البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

"إسماعيل الفاروقي" رائد التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

المحتوي الرئيسي


  • د. صلاح فضل
    13/09/2018 03:12

سيرة حياته

ولد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام 1921، وبدأ دراسته الإسلامية بالمسجد وفي البيت على يد والده الذي كان قاضيا شرعيا. وتابع دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس الدومينيكان الفرنسية، ثم حصل على الباكالوريوس في الفلسفة من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1941. عمل في ظل الانتداب البريطاني محافظا لمنطقة الجليل إلى حين ميلاد الدولة الصهيونية، فالتحق بالمقاومة برهة، ثم هاجر إلى أميركا حيث حصل على شهادتيْ الماجستير في فلسفة الأديان: الأولى من جامعة إنديانا عام 1949، والثانية من جامعة هارفارد عام 1951. وفي عام 1952 حصل على الدكتوراه من جامعة إنديانا، وكانت أطروحته بعنوان: "نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستومولوجية للقيم".

بعد تضلعه بالفلسفة الغربية وبتاريخ وتعاليم الديانتين اليهودية والمسيحية في دراسته بأميركا، أحس الفاروقي بالحاجة إلى تعميق معرفته بدينه الإسلامي، فرحل إلى مصر، ودرس في الأزهر أربع سنوات (1954-1958) بنى فيها ثقافة إسلامية رصينة، ثم عاد إلى الغرب وبدأ التدريس بجامعة ماكجيل الكندية، وباحثا في كلية اللاهوت بالجامعة ذاتها، حيث أسفرت أبحاثه هناك عن كتابه القيم: (الأخلاق المسيحية: تحليل تاريخي ومنهجي لأفكارها المهيمنة). انتقل الفاروقي إلى باكستان عام 1961، ليساهم في تأسيس (معهد البحوث الإسلامية) في كراتشي، ثم عاد إلى أميركا أستاذا بجامعة شيكاغو 1963-1964، وفي جامعة سيراكيوز 1964-1968. ثم استقر قراره بجامعة تمبل التي مكث فيها حوالي ثمانية عشر عاما من العام 1968 إلى عام استشهاده 1986.

السفير المغدور

من عادة الملوك الأقدمين أن لا يقتلوا السفراء الذين يحملون الرسائل بينهم، وهم يعتبرون هذا العرف السياسي من أمارات المروءة والشهامة. لكن سفير الشرق الإسلامي إلى الغرب المسيحي إسماعيل الفاروقي قتل غدرا وغيلة. جاء الفاروقي إلى الغرب حاملا معه مظلمته من الشرق، فوجد الظلم في انتظاره في غرب أحلَّ عبادة إسرائيل محل ديانته المسيحية. ففي ليلة 18 رمضان 1406 هـ، 27 مايو 1986 م، قُتل إسماعيل الفاروقي وزوجته الدكتورة لمياء الفاروقي- وهي عالمة متمرسة بالفن والعمارة الإسلامية- بسبب مواقفه الصلبة في الدفاع عن قضيته وقضية شعبه الفلسطيني، وتعريته الأديولوجية الصهوينية وجذورها العنصرية في الثقافة اليهودية، وبسبب عمله الدعوي الدؤوب لنشر الإسلام وثقافته، وتصحيح صورة الإسلام في المجتمع الأميركي. بيد أن فكر الفاروقي لم يمت، بل شكل زادا على الطريق الشائك الذي اختطه، طريق كلمة الحق في وجه الجبروت.

