البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

أسباب الإنصراف عن كتاب الله والتدبر فيه

المحتوي الرئيسي


أسباب الإنصراف عن كتاب الله والتدبر فيه
  • عمر محمود "أبو قتادة"
    20/10/2015 01:11

مقتطفات من تفسير سورة "العنكبوت"
قوله تعالى: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ"
 
هذه عِدَّة المؤمنين في رحلة الإيمان المُلتهبة بالمِحن والفتن والابتلاءات لا يصمد معها وفيها إلا بهذا الغذاء العظيم وهو كتاب الله تعالى، ففيه مددهم ونورهم وهدايتهم، ولا يقع الناس في ظلمات البدع ولا يتساقط النّاكبون عن الطريق إلا بتَخلّيهم عن الكتاب وتلاوته، ولو رَصَدْتَ السِمة الجامعة لأهل البدع قديمًا وحديثًا، ولو قرأتَ أحوال المُتهافتين كالفَراش عند المُلمّات والابتلاءات لرأيتَ أن صِفَتهم الجامعة هي ترك الغذاء اللازم لتقوية إيمانهم وثباتهم وعلومهم وهو القرآن الكريم، وسبب الإعراض عن كتاب له عند هؤلاء القوم له وجوه؛ فمنهم من يعتقد أن القرآن ليس فيه العلوم اللازمة لنوازل عصرهم، وشأنهم في هذا هو شأن أهل البدع قديمًا الذين كانوا يقولون بأن الخطاب القرآني خطاب إنشائي يصلُح للعوام ومادَّة للقلب، وأما ما يلزمهم فهو الخطاب البُرهاني وهو مادة العقل، وأشباه هؤلاء اليوم كثير، 
 
فالقرآن عندهم كتاب أحكام شرعية - على أحسن ما يقولون -، أمَّا أنه كتاب الحياة في كل مواقفها ومنعطفاتها وهو الكتاب الهادي للإنسان لكل نَوازِله النفسية والاجتماعية والدعوية والسياسية فهذا ما لا يعتقدونه! بل ترى الذكي فيهم يستمد المَعالم التربوية والنفسية والسياسية من مصادر أهل الجاهلية، هذا مع رفعهم شعار الانتماء للسلف، دون أن يُبصروا منهج الصحابة في هذا.
 
وإن شئتَ أن ترى عناية الأمة المسلمة اليوم بكتاب الله فانظر إلى عدد المُتفرِّغين من أهل العلم في مساجد المسلمين يشرحون للناس كتاب الله تعالى، ويحببونهم فيه ويكشفون لهم دُرَره ومعانيه، وإن شئتَ المقارنة فانظر اليوم إلى عناية الناس ببعض العلوم والتي هي أشبه بأعمال البرمجة والكَتَبَة مما يُسمّيه البعض - زورًا - بـ«عِلم الحديث» وقارن بين هذه الجهود والكتب بما يُكتب من علوم مُستنبَطَة من كتاب الله تَحُلُّ مشاكل ونوازل المسلمين في الواقع من حقائق وأفراد وجماعات وحكومات. 
 
وإن من أسباب الانصراف عن كتاب الله مزاعم الظاهرية القديمة والحديثة أن القرآن والسنة سواء، بل هناك من يعتقد أن السنة أبلغ في الدلالة على الأحكام من الكتاب، وهذا الاعتقاد يؤدي لزومًا إلى الذهاب للأبلغ، ولهذا تَجِد عناية البعض بالسنة شرحًا أكثر من عنايتهم بالقرآن تفسيرًا، هذا مع الإقرار أن الجهود التي تحتاجها السنة في باب التوثيق أكثر مما يحتاجه كتاب الله لوجود الخطأ والكذب في السنة دون الكتاب، وأن مَرْتَبتها تالية في الثبوت والدلالة كما يَعرف هذا كل من قرأ أقوال الصحابة في هذا الباب.
 
