البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أهم 30 درساً من الانتخابات التركية

المحتوي الرئيسي


أهم 30 درساً من الانتخابات التركية
  • د.باسم خفاجي
    12/11/2015 09:36

بدأت الانتخابات البرلمانية التركية لعام 2015م بانتكاسة لحزب العدالة والتنمية، يمكن تسميتها "انتكاسة يونيو"، تمثلت في عجز الحزب لأول مرة منذ 13 عاماً أن يحصل على النسبة الكافية من الأصوات الانتخابية كي يشكل الحكومة منفرداً.
 
حصل الحزب في انتخابات 7 يونيو 2015م على 40.9% فقط من الأصوات، وهو ما يقابل 238 مقعداً نيابياً، وهي أقل كثيراً من العدد المطلوب للحصول على النسبة اللازمة لتشكيل الحكومة (276 مقعدا). اعتبر المراقبون هذه الانتكاسة بداية النهاية للعدالة والتنمية، وظهرت الكتابات المتعددة التي بدأت في شرح السيناريوهات السوداوية لما ينتظر تركيا من الحكومات الائتلافية الضعيفة، وما يتوقع أن يحدث بعد "انهيار" حزب العدالة والتنمية!
 
فشلت كل محاولات تشكيل الحكومة الائتلافية لتعنت المعارضة من ناحية، ولرغبة حزب العدالة والتنمية في تدارك الانتكاسة، وتصحيح أوضاعه، والعودة إلى مكانته التي يراها لائقة به من ناحية أخرى. لم يتوقع أحد أن يستطيع الحزب في 5 أشهر استعادة ثقة الناخب، أو القيام بالتغييرات الداخلية اللازمة للاستجابة لمطالب الشعب التي ظهرت واضحة عبر الانتخابات. لم يكن متوقعاً أن يستطيع الحزب تغيير استراتيجياته الانتخابية بالسرعة الكافية لتحقيق انتصار مقبول. كانت معظم استطلاعات الرأي تقدر أن العدالة والتنمية قد ينجح في الحصول على عدد من النقاط الإضافية في نسبة الأصوات، ولكنه لن يستطيع في هذه المدة القصيرة أن يستعيد مكانته.
 
النتيجة كانت خلاف كل التوقعات. نجح الحزب خلال الأشهر الخمسة في تحقيق انتصارا انتخابياً رائعاً بكل المقاييس عندما حصل على أكثر من 317 مقعدا في انتخابات الإعادة، ونسبة تصويت لصالحه وصلت إلى ما يقارب من 50%، ونسبة مشاركة شعبية هائلة تعدت نسبة 87% من إجمالي الناخبين. كيف حدث هذا، وما الاستراتيجيات التي اتبعها الحزب للحصول على تلك النتيجة الرائعة هو موضوع مقال سابق كتبناه في اليوم التالي للانتخابات (2 نوفمبر 2015م)، ويمكن مراجعته عبر الرابط: http://bit.ly/bk-29
 
يبقى أن نحاول الاستفادة من تلك الانتخابات، فهناك دورس مهمة يمكن ملاحظتها حول تلك الانتخابات، سواء للمواطن العربي الباحث عن الحرية، أو للقوى السياسية التي تستلهم نجاحات حزب العدالة والتنمية في معاركها الحزبية في بعض الدول العربية والإسلامية، أو لصناع القرار السياسي في المعارضة الحرة في الدول التي تعاني من ظلم الانقلابات وحكم العسكر، وتحاول الخلاص منهما.
 
من أجل ذلك يجمع هذا البحث المطول 30 درسا من تلك الدروس الهامة، والتي يمكن أن تفيد السائرين على درب الحرية والحالمين بها أيضاَ. وحتى نفيد القارئ بالإجمال ثم التفصيل، نورد أولاً سرداً لعناوين الدروس المستفادة من الانتخابات دون أي تفصيل، ونتبع ذلك بتفصيل هذه الدروس وشرحها باختصار أيضا.
ثلاثون درساً من فوز العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية
 
أولا: الإجمال
 
1. الاعتزاز بالمواقف وعدم التنازل عن المبادئ
2. احترام اختيار الشعب واستقبال رسائله بترحاب، وليس بتشكيك
3. للانتكاسة مكاسبها ودروسها
4. المواجهة الشرسة للتشويه الإعلامي
5. تقبل النتائج الانتخابية والانصياع لها، وعدم المكابرة
6. تحييد العسكر خارج منظومة الحكم المدني شرط أساس للتقدم
7. التآمر السياسي واقع .. ومن الغباء عدم مواجهته
8. فضح ازدواجية المعايير الدولية والإقليمية
9. سلاح الأمل أحد أقوى الأسلحة السياسية
10. لا تخادع في هويتك .. فالشعب مدركها
11. ادراك الاحتياجات الاقتصادية للشعوب
12. لا توجد بطاقة انتخاب مفتوحة أو مضمونة من أي شعب قوي
13. استثمار الغباء الأوربي لصالح الوطن
14. الشعوب الحرة لا تغدر بجيرانها .. بل تنحاز لهمومهم
15. التوحد الضعيف ليس اصطفافا
16. مخاطر تصديق استطلاعات الرأي وقت الأزمات
17. القوى الكبرى لا تريد لدولنا الاستقرار، ولابد من مواجهتها
18. ربط الجماهير بهدف "ميثاق تركيا 2023"
19. لا تبحث عن الضربة القاضية دائماً
20. التغيير طريق طويل وليس مفروشا دائما بالزهور
21. روح التواضع عند الفوز
22. التمسك بالخطط طويلة المدى
23. مخاطر تأجيج النعرات العنصرية والعرقية
24. الاستعداد المبكر
25. مخاطر التغني بالإنجازات فقط في دولة شابة
26. في السياسة قد لا توجد تحالفات دائمة
27. مواجهة صامتة بين "تدين التيارات" وبين "الصلاح العام"
28. سؤال الهوية وعدم إغفاله مستقبلا
29. السياسة محلية، والسياسة الخارجية ليست محورية للناخب
30. أهمية الثقة بالله
 
ثانياً: التفصيل
 
1. الاعتزاز بالمواقف وعدم التنازل عن المبادئ
 
كان من السهل بعد "انتكاسة يونيو" الانتخابية أن يستجيب حزب العدالة والتنمية للنداءات والإغراءات بالتخلي عن مبادئه، سواء داخلياً أو خارجياً، من أجل ضمان الفوز أو تشكيل الحكومة الائتلافية، بعد تقديم التنازلات المبدئية لإقناع الأطراف الأخرى بذلك. على النقيض من هذا، واجه الحزب كوادره أن المبادئ لن تتغير سواء على المستوى الداخلي، أو في مجال السياسات الخارجية. وبدلا من استغراق الوقت والجهد في التفكير في التنازلات، بذل الحزب وقياداته جهوداً مضاعفة في شرح قيمة المبادئ، وقدرة تركيا على التقدم عبر الاحتفاظ بها، وليس التخلي عنها. وكان رد فعل الجماهير يوم الانتخابات واضحاً وجلياً.
 
