البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أخلاق الكبار

المحتوي الرئيسي


أخلاق الكبار
  • د. خالد السبت
    29/04/2018 06:18

الحمد لله حمداً عدد ما خلق، والحمد له ملء ما خلق، والحمد له عدد ما في السماوات والأرض، ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرؤوف الرحيم، تم نورك فهديت فلك الحمد، عظم حلمك فعفوت فلك الحمد، بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد، تطاع ربنا فتشكر، وتعصى ربنا فتغفر، وتجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقم، وتغفر الذنب، وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أحد إلا أنت، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، وأصلي وأسلم على خير رسله محمد -صلى الله عليه وسلم- صاحب الحوض المورود، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً:

أيها الإخوة: حديثنا معكم في هذه الليلة عن أخلاق الكبار، وإنما نعني بالكبار أصحاب النفوس الكبيرة، الذين يحلقون عالياً، ويترفعون عن الدنايا وسفساف الأمور، فتعلوا هممهم عن الدوران في الوحل والحضيض، ويسمون عالياً، فلا يدور الواحد منهم حول نفسه، ترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويعجبه المدح، ويسوؤه الذم، يقاطع هذا لأنه ذمه، ويحب هذا لأنه مدحه، ويعادي هذا لأنه جرحه، يدور مع نفسه حيث دارت، يرضى من أجلها، ويسخط من أجلها، يحب لها، ويغضب لها، فهذا صاحب نفس دنية، رضي بأن يكون مع نفسه في الهاوية، وحرم نفسه جنة قبل جنة الآخرة وهي انشراح الصدر، والأنس والسعادة التي تحصل بالترفع والعلو عن الدنايا وسفساف الأمور؛ هؤلاء هم الكبار الذين سنتحدث عنهم، هم أصحاب النفوس الكبيرة، ولا أعني بالكبار هم من تقدم بهم السن، وطال بهم العمر، ولا أعني بهم من تبوؤوا المناصب العالية، وحصلوا الرتب الرفيعة، إنما أتحدث عن أصحاب نفوس كبرى، وصدور واسعة، لا يلتفتون إلى أنفسهم، ولا يقفون عندها، وإنما تعنيهم المصالح الكبرى للإسلام، فهؤلاء حري بنا أن نتحدث عن أخلاقهم وأوصافهم، وأن نشيع هذا الحديث، وهذا الموضوع أطرحه لشدة الحاجة إليه، فنحن بحاجة إلى مذاكرته لأننا كثيراً ما نغفل عن هذه المعاني، فكم من خِطبة قد فسخت، وكم من أسرة قد شتت، وكم من محبة تحولت إلى عداوة، وكم من شراكة في عمل دنيوي أو في عمل دعوي قد تشتت وتشرذمة، وكم من علاقات قد تقطعت أواصرها بسبب تدني النفوس، والوقوف عند حظ النفس، فيرضى الإنسان لأجلها، ويغضب لأجلها، يكون الإنسان منتصراً لنفسه على أي حال كان، ولا يقبل من أحد أن يصدر منه تجاهه خلل ولا تقصير ولا نقص؛ وإن حصل شيء من ذلك فلا عفو ولا مسامحة، ولا تذكر لصنائع المعروف القديمة؛ وأواصر المحبة والروابط التي جمعت بين هؤلاء المتحابين ينسى ذلك جميعاً، وينقلب رأساً على عقب مبغضاً شانئاً لهذا الإنسان الذي تصور أنه تنقصه، وأنه قصر في حق من حقوقه، فلماذا هذا التدني؟ لماذا يجعل الإنسان نفسه بهذه المثابة؟

أقول -أيها الإخوة-: هو الركون إلى أصل خلقته ومادته الأولى التي خلق منها وهي الطين، فالإنسان خلق من عنصرين اثنين: قبضة من الطين، ونفخة من الروح، فإذا ركن الإنسان إلىى أصل مادته وهي الطين فإنها تجذبه وتشده إلى أسفل، فتتدنى أخلاقه وتسوء، ويصدر منه ما لا يليق، وما يخجل العاقل منه إذا تبصره وتذكره، وإذا كسر الإنسان هذه الآصار والقيود والأغلال حلق عالياً، وارتفع وتسامى بأخلاقه فتجاوز نفسه، وجعلها خلف ظهره، فلم يعد ذلك الإنسان الذي ترضيه الكلمة، وتسخطه الكلمة