كان عناية ما يُسمّى بالصحوة الإسلامية أكثر مما هي عليه الآن، لكن النظر في القرآن واستنباط معانيه يحتاج إلى شروط في العقل والنظر أشد مما يحتاجه الناظر لغيرها، ولذلك قد تجد الكثيرين في علوم الآلة أو ما يُسمّى بالفقهاء لكن أهل تفسير القرآن قليلون. أمّا عناية العاملين لدين الله تعالى بتلاوة القرآن الكريم والاجتهاد في حفظه على ما كان عليه الصحابة والتابعون فإنك لا تكاد تجد المُذاكرة بين الناس في هذا الباب، فأين ما كان يُذكر عن العلماء والعابدين والمصلحين من تحزيب القرآن والقيام به وإطالة الصلاة فيه؟ بل لعلك تجد من يُسمّى بـ«المُفكّر الإسلامي» هو أقلُّ الناس نظرًا في كتاب الله، وهو أقل الناس تعبُّدًا وإخباتًا، ومثله السياسي الإسلامي.
 
وكذلك من أسباب الإنصراف عن كتاب الله تعالى والتدبر فيه، انتشار مَقولة أن علم التفسير قد احترق، أي: قد جفَّ القلم فيه، وهذه يقولها الكثيرون اليوم على جهة التسليم لها، بل إن بعضهم قد سطّرها في كُتُب علمية تُدَرَّس للطلبة المبتدئين، ولمّا كان هؤلاء لا يُفرِّقون بين التفسير بالأثر وبين تدبر القرآن، وكان التفسير بالأثر أغلبه يتعلق بأسباب النزول أو بشرح المفردات وبيان معانيها التي لا يعلمها الناس، كان قولهم هذا، وكأن التفسير بالأثر - وهو ما خطّهُ الأوائل - يقضي على وجود التدبر وإحياء كتاب الله لحل نوازل الواقع ومشكلاته.
 
وما يُسمّى بالصحوة الإسلامية اليوم أغلبها يرفع شعار الأثر والعودة إليه، مع أن هذا مجرد شعار لا حقيقة له إلا في حقيقة واحدة وهي أن هؤلاء الرافعين لهذا الشعار إنما يعنون به إحياء حُروب الذاهبين التي قضى على أكثرها وذهبت مُبرراتها، وينسون معارك الإسلام العُظمى التي تقوم اليوم على إزالة الوجود الإسلامي كله أو محو معانيه على وجه ما حصل للأديان السابقة، ليتحول إلى شعار فقط مع محتوى شِركيّ جاهلي، وهي مهمة يقوم بها من يُسمَّون بـ«المُجددين الجُدُد» وبعض الناظرين لهؤلاء الرافعين لشعار الأثر لمّا رأوا تقليدًا سيئًا تحت دعوى الاجتهاد، أي أنهم لم يحيوا الأثر ليحلوا وقائع العصر ونوازله بل أَحْيوا معارك السابقين وآثارهم، ذهبوا إلى نوازل العصر بغير عِدَّة الكتاب والسُنّة بل بعمومات لا تصلح للمعارك، فالْتقوا مع الجاهلية بتفاصيلها وإن اختلفوا في أصل المرجعية، فهم يدعون بدعوات الجاهلية تحت ستار اسلامي، ويسمون هذا تنويرًا واعتدالًا.
 
بهذا الافتراق صار الناس إلى قسمين:
- أثريون يحاربون قضايا فرعية أو ذاهبة؛ يزعمون الانتساب للسلف.
- عصريون يذوبون في قيم الجاهلية؛ يزعمون التجديد والمعاصرة.
وكلاهما للأسباب المُتقدِّمة لا يرى في القرآن الهَدْي اللازم له، إذْ الأول إنما يستخدم أدلَّة القدماء في معاركهم القديمة، والثاني لا يعتقد في القرآن إلا أنه كتاب عمومات لا تصلح لحل المشاكل الشائكة التفصيلية لوقائع عصره وزمانه.
 
