البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

أساليب مراكز القوى المالية الصهيونية فى حكم العالم

المحتوي الرئيسي


أساليب مراكز القوى المالية الصهيونية فى حكم العالم
  • محمد عدس
    31/12/1969 09:00

"فارْبِـِنْ فى ألمانيا و رُوكفِلَرْ فى أمريكا ، كيف تعانقا..؟" مقالة كانت مدفونة فى أرشيف منسيّ عندى، أذكر أنها نشرت منذ سبعة أعوام ، وكانت واحدة من سلسلةٍ مؤلّفةٍ من ١٤ مقالة ؛ تلخِّصُ دراسة طويلة ومُضْنِيَة استغرقت ثلاثة أعوام من العمر، حاولت فيها الكشف عن الجذور الحقيقية والأساليب المعقّدة التى اتخذتها حفنة من الأسر الصهيونية للسيطرة على الثروة والسلطة فى العالم، من أمثال أسَرِ: "روكفلر ، وروتشيلد ، وجى بى مورجان ، وآي بى فاربن" وغيرها من الأسر ، فى حكم العالم .. والسيطرة على الحكومات والشعوب..

وهذه هي المقالة لمن أراد أن يكتفى بها ليعرف شيئًا من أساليب مراكز القوى المالية والصناعية [الصهيونة] فى حكم العالم:

دار النقاش فى الإعلام العالمي دائما حول "آى. جى. فاربن" * I. G. Farben باعتبارها كتلة إحتكارية ألمانية تسيطر على الصناعات الكيماوية فى أنحاء العالم.. ويتدفق الى مركز إدارتها فى فرانكفورت العوائد المالية الهائلة من هذه التجارة .. ولكن فاربن فى حقيقتها لم تكن مجرد مشروع صناعي أخطبوطي .. يديره الألمان لحصد الأرباح والثروات .. بل يجب النظر اليها على كونها أيضًا وبالدرجة الأولى (منظومة للمؤامرات السياسية والإقتصادية) .. كانت تمارس عملها خلال شبكة واسعة من الوكلاء الأجانب ومن العلاقات السرية ؛ منظمة تدير آلة هائلة بالغة الكفاءة متغلغلة فى أنحاء العالم .. غايتها النهائية القصوى غزو العالم والسيطرة عليه وبناء إمبراطورية عظمى تديرها فاربن من وراء ستار ..

لا حظ أننا لا نتحدث هنا عن الإحتكار الفردي البسيط رغم بشاعته ولا أخلاقيته .. إنما نتحدث عن نوع آخر من الإحتكار .. فالتكتلات الإحتكارية أو ما يطلق عليه [الكارتلّات Cartels] هى نوع من الإحتكار المؤسّسيّ المنظم على نطاق العالم كله .. نتحدث عن أبعاد أشمل وأعمق.. عن منظومة مهولة تستوعب القوى السياسية والإقتصادية والمالية والإعلامية .. وتستخدم فى تعزيز مصالحها وتوجّهاتها شخصيات كبيرة ؛ منهم رؤساء دول وحكومات سابقين ولاحقين .. وقيادات سياسية لها شهرة عالمية غير منكورة ..
أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: "هنرى كيسنجـر" الذى وصفه أحد الكتاب الأمريكيين بأنه واحد من أبرز الخيول فى إسْطبل روكفلر .. وستعرف أن "روكفلر" هذا ، هو الإسم الأمريكى الموازى لفاربن فى ألمانيا .. وستعرف أيضا كيف عبرت التكتلات الإحتكارية البحار والقارات والأيديولوجيات لتلتحم فى مبادئ واحدة ومصالح واحدة رغم العداوات والحروب بين الدول .. أشير إلى كيسنجر لأنه كان من أبرز اللاعبين فى الحرب العربية الإسرائيلية وكان الرئيس السادات يطلق عليه وصف [صديقنا العزيز] ..

