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت كافرًا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة وقال: أسلمت لله؛ أفأقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله؛ صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله)، قال: يا رسول الله فإنه طرح إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها، أفأقتله؟ قال: (لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) انتهى الحديث.

وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً، وفي الصحيحين عن ابن عباس؛ رضي الله عنهما: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، قال ابن عباس كان رجل في غُنَيْمَة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنيمتَه، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا تلك الغنيمة.

وكذلك تحريم أموال المسلمين وأملاكهم وعصمتها، هو شيءٌ معلوم عند المسلمين كافة، وقد جمع ذلك كله قول النبي؛ صلى الله عليه وسلم: (كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمُه وماله وعرضه). رواه مسلم وغيره.

وتحريم أذيتهم والإضرار بهم كذلك.

بل وتحريم ترويعهم وهو تخويفُهم وإدخال الرَّوع عليهم وهو الفَزع، بغير حق، أي بغير إذن من الشريعة المطهرة...).

إلى أن قال الشيخ عطية؛ رحمه الله: (فطرف استخف بهذه الحرمة الكبيرة وبهذه النصوص المتضمنة لأعظم الوعيد والتهديد، فأراقوا دماء المسلمين، واستهانوا بها، ولم يعرفوا لها حرمة ولا خافوا الله فيها ولم يرجوا لله وقارًا، وهؤلاء منهم الطواغيت أئمة الكفر الفراعنة لعنهم الله، ومنهم الزنادقة، ومنهم الفجار الجبابرة، ومنهم الفسقة المنحلّون من أهل الدنيا وأهل اللصوصية وقطاع الطرق وأهل جاهلية العشائر والقبائل في بعض البلاد، ونحوهم، ويلحَق بهم مارقو الخوارج كما حدث في بعض البلاد.. وهؤلاء هالكون والعياذ بالله، إلا مَن تداركه الله برحمته...).

ثم نقل قول الشيخ مصطفى أبو اليزيد رحمهما الله: (فليعلم جميع المسلمين أنه من المستحيل أن يقوم المجاهدون بمثل هذا العمل الدنيء، وهم الذين خرجوا للجهاد في سبيل الله للدفاع عن دين وأرض وعرض ودماء المسلمين التي يسفكها الصليبيون والمرتدون ويستبيحونها، إننا نعتقد أن مثل هذه التفجيرات هي من فعل أعداء الله الصليبيين وأوليائهم في الحكومة والاستخبارات، وهي جزء من الحرب القذرة التي يمارسونها، كيف لا وهم الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ولا يراعون حرمة، ولا تساوي دماء المسلمين عندهم شيئا).

ثم قال الشيخ عطية الله -رحمه الله- أيضًا: (والحاصل أن المجاهدين في الجماعات الجهادية المعروفة الموثوقة لا يفعلون مثل ذلك وحاشاهم، ونسأل الله أن يعصمهم ويحفظهم ويسددهم، وأن يعيذنا وإياهم من مضلات الفتن، وإننا والمجاهدين جميعا نعتقد أنه -لا قدر الله- لو قامت جماعة بمثل هذه الأعمال الإجرامية، تعمُّدًا وقصدًا، فإنها لا تسمى بعده جماعة مجاهدةً، بل ستكون جماعةً منحرفة ضالة زائغة، نسأل الله العفو العافية والسلامة، ونعوذ بالله من موجبات غضبه وسخطه، ولهذا فإنه إن كانَ ثمت احتمال أن يكون مَن قام بهذه التفجيرات قوم ممن ينتسبون إلى الإسلام وإلى الشريعة وإلى الجهاد، فإننا نَشهَد أنه إن فعل ذلك فاعل متعمدًا قاصدا فهو منحرف ضالٌّ زائغٌ مارق، وأنه ليس مجاهدا بل هو مفسد مجرم، يجبُ الأخذ على يديه ومعاقبته بالعقوبة الشرعية، وإلَّا عمَّ الجميعَ غضبُ اللهِ ونقمته وعقابه، وهذا احتمالٌ ضعيف في الواقع، والحمد لله، وحاشى المجاهدين من ذلك، وإنما أشرت إليه لتقرير الحكم والموقف الشرعي، ونسأل الله أن يعصمنا وجميع المجاهدين من مضلات الفتن، وأن يقي ساحات الجهاد جميع تلك الضلالات.. آمين).