العالم الموسوعي

كان الفاروقي مثالا للعالم المسلم الموسوعي، فهو متضلع في الفلسفة، والأديان، والتاريخ، وفي مختلف العلوم الإنسانية الأخرى، وهو يتقن العربية والفرنسية والإنكليزية ويكتب باللغات الثلاث وكأن كلا منها لغته الأم. يحكي الدكتور جمال البرزنجي أنه استدعى الفاروقي لعشاء في بيته عام 1972، وتحدث الضيف أمام جمع من أتباع ديانات شتى لمدة ساعة. وفي ختام الحديث، رفع قسيس يده طالبا التعقيب، فقال: "لقد تعلمتُ عن المسيحية هذه الليلة وحدها أكثر مما تعلمته في دراستي لها خلال الثلاثين سنة الماضية". خلف الفاروقي ثروة فكرية متميزة، منها خمسة وعشرون كتابا، وأكثر من مائة بحث ومقال أكاديمي. ولا تزال جل كتبه في أصلها الإنكليزي، وهي بحق مساهمة نوعية في تحرير العقل المسلم وتجديد الفكر الإسلامي. وقد ترجمت له بضعة كتب إلى العربية، منها "أطلس الحضارة الإسلامية".كما تخرج على يديه عدد وافر من العلماء المتخصصين في الأديان، منهم الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن، مدير مركز القرضاوي للوسطية الإسلامية والتجديد في الدوحة.ويمكن إجمال المساهمة التجديدية التي قدمها الفاروقي في أربعة محاور: الحضارة الإسلامية، ومقارنة الأديان، وأسلمة المعرفة، والظاهرة الصهيونية.

ففي مجال الحضارة الإسلامية ألف الفاروقي وزوجته لمياء سفرا ضخما وقيما جدا، هو "أطلس الحضارة الإسلامية"، الكتاب الذي "ولد يتيم الأبوين" كما كتب مقدمُه الدكتور هشام الطالب، لأن الدكتور إسماعيل وزوجته استشهدا والكتاب لا يزال في المطبعة. فكان من نعم الله أن خرج الكتاب شاهدا لهما، وحافظا لجهدهما وجهادهما. وهو عصارة فكرهما في مرحلة النضج والتمكن. ولعل بقاء هذا الكتاب دليل على ما ذهب إليه برويز منصور إذ كتب في نعي الفاروقي: "إن حبر العالِم أقوى من سكين الغادر". ويمتاز هذا الكتاب برحابة النظرة وامتدادها في الزمان والمكان، فالمعرفة الواسعة التي بناها الفاروقي في تاريخ الأديان، خصوصا اليهودية والمسيحية، والخبرة العميقة التي اكتسبتها لمياء في الفن والعمارة الإسلامية، جعلتهما يضعان الحضارة الإسلامية في إطار رحب لا مثيل له في الكتابات الشائعة في هذا المضمار، وقد تبنى المؤلفان منهجا مبتكرا، بيَّنا فيه "السياق" الذي ولدت فيه هذه الحضارة، و"الجوهر" التوحيدي الذي تمحورت حوله، و"الشكل" الذي عبرت به عن نفسها، و"التجليات" التي ظهرت بها (وهذه هي المحاور الأربعة للكتاب).مقارننة الأديان

وفي مجال الدراسة المقارنة للأديان حرر الفاروقي "الأطلس التاريخي لأديان العالم" وكتب الفصل الخاص بالإسلام في ذلك الأطلس، كما قدم له بمدخل ضافٍ بين فيه جلال الرسالة الإسلامية وتفوقها على كل الأديان، واحتواءها جميع الفضائل التي جاءت بها الرسالات السماوية السابقة، واعتمادها على العقل والمنطق. كما ألف كتاب "الأخلاق المسيحية" الذي نقض فيه الأساس النظري والتاريخي لهذه الديانة من خلال مصادرها الأولى. وقد حاول عدد من القسس في جامعة ماكجيل التي كتب الفاروقي الكتاب في رحابها أن يمنعوا نشره، قائلين إنه يزلزل الإيمان المسيحي في قلوب قرائه. وللفاروقي كتب أخرى في الأديان، منها "الإسلام والديانات الأخرى" و"ثلاثية الحوار اليهودي-المسيحي-الإسلامي"، كما اشترك في تأليف كتاب "الديانات الآسيوية الكبرى"، هذا إلى جانب كتبه الخاصة بالإسلام، ومنها كتاب "التوحيد ومقتضياته في الفكر والحياة".

