البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أكراد سوريا أصدقاء الجميع وأعداء تركيا

المحتوي الرئيسي


أكراد سوريا أصدقاء الجميع وأعداء تركيا
  • حسن أبو هنية
    21/02/2016 01:27

في رحلة البحث التاريخية المضنية عن هوية سياسية كردية تتأسس على جغرافيا واقعية تستكمل مشروع الأمة الكردية المتخيلة، وفرت المسألة السورية فضاء واسعا لتحقيق الحلم الكردي بكيان سياسي مستقل، وعلى الرغم من التحديات والصعوبات والتعقيدات المحلية والإقليمية والدولية إلا أن الظروف الموضوعية الراهنة عملت على تسهيل إمكانية تحقق المشروع الكردي مع إرهاصات تفكك منظومة "سايكس ــ بيكو"، فقد تمكن الأكراد من نسج علاقات مع القوى الدولية الكبرى وتقديم أنفسهم كشركاء موثوقين في "الحرب على الإرهاب"، وبهذا يتحول أكراد سوريا من حلفاء موضوعيين إلى أصدقاء دائمين.

رحلة الكرد ومغامرتهم الكبرى لتحقيق الكيان الكردي استندت إلى قراءة سياسية براغماتية فجة للصراع والنزاع الإقليمي الدولي في سوريا، فقد بدا الكرد كتلاميذ نجباء للفيلسوف السياسي والقانوني الألماني كارل شميت، والذي تقوم نظريته السياسية على أساس التمييز بين الصديق والعدو، وهو التمييز الذي يعتبره العنصر الحاسم في تحديد ماهية السياسي، والمعبّر عن الدرجة القصوى في الانشقاق الذي تكون أسبابه أو رهاناته متعددة المستويات، دينية واقتصادية واجتماعية أو إيديولوجية، حيث تتعاظم لتبلغ درجة من الحدة والكثافة تؤدي، بالضرورة، إلى الفصل بين الصديق والعدو، أي حدة صراعية قوية جدا تقود إلى أفق القوة ورهانها وتطرح الإمكانية الوحيدة، كما هي مجسدة في الحرب.

في سياق تحديد العدو والصديق، بات الجميع صديقا للكرد أما العدو فهو تركيا وحدها، وعلى الرغم من محاولة تركيا خطب ود وصداقة الأكراد إلا أن ذلك لم ينجح بعد أن حسم الأكراد خياراتهم السياسية باتجاه الأطراف التي تتفهم حلم "روج آفا"، وهي ترجمة حرفية لكلمة غرب كردستان، وتطلق على الجزء الكردستاني الواقع في سوريا، حيث عملت الفصائل الكردية على نقل المشروع من حيز الإمكان إلى الواقع بهدوء بعد معركة عين العرب "كوباني"، التي برزت كنموذج ناجح لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بالاعتماد على قوى محلية بإسناد قوات التحالف الدولي، الأمر الذي أغرى القوات الكردية المموهة ببعض عناصر الجيش الحر لتطهير المناطق الواقعة تحت سيطرته من المكونات الإثنية والعرقية الأخرى من خلال حملات التهجير لكل مكون غير كردي من العرب والتركمان والآشورين وغيرهم، تحت ذريعة محاربة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية.

لم يعد المشروع الكردي في سوريا سرا، فالخريطة المبدئية لـ"روج آفا" أصبحت قيد العلن، فعندما افتتحت في العاصمة الروسية موسكو أول ممثلية لـ "الإدارة الذاتية"، التي يتزعمها حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، بقيادة صالح مسلم، في 10 شباط/ فبراير، صرح ممثل الحكومة الروسية خلال الافتتاح بأن "هذا الحدث يعتبر تاريخيًا للكرد"، حيث ستلعب الممثلية دورا مهما في الحل السياسي للكرد في المنطقة، متمنيًا أن تكون ممثلية "غرب كردستان" مجرد بداية لافتتاح ممثليات أخرى وفي دول أخرى، وقد ضمت الخارطة التي وضعت في ممثلية "الإدارة الذاتية"، معظم محافظة الحسكة والأجزاء الشمالية من محافظة الرقة، ومعظم المنطقة الشرقية والشمالية من محافظة حلب، وصولًا إلى الريف الشمالي والغربي في إدلب.

يبدو أن الأكراد على معرفة بطبيعة الدور المطلوب منهم القيام به وحدوده، لكنهم يدركون حاجة أطراف الصراع الدولي لهم، فالولايات المتحدة حسمت خياراتها بالتحالف مع من يقاتل تنظيم الدولة الإسلامية حصرا، وعلى مدى خمس سنوات وجدوا ضالتهم بالإكراد، وروسيا تدرك بأن مهمة الحفاظ على نظام الأسد يتطلب تأمين الحدود الشمالية لقطع إمدادات المعارضة السورية من تركيا، وهي مهمة يصعب تحقيقها بدون الأكراد، كخطوة أولية ضرورية قبل الانخراط في معركة حلب والاطباق على "جيش الفتح"، ومكوناته الأقوى جبهة النصرة وأحرار الشام، فاستعادة السيطرة على مدينة حلب ومحيطها تتطلب إغلاق الحدود التركية لوقف تلقي الثوار الدعم اللوجستي، ولا يمكن القيام بهذه المهمة بدون الأكراد الذين بات مشروعهم يقوم على ربط جيوبهم الحدودية الشرقية بين عفرين وكوباني ضمن أراض"روج آفا"، وبهذ بات واضحا أن "حزب الاتحاد الديمقراطي" يجمع في تحالفاته بين أمريكا وروسيا والأسد.