كما أذكر إسم تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق الذى قدّم للشركات الإحتكارية أعظم خدمة فى تاريخ بريطانيا .. فقد أجهز على حزب العمال البريطاني من داخله .. وضيّع نضاله السياسي وفلسفته عبر مائة عام.. وضرب الديمقراطية البريطانية فى مقتل .. وتحالف مع أسوأ وأكذب إدارة عدوانية إمبريالية فى تاريخ أمريكا ؛"إدارة بوش الإبن" .. وهو الآن ينعم بمنصب مرموق ويحصد مكافأة مضاعفة كمنسّق "للرباعية الدولية" ، فى قضية العرب والمسلمين الأولى [قضية فلسطين] .. نعم لا يزال أمام الرجل مهمة معقّدة يعتقدون أنه بدهائه ومواهبه الثعلبية وبراءة مظهره ونعومته الثعبانية- يمكن أن يساعد فى تصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل .. وهكذا ترى أننا لا نبعد كثيرا عن مجال مخططات هذه القوى الإحتكارية .. بل أقول إنك لو أنعمت النظر قليلا لوجدت أننا فى بؤرة هذه المخططات ...!

لا أكرّس الخوف بحديثِ عن أعداء كأنهم كائنات خفية رهيبة يصعب الوصول إليها أو مواجهتها بالمقاومة .. بل أعزز الفهم بطبيعة هؤلاء الأعداء وحقيقة أهدافهم فى أبعادها الحقيقية .. وأحاول كشف الغطاء عنهم .. حتى لا يبقوا قوى سحرية فى عالم الخفاء .. أحاول إزاحة الهالات المقدسة عن الوجوه الكريهة ..

نعود إلى فاربن فنقول: استخدم (آى جى فاربن) سنة 1926 عبقريين من نوع فريد ؛ أحدهما كان واحدًا من رجال الصناعة الألمانية إسمه "هيرمان شميت" ، وكان الثانى سويسريًّا هو "إدوار جروتر" ، وكانت مهمة الثانى إمساك دفاتر فاربن، والإشراف على حساباتها المتشعبة فى البنوك.. وذلك للتمويه على المتطفلين حتى لا يصلوا الى حقيقة ملكيتها لشركات أخرى منتشرة فى العالم.. كان شميت مديرا لبنك [دُويتْـش رايخبانك] الألمانى، وبنك آخر يقوم بتسويات عالمية مقره فى سويسرا .. وهكذا من البداية كان الرائدان الصناعيان جزءًا من التركيبة المالية البنكية الدولية التى تهيمن على العالم ..!.

وفى بداية الحرب العالمية الثانية كانت مؤسسة "فاربن" قد تطورت بسرعة جبارة لتصبح أكبر مشروع صناعى فى أوروبا ؛ وأكبر شركة للكيماويات فى العالم، وجزءًا هامّا من أقوى تكتل إحتكارى فى التاريخ .. ولكى تقرأ - فقط مجرد قراءة- أسماء الشركات العديدة التى ترتبط معها بإتفاقيات إحتكارية تحتاج الى ساعة كاملة أو أكثر .. فى هذه القائمة سوف تجد ما يقرب من ألفيْ شركة على الأقل .. أما إذا أردت أن تقتصر على الشركات التى تملكها فاربن أو تسيطر عليها لتضييق القائمة فإنك تحتاج الى عدد كبير من الصفحات تملأ كتابًا .. نذكر فيما يلى أكثر هذه الشركات شهرة:

ففى داخل المانيا ستجد أكبر ست شركات كيماوية وأكبر مجمّعات الصناعات الثقيلة خصوصًا صناعة الحديد .. وعلى رأسها شركة "كروب للصلب".. ولا يقل عدد الشركات التى تملكها فاربن أو تهيمن عليها داخل المانيا وحدها عن 380 شركة.. وفى خارج المانيا تملك فاربن وتهيمن على صناعات عملاقة فى بريطانيا مثل شركة الكيماويات الإمبريالية .. وكولمان بفرنسا و "أَلايـِدْ كيميكال" فى بلجيكا .. وشركات أخرى فى اليونان وهولندا والمجر والنرويج وبولندا ورومانيا .. وفى عدد من دول أمريكا اللاتينية وفى السويد والولايات المتحدة الأمريكية .. كما أقامت فى الولايات المتحدة إتفاقيات إحتكارية مع العديد من الصناعات مشتملة على معامل أبوت Abbott و "أتلانتيك أويل" .. و "بِلْ آند هويل" .. و "إيستمان كوداك" .. ومصانع "فاير ستون للمطاط" .. و "جنرال موتورز للسيارات" .. و "جنرال تايرز" .. و "جود يير للمطاط أيضًا" .. و "جَلْف أويل" .. وشركة "كيلوج ونسله وبارك ديفيز" .. و "سنكلير أويل" و "ستاندرد أويل" .. و "تِكْساكو يونيون أويل" .. ومئات من شركات أمريكية أخرى .. وغير ذلك هناك شركات تقع تحت سيطرتها المباشرة مثل شركات "باير" لصناعة الأسبرين و "لاروش" وشركة "أنْتِيبَيُوتِكْ" ..

بحلول عام 1929 كانت "فاربن" قد عقدت إتفاقيات إحتكارية مع عدد من أكبر الشركات الأمريكية على أساس أن تكون هى الشركة المهيمنة كما تفعل روكفلر مع الشركات الأخرى .. وهنا تلاحظ أن العملاقين الأسطوريين الألماني والأمريكي قد إلْتحما فى عناق أبديّ ولم يفترقا أثناء الحرب العالمية الثانية حتى عندما كان الجنود الألمان والأمريكان يقتتلون بضراوة ويسقط الآلاف منهم قتلى فى المعارك الطاحنة ... 
تبين للألمان أحد عناصر قصورهم فى الحرب العالمية الأولى وهو إفتقار ألمانيا الى البترول.. فقامت فاربن بالإنفاق على بحوث واسعة لتسييل الفحم ونجحت فى تحويل الفحم الى جازولين .. ودعت (فرانك هوارد) من "إستاندرد أويل" الأمريكية لزيارة مصنعها فى مارس1926 .. وكان ما رآه فرانك هوارد شيئآ مذهلا .. [جازولين من الفحم..!] فكتب الى وولتر تيجل مدير شركة إستاندرد أويل بهذا الإنطباع .. وقد شهدت السنوات الثلاثة التالية مفاوضات مكثفة بين الشركتين تم التوقيع بعدها على وثيقة مشاركة إحتكارية (كارتل) فى9 نوفمبر 1929 حققت النتائج الهامة التالية:

أولًا : مُنحت "إستاندرد أويل" نصف حقوق عملية هدْرَجـة الفحم فى كل بلدان العالم بإستثناء المانيا .. وذلك فى مقابل تنازل "إستاندرد أويل" لفاربن عن 546 ألف سهم فى البورصة قيمتها 30 مليون دولار .. وتفاهم الطرفان على ألا يتنافسا فى المنتجات الكيماوية والبترولية – يعنى فى المستقبل – إذا أرادت إستاندرد أويل(البترولية) أن تدخل فى مجال إنتاج صناعات كيماوية أو أدوية فإنها تفعل ذلك فقط كشريك لفاربن .. وفى مقابل ذلك أتُّفق على ألا تدخل فاربن (الكيماوية أصلًا) فى مجال إنتاج بترول إلا كشريك لإستاندرد أويل .. وأن تتجنب كلا من الشركتين أى خطط أو سياسات توسعية فى نطاق أعمالهما الراهنة فى إتجاه أعمال الشركة الأخرى حتى لا تصبح منافسًا خطرًا للطرف الآخر .. 
إلتحقت "شِلْ" فيما بعد بهذه الإتفاقية .. وتولدت من هذه الإتفاقات شركات جديدة عملاقة هى شركة جاسكو (1930م) .. وكانت مهمتها الرئيسية أن تتيح لكل طرف من أطراف الكارتل أن يستفيد من أى تطور كيماوى مستقبلى يملكه أى طرف من أطرافها.. وبمقتضى هذه الإتفاقية: إذا طوّرت أى من فاربن أو إستاندرد عملية كيماوية جديدة فعليها أن تمنح للطرف الآخر حرية إختيار ثلث العوائد من هذا الإختراع .. عندئذ تأتى "جاسكو" لتسويق العملية المشتركة فى أنحاء العالم وتوزع الحصص المتفق عليها ..