 

أسلمة المعرفة

وفي مجال أسلمة المعرفة وضع الفاروقي الأسس النظرية لإعادة صياغة العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة صياغة إسلامية، بحيث تصبح هذه العلوم رافدا إيجابيا لثقافة المسلمين، لا سيلا جارفا يسلبهم هويتهم ودينهم وثقتهم في الذات. وقد شخص الفاروقي داء المسلمين المعاصرين في نظامهم الفكري والتعليمي السائد، وانعدام الدافع القوي والفكرة المحركة في ثقافتهم. وندد بازدواجية التعليم بين ديني تقليدي ومدني معاصر، مما أنتج ذاتا منشطرة مهزوزة، لا تحسن غير التقليد: تقليد الأجداد الذين رحلوا، أو الغربيين المختلفين دينيا وثقافيا. بينما المطلوب هو تعليم واحد تسري فيه الروح الإسلامية من خلال تدريس مادة الحضارة الإسلامية في كل الجامعات والأقسام بغض النظر عن التخصص. أما المتخصصون في الدراسات الإسلامية فلا بد أن يتضلعوا بالعلوم الإنسانية الحديثة لإثراء ذواتهم وبناء قدراتهم النظرية لتكون على مستوى الثقافة العقلية المعاصرة. وقد أسس الفاروقي مع الدكتور عبد الحميد أبو سليمان المعهد العالمي للفكر الإسلامي ليكون مركز تنظير وتخطيط للثقافة التركيبية التي يحتاجها المسلمون اليوم.

الظاهرة الصهيونية

وفي مجال التعريف بالظاهرة الصهيونية كتب الفاروقي ثلاثة كتب هي: "الإسلام ومشكلة إسرائيل"، و"أصول الصهيونية في الدين اليهودي"، و"الملل المعاصرة في الدين اليهودي". وكان طرحه متميزا بالعمق والرحابة، وإن لم تخل نبرته من مرارة الظلم. كان الفاروقي متضلعا بتاريخ الديانة اليهودية وبتطور الغربية">الحضارة الغربية، وقد وضع الصهيونية في ذلك السياق التاريخي، وتوصل إلى أن المسلمين يسيئون فهم أهم عدو لهم اليوم وهو إسرائيل، بالنظر إليها على أنها مجرد ظاهرة استعمارية غربية أو مجرد تكرار للحروب الصليبية، وهي كل ذلك وأكثر بكثير. ثم وضع ميلاد إسرائيل في سياق ثلاثة أفكار مهمة هي: عقيدة "الانتقال الوجودي للخطيئة" ontological passage of guilt في المسيحية، وتراجع وعود عصر الأنوار الأوربية عن تحقيق المساواة لليهود، ثم المركزية العرقية في الديانة اليهودية. وهكذا اقتلع اليهودي جذوره من أوربا وزرعها في فلسطين وهو محمَّل بكل هذه الأثقال. لكن الحقيقة أنه فعل ذلك متأخرا جدا، وأن عمله هذا مجرد حل مؤقت ويائس لن يكون هو الحل النهائي للمعضلة اليهودية. فتلك معضلة مسيحية غربية لا يمكن حلها على حساب أمة عظيمة تتقدم اليوم إلى مسرح التاريخ من جديد.

رحم الله الشهيد إسماعيل الفاروقي.. حامل همِّ الشرق في الغرب.

http://www.4nahda.com/node/678

مع انتصاف القرن العشرين بدا واضحاً أن مشروع النهضة والإصلاح الإسلامي الذي تأسس في القرن التاسع عشر بات على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة عبّرت عنها متغيرات عديدة من قبيل: حرب فلسطين (1948م)، ورحيل الاستعمار التقليدي، والإخفاقات المتوالية لمشروع الدولة الوطنية، ذلك الإخفاق الذي تجلى في عجزها عن تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي وإخفاقها السياسي خلال حرب يونيو (1967م)، ولم يكن الوضع على الصعيد الفكري أفضل حالاً إذ كان نهج الدولة قائماً على اقتباس المناهج والنظريات والأفكار الغربية وتطبيقها بشكل قسري ودفعة واحدة على النظام التعليمي ووسائل الإعلام ومنابر التثقيف بدعوى أن الاقتباس سيأتي بنتائج مماثلة لنظيرتها الأوروبية، وهو ما أوجد قلقاً عميقاً وجدلاً حول الهوية التي بدت معرّضة للخطر بفعل عمليات التغريب الممنهجة التي مارستها الدولة.