 

، يتجاوز هذه المرحلة ثم بعد ذلك يتعامل مع الآخرين بصدر واسع، وبنفس كبيرة، فيتحمل منهم الصدمات والكدمات والأخطاء والعيوب؛ ويتحمل منهم كل ما صدر تجاهه من تقصير في حقه الخاص، ولا يصلح لمن أراد أن يحصل المراتب العالية إلا هذه الأخلاق، وهذا الأمر حينما نتحدث عنه لا نوجه الحديث إلى قوم آخرين إنما أوجه الحديث إلى نفسي أولاً، وأوجهه إليكم ثانياً، فلا يظنن أحد أن الخطاب بهذا الموضوع يراد به غيره، بل أحضر قلبك، وفكِّر في حالك، وكن ممن يسمع لينتفع وليغيِّر، فجدد حياتك، ونقِّ أخلاقك، وقوِّم سلوكك، وارجع إلى أهلك من هذه الليلة بوجه جديد وارجع إلى أصحابك وقومك بوجه جديد وبنفس أخرى تتجاوز هذه الحظوظ الشخصية النفسانية التي تجعلك صغيراً.

هذا الموضوع يخاطب به العلماء، ويخاطب به طلاب العلم، ويخاطب به الدعاة إلى الله -عز وجل-، ويخاطب به أصحاب الولايات من الملوك والرؤساء والأمراء وكل من له ولاية صغرت أم كبرت، ويخاطب به الآباء والأمهات، ويخاطب به المربون والمعلمون وعامة الناس، يخاطب به كل طالب من طلاب الكمال، لا أحد يرضى بحال من الأحوال أن يوصف بدناءة النفس، و صغر الهمة وانحطاطها، يعيش في عطن ضيق، ونفس صغيرة، لو وجهت هذه الأوصاف لإنسان لغضب منك، وما احتمل ذلك وأباه كل الإباء، وهذا يعني أن الجميع يتفقون على استحسان هذه الصفة، وهو الشأن في الحديث عن قضايا الأخلاق، فهو حديث جميل شيق تعشقه النفوس وتنجذب إليه، ولو كانت دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- منصبة على الأخلاق فحسب دون القضايا الأخرى الكبرى ( وهي قضايا التوحيد والشرك ) لهتف الناس جميعاً يؤيدونهم ويتبعونهم لأنه حديث يوافق عليه الجميع، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- يقول: "لو دعوت الناس إلى الأخلاق الحسنة وترك القبائح كالزنا والسرقة لوافقني على ذلك الجميع"، فهو حديث يوافق عليه الموالف والمخالف، وكل الناس يستحسنون ذلك ويعشقون سماعه، ولكن التطبيق شيء آخر التطبيق هو المحك الذي تتبدى فيه معادن الناس، وتنجلي فيه النفوس وتظهر حقائقها، فليست العبرة بأن يستحسن الإنسان سماع خلق حسن، إنما العبرة بالعمل والتطبيق.

 

ليست الأحلام في حال الرضا *** إنما الأحلام في حال الغضب

 

فليست الأخلاق الفاضلة أن توزع ابتساماتك في حال الرضا مع أصحابك وجلسائك؛ إنما الأخلاق الصحيحة الحقيقة هي أن تسموا بنفسك في جميع الظروف والأحوال، وتترفع عن الدنايا وسفساف الأمور، وهذه هي الأخلاق التي ينبغي أن يكون الإنسان عليها، وقد وصف الله -عز وجل- نفسه وسمى نفسه بـ" العَفُـوْ"، والعفو صفة من صفاته وهي صفة عظيمة كريمة تعني التجاوز عن الذنب والزلة، وعدم المؤاخذة بالجريرة، وترك المعاجلة بالعقوبة، فهو عفو حليم كريم يحب العفو، نسأله -تبارك وتعالى- أن يتغمدنا جميعاً بعفوه وكرمه ولطفه وحلمه.