2. احترام اختيار الشعب واستقبال رسائله بترحاب، وليس بتخوين وتشكيك
 
كانت انتخابات 7 يونيو 2015م، والتي لم يستطع الحزب الحصول فيها على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، "انتكاسة انتخابية" يمكن الإشارة لها على أنها "انتكاسة يونيو"، فقد كانت رسالة واضحة من الشعب التركي أن ثقته في العدالة والتنمية قد اهتزت، وأن له مطالب يجب أن يستجيب الحزب لها. بدلاً من العناد، ولوم الناس أنها لا تشكر الحزب، ولا تقدر ما يقوم به، قام العدالة والتنمية على العكس من ذلك، بالاستجابة الفورية للمطالب، وتعديل مساره التنفيذي فوراً، سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، وخرجت حملة الحزب المكثفة للاستعداد للانتخابات بشكل جديد أرضى الجماهير، وأشعرها باستعادة الثقة في الحزب من جديد. واستجاب الشعب لذلك.
 
3. للانتكاسة مكاسبها ودروسها
 
من أخطر ما يواجه أي حزب يبقى منفردا في الحكم طويلاً، هو أن ينفصل عنه الشباب وأصحاب الرؤى التغييرية، لأنه أصبح "حزب الدولة" أو حزب "القديم" في مقابل "التحديث". ما حدث في يونيو الماضي من انتكاسة انتخابية، أكدت أن الحزب يمر بأزمة وليس أن نجاحه محتوم ولا فرار منه، وجعلت الشباب يلتفتون مرة أخرى ناحية حزب العدالة والتنمية من ناحية، فهو ليس حزب الدولة بالتأكيد، بل كاد أن يفقد القدرة على تشكيل الحكومة. كما أن هذه الانتكاسة لفتت أنظار الأجيال الشابة التي عاشت في عصر العدالة والتنمية فقط، إلى مخاطر لم يكونوا على وعي بها، فالشاب الذي كان طفلا عمره 10 سنوات عندما تولى العدالة والتنمية شؤون تركيا من 13 عاماً، قد أصبح الآن عمره 23 عاماً .. وهو لم يعرف سوى حكم العدالة والتنمية منفرداً. بالتالي كان من المهم حدوث مثل تلك الهزة للفت الأنظار لما سيحدث في تركيا، وتجارب الماضي بها. يدل على ذلك أن نشر فيديو واحد عن أحوال تركيا قبل العدالة والتنمية قد اجتذب على قنوات التواصل الاجتماعي أكثر من 5 مليون مشاهدة خلال أقل من أسبوع واحد. كانت الهزة الانتخابية وسيلة للفت الأنظار إلى احتمالات العودة للماضي ومشكلاته، وساهمت في اجتذاب الشباب للمشاركة في بناء المرحلة الجديدة من نهضة تركيا. من المهم إدراك أنه حتى للانتكاسات مكاسبها، ومن أهمها أن يحذر حزب العدالة والتنمية، أن يتحول إلى "حزب الدولة" فيخسر الشباب والمبدعين، ويتحول إلى كيان ثقيل الحركة والحراك! دقت الانتكاسة ناقوس خطر، واستجاب له الحزب فورا، واستجاب الناخب كذلك بعد أن أدرك أن الرسالة قد وصلت.
 
4. المواجهة الشرسة للتشويه الإعلامي
 
تعودنا في الوطن العربي على الشكوى المستمرة من تشويه الإعلام للأحرار، وأصبحت عقلية الضحية تسيطر على الكثير من النخب والساسة وصناع القرار الحر المقاوم للظلم والقهر، وكأن الإعلام الكاذب واقع لا يمكن مواجهته، أو الفرار منه، أو تحجيمه والقضاء عليه. في المقابل حرص حزب العدالة والتنمية على مواجهة الإعلام المضاد له بشراسة بدأت من شخص الرئيس بنفسه، وإلى رئيس الوزراء، وكافة القدرات المتاحة للحزب. موقف الحزب لم يكن الاستكانة للهجوم الظالم، وإنما الرد عليه بشراسة، وتجيير حتى أجهزة الدولة نفسها لمنع الإعلام الكاذب من الاستمرار في تشويه الحقائق وخداع الجماهير. يشير بعض المراقبين إلى تجاوزات حدثت من الحزب في هذا الشأن، وقد يكون ذلك صحيحاً، وهو موقف يلام عليه الحزب لو ثبتت بحق هذه التجاوزات، ولكننا هنا نشير درس مهم، وهو الروح التصادمية في مواجهة الإعلام الظالم، ونرى أنها كانت مفيدة للحزب، ويجب أن يتعلم الأحرار في أوطاننا ألا يخضعوا لابتزاز وتشويه الإعلام الكاذب ضدهم، وأن يتم رد الصاع صاعين، وألا يسمح لإعلام كاذب بخداع الشعوب. موقف حزب العدالة والتنمية تجاه هذا الإعلام يمكن تلخيصه في الجملة التالية: "لا تشتكي من الإعلام القذر .. حاربه وأوقفه إن استطعت. لا تقبل أن يتم تضليل شعب بأكمله تحت شعارات وهمية عن الحرية". وهو درس هام لمن تسبب الإعلام في فقدانهم للسلطة!
 
5. تقبل النتائج الانتخابية والانصياع لها، وعدم المكابرة
 
عندما حدثت انتكاسة يونيو الانتخابية، لم يضيع حزب العدالة والتنمية وقته في الاعتراض على نتائج الانتخابات، أو التشكيك في نزاهتها، بل تقبل الانتكاسة، وبدأ مباشرة في اتخاذ الخطوات اللازمة لتلافي آثارها، واستعادة ثقة الناس. احترام التجربة الديمقراطية في الوطن، كان له أثر إيجابي على الناخب، واكتسب الحزب احترام المخالفين له عندما تقبل الانتكاسة، وبدأ مباشرة في الخطوات القانونية والدستورية التالية لذلك، دون مراوغة أو تباطؤ. بل أن رئيس الحزب، أحمد داود أوغلو سعى بجهد واضح للوصول إلى صيغة مقبولة مع الأحزاب الأخرى لسرعة تشكيل الحكومة، ولكنه ووجه بتعنت معلن من قادة الأحزاب الأخرى، وحرص الحزب على توضيح ذلك للناخب والإعلان عنه بكل شفافية، وأصبح واضحاً أن الخيار المفضل لكل الأحزاب الرئيسة كان هو العودة للناخب مرة أخرى، وهو حق دستوري لرئيس الدولة، وقام باستخدامه بقبول من الجميع، مما أدى إلى الانتخابات مرة أخرى، ودفعت تلك الأحزاب ثمن تعنتها في رفض التعاون، واقتنص حزب العدالة والتنمية ثمرة تقبله لتلك النتائج.
 