ومن أسباب هذه الدعوى العجيبة أن "تفسير القرآن نَضَج واحترَق" هو أن الناظر لمناهج التفسير يجدها في ظنه قد استوعبت العلوم، فهناك التفسير الفقهي واللغوي والأثري وغيرها، فيحسب هؤلاء أن هذه موضوعات القرآن، إذْ قد بين فيها وجوه الاختلاف، وتعدد الأقوال، والقرآن في حقيقتها أعظم من ذلك، إذْ هو منهج الهداية لوقائع الناس ونوازلهم، وهو مرأة وجودهم كما قال تعالى:" لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" ومن تعامل مع القرآن على هذا المعنى وهذا الهدى فإنه سيرى أن أحق العلوم التي يجب إحياؤها في الأُمَّة تفسير القرآن، وأن أحق ما يجب على الدعاة والعاملين والعلماء أن ينظروا فيه هو القرآن؛ لأنه وصية رسول الله لأمته فهو آخر ما دعاهم إلى الاعتناء به، ومَنْ فَهِم هذا عَلِمَ كيف عجز الصحابة عن فِهْم ضلال هذه الأمة وفيها كتاب الله، ولو رأوا حالنا لفهموا كيف وقع هذا، إذْ أن أعظم الناس دعوى أن لا صلاح للأمة بكتاب الله هو من يظن أن المقصود بذلك إعمال أحكامه الشرعية الفقهية على المعنى الاصطلاحي، وهذا حق ولكن الأمر أعظم من ذلك، وهداية القرآن أجلُّ من اقتصارها على هذا المعنى.
 
هذا مع التلاوة التي أمر الله بها هي تلاوة التدبُّر والتَمَعُّن؛ لأن الله عابَ على أهل الكتاب اقتصار علومهم للكتاب على القراءة فقط فقال عنهم: "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ " أي: قراءة حروفه دون التدبر في معانيه، لكن كيف لعاملٍ لدينِ الله تعالى أن يفقه معانيه وهو لا يأتي كتاب الله إلا هجرًا.
 
إن الناظر لسيرة العلماء القدماء ليرى أن مما هو مذكور في تاريخهم وخصالهم تحزيبهم لكتاب الله تعالى، فهذا يقرؤه في أربع كابن جرير الطبري، وهذا يقرؤه في سبع كأحمد ابن حنبل، وهذا يقرؤه في عشر كابن تيمية، وهكذا كان هذا مما يحضُّون عليه ويتذاكرون به، فهل ترى هذا اليوم في أهل العلم والدعوة والعمل لدين الله تعالى؟
والنبي يصف الجوف الذي لا قرآن فيه بالبيت الخَرِب؛ فهل للبيت الخَرِب أن يهدي صاحبه أو يهدي غيره؟
قد يقول قائل: هذا جانبٌ تعبُّدي خاص بين العبد وبين ربه، واللازم لتحقيق الوعي والفكر الصحيح هو النظر إلى الجانب العلمي.
 
فيقال لهؤلاء: ياللهِ كم أفسدت هذه المقولات دين الناس، وكم تشرَّب مُخنَّثو الفِكر أديان الجاهلة دون وعيٍّ وإدراك، إذْ لو فَقِهَ هؤلاء معنى العلم في دين الله -تعالى- لمَا قالوا هذا القول، ولو علموا أن العلم الممدوح لا يكون كذلك إلا بما يعطيه من هداية وتوفيق وإخبات وعبادة لمَا صرخوا هذه التُّرَّهات والجهالات، فأي علم مزعوم هذا لا يُحبب المرء بكتاب الله، وأيُّ علمٍ يظنه هؤلاء ولا يُقيم أرجلهم لأعمال الصالحين من صلاةٍ وقيامِ ليلٍ وكثرة ذِكر.
 