كان من المنطقي أن تترك تلك المتغيرات آثارها العميقة على مشروع الإصلاح الذي بلغ ذروة نضجه واكتماله في مطلع القرن بفضل اجتهادات جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا، حيث دخل المشروع منعطفاً جديداً بالتساوق مع هذه المتغيرات حين شرع في مراجعة أهم مقولاته وهي إمكان بلوغ النهضة عبر اقتباس النظم والأفكار الغربية وإضفاء الطابع الإسلامي عليها، وأسفرت المراجعة عن بروز فكرة مضادة وهي أن الأفكار الغربية نتاج حضارة مادية وأنها تستبطن خصائص تتعارض مع الرؤية الإسلامية التي تصبح مهددة في عقر دارها إذا تمّ اقتباس الأفكار الغربية، وعليه فليس هناك من سبيل لبلوغ النهضة إلا بالاجتهاد في سبيل إيجاد بديل لها من داخل المنظومة الإسلامية، وهو ما بات يُعرف باسم “الأسلمة”.

وعلى هذا يمكننا القول إنه بينما كانت مهمة بعض الإصلاحيين المتقدمين القيام بعملية تقريب المنتج الحضاري الغربي (أفكار، نظم، أدوات) إلى الواقع الإسلامي، فإن مهمة إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين تركزت حول التأكيد على تميز الأفكار الإسلامية وإيجاد البديل الإسلامي للمنتج الحضاري الغربي أي أسلمة المعارف والتقنيات الغربية.

ومن المتغيرات الأخرى التي يمكن رصدها على مشروع الإصلاح التفاوت الكبير في تشخيص الأزمة واقتراح الحلول، إذ بينما التفت بعض الإصلاحيين الأوائل إلى الإصلاح السياسي بكثير من الاهتمام وعولوا على دور الدولة في الإصلاح، فإن معظم الإصلاحيين المتأخرين -وبخاصة مع إخفاق مشروع الدولة الوطنية- قد شخّصوا أزمة الأمة باعتبارها أزمة فكرية ومن ثم نظروا للمدخل المعرفي باعتباره سبيل الإصلاح.

من جهة أخرى فإننا نلاحظ أن نسبة يُعتدُّ بها من إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين هم ممن يصح أن نُطلق عليهم وصف “إصلاحيي الخارج” إذ تهيأت للعديد منهم سُبُل التعليم والإقامة في الغرب، وهو ما يعني أن المكوّن الفكري لديهم لم يكن إسلامياً خالصاً وإنما هو مكوّن غربي تمّ مزجه ببعض التأثيرات الثقافية الإسلامية، وهذا بخلاف الإصلاحيين الأوائل الذين كانت ثقافاتهم إسلامية بالأساس إذ هم لم يعايشوا أو يتعرفوا على الثقافة الغربية عن كثب، ومن ثَمَّ انطلقوا في مسعاهم للتجديد من الأرضية الإسلامية التقليدية.

وأخيراً فإن أحد المتغيرات الهامة التي يمكن رصدها على مشروع الإصلاح في النصف الثاني من القرن العشرين هو في انتقاله من الطابع الفردي إلى الطابع المؤسسي والذي يجسده مشروعات مثل “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” و”جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية” و”الجامعة الإسلامية العالمية” في ماليزيا، وذلك مع غياب المفكرين الكبار من وزن جمال الدين الأفغاني (ت 1897م) والشيخ محمد عبده (ت1905).

ويُعد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي (1921-1986م) خير ممثل لمفكري تلك المرحلة الهامة من مراحل المشروع النهضوي.

السيرة والإنتاج المعرفي

وُلِد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام (1921م) لإحدى الأسر الفلسطينية العريقة والثرية، عمِل والده قاضياً شرعياً ورغم ذلك فقد فضّل أن يتلقى ابنه تعليماً مدنياً حديثاً على عادة بعض الأسر الفلسطينية الثرية، فألحقه بمدرسة الفرير الدومينيكان الفرنسية (سان جوزيف) التي حصل منها على الشهادة الثانوية عام (1936م)، ومنها التحق بكلية “الآداب والعلوم” بالجامعة الأمريكية ببيروت حيث حصل على بكالوريوس الفلسفة عام (1941م)، وعقب تخرجه اشتغل ببعض الأعمال الحكومية في ظل حكومة الانتداب البريطاني، ومع اندلاع القتال في فلسطين عام (1948م) شارك في بعض العمليات الجهادية إلا أنه غادر إلى الولايات المتحدة مع انتهاء الحرب وتأسيس الدولة اليهودية.