قلتُ: وهذا الذي قاله الشيخ عطية الله الليبي نقول به ونعتقده، ونعد هذه الأعمال أعمالاً إجرامية، وهي من الإفساد الكبير لا من الجهاد، ولا نخشى فيما نقوله لومة لائم، والحمد لله الذي عافنا وأبان لنا الحق.

وقال الشيخ عطية الله الليبي: (ونحن بمعرفتنا بالمجاهدين ننفي هذا عنهم لمعرفتنا بديانتهم واحتياطهم والحمد لله، وأما البعيد الذي لم يعرف المجاهدين فعليهِ بالإنصاف وحُسْن الظن بالمجاهدين في سبيل اللهِ وأهل الشريعةِ والدعاة إلى الله، وعليه أن يعرِف أنهم مرمى سهام العدو الكافر الظالمِ الكاذب المفتري ووسائل إعلامه المجرمة، وعليه أن يتأملَ الأوجه المتقدمة وغيرها، ويتدبر في الربط بين هذهِ الحوادث وتكررها وبين ما هو معروفٌ مسطور من سياسات العدو واستراتيجياته الهادفة إلى فصل المجاهدين عن قاعدتهم الشعبية الحاضنة، كما يصرحون به باستمرار، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فكيف يُعقَل أن يقوم المجاهدون بمثل هذه الأعمال التي تنفّر الناس وتصدّهم عن دعوة الإسلام وعن الجهاد وتبغضهم في أهله، ومع مَن؟ مع شعبهم وقبائلهم وأهلهم الذين هم محضنهم وبيئتهم، فهل يصدُر هذا من عاقل أصلًا؟! نعوذ بالله من الخذلان، والله الموفق للصواب، ومَن يستَعن بالله يعنه وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). انتهى كلام الشيخ عطية الله.

قلتُ: لقد بيَّن الشيخ ووضح، وأكد أن هذه الأفعال الإجرامية لا يفعلها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن فعلها فهو من المفسدين ومن المجرمين، واتَّهم بها الأنظمة الطاغوتية والمخابرات، وبرَّأ منها المجاهدين، وقال إن من يعملها منهم فقد انقلب مفسدًا في الأرض.

فكيف بالذين أهملوا قتال الكفار والمرتدين، وتفرغوا لقتال المجاهدين وتفجير مقارِّهم واغتيال قادتهم، وأي عمل أعظم جرمًا من هذا العمل؟ إن الحركة الجهادية تأثرت بتصرفاتهم وأفعالهم التي ليست من هَدْي الإسلام؛ بل ما فُعل في بلاد الشام بالمجاهدين هي أفعال تشابه أفعال التتار التي نقلها التاريخ وأفعال النظام التي نعاينها. وقد جمع أولئك القتلة المجرمون خصال سوء كثيرة، أهمها: أنهم لا ضمير لهم ولا رحمة ولا شفقة بالمسلمين، وليس لهم أخلاق تضبط تعاملهم مع المخالفين، وقد عاينا بأنفسنا أن المجرمين من الكفار والمرتدين، والمجرمين من أهل القبلة؛ كلهم لا تجد عندهم -عند خصومتهم- حرمة لدم ولا لمسجد ولا لامرأة ولا لشيخ كبير ولا طفل صغير، وقد رأينا الانتحاريين الذين أرسلتهم جماعة الدولة إلى بيوت المجاهدين في الدير وريف الحسكة؛ حيث سفكوا دماء وأحدثوا خرابًا وأرعبوا الآمنين وفعلوا أفاعيل لم يُحدثها المرتدون الشيوعيون من حزب العمال الكردستاني (البككة) .