6. تحييد العسكر خارج منظومة الحكم المدني شرط أساس للتقدم
 
أحد النجاحات الأكيدة للعدالة والتنمية، هو أنه نسق وخطط ونظم خروج العسكر من المشهد السياسي التركي بطريقة حفظت للجيش التركي مكانته من ناحية، وأخرجته تدريجيا من الحياة السياسية، والتأثير عليها إلى حد كبير من ناحية أخرى. لم يتم ذلك دون مقاومة، ولم يتم دائماً بالطريق الأفضل أو الأسلم أو حتى الأصح (!)، ولكن المحصلة النهائية إيجابية بلا شك حتى الآن. لا تزال هذه التجربة لم تنتهي بعد، ولم يكتب الفصل الأخير من فصولها، ولكنها توحي باحتمالات النجاح أكثر من احتمالات الفشل. فعلى الرغم من الارتباك الذي حدث في المشهد السياسي خلال الشهور الماضية، بقيت القوات المسلحة التركية خارج المشهد السياسي بالكامل، وهو أمر لم يحدث من قبل، ويسجل النجاح فيه للعدالة والتنمية بلا أدنى شك، فقد تم ترسيخ روح وثقافة تبادل السلطة عبر صندوق الاقتراع، وليس عبر قوة السلاح.
 
7. التآمر السياسي واقع .. ومن الغباء عدم مواجهته
 
كان واضحا عقب انتكاسة يونيو الانتخابية، والتي مني بها حزب العدالة والتنمية، وجود تآمر بين الدولة العميقة والكيان الموازي، وقوى خارجية مع بعض الأحزاب المنافسة من أجل التأثير السلبي على موقف الحزب، وعلى شعبيته. بل ثبت أن بعض الأحزاب قد وجهت كوادرها للتصويت لأحزاب أخرى، من أجل مساعدة تلك الأحزاب على تجاوز العتبة البرلمانية (10%)، باعتبار أن ذلك سيؤثر سلبا على فرص العدالة والتنمية في تشكيل الحكومة منفردا. لم يتقبل حزب العدالة والتنمية أن يتخندق في كهوف الدفاع عن النفس، والاستسلام لنظريات المؤامرة، كما يفعل البعض في الوطن العربي، بل اختار المواجهة والتصدي لتلك المؤامرات، وفضحها بشكل علني ومتكرر، وتوضيح أن تركيا مستهدفة بحق، وليس الحزب وحده. استشعر الناخب التركي صدق هذه الرسالة، وسفالة من يتآمرون على مستقبل تركيا، واستجاب لذلك عبر الصناديق التي شهدت أكبر مشاركة سياسية من أكثر من عقدين من الزمان.
 
8. فضح ازدواجية المعايير الدولية والإقليمية
 
إضافة إلى التآمر على الحزب، قامت بعض الدول والكيانات الدولية باستهداف الحزب بحملات تشويه وتشكيك اعتمدت على فكرة ازدواجية المعايير. فهذه الدول والكيانات تؤكد على احترام إرادة الشعوب، ثم تعترض على نتائج الانتخابات عندما تنصف العدالة والتنمية. بل إن بعض الدول الخليجية التي لا تتمتع بالحد الأدنى من الحريات أو الحياة الديمقراطية، خرجت لتنادي تركيا بالتصدي لما أسمته تلك الدول بدكتاتورية الحكم في تركيا. كان موقف الرئيس التركي واضحا من ذلك عندما رد على الصحفي الأوربي الذي سأله إن كان دكتاتوراً، فكان رد أردوغان مفحما وقاطعا، وفاضحا لتلك الازدواجية في المعايير الغربية عند التعامل مع تركيا وغيرها.
 
9. سلاح الأمل أحد أقوى الأسلحة السياسية
 
لم يستسلم حزب العدالة والتنمية للإحباط الذي تلا انتكاسة يونيو الانتخابية، ولم يقبل أن ينساق خلف من بدأوا في الترويج لانهيار تركيا القادم اقتصاديا، ولا تفككها داخليا بسبب المشكلات العرقية، ولا دعاوى الخائفين من تزايد عدد المهاجرين من سوريا وغيرها. لم يستسلم الحزب للنظرات السوداوية التي اهتم الإعلام الغربي بنشرها عن المستقبل القريب لتركيا، وشاركه في ذلك قلة من وسائل الإعلام التركية التابعة للدولة العميقة أو للنظام الموازي. بدلاً من كل ذلك حرص الحزب على نشر ثقافة وروح الأمل، وأن مستقبل تركيا مشرق في توحدها وقوتها واستقبالها لمن يعانون الأزمات في أوطانهم. هذا البث المستمر للأمل، في مقابل المزاج السوداوي لبقية الأحزاب التي كانت تتحدث عن الانهيار القادم، أظهر الفارق بين من لديه رؤية، ومن يكتفي بمحاربة ما لدى الغير من رؤى. لعل هذا من أسباب انحياز الناخب التركي بقوة إلى حزب العدالة والتنمية مرة أخرى.
 
10. لا تخادع في هويتك .. فالشعب مدركها
 
قام أعداء حزب العدالة والتنمية طوال الأعوام الماضية باتهام الحزب أنه حزب إسلامي عثماني في سياقات سلبية. وبدلاً من أن ينفي الحزب وقادته هذه التهمة ــ وهي ليست بتهمة ــ عن أنفسهم، ويحاولون التماهي مع خصومهم كما يحدث من بعض الجماعات والتيارات في وطننا العربي، قام قادة حزب العدالة والتنمية بخلاف ذلك تماماً، وهو أنهم كانوا دائماً يعززون هويتهم، بشكل لا يتعارض مع القوانين التي لا تزال سائدة في البلاد، ويجري تغييرها تدريجيا. فمثلا، ذكر أحمد داود أوغلو، عندما كان لا يزال وزيرا للخارجية في نوفمبر2009 في لقاء مع نواب الحزب: "إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد. نعم نحن العثمانيون الجدد". 
 
ورغم أن الحزب ويؤكّد في أدبياته، على أنه "حزب سياسي يحترم القوانين التركية، ويعمل للحفاظ على الأمة التركية ككتلة واحدة، من خلال صيانة التنوع الديني والثقافي والفكري للمواطنين، ورفض كل أشكال التمييز، وأنه يسعى للدفاع عن احترام جميع الحقوق السياسية للمواطنين في إطار نظام ديمقراطي تعددي، يحترم حرية التعبير" إلا أنه أيضاً لا يتنصل من ميله نحو الخيارات المحافظة الإسلامية، بل يظهر اعتزازه ودفاعه عنها في كل سياق ومناسبة، ويتحدى القوانين الجائرة الظالمة لحرية الدين بشكل مستمر، ويسعى لتغييرها باستمرار وتدرج واضح لا يخفى على أحد. الاعتزاز بالهوية، وليس التهرب منها (!)، هو أحد أسباب احترام الناخب التركي للعدالة والتنمية.
 