فور وصوله إلى الولايات المتحدة تابع إسماعيل الفاروقي تحصيله العلمي حيث حصل على درجتي ماجستير في الفلسفة عامي (1949، 1951م)، ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا عام (1952م) عن رسالته المعنونة “نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستمولوجية للقيم”.

وعلى الرغم من حصوله على أعلى الدرجات العلمية فقد استشعر الفاروقي نقصاً في تكوينه المعرفي بسبب اقتصاره –حتى ذلك الحين- على الاطلاع والتعمق في الثقافة والفكر الغربي حيث نهل من رافد معرفي وحيد هو الرافد الغربي، لذلك قرر الإقبال على الدراسات الإسلامية حتى يستكمل تكوينه العلمي، فتوجه إلى القاهرة وأمضى بها نحو الأربعة أعوام (1954-1958) تفرغ خلالها لدراسة العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية في الأزهر الشريف.

بعد عودته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر 1958 دُعي للتدريس والبحث في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ماكجيل في مونتريال بكندا (وتزامل هناك مع فضل الرحمن الذي يختلف عنه كثيراً في التوجه الفكري العام)

وبناءً على توصية من المستشرق المعروف ويلفريد كانتويل سميث مدير المعهد فقد حصل الدكتور الفاروقي على منحة الزمالة المقدمة من مؤسسة روكفلر لينضم إلى ” كلية اللاهوت Divinity School ” في جامعة ماكجيل كباحث مشارك للقيام ببحوث عن النصرانية واليهودية، نشرت نتائج بحوثه المتعمقة في دراسته النقدية المعروفة ” بالأخلاق المسيحية Christian Ethics” ، وكان لها صدىً كبير لما تميز به عمله من عمق وأصالة ونفاذ بصيرة، مع قوة التوثيق لكل ما تبناه من آراء نقدية، في سبتمبر 1963م التحق بجامعة شيكاغو للتدريس بكلية الإلهيات لمدة عام، حيث قام بتدريس تاريخ الأديان، عين “أستاذاً مشاركاً” للإسلاميات وتاريخ الأديان بقسم الأديان بجامعة سيراكيوز في المدة من 1964- 1968م، ثم أستاذاً بقسم الديانات بجامعة تمبل في سبتمبر 1968، واستمر بها حتى استشهاده في 1986م.

التقى الفاروقي في عام 1968م (وكان في ذلك الوقت “أستاذا”) لأول مرة ببعض الشباب الذين يدرسون في مرحلة الدكتوراه من نشطاء “اتحاد الطلاب المسلمين” في الولايات المتحدة وكندا، وكان من بينهم الدكتور عبد الحميد أبو سليمان (الذي انتهى من الحصول على درجة الدكتوراه في عام 1973) والذين نشأت بينهم علاقة عمل والتقاء فكر وتعاون قوية استمرت فيما بعد حتى وقت استشهاده في 1986.

أنشأ مع مجموعة من قدامى أعضاء اتحاد الطلاب المسلمين “جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين” وتولى رئاسة الجمعية في الفترة من 1972 إلى 1978م، و يُذكر له أنه قد نادى في خطابه الرئاسي الأول عام 1972م بقوة ووضوح بضرورة إعادة النظر في العلوم الاجتماعية في ضوء التصور الإسلامي فيما يمكن اعتباره أول إشارة منهجية محددة في اتجاه التكامل بين المصادر الشرعية والعلوم الحديثة بعد نقد تلك العلوم نقداً صارماً في ضوء التصور الإسلامي.