وأما من لم ينكر هذه الأفعال إلى اليوم برغم ثبوتها وتبيُّنها للناس كافة، ولم يكترث بدماء المسلمين المهراقة، ولا بالأرواح المزهقة؛ فهو حري بأن يكون فاسد الفطرة، منتكس الطوية، منزوع المروءة، متخلِّفًا عن شهود مقام البيان الشرعي، والعَجب ممن ما يزال يصفهم بأنهم من المجاهدين ذوي المعتقد السليم والفعل السديد؛ فهذا والله من أعظم الخذلان؛ فهل المنهج السليم هو تكفير الطواغيت ثم ليفعل صاحبه ما شاء من الموبقات وليجمع ما أراد من البدع والضلالات وليستبح ما يشتهي من الحرمات؟ وإذا كان غره منهم صوم وصلاة؛ فهل ينكر هذا الذي يصفهم بهذه الأوصاف أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتل الخوارج مع أنهم يصلون ويصومون ويتعبدون حتى إنه ليَحقر الصحابةُ عملَهم إلى أعمالهم؟ بل أمر باستئصال شأفتهم كاستئصال الله تعالى لقوم عادٍ؛ فلا تمنع كثرة العبادة من إنزال الأحكام المستحقة إذا وجدت أسبابها إلا من ينظر بورع بارد، وإلى الله المشتكى وعليه التكلان.

وإني -علم الله- لا أعتمد في وصف أحوالهم إلا على الظلم الذي فعلوه باعترافهم، والجرم الذي شهد عليه جميع الناس وموافقوهم، وما شاهدته بعيني، أو نقله لي الثقات الأثبات الذين تتوافر فيهم شروط الشهادة الشرعية، وكذلك فإني لا أتكلم على أفعالهم مع (جبهة النصرة) فحسب؛ لكن مع باقي الفصائل المجاهدة أيضًا؛ فقد نالهم ما نالهم -مثلنا- من التكفير واستحلال الدماء والأموال.

إن ما تفعله جماعة الدولة في الشام؛ قد عاد عليها -أعني الشام كلَّها- بشؤم يوشك أن يعم ضرره المسلمين كافة إلا أن يرحمنا الله بفضله وكرمه، فضلاً عن عود ضرر أفعالهم على الحركة الجهادية خاصة بما سيرجعها عقودًا للوراء؛ فإنا قد رأينا آثار إجرام الجماعة المسلحة بقيادة عبد الرحمن أمين وزوابري وغيرهما؛ على الجهاد في الجزائر وغيرها من بلدان المسلمين، حيث صنع غلوهم هوة ساحقة بين المسلمين عامة وطليعتهم المجاهدة التي ما خرجت إلا دفاعًا عنهم، لكن فعل الغلاة قد أنسى الناس محاسن أهل الجهاد وذكرهم بالمساوئ التي رسمها أولئك الغلاة في الأذهان؛ برغم براءة المجاهدين من هؤلاء الغلاة حينها، واليوم نجد في الشام؛ الأمةَ تباد، والأعراضَ تنتهك، والمجاهدين في دفع هذا الصائل الكافر منشغلين، ثم يأتي أقوام يكفرون من دافعوا عن هذه الأمة المكلومة ويقاتلونهم حتى أشغلوهم عن عدوهم وشتتوا جهودهم وخذَّلوا المسلمين عن نصرتهم؛ بينما تجد العلماء والمشايخ -إلا من رحم الله- ما زالوا يتكلمون عن الوحدة ولم الشمل، مع إباء هؤلاء لكل محاولات الإصلاح الجادة التي تحقن الدماء حقًّا وتحفظ الحقوق.

ومن الناس من لا يرى أحدًا على الحق إلا غلاة جماعة الدولة، أو المجاهدين في (جبهة النصرة)، وهذا من تضييق الواسع، وقد ذم الله تعالى هذا الأمر فقال: وَيْلٌ للْمُطَفِّفِينَ ؛ فمن جعل المنهج الحق محصورًا في جماعة أو جماعتين فإنه مطفف غير مقسط، ومن قرأ ما كتبه الأسير الشيخ أبو قتادة الفلسطيني فك الله أسره في (المقاربة لنازلة العصر) فسيقف ولا بد على عظم الخلل في هذه التصنيفات غير المنضبطة بشرع أو المطابقة للواقع.