11. ادراك الاحتياجات الاقتصادية للشعوب
 
أدرك حزب العدالة والتنمية أن العامل الاقتصادي هام بدرجة كبيرة في دولة ناهضة كتركيا، وأغلبية من السكان شابة تتطلع إلى غد أفضل، فجعل الحزب أجندته الاقتصادية تحرك البوصلة الرئيسة للتقدم في البلاد، واهتم إعلامياً بإبراز نتائج هذا التقدم الاقتصادي على كل صعيد. وعندما تعرض الحزب إلى نكسة يونيو البرلمانية، كان من أوائل نقاط العلاج هو استعادة التركيز على الجوانب الاقتصادية والمعيشية للمواطن التركي، والسعي من جديد نحو تقديم المزيد من الخدمات في هذا المجال. واستجاب الشعب التركي عبر صندوق الانتخابات عندما رأى تركيز الحزب يعود إلى ما هو أهم في حياة المواطن في المرحلة الحالية.
 
12. لا توجد بطاقة انتخاب مفتوحة أو مضمونة من أي شعب قوي
 
عندما يتعود الشعب على جدية صندوق الانتخاب، فإنه يستخدمه ليس فقط ليقول "نعم" دائما لمن ساهموا في حدوث النهضة، بل أيضاً ليقول لهم "لا"، عندما يشعر بالحاجة إلى ذلك. أثبتت نكسة يونيو البرلمانية للعدالة والتنمية حاجته أن يعي هذه النقطة: لا يوجد تصويت مضمون، ولا بطاقات انتخابية مفتوحة لأي حزب مهما قدم من خدمات للدولة، في حال وجود شعب قوي يعرف حقوقه، ويطالب الحكومات والأحزاب دائماً بالمزيد. أثبت الشعب التركي أنه ليس فقط متلق للخدمة من الحكومة، بل أيضا موجه لها، وضامن لسلامة بوصلتها نحو ما يريد. العلاقة التفاعلية بين الشعب وبين الحكم، أثبتت أهميتها وفاعليتها للطرفين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
 
13. استثمار الغباء الأوربي لصالح الوطن
 
اختارت أوربا مسار مصادمة تركيا الناهضة لا مسار التعاون معها واحتوائها، وكان اختياراً احمقاً بدأ منذ أعوام. عارضت الدول الأوربية الكبرى مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، رغم ما ظهر من جدية تركيا في السعي نحوه، وحرص حكومة العدالة والتنمية في بداية فترة حكمها أن تستجيب للطلبات الأوربية المتكررة، التي بلغت حد التدخل في الحياة التركية الداخلية. ومع ذلك استجاب حزب العدالة التنمية للكثير من تلك الطلبات. لكن العناد الأوربي بلغ مداه، ولم ينتبه ساسة أوربا إلى طبيعة العناد التركي المقابل، وخاصة مع تنامي المشاعر المحافظة في المجتمع. الآن أصحبت تركيا هي من تدير ظهرها للاتحاد الأوربي، ولم يعد حلم الالتحاق بأوربا يشغل المواطن التركي العادي الذي اقتنع أن هناك مسارات متعددة للنهضة، لا تمر عبر أوربا بالضرورة، ويرجع الفضل في ذلك إلى إصرار العدالة والتنمية أن يكون دخول تركيا في الاتحاد الأوربي دخولا مشرفا يتناسب مع هوية وطبيعة تركيا، وإصرار الحزب أيضا أن تقدم تركيا قد لا يحتاج أوربا .. وأن استقرار أوربا هو من يحتاج تركيا قوية. تثبت الأحداث صحة موقف العدالة والتنمية، وغباء الموقف السياسي الأوربي. استثمر حزب العدالة والتنمية التعنت الأوربي من ناحيتين لصالح تركيا: الأولى هي تقليص قبضة العسكر ضمن الإصلاحات الديمقراطية التي نادت بها أوربا، فقام حزب العدالة والتنمية باستثمارها لصالح تحجيم العسكر، أي أنه استخدم السياسة الخارجية لخدمة السياسة الداخلية في سابقة سياسية تعد تجربة هامة في هذا المجال. الاستثمار الآخر، هو أن حزب العدالة والتنمية استخدم التعنت الأوربي لاستنهاض همة الأتراك نحو التوحد ونحو التقدم .. بالتركيز على فكرة أن تركيا تستطيع النهوض وحدها، وأن أوربا تحتاجها أكثر مما تحتاج تركيا لأوربا. ساهم هذا الحشد الوطني في تعزيز الارتباط بين الشعب التركي العنيد، وبين حزب العدالة والتنمية، الذي ظهر قويا في وجه أوربا المتغطرسة.
 
14. الشعوب الحرة لا تغدر بجيرانها .. بل تنحاز لهمومهم
 
تعرض حزب العدالة والتنمية إلى حملة شعواء من قبل خصومه في الداخل والخارج، بشأن موقفه المتعاطف مع الحريات في دول الربيع العربي، وخصوصا ما يتعلق بسوريا. مارست بعض الأحزاب المعارضة للعدالة والتنمية حملات منظمة للتخويف من اللاجئين، ومن سياسة التعاطف مع شعوب الربيع العربي، وكل ما يرتبط بالعالم العربي والإسلامي. بل وصل الأمر إلى أن بعض الدول العربية الخليجية أنفقت أموالاً على المعارضة التركية، من أجل تغيير مواقف الشعب التركي ضد المهاجرين واللاجئين. خابت كل تلك المساع، في ظل الموقف الشهم للشعب التركي من ناحية، والموقف المبدئي الذي لم يتزعزع من العدالة والتنمية من ناحية أخرى. أثبتت الانتخابات أن الشعوب الحرة لا تغدر بجيرانها.
 
15. التوحد الضعيف ليس اصطفافا
 
كان من السهل على حزب العدالة والتنمية تقديم تنازلات بسبب ما ظهر من ضعف لديه في انتكاسة يونيو، لكي يستقوي بغيره تحت شعارات الاصطفاف، ولكن قادة الحزب أدركوا أن الاصطفاف في مواقف الضعف قد يفهم على أنه ضعف وانكسار. هنا درس هام لمن يحمل مواقفاً سياسية مبدئية. الاصطفاف على أسس خطأ ليس توحداً وليس تعاوناً، بل هو انهزام وانكسار لا يأتي بخير. الانحياز والاصطفاف مع الشعب، أهم بكثير من الانحياز للقوى السياسية المتخاصمة والمتعارضة، حتى وإن بدا أن الطريق نحو الاصطفاف المزعوم مفروش بالزهور! كان من السهل على العدالة والتنمية في يونيو 2015م أن يقدم من التنازلات ما يكفي لتشكيل حكومة ائتلافية مع أي من خصومه، ولكنها كانت ستعني تنازلات مبدئية، وهو ما رفضه الحزب، واجتهد ليقوي اصطفافه بالشارع وليس بالخصوم، وتأخر النصر قليلاً، ولكنه جاء نصراً واضحاً عندما اختار الحزب الانحياز للشعب، والتمسك بالمبادئ وليس التنازل عنها من أجل أوهام التوحد في وقت خطأ وبطريق خطأ ومن أجل غاية خطأ. هذا درس هام لمن يريدون انتصار ربيع شعوبهم. الانحياز إلى الشعب والاصطفاف معه هو الحل.