نعم، تُقال هذه التُّرَّهات ثم يتساءلون: لِمَ نَصَر الله الصحابة وهزمنا؟ ولِمَ وَفَّق الصحابة لكل خير وحرمنا؟ ولِمَ كثر الكلام اليوم وقلَّ العمل؟ وكم صَنَعت المناهج الجميلة المزخرفة لإزالة غربة الإسلام ولم نجني منها إلا زخارفها وجمال صورها؟
 
أمّا إن شئت أن ترى واقع الجماعات الإسلامية وهداية مناهجها فانظر إلى حال المبتدئ فيها وحال القائد، فإنك ترى - إلا من رحم ربي - ظنه كلما ارتفع الرجل فيها، وارتقى مناصبها قلّتْ عنايته بالقرآن والنظر فيه، فما يُسمى بالقواعد فيها هم في دينهم خير من قيادتهم، ترى هذا في مرتبة الاعتناء بالصلاة والجماعة والهَدْي الظاهر وقيام الليل، وقراءة الحديث ومعرفته، فكلها تكشف لك الفرق في تديُّن الناس ومراتبهم فيه، هذا مع أن كثيرًا من الأحزاب اليوم لو قيل لها: إن من هَدْي الصحابة تَوْلية القُرَّاء وتقديمهم. لاستهزؤوا بذلك؛ لأنهم يظنون أن أمر القُراء للتعبد، وما هم إلا "دروايش" مساكين، ومثل هؤلاء لا يصلحون لشأن الحياة، ويُبرهنون على مقالاتهم هذه بأن هؤلاء العباد ومتشجون! وهذه عندهم صفات الغباء، بخلاف أمر القيادة فإنه يحتاج إلى الدهاء والمكر والخديعة والتي يسمونها السياسة في خطابهم، ويؤيد مذهب هؤلاء القوم هو عدم فقه القراء اليوم بالقرآن، وعدم اعتنائهم بمعانيه التي يحتاجها المسلم في دعوته وحياته ومواقفه، ولكن بَدَل أن تُعاد الحياة للقلوب بهذا القرآن ودوائه، وبَدَل أن تُزال الغشاوة عن القلوب في فَهْم القرآن والتعامل معه ذهبوا مذاهب شتى - كما قدَّمنا -، فكان الأمر إلى ما وصلنا إليه من انحرافٍ داخلي، وهزيمة في ميادين الحياة.
 
وإني - بفضل الله تعالى - طفتُ مذاهب اليوم كلها، علمًا وتَقَفُّرًا لأحوال أهلها ورجالهم فلم أرَ وصف أهل القرآن والقُراء اليوم على معنى الأوائل يُطلق إلا على أولئك الفتية الذين دخلتهم العيون، واحتقرتهم نفوس مدّعي الفكر والسياسة، لكنهم يصنعون التاريخ، ويبنون لأنفسهم قصور الخُلْد في دار الجنان، فاللهم ألحقنا بهم وبلِّغنا مراتبهم وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ولولا أن الأمر عند الله أمر حقائق، ولولا أن هذا الدين اتباع قبل كل شيء لمَا سبقنا الناكبون عن الحق في شيء، بل - بفضل الله - إن المرء ليَعْلَم أكثر مما يعلمون، وله لسانٌ وقلم لو أراد به مرادهم لحسّن الباطل وآراء الجاهلة أكثر مما يعلمون، لكن الأمر يوم القيامة على قال تعالى: وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ.

أخبار ذات صلة

محاولة بعض الفصائل الجهادية استدعاء الخطاب السياسي السلطاني المؤول بدلا من إحياء الخطاب السياسي القرآني المنزل؛ لتبرير التغلب في ساحات المزيد

في خطوة هي الأولى من نوعها، كلفت إدارة المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، الدكتور عبدالله السويدي، ... المزيد