وكل من يقرأ التاريخ ويشهد الواقع فسيقف على حقيقة مفادها: أن كل ساحة تقرب ثمارها للنضج يأتيها من لا يتقي الله ولا يصدر عن علم وسنة وفقه أو قصد خير؛ فيحرق الأخضر واليابس ويقلب عاليها سافلها، ولا يبالي بالناس ولا بأوضاعهم؛ فلا يكون له هم إلا أن يلبي شهوته ورغبته بالملك أو بالانتقام من هذه الأمة المسلمة.

لقد صارت ساحات الجهاد ضحية لمغامرات الجهال، ولإفساد الغلاة وسحرتهم؛ فإن لكل ملك سحرة يسوغون له. ولقد بان لنا يقينًا أن سبب بقاء الطغاة ونفاذ مكر الأعداء هم الغلاة، وهم وجهان لعملة واحدة؛ فالطغاة بلبوس الوطنية والغلاة بلبوسٍ شرعية، والشعوب المستضعفة ضحية للجلادين.

وهذا سببه غفلة علماء الأمة عن ساحات الجهاد، وعن واجبهم في سد الثغور وإرسال طلاب العلم المؤهلين الناضجين لسد الحاجات الشرعية من إفتاء وتعليم وقضاء وتربية للتائبين، فساد الجهال ومن كانوا بالأمس من الأطفال، فظهرت الانحرافات، وبدأت تزيد بالظروف الصعبة التي مر بها المجاهدون، وكان في الجهود المبذولة لإصلاح الأحوال ضعف شديد لقلة الكوادر الشرعية التي يمكن الاعتماد عليها للإصلاح، وبطء الإصلاح عن بعد وبالتوجيهات وعدم فعاليته، مع الظروف السياسية والعسكرية الصعبة التي كانت تمر بها بعض الساحات، ولبعض التقديرات التي كان يراها قادة الجهاد في ذلك الوقت، ولكن هذا أمر قد وقع، وينبغي أن نفكر في كيفية علاج هذا الواقع المرير للساحة الشامية على وجه الخصوص، فالشرع والمصلحة والعقل كلها تقتضي الكلام عن هذا الانحراف ووضوح الموقف الشرعي من الغلو وأهله بعد أن تعاظم غلوهم وزاد وبلغ درجات منكرة لم يبلغها شذاذ الحركة الجهادية من قبل قط، والسكوت عن هذا البلاء والورع في غير محله محاباة ومداهنة؛ فإن هذا التورع إنما يستفيد منه جماعة كان الأولى بمن تورع عنها أن يبين عوارها ويكشف غلوها؛ لا أن يضحي بأمة مسلمة طال ليلها، وكبرت جراحاتها في دينها، والورع الواجب هو الورع عن المساهمة في سفك الدماء وضياع الجهاد وانكسار ثورة الأمة بالسكوت عن أفعال هؤلاء المجرمين، وهذا الداء العضال إن لم يتداركه العلماء ويقفوا في وجهه موقفا قويًّا فسينتشر في كثير من الساحات بل قد انتشر؛ لأن الأمر إذا صار في مكان ثم لم يُنكر فإنه يكون بمثابة تشريع للجماعات؛ فتعبد الله به بقصد أو بغيره، وهي تسير في ذلك إلى النار إلا أن يرحمَ اللهُ، وتُلحِق بهذه الأفعال الدمار بالأمة عامة وبالحركة الجهادية خاصة.

فالوضع الآن بساحة الشام واضح لا لبس فيه، وخطير لا مجال للحيدة فيه، ولا مجال لإمساك العصا من المنتصف، وعجبي من طلبة العلم والمشايخ الذين لم يتعظوا بما حصل في الجزائر، وما كان في الساحات السابقة من انتكاسات؛ فتراهم يتعاطفون مع زيد وعمرو تعاطفًا غير منضبط بالشرع وبالوحي، ومبنيًّا على أمور لا يبنى عليها موقف شرعي كماضٍ مشرِّف أو مقاصد حسنة عند بعض هؤلاء، ووالله يا طلبة العلم لتُسألُنَّ أمام الله جميعًا، وسيستبدل الله بكم غيركم، ويأتي بأقوام لا يكونون أمثالكم.

