البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أدب الحكاية، وقولهم زعموا:

المحتوي الرئيسي


أدب الحكاية، وقولهم زعموا:
  • أبوقتادة الفلسطينى
    08/09/2018 06:06

روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه من رواية حفص بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع.

وهذا الحديث أصل في الرد على من زعم جواز رواية كل ما يقال له، بحجة أني ناقل ولست منشئاً، وأنه هكذا بلغه فهو يقوله، فينبهه الهدي النبوي أن هذا الوصف من التحديث بكل ما يسمع يدخله في وصف الكذب.

وهذا حديث عظيم، يكشف خبايا النفوس، ومراتبها مع الخلق، وصفاتها من خلال كلامها، فتأمل كيف يتغلغل هذا القول النبي الشريف في الصدور فيعرف دوافع هذا الفعل.

من الذي يحدث بكل ما سمع؟

- يحب التحديث بكل ما يسمع رجل يحب قالة السوء والشر، فإن هذا الحديث لا يقع على من يحب أن يقول خيراً أو ينمي خيراً، فهذا وصف ممدوح من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان هذه صفته فإنه يدخل في أبواب من الشر كثيرة، منها التجسس لمعرفة ما يخفى ليكثر حديثه وإخباره، ومثل هذا كالذباب لا يحب إلا القاذورات، وإن حصل له عسل مصفى لم يرق له ، ولم ينشط لنشره، وذلك لاتصافه بشر النفس ومحبة السوء في الخلق.

- ويدخل في هذا المعنى من كره قوماً،فهو يحب وقوعهم في الشر، لينشر ويثرب ويقذف ويسب، فإن لم يجد خبراً نزعت نفسه لتفسير ما يحتمل من الخير والشر،فيحمله على معنى الشر، وهذا كذب، كما قد يزداد سعاره فيحب أن يلقى إليه الكذب فيهم، فيدخل في وصفهم، والكذب في أزمنة الباطل، وعند الخصومات ينتشر ويكثر، ويصبح صناعة من الصناعات، وفناً من الفنون، وهذا في زماننا بين وواضح، ويسمونه فن الدعاية ، وهو من أقسام الجاسوسية كما يعلم الناس.

- والنفس إن أحبت شيئاً فإنها تكثر من مادته، فإن فاتته المادة تكلف، ومن تعود القول في الناس، واستمرأت نفسه تعييرهم، وقذفهم، ولم يفق من هذا الهوى صار معه هذه الحال، فهو يريد الكلام، ويريد الطعن، وقد لا يجد، فتظمأ نفسه للحديث، إذ للحديث لذة كلذة المذاق، فمن لم يضبطها أفسدته، فيبدأ الخيال والوهم، ولو مر به هر لفسره على نحو ما تشتهيه في نفسه في الخصومة، فجعله دليلاً جديداً على معاني ما يحب.

- وكثرة القول في الناس تسقطه في الكذب ولا شك، ولذلك إلف علماؤنا كتباً في الصمت، وكما قال الصديق رضي الله عنه: ليس شئ أحق بطول حبس من اللسان، وذلك لأن كثرة الكلام في أخبار الناس، تهون عليه الكلام في الأعراض، والكلام في أسرار الناس، ومما هو حق قليل وباطل كثير.

- ومما يجب الإنتباه له عدم امتطاء دليل: زعموا، فهي بئس المطية، لا تنفع، ولا ترفع الإثم، بل هي مطية شر، تكون وسيلة لنشر الباطل، وإشاعة الشر، والله يقول:( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

- ولا بد من التنبيه على سمت أهل العلم ، وهو النظر إلى مآلات الأقوال، وقد علموا من التاريخ كيف أن إشاعة المقالات المفسدة أدت لقتل الخليفة الراشد ذي النورين، وبهذه الكلمات حصلت موقعة الجمل، خاصة لما في كلمات من انتسب للعلم من تأثير، يأخذها الناس، ويطيرون بها، فيحصل بها شر أعظم من شرور كلمة عامي، وإن من سمتهم تقريع الناقل وعدم تركه يهذي بالأوهام والإشاعات.

قديما قيل: رب كلمة تقول لصاحبها دعني، فيا عباد الله اتقوا الله في كلماتكم، واتقوا الله فيما تقولون وتكتبون، والمرء إن كبر شأنه وصار متبعاً تنبه إلى هذا، وقد أثر عن كثيرين من أهل العلم كالأوزاعي ترفعهم عن مباحات كانوا يفعلونها قبل تصدرهم، فلما حصل لهم التصدر، وصار الناس يستمعون لهم تركوها، حتى تركوا الضحك والتبسط مخافة فتنة الناس.

ثم إن العبد قد يقوى على أمر من القول، يعلم أن الآخر لا يقدر على رد كلمته التي قالها في حقه، فلا يرد عليه إلا بالدعاء عليه، ويستنصر عليه رب العباد، ويوكل أمره لله أن يقضي بينه وبين المفتري عليه من الخلق، وهذا لعمر الحق مصيبة على القائل، وأمر عظيم، فإن الله تعالى هو الذي سينتقم لا غيره، وحينها تذوب وتذهب كل حججه، وتنتهي كل تأويلاته.

وإني لأعجب من إرجاء المشايخ في هذا الباب، فقديما اتخذ الإرجاء من أجل الخلفاء، وآنهم لا يحاسبون، والقلم عنهم مرفوع، واليوم يظن المشايخ وطلبة العلم أنهم على هذا المعنى، كما يظنون أن تأويلات أفعالهم القبيحة لما تعلموا من فن التأويل تصلح مع الله، فيصرف عنهم الإثم والعقوبة.

حقاً إن المشايخ هم أحق بطول الصمت في هذا الباب، فإن نطقوا نطقوا بصدق وحب ونصيحة، وليتهم لا يفتحون أفواههم إلا لذكر الله وما في معناه.

والحمد لله رب العالمين.

-----

علمتني الحياة أن كثيرين لا يقرؤون لغيرهم إلا للرد ، فلست لهؤلاء أكتب.

 

أخبار ذات صلة

1- بوَّب البخاري -رحمه الله- في كتاب العلم من صحيحه:

(باب من خَصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ كراهيةَ أن لا يفهموا).

... المزيد

الحرب في إدلب قادمة ذات يوم، إن لم يكن في الغد القريب ففي غدٍ بعدَه، لأن نظام الاحتلال الأسدي الطائفي المجرم لا يفرّق بين جزء من سوريا وجزء أو بين منط ... المزيد

لست واضعاً هذا السؤال معتذراً عن تهمة، ولا مترفعاً عن جريمة، بل لأكشف ضرورة القراءة لهم، ولأعرف المسلم أن عقلك يحتاج لهذه الخضات التي يصنعها كلاماً ... المزيد

نشرت مواقع رسمية سعودية هذا الخبر نصا :

" ‏المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض بدأت اليوم بمحاكمة مساعد الأمين للاتحا ... المزيد

تعليقات