هنا إذن مثال لإمبراطوريتين صناعيتين عملاقتين يتلاءمان فى حركتهما خطوة خطوة بتنسيق كأنهما وحدة واحدة .. والهدف المشترك هو [ إزاحة أى منافسة من أمامهما فى السوق ] وبذلك يضمنان لنفسيهما أقصى نمو وأقصى مكاسب فى المستقبل .. ولذلك يمكن القول بأنه قد تم بين الطرفين زواج كاثوليكي لا انفصام فيه ولا رجعة ..

يصعب متابعة عمليات التزاوج الإحتكارى بين شركة فاربن الألمانية والشركات الأمريكية.. ولكننا نذكر إثنين من أبرزهاعلى سبيل المثال: فى 23 اكتوبر 1936 وقّعت شركة فاربن وشركة "ألْـكُو" .. إتفاقًا جمعا فيه كل مايملكان من براءات الإختراع والمعلومات التكنولوجية فى مجال إنتاج الماغنسيوم فى حصيلة واحدة مشتركة ليستفيد منها كلاهما معا.. ثم إلتحق بهما طرف ثالث .. هو شركة فورد لصناعة السيارات لتتكون بذلك كتلة إحتكارية عالمية ذات ثلاث شعب.. وعندما أنشأت فورد فرعآ لها فى المانيا أسهمت آى جى فاربن بشراء 40% من أسهم هذا الفرع وأصبح إثنان من مديريها عضوين فى مجلس إدارة الشركة [ الأمريكية الأصل .. !].. وفى المقابل أصبح(إدسل فورد)عضوا فى مجلس إدارة شركة آى جى الكيماوية الأمريكية ولحق به (ولتر تيجل)مدير شركة(إستاندرد أويل)و(تشارلز إى ميتشيل) مدير بنك روكفلر(ناشيونال سيتى بنك)فى نيويورك .. و (بول إم. واربورج) أخ (ماكس واربورج) الذى كان مديرآ للشركة الأم فى المانيا .. 
لاحظ أن (بول واربورج) كان أحد مهندسى منظومة بنك الإحتياط الفيدرالى ، ولاحظ أيضآ أن (بنك الإحتياط الفيدرالى الأمريكى) ليس بنكًا تملكه الحكومة الأمريكية كما قد يظن البعض من نسبة "الفدرالية" إلى إسمه.. إنما هو بنك خاص تملكه أسرة روكفلر وشركاؤهم من رجال المال والأعمال .. وهو البنك الذى يصدر النقود ويطبع الدولارات الأمريكية ويهيمن على حركة المال والأقتصاد فى الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها ..!! 
وطبقآ لمذكرات "فرانْك فانْدَرْ لِبْ" فإن هذا المشروع تم تفريخه فى إجتماع سِرِّى بجزيرة "جيكل أيلاند" بولاية جورجيا وقد حضر هذا الإجتماع "فانْدر لِـبْ" نفسه .. ومعه (سناتور أَلْـدِرِيكْ) وكان الإثنان يمثلان روكفلر، و"هنرى ديفيسون" و "تشارلز نورتون" .. وبنجامين إسترونج ، وكان هؤلاء يمثلون "جى. بى مورجان" ؛ و "إبراهام بيات أندرو" عن وزرة المالية .. و (بول وارْبورْج )ممثلا لروتشيلد فى إنجلترا وفرنسا .. وأخً لـ"واربورج" إسمه "فيليكس" متزوج من "فريدا شيف" إبنة "جاكوب شيف" الذى كان يرأس منظومة بنكية لـ (كـَهنِْ ويلوب وشركاه) .. ولمعرفة القصة الكاملة لهذا البنـك العجيــب إقرأ كتاب: Edward Griffin .The Creature from Jekyll Island: A Second Griffin’s Look At The Federal Reserve System: Westlake Village,CA, American Media, 1995
هناك كلام كثير يمكن أن يقال عن هؤلاء الأشخاص الذين ذكرنا أسماءهم آنفَا .. ولكن الحقيقة النهائية بشأنهم أنهم كانوا أكثر من مجرد رجال أعمال يبحثون عن مزيد من الربح .. أوعن وسائل لتوسيع دائرة أسواقهم .. لا .. إنهم جزء من سلالة خاصة كانت رؤيتهم تمتد بعيدًا جدَّا وراء حكاية المكسب والخسارة .. لتبلغ [أعماق سيطرة سياسية عالمية] .. أما هدف التكتلات الإحتكارية أو (الكارتيلات) التى أنشأوها فيما بينهم فلم يقتصر على تقليص التنافس بينهم فقط ولكن لتبادل براءات الإختراع وتقاسم الأسواق الإقليمية .. ووضع الأسعار وتحديدها .. وأحب أن أنبّه إلى أن إتفاقات هذه الكارتيلات لم توقف إشتعال الحروب فيما بينها .. فهى تحدث ولكن مثل كل الحروب بين الدول .. تنتهى بخروج الطرف المهزوم خاسرًا أو مفلسًا من اللعبة .. فى حين يعلن الفائز إنتصاره على الآخرين وسيطرته عليهم (كما يحدث بين فتوات الحارات فى روايات نجيب محفوظ)..