وحتى يومنا هذا تجد الصادعين بالحق من المشايخ وطلبة العلم لا يَصِلُون عدَّ أصابع اليد الواحدة، وأقصد بذلك المشايخ الذين لهم اعتبار في ساحات الجهاد؛ فهل خشي الصامتون أن يسقطوا عند بعض الناس -وبخاصة الغلاة وأنصارهم- فيترك الاستماع لهم فلان وعلان، ووالله إن كان هذا من مقاصد علمائنا فعلا -وحاشاهم من ذلك- فعلى الأمة السلام، والله المستعان.

ولعلنا بينَّا موقفنا الشرعي من جرائم تلك الجماعة التي تكفر بالظنون والأهواء، والتأويلات الفاسدة، واللوازم المتكلفة، وبأشياء هي من المشروعات، واستباحت ما استباحه التتار وأعوانهم وفعلت ما يفعله الظلمة في كل زمان ومكان، وصار ما يفعلونه (إفسادًا لا جهادًا) ، ومما تسبب في كثرة هذه الانحرافات وضخامتها: سكوت القيادات وطلبة العلم والمشايخ المعتبرين عنها منذ كانت صغيرة، وعلم الله أنَّا تأولنا لهم كثيرًا في سكوتهم وما زلنا كذلك، واعتذرنا لهم في بدايات الأمر في الشام بأنهم ربما لم تصلهم تلك الأخبار، أو وصلتهم مغلوطة على غير وجهها؛ ولكن الصراخ الذي أطلقه أهل الشام والمجاهدون فيها قد سمعه القاصي والداني، وقد قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.

قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: (أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضًا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبًا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:

منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية؛ فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.

ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.

ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلا.

ومنها: أن في ترك الإنكار للمنكر يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية -مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها- يُظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟

ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه) انتهى من تفسيره رحمه الله.

قال الزمخشري: (فيا حَسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر وقلة عنايتهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء، مع ما يتلون من كتاب الله، وما فيه من المبالغات في هذه الباب) انتهى.

وقال صاحب التفسير القرآني للقرآن: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ أي لا ينهى محسنهم مسيئهم، ولا يأخذ عالمهم بيد جاهلهم، فلا تناصح بينهم على معروف، ولا تناهى عن منكر، وليس هذا شأن الجماعة السليمة، المتنبهة لكل آفة تعرض لأي عضو من أعضائها) انتهى.

وها هي ساحة الشام بين الطغاة الكافرين، وبين الطغاة ممن يُحسبون على الجهاد والمجاهدين؛ خذلهم القريب والبعيد، وكما قيل: فالساكت عن الحق شيطان أخرس، فكيف إذا رأيته ينصر الباطل؛ فهذا قد صار شيطانًا ناطقًا والله المستعان.

قال الشيخ أبو الفضل العراقي: (إننا حريصون جدا ألا ينحرف الجهاد عن الطريق القويم والصراط المستقيم الموصل إلى النصر والتمكين بسبب بعض العناصر المنحرفة الجاهلة -جهلا مركبا- ممن لا تراعي لله حرمة ولا تبالي بدماء المسلمين، وعلى كل مجاهد التبرؤ إلى الله تعالى من هذا المنهج الخارجي الخبيث.

وإن كل من يقع في دماء المسلمين عامدا متعمدا من غير تحر ولا تقوى ولا مراعاة لحدود الله تعالى فإنه من المفسدين في الأرض، وحاش لله أن يكون مجاهدا، بل حري بالمجاهدين أن يجاهدوه تقربا لله تعالى وحماية لجناب الدين والتوحيد.