استثمر الأكراد جيدا في كافة الأطراف ودفعتهم إلى مواجهة قرارات صعبة، فخيارات الولايات المتحدة وحلفائها باتت تنحصر إما الحفاظ على الحظر المفروض على التوسع الكردي أو دعم مساعي "حزب الاتحاد الديمقراطي" لضم عفرين إلى كوباني، وروسيا وحلفائها انحصرت خياراتها وبات الأكراد الشريك الوحيد لتأمين سوريا لمفيدة، فالأهداف الروسية الأهم في سوريا تتمثل بالحفاظ على نظام بشار الأسد وتوسيع وجودها العسكري على ساحل البحر المتوسط، ويمكن تحقيق هذه الأهداف حتى لو لم تكن دمشق وحلفاؤها قادرين على استعادة الأراضي خارج معاقل العلويين.

تكشف مسارات الأكراد في تحديد منظومة الأصدقاء والأعداء عن كون تركيا تقع في خانة "العدو"، فعلى الرغم من مساعدة تركيا للأكراد في معركة كوباني، والتفاهمات مع حزب الاتحاد الديمقراطي بالالتزام بعدم التمدد إلى حدود تركيا، إلا أن تركيا تتعرض لهجمات كردية داخليا وخارجيا، حيث نفذت مجموعة تعرف بـ"صقور حرية كردستان" هجوما عبر تفجير سيارة مفخخة في 17 شباط/ فبراير الماضي، بوسط العاصمة التركية أنقرة أسفر عن مقتل 28 شخصا، بينهم 27 عسكريا، وإصابة 81 آخرين، وقد ظهرت "صقور حرية كردستان" عام 2004، عقب الانشقاق عن حزب العمال الكردستاني بعد أن أعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد، وكان رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، قد اتهم وحدات "حماية الشعب" الكردية بالوقوف وراء التفجير، وبالرغم من نفي الحزب إلا أن هذه الحركات الكردية متضامنة في عدائها لتركيا وهي سلالات من حزب العمال الكردستاني.

على مدى سنوات الثورة السورية ارتهنت تركيا لسياسات الولايات المتحدة وتقلبات قراراتها، ولم تتعامل مع أهواء السياسة الأمريكية بقرارات عملية كافية، واكتفت بمراقبة السلوك الأمريكي بالانتقال من خانة أصدقاء الشعب السوري إلى براغماتية الأقليات الإثنية ومبرراتها العملية، وكان عليها أن تقرأ جيدا تطورات العلاقات الأمريكية الكردية، والتي أسفرت في 12 تشرين أول/اكتوبر 2015 عن تشكيل جديد تحت اسم "قوات سوريا الديمقراطية"، فالتسمية الأمريكية عمدت إلى التعمية على التوجهات القومية والإيديولوجية للقوة الجديدة التي تتمتع بعلاقات مع النظام السوري وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني وسلالاته العديدة، أمثال "قوات الحماية الشعبية"، وهي قوات كردية تابعة لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي"، و"قوات حماية المرأة" وهي فرع من قوات الحماية الكردية، أما بقية القوى المشاركة ضمن"قوات سوريا الديمقراطية" فهي فصائل تجميلية من أقليات إثنية ومجموعات قبلية أمثال "قوات الصناديد" وهي ميليشيات عشائرية يقودها حميدي الدهام، شيخ عشيرة شمر، و"المجلس العسكري السرياني"، و"غرفة عمليات الفرات"، وتجمع ألوية الجزيرة".

تتمتع "قوات سوريا الديمقراطية" بدعم أمريكي روسي كامل، وهي تتقدم بثبات تحت غطاء جوي مشترك، حيث تمكنت من السيطرة على منطقة الشدادي في 19 شباط/ فبراير الماضي، بعد عملية عسكرية واسعة نفذت من محورين، بقطع خط الإمداد الرئيسي لعناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" من العراق، وقد استفاد "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"قوات الحماية الشعبية" من الضربات الجوية الروسية، لتوسيع رقعة انتشارهما في سوريا على حساب جماعات الثوار السورية الأخرى المدعومة من تركيا.

خلاصة القول أن الأكراد في سوريا أمام لحظة تاريخية حاسمة تساعد في تأسيس كيان كردي يحقق حلم "روج آفا"، وهم يدركون جيدا جاجة القوى الكبرى لدورهم الحيوي، فأمريكا وضعت ثقتها بهم كحليف موثوق في التصدي لتنظيم "الدولة الإسلامية"، وروسيا اعتمدتهم كحليف للحفاظ على نظام الأسد وحصار قوى الثورة السورية، وبهذا فإن الشروط الموضوعية أصبحت ناجزة لتدويل القضية الكردية، أما تركيا فتبدو خياراتها صعبة، فهي تسعى إلى بناء صداقات في محيط كثر فيه الأعداء، ولا ترغب يقلب المعادلات عبر إعادة التموضع وتعريف الصراع باعتباره حربا على السنة، فلا يزال جيشها يحرس علمانية تجاوزها الزمن.

أخبار ذات صلة

يرى قطب -غفر الله له- أن الأحكام الفقهية، خاصة المتعلقة بتنظيم المجتمع الإسلامي، لم تنزل في فراغ، وإنما جاءت لتنظيم الحركة داخل هذا المجتمع ا ... المزيد

لم يعد التباين بين أجندتي الأزهر والحكومة خافياً بعد حفل المولد النبوي !

فحيث يعطي النظام أولوية لمحاربة التطرف "الديني ... المزيد

فرض النظام السوري القمعى ومجموعات إرهابية موالية لإيران، منذ أسبوع، رفع الآذان على المذهب الشيعي، بمناطق سي ... المزيد

تعليقات