البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أين يقع التيار السرورى على خريطة العمل الإسلامي؟

المحتوي الرئيسي


أين يقع التيار السرورى على خريطة العمل الإسلامي؟
  • إحسان الفقيه
    29/01/2019 08:55

«العلل الاجتماعية لا يمكن أن تُعالج بالتغييرات التنظيمية، فكل المحاولات لهذه المعالجات سطحية، فهي إما أن تُرفض بسببها المنظمة كلها، وإما أن تقتصر على الاستبدال بنوع آخر من المنظمات». عندما يكون مصدر هذه العبارة المؤرخ والمفكر أرنولد توينبي، فلابد أن تكون جديرة بالاهتمام، لأن توينبي بدراساته وفلسفته العميقة ضارب في أطناب مسألة الحضارات وعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ.

وعلى الفور، استحضرتُ النظر إلى العمل الإسلامي بتنظيماته المتعددة، فألفيتُ محاولات سطحية لم تمتد إلى الجذور، فتعرَّضتْ للرفض أحيانًا، وأتى كل فصيل كرِدِّة فعل لما يراه من قصور فصيلٍ سابق عليه، وأقول ذلك مع الإقرار بالجهود الكبيرة التي قام بها كثير من تلك التنظيمات الإسلامية في خدمة الأمة، من محاولات البعث الإسلامي وتصحيح المفاهيم العقدية والسلوكيات والأخلاقيات، وإحياء العمل الخدمي، والتصدي للغزو الفكري ونحوه.

لم تكن نشأة الإخوان المسلمين هي بداية محاولات الإصلاح، فكانت هناك مدرسة إصلاحية للعالم السوري الذي استوطن مصر، محمد رشيد رضا، كانت ميراثًا لمدرسة محمد عبده، إلا أنه ابتعد كثيرًا عن النزعة الاعتزالية للأخير، وأنشأ مجلة «المنار» التي طرح فيها رؤيته الإصلاحية، والتي أعتزمُ الكتابة فيها لاحقًا. كانت أفكار رشيد رضا تتجه إلى إحداث تغيير مجتمعي شامل لا يقتصر على ناحية دون الأخرى، بعيدا عن الصدام مع القوى المهيمنة، وبعيدًا عن الاستغراق في ميدان بعينه، واعتباره هو طريق الخلاص (التغيير السياسي على سبيل المثال)، وكانت أفكاره تصلح كمظلة منهجية فكرية لكل العاملين في الحقل الإسلامي، إلا أنها لم تجد من يقوم بها على الوجه الذي ينبغي.

أقرب الفصائل العاملة التي رأيتها الأبعد عن الصورة التنظيمية البحتة، وأكثرها اعتمادا على تكوين تلك المظلة الفكرية المنهجية كان تيار «الصحوة» الذي يحلو للبعض أن يسميه بالسرورية نسبة إلى أبرز المؤسسين والمنظرين لهذا التيار الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين رحمه الله. هذا التيار أشبه بظاهرة اجتماعية، ورغم أن له مُنظّرين صاغوا الإطار المنهجي، إلا أنه توافق مع قناعات شرائح واسعة في شتى البقاع، من دون ارتباط بأطر العمل الجماعي، وأصبح في ما يبدو أن أفكار التيار تُلبّي احتياجات شرائح واسعة في المجتمعات الإسلامية المتعطشة إلى التغيير.

يختلف تيار الصحوة عن جماعة الإخوان المسلمين في كثير من مفردات الفكر، فرغم أنه خرج من رحم الإخوان، باعتبار أن مؤسّسه كان من إخوان سوريا، إلا أنه سعى لتفادي الأخطاء المنهجية والحركية التي وقع فيها الإخوان من عدة وجوه. فالتيار الصحوي أو السروري، كما أسلفتُ، ليس تنظيمًا عالميًا، كما هو حال الإخوان، وإنما عمل جماعي في بعض المجتمعات، وفي الغالبية العظمى لا يتعدى سوى سقف من الأفكار والتصورات تتحرك تحته شرائح واسعة.

 كما يختلف التيار عن الإخوان من جهة اهتمامه بالتأصيل الشرعي والغراس العقدي والنأي عن البراغماتية التي عرفت بها جماعة الإخوان، والتي برأيي فرضتها ظروف الواقع الأليم وسيطرة السلطة، وهو (أي التيار الصحوي) أكثر اهتماما بالعلوم الشرعية، وانفتاحا على كتب جميع المفكرين والعلماء من أهل السنة، من دون الاقتصار على فئة محددة. ومن أبرز أوجه الاختلاف بين تيار الصحوة والإخوان، أنه لا يجعل صلب دعوته التغيير السياسي، كما هو الحال في الإخوان، بل يراه جزءًا من الإصلاح الشامل، وهو ما يطابق الرؤية الإصلاحية لمحمد رشيد رضا، ولا يمانع التيار من دعم مرشحي الإسلاميين في الاستحقاقات الانتخابية، من باب درء المفاسد ما أمكن، مع العلم أن له موقفًا متحفظًا من دخول البرلمانات المؤسّسة على قوانين وضعية او المشاركة فيها، لتصادمها مع مبدأ الحاكمية.