ولا نأتي هنا ببدع من القول، فهذه النصوص التي جاءت بذكر الخوارج أمرت المسلمين بقتالهم حتى يكفوا عن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (أفلح من قتلهم أو قتلوه)، وذلك لأن فتنتهم متعدية إلى استحلال دماء وأموال وأعراض المسلمين المعصومة بغير وجه حق فهم من جنس البغاة الصائلين ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، وإننا نعاهد الباري جل في علاه أنا كما حاربنا التجهم والإرجاء؛ نحارب بكل ما أوتينا من عزم وعلم الفكر الخارجي الخبيث، ولن نسمح له بالانتشار بين صفوف المجاهدين، ونحن نؤمن يقينا أن من أسباب تخلف النصر انتشار هذه الأفكار البدعية الخبيثة في أي طائفة والعياذ بالله تعالى، ويجب أن تبقى الصحوة السلفية الجهادية المباركة في طريقها الصحيح على منهج أهل السنة والجماعة في تصورها وسلوكها وتفكيرها، وسطية حقة بلا إفراط ولا تفريط) انتهى من رسالته: (الغلو وآثاره السلبية على الجهاد والمجاهدين).

فهذا كلام الشيخ عطية الله الليبي وكلام الشيخ الصارم العراقي أبي الفضل واضح وصريح، وبيَّنَا أوصافًا منضبطة موجبة لجعل فاعلها من المفسدين في الأرض، ومن الخوارج، وحذَّرا منه أبلغ تحذير، وصرَّحا بالموقف الشرعي من فاعله، فهل هما من الصحوات ويصنفان مرتدَّين ويعملان لأجندات خارجية كما يصنف الجهال كل من يقف الموقف الشرعي من جماعة الدولة وقتالها لكف شرها بعد أن نفد الصبر، وبعد أن أعرضت عن كل محاولات الإصلاح الشرعي لحفظ الحقوق، وهي التي فعلت وزادت على ما ذكره الشيخان؟

وهم يعتبرون هذا محاربًا للإسلام والمسلمين؛ جعلوا جماعة الدولة وبدعتها وجرمها وغلوها هو الإسلام، ومن حارب هذا الفكر الخبيث والمنهج المنحرف فقد ارتد عندهم بأحكامهم التي يشرعونها تحريفًا للشرع، وليسوا بالسابقين لذلك فقد قالها فرعون لموسى قبلهم: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى:

(والخوارج هم أوَّل مَن كفَّر المسلمين؛ يكفِّرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه وماله. وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها. وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ورسوله فيتبعون الحق ويرحمون الخلق.) انتهى.

ولا يجوز لنا الخلط بين حال الدعوة باللين والرفق، وحال الزجر والإنكار والقصد إلى كف الشر بالشدة، فلكل منهما مناسبته ووقته.

قال أحمد: (الناس محتاجون إلى مداراة ورفق، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا غلظة، إلا رجل معلن بالفسق، فلا حرمة له) .

وهل هناك من أفعال الفسق وما يفوقها خطرًا وشرًّا على المسلمين أشد من استحلال الدماء المعصومة بغير وجه حق ولا حتى بتأويل سائغ؟ وهل يوجد منكر أشد من تكفير المسلم الذي دخل دين الله بيقين؛ بسبب شبهة أو بالهوى والظنون الزائفة وعند الخصومة؟ وهل وُجد جُرم أعظم عند الله تعالى من استحلال الكذب والغدر والفجور في الخصومة مع المخالفين لمجرد مخالفتهم له؟ ألا إن هذه من أعظم الفرى والموبقات التي تجر صاحبها إلى أسفل سافلين، ليس فوقها إلا الشرك ومثله مما ذكر في النصوص، نسأل الله العافية والسلامة.

ومن فضائل الإنكار بشكل عام وحالتنا هذه على وجه الخصوص:

أولاً: أنه من مهام وأعمال الرسل عليهم السلام، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.

ثانيًا: أنه من صفات المؤمنين كما قال تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ، على عكس أهل الشر والفساد: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

ثالثًا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الصالحين، قال تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.

رابعًا: من خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.