أيها الإخوة: ينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه بعدما عرف توصيف هذه الخلة: هل هو من أصحاب النفوس الكبيرة؟ هل هو متحلٍ حقيقة بهذا الوصف الذي اجتمعنا من أجل الحديث عنه، أم أنه قد قصر في هذا الباب تقصيراً بيناً، فأدى ذلك، وأثر أموراً سيئة مستهجنة من عداوات وأحقاد، وتربص بتصفية الحسابات مع هذا أو ذاك؛ وكثيراً ما يختلط علينا الأمر بين الانتصار للدين وبين الانتصار للنفس، فأحياناً يخرج الإنسان غاضباً يريد الانتصار والانتقام، ويريد الإيقاع بخصومه ومخالفيه، ويخرج بوجه مكفهر، وهو بذلك قد تلبس وتدثر بدثار يقول فيه إنه ينتصر للدين والعقيدة والإيمان، ويفعل ذلك غيرة على شرائع الإسلام، فيلتبس الأمر عليه بين الانتصار لنفسه وبين الانتصار لدين الله -تبارك وتعالى- كما يلتبس كثيراً علينا أمر العزة وأن المؤمن عزيز فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، كثيراً ما تلتبس هذه العزة عزة النفس مع الانتقام والرغبة في الاقتصاص ممن جنى علينا بعض الجنايات، فلربما صدر منا ما لا يليق تحت مظلة "عزة المؤمن"، وأنه لا يقبل الضيم ولا يرضى بالذل، وأنه ليس من الهوان في شيء، فينتصر لنفسه، ولربما بالغ في الانتصار تحت مسمى "عزة المؤمن" وَالَّذِينَ إِذَاا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ سورة الشورى:39، وما علم أن جميع الآيات القرآنية تذكر فضل العفو والصفح والمسامحة والإغضاء وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ سورة فصلت: 34 ولكن من يطيق ذلك وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ سورة فصلت: 35، ويأتيه الشيطان يحركه لينتصر لنفسه زاعماً أن ترك هذا الانتصار من العجز والخور، وأن الناس يعيرونه بالضعف ويلمزونه بالنقص وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ سورة فصلت: 36 فهذه الآيات خاطبنا الله -عز وجل- بها من أجل تقويم هذا السلوك، وتصحيح المفاهيم، وما هو الواجب المتعين على الإنسان؟ وما هو الفضل؟ وكيف يرتقي الإنسان بنفسه؟ وكيف يغلق على الشيطان مسالكه فلا يفسد عليه ما يرنو إليه من إصلاح القلب والعمل؟

أيها الإخوة: سأذكر لكم نماذج كثيرة تدلل دلالة أكيدة على أن ثمة قصوراً كبيراً وخللاً واضحاً على جميع المستويات عند الدعاة إلى الله وعند عامة الناس، وعند الأزواج وعند الزوجات، وعند الجيران وعند المربين، وعند المصلين وفي جميع فئات المجتمع -إلا من رحم الله عز وجل-، أمثلة تبين لك حالنا مع حال أولئك الذين قد ربوا أنفسهم وتجاوزوا حظوظ النفس، ولم أعتن في هذا الحديث بالكلام على خصائص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب، فهي خصائص كبرى، وأخلاقه -صلى الله عليه وسلم- ملخصة لنا بعبارة مختصرة " كان خلقه القرآن " كما قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -، فماذا تظن في رجل كان خلقه القرآن إلا اتساع الصدر، ومجاوزة حظوظ النفس، والترفع عن الأخلاق الدنيئة السافلة الهابطة، فلو تحدثنا عن أخلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما وسعنا هذا المجلس، ثم إن تخصيص الحديث عن أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب خاصة لربما يكون مدخلاً لقائلٍ حيث يقول: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نزع الله -عز وجل- منه حظ الشيطان، وهو صغير صبي مسترضع في بني سعد، أخرج منه علقه حينما شق صدره -صلى الله عليه وسلم-، ثم شق صدره -صلى الله عليه وسلم- ثانية في قصة الإسراء والمعراج، وغسل قلبه -صلى الله عليه وسلم- ولغاديده بماء زمزم في طست من ذهب فطهر تطهيراً، فمن كان بهذه المثابة فلا شك أنه أعظم الناس خلقاً، وأكثرهم حلماً، وأطيبهم نفساً، فقد يحتج محتج فيقول: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد طهره الله هذا التطهير فأنى لنا بذلك؟ ولهذا ذكرت نماذج أخرى من حال سلفنا الصالح -رضي الله عنهم- في أبواب شتى لئلا يكون لمعترض اعتراض أو حجة، والمقصود هو أن نعالج النفوس -أيها الإخوة-، ونقطع دابر الشيطان، فأقول: ذكرت نماذج قليلة من حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمور معينة قصداً من أجل أن هذه الأمور لو كانت مع غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لربما ردها بعض من لا زالت نفوسهم تعاني من رواسب الجاهلية، ولربما لو نسبت إلى غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لربما تجرأ بعض هؤلاء إلى لمز من وقع منه كما سترون في أمثلة أوردها في هذه المحاضرة، اختبر نفسك حينما تختلف مع قوم في مسائل علمية من قضايا الاعتقاد من أهل الأهواء والبدع والضلالات، فهؤلاء كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة أن من كان الإيمان منخرماً في قلبه فإنه لا محل لموالاته لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سورة المجادلة: 22، فالكافر لا محل لموالاته، وأما من جمع بين عمل صالح وسيء في باب الشبهات والبدع والضلالات، أو في باب الشهوات كالمعاصي؛ فإن هؤلاء يتجزأ الولاء والبراء معهم، فعقيدة أهل السنة والجماعة محكمة في هذا الباب وهي: ( أن نحب الإنسان على قدر ما فيه من الإيمان وإتباع السنة؛ ونبغض الإنسان على قدر ما فيه من الانحراف والضلال والبعد عن طاعة الله -عز وجل-)، ويختلط علينا الأمر حينما نقف وجهاً لوجه مع من ابتلوا بشيء من التقصير في حق الله -عز وجل- بسبب شبهة أو شهوة، فيظن الظان أنه أحياناً يتصرف التصرف الشرعي انتصاراً للدين، والواقع أنه ينتصر لنفسه، ولربما قال بعض هؤلاء في حق فلان من الناس قولة لا تليق، ولربما أساءوا إليه ووقعوا في عرضه فبلغه بذلك فشمر عن ساعد الجد ينتصر لنفسه، ويجلب عليهم بخيله ورجله وهو يزعم أنه ينتصر للدين، ويدافع عن التوحيد والعقيدة والإيمان، وقد يكون الأمر خلاف ذلك؛ فهو يدافع عن حظه وشهوته ونفسه.