16. مخاطر تصديق استطلاعات الرأي وقت الأزمات
 
استطلاعات الرأي في كثير من دول منطقتنا تستخدم لحرف مزاج الناخب، وقد لا تكون صحيحة على الإطلاق، ويجري ترويج نتائجها ليس من أجل التعبير عن نبض الشارع، بل من أجل توجيهه أيضا. قبل الانتخابات التركية بأسبوعين كشف الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة “جازيجي” التركي لاستطلاعات الرأي إلى تراجع الحزب الحاكم 1.6 نقطة في الانتخابات التي جرت في يونيو الماضي إلى 39.3%، فيم أظهر استطلاع الرأي الذي شمل خمسة آلاف شخص في الفترة بين 12-13 من أكتوبر الجاري، تقدما لحزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي بحصوله على 28.1 % مقابل25 % في يونيو حزيران. الواقع كان يشير لخلاف ذلك بالتأكيد، ولكن تم ترويج هذا النموذج من استطلاعات الرأي بقوة قبل الانتخابات البرلمانية، ومثله كان كثيراً. الدرس المستفادة هو إدراك أن بعض استطلاعات الرأي تكون مدفوعة بتوجهات فئة بعينها، وقد تكون تلك الاستطلاعات أحيانا "مدفوعة الثمن" لتحقيق نتيجة يرجوها من يدفع ذلك الثمن.
 
17. القوى الكبرى لا تريد لدولنا الاستقرار، ولابد من مواجهتها
 
كانت أوربا وأمريكا تسعى بقوة إلى إضعاف العدالة والتنمية بكل طريق ممكن، وذهب الإعلام الأوربي إلى تكهنات بعيدة كل البعد عن نبض الشارع التركي من أجل الترويج لهزيمة قادمة، وإقناع الجميع بحتميتها. فهذه صحيفة "ديلي ميل" البريطانية في خبر لها قبل الانتخابات بأيام تؤكد، أنه من غير المرجح أن يُغيّر الأتراك تصويتهم في أي انتخابات، حتى بعد أن أدّت انتخابات 7 يونيو إلى حرمان البرلمان من حكومة الحزب الواحد ورفعت إمكانية سياسة التحالف. الواقع كان يشير إلى خلاف ذلك، ولكن الإعلام الأمريكي والأوربي استمر حتى ليلة الانتخابات في الهجوم والتخويف حتى من نتائج الانتخابات، واعتبارها كأنها لا تشير إلى شعبية أردوغان بل إلى تسلطه!
 
18. ربط الجماهير بهدف "ميثاق تركيا 2023"
 
أحد الدروس الهامة من الانتخابات التركية، هو أن الشعب عندما يرتبط بهدف طويل المدة، ويرى إمكانية تحقيقه، فإنه على استعداد أن يعطي صاحب هذا الهدف أكثر من فرصة لتحقيقه. كانت الحملة الانتخابية الأخيرة للحزب تربط ما تحقق طوال 13 عاما بما يمكن أن يتحقق إلى عام 2023م، وهو ميثاق تركيا الذي وضعه الحزب كي تحتفل تركيا مع مرور 100 عام على إنشائها بالنهضة والتقدم، وقد يشير البعض إلى أن عام 2023م هو أيضا مرور 100 عام على سقوط الدولة العثمانية، وقد يكون من أهداف الحزب أن يكون هذا الاحتفال في عام 2023م هو احتفالاً باستعادة مكانتها المعاصرة! الأيام كاشفة، ولكن الدرس هام، وهو ربط الشعب بهدف واضح جلي كبير يستحق المغامرة من أجله.
 
19. لا تبحث عن الضربة القاضية دائماً
 
في السياسة ليست الضربة القاضية مع الخصوم السياسيين دائما هي الحل الأسلم، حتى لو توفرت القدرة لها. من المهم أن يبقى الأمل في واقع أفضل، متاحا لكل القوى الوطنية حتى من تختلف معها، ليبقى دائماً الحراك السياسي هو هدف الجميع. المهزوم بضربة قاضية قد يتحول إلى عدو مسلح داخل الوطن! أدرك العدالة والتنمية أهمية ذلك في الانتخابات الأخيرة ناحية الأكراد مثلا. فقد سعى الحزب إلى مد اليد إلى الجناح السياسي داخل الحراك السياسي الكردي، حتى لا ينحاز البعض إلى الخيارات المسلحة، التي أرهقت تركيا طوال عقود مضت. كان من الذكاء السياسي الاجتهاد لإبقاء حزب الشعوب الديمقراطي داخل البرلمان، وليس خارجه لإقناع الأكراد أن التنافس السياسي ممتد، ويمكن عبره وحده التعبير عن المصالح والطموحات. إبقاء الأكراد في المعادلة السياسية، يخدم حزب العدالة والتنمية على المدى الطويل ولا يضره. وهذا ما سعى له الحزب خلال الانتخابات الأخيرة، وكان توفيق الله حليفه، فقد انخفضت نسبة حزب الشعوب الديمقراطي نتيجة الخطاب العنصري الذي استخدمه بعد انتكاسة يونيو، ولكن هذا الانخفاض لم ينزل عن 10% مما أبقاه في البرلمان القادم، وهو الخيار الأسلم والأفضل لتركيا ولأكرادها.
 
20. التغيير طريق طويل وليس مفروشا دائما بالزهور
 
يظن بعض سذج السياسة أنه ما أن تثبت للشعب أنك حريص على مصالحه، وأنك مجيد في عملك، فإنك تستطيع أن تنفذ ما تريد من تغيير، وأن على الشعب أن يسمع ويطيع. هذا وهم يقع فيه مراهقوا العمل السياسي. طريق التغيير طويل، ولا توجد ضمانات لتحقيقه على المدى القصير. من يريد تجديد نهضة شعب ما، عليه أن يعمل وسط حقول ألغام وطرق مفروشة بالشوك. وهذا ما يكتشفه حزب العدالة والتنمية، وهو في طريقه الآن لإحداث أول تغيير حقيقي في بنية الدولة التركية، وأعني بذلك التغيير نحو الدولة الرئاسية، ومحاولة صياغة دستور جديد حر للمجتمع التركي. قد تبدو المهمة سهلة لأول وهلة، ولكن الحقيقة أنه هذه المهمة قد تكون أصعب ما قد يواجه حزب العدالة والتنمية في تاريخ حكمه لتركيا، وقد يكون هذا التغيير هو التغيير الأصعب والأشق والأخطر سياسيا واستراتيجيا في مسيرته. ولا يمكن فهم طبيعة هذا التغيير دون إدراك ماذا يعني تغيير الدستور في تركيا.
 