خامسًا: أنه من واجبات التمكين في الأرض، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

سادسًا: أنه من أسباب النصر، قال تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

سابعًا: عظم فضل القيام به كما قال تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ، وقوله؛ صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا) .

سابعا: في القيام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظ للضرورات الخمس في الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفضائل غير ما ذكرنا. وإذا تُرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعُطلت رايته؛ ظهر الفساد في البر والبحر، وترتب على تركه أمور عظيمة منها:

1- وقوع الهلاك والعذاب، قال الله عزَّ وجلَّ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، وعن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعًا: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) ، ولما قالت أم المؤمنين زينب؛ رضي الله عنها: (أنهلك وفينا الصالحون؟) قال لها الرسول؛ صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا كثُر الخبث) .

2- عدم إجابة الدعاء، ونحن في أحوج ما نكون إليه من النصر على الأعداء وكف البلاء، وقد وردت أحاديث في ذلك منها حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: (مُرُوا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم) .

3- تسلُّط الكفار وأعداء الدين على الأرض؛ بجهل الباغين وسكوت المصلحين، وشيوع المنكر واستمرائه.

4- ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلمة حالكة لا فجر لها، ويكفي من عذاب الله -عزّ وجلّ- لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تسلط الأعداء والمنافقين عليه، وضعف شوكته وقلة هيبته.

فها هي فتاوى شيوخ الجهاد الذين لا يهمهم إرضاء العباد؛ قالوها ولم يترددوا، وبينوا وفرقوا ما بين الجهاد والإفساد.

ولا بد أن يتذكر العلماء أن ترك إنكار المنكر وعدم القيام عليه بحزم في مثل هذه الأزمات؛ من أجل بقاء ود هذه الجماعة وعدم قطع الصلة بها لهو من مكايد إبليس؛ قال ابن القيم؛ رحمه الله: (من مكايد الشيطان: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس، وحسن الخُلُق معهم، والعمـلِ بقولـه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

ورحم الله مشايخ مضوا وقتلوا لأنهم أنكروا على هؤلاء الغلاة؛ فقد كانوا زعماء بحق؛ إذ كانت كلمة الحق عندهم فوق كل منصب ورئاسة ومكانة، فلله درهم وعلى الله أجرهم.

إن الزعامة والطريقُ مَخُوفةٌ * * غير الزعامة والطريقُ أمان

قد أنكر أولئك الربيون، واشتد نكيرهم، رغم معرفتهم أن مصيرهم القتل، فكيف بمن بعد عن الديار، ولا شيء يخاف من ضياعه؛ ممن يخاف هذا غير الله، ومن يخشى سوى مولاه؟!

وقبل الختام؛ فإحقاقًا للحق، ومن باب رد الفضل لأهله؛ فإني أشكر أهل العلم والجهاد الذين بينوا للأمة موقفهم الواضح الصريح من هذه الأحداث؛ فحفظوا بذلك -كما نرجو ونحسب- الأمة عامة، والمنهج الجهادي خاصة؛ فجزاهم الله عنا خيرًا..

يا خيرنا يا فخرنا يا ذخرنا * * حق علي بمثلكم أن أفخرا

حق علي بأن أصوغ قصائدي * * حبًّا وأعلي بالثناء المنبرا

لو كانت الأشعار تنصف فضلكم * * لبعثتهن من المفاخر أبحرا

لا تتركوا للمفسدين بقية * * لا تمهلوا زرع البغاة فيكبرا

وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أخبار ذات صلة

الكنيسة الكبرى :

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

المزيد

ألغت المحكمة الإدارية العليا، الجمعة، قرار مجلس الوزاء الصادر بتاريخ 24/ تشرين الثاني/ نوفمبر 1934، بتحويل "آياصوفيا" بإسطنبول من المزيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

واقع العالمانية التركية:

المزيد

الحمد لله وبعد فهذه مسائل فقهية حول أحكام صلاة المريض ،وما يتعلق بها من أحكام الطهارة وغيرها . وقد كان الحامل على جمعها وكتابتها ما نعاني منه جميعاً من ا ... المزيد