وهكذا تُعلن حالة الهدنة وتبدأ مفاوضات جديدة لإعادة تشكيل إتفاقات إحتكارية جديدة على أساس من التوازن الجديد للقوى .. يصور هذه الحالة "جورج ستوكنج" و "مايرون واتْكِينْـز" فى كتابهما ( Cartels in Action) يقولان: "تنشب حرب الأسعار بين الكارتلات من وقت لآخر ثم تنتهى لتشتعل من جديد .. ثم تنتهى الى سلام طويل الأجل ..

تشتمل إتفاقيات شركات الكيماويات عادة على القرارات التالية : من يبيع ماذا ..؟؟وأين ..؟؟ وبأى كمية ..؟؟ وعلى أية شروط تكون أسعار البيع فى الأسواق الخارجية بالذات ..؟؟!! ويتم هذا كله بالتفاوض [لا بالتنافس] ذلك لأنهم يعتقدون أن التعاون هو الأكثر فائدة .. إنهم يصلون الى قراراتهم هذه بعد فصال عنيف وتصارع مرير .. فكل طرف يحاول ان يحصل على أفضل الشروط لنفسه وهذا يتوقف على عوامل كثيرة تشمل: دقة عملياتهم الإنتاجية .. وقوة مركز إختراعاتهم.. وحجم مصادر تمويلهم و قوة الدعم الحكومي لهم .. وفى التحليل النهائى تبقى القصة معلقة على تقدير كل طرف لقدرته التنافسية الخاصة بالنسبة للآخرين .. ولو تمعنت فى آليات الشركات فى تزاوجاتها داخل الكارتيلات .. ومحّـصْت فى قراراتها غير المعلنة.. وفى تخطيطها الإقتصادى فستجد أنها تصدر من نفس المنبع الذى تخرج منه آليات وخطط النظم الشمولية فى العالم ...!!
وستتأكد أن القوانين التى تدفع هذه الشركات حكوماتِها لإصدارها تكون فى ظاهرها لخدمة الشعوب .. ولكنها فى حقيقة الأمرعلى عكس ذلك تمامًا فهى دائما ضد مصالح الشعوب .. ويمكنك أن تلحظ هذا بسهولة فى محيطك القريب..!! إنها قوانين مصنوعة ومبرمجة لخدمة الشركات الإحتكاربة فحسب .. بل يصل الأمر الى أن الحكومات تحصل على رشاوى منظورة أو غير منظورة لإعاقة وتجريم أى شركة أخرى تجرؤ على منافسة هذه التكتلات الإحتكارية ..