فعلى مدار القرن الماضي، كان لتركيا 3 دساتير، كتب الأول منها في عام 1921م، ووضعه مؤسسوا الدولة التركية التي قامت على أنقاض الخلافة العثمانية، وكان الدستور يؤسس لشرعية الدولة العلمانية التي انتصرت على الدولة العثمانية وأسقطتها، وبالتالي فقد كان هذا الدستور وليد دولة تتنكر لمزاج المجتمع وهويته بشكل كبير، بل كان دستوراً يرسخ لفكرة إعادة هندسة تركيا اجتماعيا بأن تترك الإسلام، وأن تتنكر لحقوق الأقليات، وأن تنعزل عن فضائها الحيوي مقابل الالتحاق أو الانسحاق مع أوربا. ومع استخدام آلة عنف الدولة، وقهر المخالف، استخدم هذا الدستور لتحقيق خطوات هامة في مسار فصل تركيا عن تاريخها وعن هويتها وعن محيطها. أما دستور 1961م، ودستور 1982، فقد كتب كل منهما عقب انقلاب عسكري، ووضع برعاية العسكر وحماية لمصالحهم ورؤيتهم لعلمانية الدولة التركية. وهذا يعني أنه لم يكتب في تاريخ الدولة التركية أي دستور بناء على استحقاق انتخابي، وراعيا لمصالح المجتمع وهويته. الدستور التركي الحالي، والمعروف بدستور عام 1982، دستور مشوه في أفضل حال، فقد أجريت تغييرات على 45% منه. وأدخلت التعديلات 17 مرة، لتغير 79 مادة من محتواه الكلي الذي يشمل 177 مادة تمت صياغتها بعد الانقلاب العسكري عام 1980م. تغيير الدستور حاجة ملحة يهدف إليه حزب العدالة والتنمية في المرحلة القادمة، ويؤسس له بميثاق تركيا الجديدة (2023). التغيير طريق شاق .. وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية .. فإن الفوز بالانتخابات الأخيرة لا يمثل انتصاراً على طريق التغيير، بل هو في الحقيقة يطلق إشارة انطلاق مشروع هذا التغيير، وسيكون طريقا شاقاً، ولكنه الطريق الأمثل لمستقبل أفضل لتركيا وللشعب التركي وللمنطقة.
 
21. روح التواضع عند الفوز
 
كان من اللافت للانتباه تواضع قادة العدالة والتنمية عند اعلان نتائج الانتخابات، رغم أن تلك النتائج كانت مبهرة. فقد أكد رئيس الوزراء في كلمته بشكل مباشر، أن النتائج لا يوجد فيها منهزم، بل أن كل الشعب التركي هو المنتصر، وأن هذه النتائج هي بداية جديدة لإزالة مشاعر الحقد والكره والضغينة في المجتمع. وكما يؤكد الباحث د. زبير خلف الله، فقد انتهز رئيس الوزراء الفرصة لكي يدعو كل شرائح المجتمع التركي إلى التعاون والتكاتف نحو بناء تركيا الكبرى، والحفاظ على تقدم مشروع الإصلاح الذي تبناه الحزب وسط ظروف تاريخية وتحديات إقليمية ودولية مرتبكة. ويضيف د. خلف الله قائلا: "كان خطاب رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في منصة مقر حزب العدالة والتنمية في أنقرة أمام مناصريه علامة فارقة ومتميزة على تواضع المنتصر أمام المنهزم، كما عكست كلماته البعد الأخلاقي السياسي الذي يتحلى به هذا الرجل وحزبه. وهذا في الحقيقة يجعلنا نحن كنخبة سياسية نعيد فهمنا من جديد لطبيعة الممارسة السياسية ونضعها في سياقها القيمي والأخلاقي دون الدخول في تجاذبات تتجاوز حدود الأخلاق".
 
22. التمسك بالخطط طويلة المدى
 
الازمات لا تعني التراجع عن المبادئ أو لوي أعناقها من أجل تحقيق فوز انتخابي، أو التخلي عن مسارات النهضة طويلة المدى من أجل كبوة أو انتكاسة. هذا الدرس يمكن أن يكون أحد أهم دروس الانتخابات التركية البرلمانية، بعد انتكاسة يونيو. كان من السهل على حزب العدالة والتنمية أن يقوم بالتنازل عن بعض تصوراته للمستقبل من أجل تشكيل حكومة ائتلافية تضمن له النسبة الأكبر من المقاعد النيابية والوزارات. وقد يبدو هذا ــ كموقف نفعي برجماتي ــ أمراً مقبولاً في الحياة السياسية للبعض. لكن حزب العدالة والتنمية أدرك أن التفريط في الرؤية ستكون خسارته على المدى الطويل أكبر بكثير من تحمل انتكاسة انتخابية، والعودة إلى الناخب باستراتيجيات أفضل، وتعديلات تنفيذية وانتخابية أقرب لهموم الناخب، مع الحفاظ على الخطط والمواقف الأساسية للحزب من القضايا. واستجاب الناخب لذلك بتصويت يعتبر تاريخيا في ظل الظرف والسياق والمتغيرات الإقليمية. الصبر والثقة في المستقبل أصل في العمل السياسي الراشد، وليست كمالية أو اختيارية!
 
23. مخاطر تأجيج النعرات العنصرية والعرقية
 
ما فعله حزب الشعوب الديمقراطي من تأجيج للمشاعر الانفصالية الكردية تحت دعاوى "الحقوق" التي تحولت إلى "مطالب"، أشعر الناخب الكردي نفسه بمخاطر تأجيج النعرات العنصرية في وقت الأزمات. كانت المقامرة خاسرة، وأوشكت أن تخرج الحزب من البرلمان، فقد اجتاز العتبة البرلمانية (10%) بالكاد. وأظهرت الانتخابات بشكل لا يدع مجالاً للشك أن تلميع الخارج قد لا يفيد كثيرا مع الصوت الانتخابي الحر، ومع خصم قوي. لقد اجتهدت بعض القوى الدولية المناهضة لتقدم تركيا في تشويه صورة العدالة والتنمية، وإضفاء شكل من أشكال البطولة والإبهار على أداء حزب الشعوب الديمقراطي من أجل زعزعة العلاقات بين المكونين الأساسيين للدولة التركية (العرق التركي، والعرق الكردي)، ولكن الناخب الحر أفسد هذه المكيدة، ولم يستجب لهذه الحملات، بل رأى الأمر على حقيقته، وهو أن النعرات العرقية والعنصرية الانفصالية لا تخدم تركيا، وأن خطاب "الحقوق" أقوى وأبلغ تأثيرا على المدى الطويل من خطاب "المطالب" الذي كان حزب الشعوب الديمقراطي قد بدأ في السير فيه. كذلك خسر حزب الحركة القومية أيضاً الكثير من النقاط، بعد أن تحول خطابه أيضاً إلى خطاب عنصري متعنت من الناحية المقابلة انتصاراً للعرق التركي في مقابل الأجانب الذين لجأوا إلى تركيا، والأكراد الذين يعتبرون المكون العرقي الثاني للدولة التركية. خسارة الحزبين كانت واضحة أن الشعب التركي أدرك مخاطر تصعيد تلك اللهجات العنصرية في الحياة السياسية.
 