أسهم مع آخرين في الإعداد للمؤتمر الدولي الأول للتربية الإسلامية في مكة المكرمة في مارس 1977م حيث قدم بحثاً عنوانه تحديداً “إعادة صياغة العلوم الاجتماعية في ضوء الإسلام” ، أسهم في الإعداد لندوة لوجانو ( سويسرا ) في يوليو 1977 التي دعت إلى إنشاء مؤسسة عالمية تتولى تنسيق الجهود لتحقيق الإصلاح الفكري المنشود والذي تجسد فيما بعد في إنشاء “المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

أسهم الفاروقي بدور بارز في إنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم تسجيل المعهد تسجيلاً رمزيًّا على عنوان سكن د.الفاروقي سنة 1981م ولم يبدأ المعهد ممارسة أنشطته فعليا إلا في 1982 م، ثم تولى الفاروقي رئاسة المعهد أو إداراته في فترات متعاقبة بالتناوب مع الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، انطلق المعهد العالمي للفكر الإسلامي بقوة في مشروع الصياغة الإسلامية للعلوم ، فعقد بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد مؤتمرًا عام 1982م عن إسلامية المعرفة ، قدم خلالها د.الفاروقي ورقة بالانجليزية عنوانها Islamization of Knowledge: General Principles and Workplanأصبحت هي خطة عمل المعهد بعد ذلك، والتي أصبحت بمثابة الدستور الفكري لحركة أسلمة المعرفة في جميع أرجاء العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت، وقد نشرت مجلة المسلم المعاصر ملخصاً لها بالعربية بعنوان “أسلمة المعرفة” كما نشرت دار البحوث العلمية ترجمة عربية كاملة في كتاب بذات العنوان .

له مؤلفات متميزة في فلسفة الأديان فقد صدر له بالعربية">اللغة العربية “الملل اليهودية المعاصرة”، كما أن له عدداً من المؤلفات باللغة الإنجليزية ولم يتم تعريبها، نذكر منها: Historical Atlas of the Religions of the World الأطلس التاريخي لديانات العالم،The Great Asian Religions أديان آسيا الكبرى، Christian Ethics الأخلاق المسيحية. وقريب من هذا كتاباته عن اليهود والظاهرة الصهيونية من مثل (أصول الصهيونية في الدين اليهودي) و(Islam and The Problem of Israel) الإسلام ومشكلة إسرائيل، وهي مؤلفات امتدحها المفكر عبد الوهاب المسيري في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) بوصفها استطاعت أن تتجاوز السياسي وصولاً إلى المعرفي في فهم الظواهر المرتبطة باليهود.

أما بقية إنتاجه المعرفي فهو يدور حول الحضارة الإسلامية التي خصها الفاروقي بمؤلف ضخم أسماه “أطلس الحضارة الإسلامية” والذي نُقل إلى العربية بعد رحيله، وقد حاول من خلاله أن يعرّف بجوهر الحضارة الإسلامية وخصائصها المميزة وأن يؤكد على دور التوحيد في تشكيل جميع جوانبها حتى المادية منها، ولا ننسى في هذا المقام كتابه الأكثر أهمية، والذي نشره بالإنكليزية تحت عنوان (Al Tawhid; Its Implications for Thought and Life) التوحيد وآثاره في الفكر والحياة، كما أن للفاروقي عدداً من البحوث حول (إسلامية المعرفة) الذي يُعد بحق المُنظّر الأول لها، وبعضها تمت ترجمته ونُشرت من خلال المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودورية (المسلم المعاصر)، وللفاروقي مجموعة مهمة جداً من البحوث والدراسات المنشورة باللغة الإنكليزية حررها ونشرها بعد وفاته عطاء الله صديقي تحت عنوان: (Islam and Other Faiths) الإسلام والعقائد الأخرى هذا فضلا عن بعض ترجماته إلى اللغة الإنكليزية مثل ترجمته لكتاب (حياة محمد) لمحمد حسين هيكل.

الشهادة

بتاريخ27مايو 1986م الموافق 18 رمضان 1406هـكان إسماعيل الفاروقي مؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي وزوجته الأمريكية لويس لمياء الفاروقي منهمكين في أعمال منزلية حين تسلل أمريكي أسود إلى شقتهما التي يعرفها جيداً، فقد كان يتظاهر بأنه صديق العائلة، وكان الفاروقي وزوجته يبنيان العلاقات الإنسانية مع الجميع، ويبنيان آمالاً عريضة على كل إنسان يتصل بهما، يزعم أنه قد تأثر من الأفكار التي بها ينادون.