وتبدو هذه الحقيقة واضحة فى تجارة السوق العالمية خصوصًا فى مواد مثل: السكر والشاى والشيكولاته والحديد والمطاط والبترول والسيارات والأطعمة..الخ.. ودور الحكومة هنا يتجلى فى إصدار أكوام من القيود المفروضة و(الكُوتات) ودعم الأسعار .. وفى أمريكا بالذات هناك جيش من مراكز اللوبيات التى تمثل المصالح الخاصة للكارتيلات لا لحماية الشعب بل لإستنزافه ..!

وليس من قبيل الصدفة وجود كبار السياسيين فى مجالس إدارة الشركات متعددة الجنسيات.. حيث نجد فى مجالس إدارتها شخصيات مثل" يوجين بلاك" رئيس البنك الدولى الأسبق و"جون ماكون" مدير المخابرات المركزية الأسبق.. وديك تشينى ورامسفيلد وغيرهم كثيرون .. ويحدث فى أوروبا نفس الشئ .. المهم أن العنصر المشترك بين هؤلاء الناس جميعًا أنهم أقرب فى إيمانهم وقناعتهم إلى النظم الفاشية منهم الى الديمقراطية.. 
ونتيجة لذلك تحولت فكرة الكفاءة فى الإنتاج الى فكرة الكفاءة فى التلاعب بالجماهير وبالحكومات على حد سواء .. بهدف الحصول على إمتيازات .. وهكذا رأينا النتيجة الحتمية لهذه المعادلة: الحكومة الأمريكية دائمًا عاجزة أمام ظاهرتين متلازمتين فى المجتمع : الثراء الفاحش الفاقع للقلة المتحكّمة ، والفقر المدقع لجماهير الشعب ؛ والنظم الشمولية الفظة عندنا لا تستورد منها إلا الأسوأ ...! [قوانين الانقلاب العسكري وقراراته فى مصر نموذج]..!

لقد أصبح من المستحيل على الحكومات ان تضع قوانين لتقييد إنطلاق الثراء الجامح أو الحد من الفقر المروّع .. فالشركات الأقوى والأكثر ثراء وبخاصة تلك الشركات التى تتحصن فى التكتلات الإحتكارية هى التى تدفع بالحكومات لإصدار قوانين وقرارات ضد منافسيها الأضعف .. وهكذا تجد ان الحكومات لم تعد قادرة على حلول لعلاج البطالة والفقر وإعادة التوازن المفقود فى المجتمع .. والسبب أنها أصبحت جزءًا من المشكلة نتيجة الزواج غير الشرعي بين الحكومات وبين القوى الإقتصادية .. بحيث لا يستطيع المواطن العادى أن يميّز بين قوة سياسية حاكمة وبين قوة إقتصادية مهيمنة فكلاهما أصبح جزءًا من منظومة عضوية واحدة .. تمثل مصالح هى بطبيعتها مضادة لمصالح الشعوب ..