24. الاستعداد المبكر
 
يتحدث بعض المراقبين والمحللين السياسيين أن حزب العدالة والتنمية بدأ منذ إعلان الانتصار في الاستعداد للانتخابات القادمة بعد 4 أعوام من الآن. هذه الروح الوثابة التي تفكر دائما في الغد الأفضل لتركيا، هي أحد مفاتيح نجاح هذا الحزب في إدارة تركيا. من اللافت للنظر أنه بعد إعلان النتائج يوم 1 نوفمبر بدقائق، قال أحمد داوود أوغلو رئيس الحكومة التركية: "اليوم هو انتصار لديمقراطيتنا وانتصار لأمتنا .. ثم أضاف في كلمة له أمام حشد من مؤيدي حزبه "العدالة والتنمية" في مسقط رأسه مدينة قونيا: "نأمل أن نخدمكم جيدا على مدى السنوات الأربع القادمة، وأن نقف أمامكم مرة ثانية عام 2019" في إشارة إلى الانتخابات العامة التي ستجري بعد أربعة أعوام. هكذا كان المستقبل حاضراً في خطاب لحظة الانتصار. الترتيب للخطوة التالية درس هام في فهم سر نجاحات العدالة والتنمية المتتالية – بعد توفيق الله بالطبع.
 
25. مخاطر التغني بالإنجازات فقط في دولة شابة
 
أحد الدروس الهامة من انتخابات 2015م، وانتكاسة يونيو البرلمانية التي سبقت الفوز الكبير للعدالة والتنمية، أنه لا يكفي في دولة ناهضة متقدمة أن تذكر للناس الإنجازات التي تحققت لمدة 13 عاماً، فتحصل على ثقتهم للمزيد من العمل. لا يكفي هذا، لما ذكرناه سابقاً من أن هناك جيل كامل بدأ في الدخول للحياة السياسية مؤخراً، لم يعرف سوى حزب العدالة والتنمية في الحكم، وعاش طويلا في إنجازات متميزة ومستمرة ومتكررة، أصبحت بالنسبة له كأنها هي الأمر الطبيعي، لأنه لم يحيا عصور القهر والظلم والفساد السابقة. فمن كان طفلا عندما تولى أردوغان والعدالة والتنمية حكم تركيا من 13 عاما أصبح الآن رجلا .. ولم يعرف سوى التقدم الاقتصادي .. لم يعش فترات الضنك والحرمان التركي، بل لم يحيا في ظل حكم عسكري، والشعوب عموما سريعة النسيان. لذلك من دروس انتخابات أية دولة شابة ناهضة، أن يتم ربط الإنجاز بالمستقبل، وأن تطلعات الشعوب ترتفع مع زيادة الإنجاز، ولا تكتفي بما تحقق. أدرك حزب العدالة والتنمية أن عليه أن يسابق الشعب في مجال التطلعات والإنجازات، وألا يكتفي بما تم، فطريق النهضة لا يزال ممتداً، والشعوب الحرة تبحث عمن يتسارع على هذا الطريق، وليس فقط من أبلى بلاء حسنا في الماضي القريب.
 
26. في السياسة قد لا توجد تحالفات دائمة
 
عندما بدأ حزب العدالة والتنمية مسيرة النهضة والتقدم في تركيا، كان لديه أنصار من داخل وخارج التيارات المحافظة في تركيا، ومن بينها أو أهمها كان تيار "الخدمة" أو ما بات يعرف باسم "الكيان الموازي". ومع الوقت ظهر الخلاف بين الطرفين، وتحول مع الوقت إلى عداوة وخصومة، أكبر من أن يمكن احتوائها داخلياً بين الطرفين. كان قرار حزب العدالة والتنمية أن يتم تقديم مصالح تركيا المستقبل، على العلاقات السياسية أو حتى الفكرية المتقاربة مع ذلك التيار. هذا درس مهم في الحياة السياسية، أنه لا تعلو جماعة على الدولة، مهما كانت قوتها أو قيمتها، ولا تيار فوق الشعب مهما ادعى العصمة أو الخيرية، وأن مصالح المجتمع لا تنصلح بوجود كيانات موازية للدولة، أو دولاً عميقة داخل الدولة، حتى لو بدت تلك الكيانات صالحة. لا يعني هذا التنازل عن المبادئ، أو رفض التعاون مع الجميع، ولكنه يعني أن من انتخبه الشعب يجب أن يفكر أولا في مصالح الشعب، وليس في مصالح فئة أو تيار أو جماعة، وأن النجاح الحقيقي يعني التركيز على الأهداف، وعدم لوي أعناق المبادئ لخدمة تيار ما، حتى لو كان التيار الأقرب لمن يحكم.
 
27. مواجهة صامتة بين "تدين التيارات" وبين "الصلاح العام"
 
يشير الحراك السياسي في تركيا في الأعوام الأخيرة، إلى وجود صراع مكتوم، يمكن التعبير عنه بأنه مواجهة صامتة بين "الجماعة الصالحة في مقابل الأمة الصالحة" .. وبين الشخص "الإسلامي المرتبط بجماعة، في مقابل الرجل الصالح المرتبط بالشعب". هذا الصراع أو المواجهة الصامتة ليست فقط في تركيا، بل إنها حقيقة موجودة بعمق في واقع ثورات الربيع العربي أيضاً، وهي كذلك أحد الإشكاليات المعاصرة في العمل السياسي المسلم. تشير الانتخابات التركية بوضوح إلى أن الشعوب غالبا سوف تنحاز إلى الرجل "الصالح" في مقابل الرجل "الإسلامي"، بسبب التشويه المستمر للجماعات من قبل خصومها، وبسبب أفعال القلة من أبنائها. كما أن هناك تصاعد واضح لمزاج الصلاح العام، والذي يواجه بصمت مزاج الجماعات. أعلم أن القراء من الإسلاميين ومن أبناء الجماعات سيزعجهم هذا الدرس، وقد لا يوافقون علهي، ولكن الواقع يشير بلا أدنى شك إلى حدوثه، حتى وإن كان فيه بعض الظلم أو كثير منه لقيمة وعطاء الجماعات وكوادرها. ليس هدف هذا البحث دغدغة المشاعر، والابتعاد عن فهم تغير الواقع المحيط، بل إن القيمة الرئيسة لمثل هذه الأبحاث أن تتحدث عن المسكوت عنه، وتوضحه للقراء، ليس لإرضائهم، وإنما لفهم طبيعة ما يحدث حولهم. سيتطور هذا الانحياز الشعبي غالبا، وقد ينتج عن هذا الصراع خصومة مؤقتة بين الطرفين، ولكنها غالباً ستحسم في تركيا، وفي الوطن العربي كذلك لصالح الرجل "الصالح" مقابل الرجل "الإسلامي"، ولصالح "التدين والصلاح العام"، في مقابل "التحزب" في الجماعات. أكرر أن هذا سيزعج بعض من ينتمون للجماعات في وطننا العربي والمسلم، ولكن الواقع يشير إلى الانحسار "السياسي" للجماعات رغم أهميتها وعطائها وقيمتها الدعوية. الواضح كذلك أن الشعوب ستميل إلى منح الأفراد وليس الجماعات، فرصاً للحكم والتأثير، وأن هناك حساسية متزايدة، لوجود أي كيان مواز للدولة، لا يخضع لنفس قواعد الحياة السياسية، التي يرتضيها الشعب.
 