كانت تلك الليلة كابوساً فقد روى (هشام الطالب) من المعهد في أمريكا، أن الأسود المجرم بدأ أولاً بزوجة الفاروقي، وكانت ناعمة لا تحتاج إلى الكثير من الطعنات فقتلها بالسلاح الأبيض وبسرعة، ثم صعد لمواجهة إسماعيل الفاروقي، حيث طعنه 28 طعنة، قبل أن يجهز عليه، وقد حاول الفاروقي مقاومته عبثاً فلم ينجو.

وأثناء هذا كانت أحد ابنتي العائلة قد اقتربت على الصراخ فطعنها ونزفت، فظن أنها ماتت فتركها، أما الثانية فقد اختبأت في الخزانة وهي ترقب المجزرة في جو رعب لا حد له..

خرج الرجل الأسود القاتل وقد أجهز على عائلة الفاروقي، وحين ألقي القبض عليه قال إن وحياً من السماء أشار عليه بالتخلص من الفاروقي، ومما ذكر الطالب أنه لا يستبعد صلة الموساد بكل العملية، فقد كان في أمريكاً رجل قدم من إسرائيل قبل الحادثة بقليل له صلة بالرجل الأسود، وكان رجلاً يهودياً يزعم أنه له دراسات إسلامية وما شابه..

وقد روى (هشام الطالب) أن القاتل قبع في السجن بضع سنين، وحاولوا الاتصال به، ولكن حيل بينهم وبين رؤيته، وكانوا يريدون معرفة من هو خلف الجريمة الفعلي؟ ولم يكن الرجل الأسود سوى الأصبع التي نفذت العملية، ثم أغلق الملف تماماً حين مات الرجل من مرض ولم يكن يشكو من شيء، فقد أُجهز على القاتل حتى يحمل معه سره إلى القبر..

وبعد مصرعه استولى الخوف على من بقي من أفراد عائلته أن تطالهم يد الموت بشكل آخر، فنأوا عن أي اتصال وفضلوا أن يعيشوا بعيدين عن المعهد وأهله وكل ماله صلة بحياة والدهم، ولجأوا إلى الظل فهو أكثر مكان أمناً.. وهي مأساة فوق المأساة، فأمريكا غابة من نوع مختلف وليست جنة الله كما يتصور البعض..

وبعد أحداث سبتمبر تمت مهاجمة المعهد من قبل الأمن الأمريكي، فحملت كل الوثائق والكمبيوترات وأطناناً من الأوراق، وتعرضوا لمضايقات شديدة، ودخلوا محنة كبيرة من نوع مختلف، ولكنهم كانوا قد احتاطوا أمرهم بثلاث: أموال كثيرة صرفوها لمحامين أكفاء، وتصفية ذمتهم من الضرائب بشكل واضح ونظيف، وبعدهم عن الشبهات والعنف، فنجوا من العاصفة.. ولم يخلصوا بعد من كثير من المضايقات.

كانت حياة الفاروقي ملحمة رائعة، وحياة عائلته مأساة كاملة، وقبل أن يموت كان ابنه في الجيش الأمريكي، ثم أخبر من قيادة الجيش أن ابنه مات في تدريبات عسكرية، ولما أراد أن يرى الجثة أو يتعرف على مكان قبره لم يصل لشيء؟

هذا هو إسماعيل راجي الفاروقي شهيد الفكر مضى إلى الله مع زوجته في عناق أبدي وهما يؤديان دور الشهادة في العالم كما كان يقول مالك بن نبي.

وبذلك خسرت الأمة الإسلامية رجلاً مجدداً من خيرة العقول التي أنجبتها أمة الإسلام في القرن العشرين

 

 

أخبار ذات صلة

هناك تلازم كبير بين الأحداث التي وقعت للإخوان المسلمين و"النظام الخاص" وهو الجناح السري للجماعة منذ نشأة هذا الجهاز وحتى عهد قريب.

المزيد

هذا المقال - أو المقالات - تكملة لِما سبق أن طرحته مؤخرًا بعنوان .. " آثار التجديد وأوهام العبيد " ..

وأريد من هذه التكم ... المزيد

أخيرا ، وبعد عام كامل من الاختطاف والتغييب القسري ، تم "الإعلان" عن بدء "محاكمة سرية" للمفكر الداعية الشي ... المزيد

تعليقات