وقد تولّد من هذه الحقيقة حقيقة أخرى تلاحظها بسهولة وهى: أن الشركات الكبرى لم تعد تهتم بأن يعرف الناس مقدار ما تستحوذ عليه من ثروات طائلة .. فلم تعد توجد امامها قوى أخرى تنافسها أو تعرقل طريقها فى سعيها لتكديس المال ونهب الثروات بلاقيود ولاحساب .. وأصحاب هذا النهج إكتسبوا إسما جديدا فى الكتابات السياسية ( الأغنياء السوبر Super Rich ) هؤلاء الطغاة المفسدون، هم بحسب التعبير القرآني المترفون الذين حذّرنا الله منهم ولعنهم على طول التاريخ البشري كله ...

الإحتكارات المطلقة والفاشية :

كان النموذج المبكر فى دعم الكارتيلات للنظم الشمولية هو دور فاربـن فى إنتشال هتلر أولًا من السديم السياسى فى ألمانيا الذى أوشك ان يجرفه إلى عالم النسيان ، ولكنهم رأوا فيه الرجل القوي الذى يمكن أن يفيدهم فى المستقبل فدفعوا به إلى قمة القيادة فى الحزب النازى .. ثم شرعوا فى إستخدام الحزب ..

علينا أن نفهم حقيقةً لا نلتفت إليها كما ينبغى: فالظواهر التى نراها الآن مستقرة أمامنا كأنها أقدار منزّلة لا يملك الناس أمامها إلا التسليم إنما هى نتيجة لسلسلة طويلة من أعمال التمويه والغش والخداع قام بها رجال أشرار على مدى عقود ..
لقد تبين لنا كيف إستطاعت الكارتيلات أن تجند الحكومات عن طريق إصدار قوانين لوضع سلطة الدولة وإدارتها فى خدمة مصالحها الخاصة .. وقد اتّضح للكارتيلات أن أصلح الحكومات جميعًا هى الحكومة الشمولية .. لهذا السبب نرى فى كل تاريخ القوى الإحتكارية أنها كانت خلف الكواليس للترويج لكل أنواع الشموليات.. فقد دعمت البلشفية الشيوعية فى روسيا .. والنازية الألمانية واحتضنت الفاشية الإيطالية .. وهى تمثل اليوم القوة الشمولية الخفية التى أصبحت واقعًا قبيحًا فى الولايات المتحدة الأمريكية ...

لأول وهلة يبدو الأمر متناقضًا: أن أغنى الأغنياء هم الذين دعموا النظم الإشتراكية والإجراءات الإشتراكية .. ولكن علينا أن نفهم أنه فى أى حكومة شمولية لايوجد ظل للمنافسة ولا أى تجارة حرة .. وهذه بالضبط هى البيئة المناسبة لإزدهار الصناعة الإحتكارية .. بهذه الطريقة تستطيع أن تحقق أعلى الأرباح وأن تكون جزءًا من الطبقة الحاكمة فى نفس الوقت .. وأصحاب هذه الصناعات الإحتكارية لن يخافوا من الضرائب التصاعدية التى ستقع دائما على عاتق الطبقة الوسطى فقط .. وتؤدّى بالضرورة إلى قمعها ..
ثم تتوقف عندها فلا تصل إلى طبقة الأغنياء (السوبر) فهؤلاء لهم قوتهم وتأثيرهم على مجريات السياسة .. مما يساعدهم على إقامة سدود من الإعفاءات الضريبية المقنّـنة .. لاتحافظ على ثرواتهم الإستفزازية فحسب ولكن تضاعفها أيضآ .. لهذا يستحيل على الإحتكاريين أن يكونوا رأسماليين أبدًا كما يزعمون .. فتعريف الرأسمالى بأنه هو الذى يؤمن بفكرة الملكية الخاصة تعريف قاصر .. فإذا كنت تملك قطعة من الأرض ولكنك لا تستطيع أن تتصرف بها فى البيع أو الهبة إلا بإذن شخص آخر فأنت لاتملكها ملكية حقيقية .. والآخر هو المالك الحقيقى؛ وبدقة اكثر نقول: 
أن القَدْرَ الذى لاتملك فيه السيطرة على ملكيتك هو ذاته القدر الذى يشاركك فيه الآخر بنصيب من هذه الملكية.. ومثال ذلك: المتنزهات والحدائق والمكتبات العامة التى يقال أنها ملك للشعب.. 
فليجرب أحدي منا ويعرض قطعة من أرض هذه الملكيات العامة لبيعها لحسابه الخاص بإعتباره احد المالكين .. يمكن أن تفعل هذا فى مسلسل كوميدى .. ولقد عرفنا كيف كانت النتيجة..! 
فمن هو المالك الحقيقى لهذه الممتلكات العامة ..؟ إنهم أولئك الذين يستطيعون أن يتخذوا بشأنها قرارات نافذة مثل السياسيين والإداريين فى السلطة السياسية الحاكمة .. وأولئك الذين يملكون القوة التمويلية لهذه الملكيات العامة .