 

كما يختلف عن الإخوان في النظرة إلى إيران، ففي حين يركز الإخوان على مواجهة المشروع الصهيوني، باعتباره الأشد خطرًا ويتعامل بلين مع المشروع الإيراني بما يفرضه واجب الوقت بحسب فكر الإخوان، نرى تيار الصحوة رغم تركيزه على مواجهة المشروع الصهيوني أيضا، إلا أنه لا يغفل خطر المشروع الإيراني الفارسي القومي المُحمّل على رأس طائفي، ولعل الشيخ محمد سرور كان من أوائل من كتبوا محذرين من الخطر الفارسي في كتابه «وجاء دور المجوس»، في الوقت الذي كان العرب يُمجّدون ثورة الخميني. وأما من حيث مقارنته بالتيارات السلفية، فنرى أن الصحوة أكثر مرونة وانفتاحا من السلفية، يتمثل هذا الانفتاح في الاستقاء المعرفي والفكري من كل من ينضوي تحت لواء السنة، كما أنه يغوص في الاستفادة من الكتب الفكرية التي ينبذها بعض السلفيين التقليديين على غرار كتب سيد ومحمد قطب وأبي الأعلى المودودي ومالك بن نبي وغيرهم. ومن أوجه الاختلاف بينهما أن التيارات السلفية ليس لها رؤية إصلاحية سوى تعليم الناس وانتظار ما يفرزه الواقع، فهي أشبه بدعوة علمية، في معظم ميادينها تأخذ صورة شيخ وطلبة علم، وفي الصورة التنظيمية منها تركز كذلك على الناحية العلمية مع التزكية، بينما نرى تيار الصحوة يعتمد الشمولية في العمل الإصلاحي، حيث تعليم الناس وتصحيح العقيدة، وربط السلوك والأخلاق بالاعتقاد وهو ما يعرف بحيوية العقيدة الذي يتعدى الحشو المعلوماتي، وحيث الإصلاح السياسي سواء عن طريق التنظير أو إعداد الكوادر السياسية أو دعم الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية أو المحافِظة، وحيث العمل المؤسسي في مجال الاقتصاد والعمل الخدمي والعمل الإعلامي، ولعل من نافلة القول أن نُذكِر بأن مجلة «البيان» الصادرة عن المنتدى الإسلامي بلندن هي إحدى المؤسسات التابعة للتيار، كما أن مجلة «السُنة» التي كانت تصدر عن مركز الدراسات الاسلامية في بيرمنغهام، كانت إحدى مؤسساته الإعلامية المهمة.

وفي الوقت الذي تتقوقع التيارات السلفية في المساجد وبين كتب التراث، نرى تيار الصحوة يتناول القضايا المعاصرة، التي تمس حاجات الناس بصورة مباشرة، ويتطرق في أنشطته إلى أحوال الدول والتجاذبات السياسية والمؤامرات الخارجية، والتوعية بخطر الأفكار الدخيلة الوافدة بشكل أكبر استفاضة وتفصيلًا ودقة من التناول السلفي، ومن المعلوم أن هذا التيار كان الجهة الوحيدة التي اعترضت من قلب السعودية على الاستعانة بالقوات الأمريكية بعد الغزو العراقي للكويت، ولا ننسى «مذكرة النصيحة» تلك الوثيقة التي تعتبر بداية البيانات السياسية المعارضة والإصلاحية في المملكة، التي وقّع عليها بعض من رموز هذا التيار، بمشاركة قوى وطنية أخرى ذات توجهات مختلفة للمطالبة بإصلاحات سياسية وتحوّل ديمقراطي، وكانت من أبرز أسباب استعداء النظام السعودي الحاكم للتيار، ولمن بادر وكتب تلك المذكرة ووقع عليها من تيارات أخرى.

يتميز تيار الصحوة بنبذ الأسماء والمسميات والتحزّب والبعد عن التعصب، والدعوة إلى وحدة الكلمة، ولا يعتمد على مبدأ الاستقطاب وحشر الناس في القفص التنظيمي، ويؤمن بالجهد التراكمي والتكاملي. كما ينأى التيار عن لوثة التكفير والصدام المسلح مع الأنظمة، ويضع شعيرة الجهاد موضعها الصحيح في الشريعة بضوابطه الشرعية، ولا يترك الكلام فيه عرضة للاجتهادات الصبيانية الناشئة عن ضغط الواقع.

ربما كان هذا التيار أكثر التيارات عرضة للخصومة من داخل الصف الإسلامي وخارجه، فالإخوان يعتبرونه مُنشقا، والسلفيون يعتبرونه بدعيا مُضلّلا، والسلفية الجهادية تراه خانعًا، والليبرالية والعلمانية يرونه متشددًا، والتكفيريون يرونه مرتدًا. ربما أكون قد وفرت للقارئ الكريم أرضية ينطلق منها للتعرف على هذا التيار الذي كثر حوله اللغط، فالبيان هو أحد مهامي التي حدّدتها لنفسي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

أخبار ذات صلة

أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، مساء الإثنين، أنها تلقت دعوة من المزيد

قال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، خليل الحيّة، اليوم الأربعاء، إن "صفقة القرن" الأمري ... المزيد

عناصر جيش ميانمار قتلت والديّ رميا بالرصاص قرب منزلهما في إقليم أراكان".

وعقب تلك المجزرة البشعة، اضطر إ ... المزيد