28. سؤال الهوية وعدم إغفاله مستقبلا
 
أكدت الانتخابات البرلمانية، ودرجة الاستقطاب التي سبقتها، أن سؤال الهوية بشقيه في تركيا (الدين: إسلامي – علماني) و(العرق: تركي – كردي) هو سؤال لا يمكن تجاوزه أو تجاهله في المرحلة القادمة من مستقبل تركيا، ولا يمكن كذلك التعامل مع هذا السؤال الخاص بالهوية عبر العبارات الفضفاضة أو العامة. حاول حزب العدالة والتنمية تغليف خطاب "الهوية" ضمن خطاب "الحضارة"، وتحويل الخطاب السياسي الغامض في هذه المسألة، إلى خطاب حضاري أكثر وضوحاً. الانتخابات الأخيرة توحي أن هذه المقاربة لن تكون كافية أو مقبولة. الشعب يبحث إجابات قاطعة ونهائية في هذه المسألة وفي هذه المرحلة، وليس عن تطمينات سياسية أو حضارية. في أحد خطابات أردوغان المؤثرة ذكر ما يلي: "تماما كما أن مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقاهرة، والإسكندرية، وبيروت، ودمشق، وديار بكر واسطنبول وأنقرة هم أخوة لبعضهم البعض، فليعلم العالم وليفهم أن رام الله ونابلس وأريحا ورفح وغزة والقدس هم أيضا أخوة. وكل قطرة دم تسيل في هذه المدن هي من نفس الدم الذي يتدفق في عروقنا. وكل نفس تزهق في هذه المدن هي جزء منا. كل دمعة تسيل هي من دموعنا. لا ينبغي إساءة تفسير الصمت الذي ساد في أرجاء هذه المنطقة لقرن تقريبا. وليعلم الجميع أنه عاجلا أو آجلا، سيحاسب القتلة على ذبح الأطفال الأبرياء في غزة بوسائل غير إنسانية". هذا الخطاب نموذج لتغليف سؤال الهوية ضمن سياق سياسي حضاري عام. لن يقبل الأتراك كشعب من حزب العدالة والتنمية مثل هذا الغموض السياسي في سؤال الهوية في المرحلة القادمة. الدرس الهام، أن بعض المشكلات الرئيسة في حياة الشعوب تحتاج إلى مواجهة مباشرة في لحظات التقدم والنهضة، ولن يكفي فيها التعميم والغموض البناء، حتى وإن كان مفيداً في مرحلة سابقة من الحراك السياسي للحزب.
 
29. السياسة محلية .. السياسة الخارجية ليست محورية في قرار الناخب
 
تعود الانتخابات التركية البرلمانية لتؤكد حقيقة هامة في حراك الشعوب. السياسة شأن محلي، والسياسات المحلية أهم للناخب كثيرا من السياسات الخارجية عندما تحين لحظة الانتخاب. فرغم أن القوى الخارجية عمدت إلى تشويه الواقع التركي، وحاولت توريط السياسة الخارجية التركية في مطبات أخلاقية وسياسية واستراتيجية، إلا أن الناخب التركي كان تركيزه الأكبر على السياسات المحلية، وعلى الحراك الاقتصادي، وعلى استقرار الوطن، وعلى فرص النمو الاجتماعي والمعيشي. لذلك اختار حزب العدالة والتنمية، رغم إدراكه لحجم المؤامرات التي يتعرض لها الحزب خارجيا، وكذلك رغم إدراك الناخب إلى أن الحزب قد تعثر في الأداء في بعض القضايا الإقليمية والدولية، ومنها على سبيل المثال ملف سوريا، وملف الثورات العربية، وملف الالتحاق بالاتحاد الأوربي، وغيرها من الملفات التي روجت المعارضة التركية وضخمت من كل تعثر في هذه المجالات. قرار الناخب التركي كان واضحاً: السياسة المحلية التنفيذية أهم لديه من السياسة الخارجية.
 
30. أهمية الثقة بالله
 
هذا الدرس وضع بنهاية البحث ليس لأنه الأقل أهمية، بل لأنه يختصر جوهر المواجهة وحقيقة الانتصار، لمن يدرك حقيقة الصراع على مصالح شعوبنا. كان شعار حملة الانتخابات للعدالة والتنمية هو "هيا .. باسم الله". كان هذا الشعار هو الشعار الأول الذي اختاره رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو وفريق حزب العدالة والتنمية شعاراً لحملتهم الانتخابية. اعترض حزب الشعب الجمهوري (الليبرالي)، واتهم العدالة والتنمية باستخدام الدين كشعار في الحملة الانتخابية، واستجابت المفوضية العليا للانتخابات، وقررت منع الشعار. كان دفاع حزب العدالة والتنمية، أن الشعار مرتبط بجذور الدولة التركية، وكان يستخدم شعارا للجيش العثماني في المعارك "هايدي .. بسم الله" أي .. هيا باسم الله. تم منع تداول الشعار أثناء الحملة، ولكنه كان الشعار المفضل لحظة الفوز، ولا يملك أحد أن يمنع المؤيدين للنصر من الهتاف به. هذا الاعتزاز التلقائي للأغلبية المحافظة في المجتمع التركي، يجب أن يحترم حتى بين من يعتنقون الليبرالية، التي من المفترض أنها تدعم حرية الاعتقاد، وحرية التعبير عنه أيضاً!
 
الخلاصة:
 
قد يكون في الانتخابات البرلمانية التركية دروسا أخرى أهم. هدفنا لم يكن الحصر، ولكن لفت النظر إلى مجموعة من المشاهدات والدروس والفوائد التي يمكن أن تعين السائرين على درب الحرية في أوطاننا للاستفادة من خبرات وانجازات من يسيرون على نفس الدرب. ولعل الأعوام القادمة أن تضيف إلى تركيا دولا عربية وإسلامية أخرى، تنطلق على طريق النهضة والتقدم وخدمة شعوبها، دون التخلي عن هويتها، ودون الانعزال عن العالم المحيط، وقد نتعلم حينها دروساً أخرى من تركيا، وقد تتعلم تركيا منا أيضاً يوماً ما. وإن غداً لناظره لقريب.

أخبار ذات صلة

ماذا لو وقع تمرد وأرادت طائفة أو أقلية  «دينية /مذهبية /عرقية / قبلية»أو غير ذلك الانفصال وإنشاء وطن خاص على غرار ما وقع في السودان  من إنشاء دو ... المزيد

أقام أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الإثنين، بالديوان الأميري في العاصمة الد ... المزيد

استهداف ناقِلات النفط العِملاقة في ميناء الفُجيرة الإماراتي، فجر الأحد ، السابع من شهر رمضان الحالي، الموافق للثاني عشر من مايو ..قد يجعل من ذلك التا ... المزيد