فى النظام الإشتراكى أوالشيوعى كل الأشياء هى ملكية عامة (نظريّا ملكية الشعب) ولكن المالك الحقيقى (الذى يمثل الشعب نظريًّا أيضًا) هم النخبة الحاكمة التى تمثل 3% فقط من الشعب .. وبيد هذه النخبة كل شيء .. وهكذا ترى أن مجرد ملكية الأشياء لا تجعل الشخص رأسماليًّا .. ففى الرأسمالية الحقيقية ينضاف الى الملكية مفهوم المشروع الحر ، والسوق المفتوح .. مع الحد الأدنى من التدخل الحكومى . أنا هنا أشرح فقط ولا أدافع عن رأسمالية ولا شيوعية ...!

بخلاف كل هذا يقع مفهوم الإحتكار المطلق فهذا الوضع العجيب يقتضى تزاوج القوى الإحتكارية مع قوة السلطة السياسية .. والغريب فى الأمر أن الناس يتجرعون فكرة الإحتكارات المدعومة بقوة الحكومة على أساس من إفتراض وهمى أنهم (أقصد فى الدول الديمقراطية) بوسيلة سحرية كامنة فى العملية الديمقراطية .. وبقوة صوتهم الإنتخابى الذى لاسلطان لأحد عليه هم الكاسبون .. ربما يكون هذا صحيحًا ولكن بالشروط الأتية: 
(١) إذا كانت حكوماتهم تضعهم فى الصورة فتعـرِّفهم بشفافية ودقة حقيقة مايجرى بالفعل من تفاصيل .. 
(٢) وإذا كان لديهم مرشحون للبرلمان مستقلين وأمناء .. يمكن الإختيار من بينهم أكثرهم صلاحية .. 
(٣) وإذا كان من الممكن أن يكسب المرشحون الإنتخابات بدون المبالغ المالية الطائلة التى تنفق على حملاتهم الإنتخابية من جانب أصحاب المال والصناعات .. 
(٤) وإذا كانت الأحزاب السياسية لاتهيمن عليها قوى الأغنياء السوبر..

بمعنى آخر يمكنك ان تقول: أن هذه الإحتكارات نظريًّا تعمل لصالح الناس العاديين ولكن ليس على هذا الكوكب الأرضى .. وإنما على كوكب آخر لانعرفه ، مع حياة اخرى، إستجابة لدوافع أخرى، وتحت نظم سياسية أخرى.. بالتأكيد ليس منها النظام الأمريكي...!

أخبار ذات صلة

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد

متى يدرك أبناء الأمة الإسلامية أن البغي الصهيوني عليهم بغي مرتبط بأصل وجود الشيطان في الكون يوسوس لإغواء العنصر البشري عامة وأهل الإسلام خاصة؟

المزيد

قليلاً ما كان يتردد اسمه على مسامع المصريين قبل 2001 حين بُلغ أنه لم يعد مرغوبًا به في مص ... المزيد