من أصحاب النفوس الكبيرة:

إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-:

هذا الإمام أحمد -رحمه الله- لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن حبس وجرجر، وضرب واضطهد، يضرب وسط نهار رمضان في الحر وهو صائم حتى يفقد وعيه، ثم بعد ذلك ينقل إلى موضعه في السجن وآثار الدماء قد لطخت ثيابه، وهو الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- إمام زمانه ومع ذلك لم ينتصر لنفسه، ولم يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب لله - جل جلاله -، وكان يقول بعد ذلك: كل من ذكرني ففي حل، ويقول: وقد جعلت أبا إسحاق -يعني المعتصم وهو الذي ضربه وجلده- في حل، ورأيت الله يقول: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ سورة النــور: 22، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر بالعفو في قصة مسطح في قصة الإفك، ثم قال: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك، الإمام أحمد بعدما أوذي هذا الأذى لم يفتح ملفات من الأحقاد، وسجلات من العداوة، فلان هو المتسبب، وفلان هو الذي سعى في الموضوع، وفلان خذلني، وفلان قصر في حقي، وفلان لم يسع في خلاصي من أسر هؤلاء، وفلان ما زارني بعد السجن، وفلان صدرت منه بعض الكلمات التي لربما يفهم منها أنه كان مباركاً لهذا العمل راضياً به، لم يفتح شيئاً من هذا إطلاقاً، ولم ينقل لنا التاريخ عن الإمام أحمد -رحمه الله- على طول ترجمته كلمة واحدة تدل على أنه وقف عند نفسه.

شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-:

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أوذي ورمي بالعظائم، وكفره علماء وأفتوا السلطان بقتله، وضرب بعضهم على صدره وقال: دمه في عنقي، دمه حلال، وبقي -رحمه الله- يقاد من سجن إلى سجن في دمشق وفي القاهرة، وبقي مدداً متطاولة في السجن يخرج منه ثم يعاد إليه مرة ثانية، قام عليه أهل عصره من شيوخ أهل البدع والضلال والأهواء، ومن الحسدة الذين امتلأت قلوبهم غيظاً وحنقاً على هذا الإمام الذي ملأ الدنيا علماً ودعوة؛ وكسر أهل الضلال والبدع بصوارم السنة؛ ولا زالت كتبه شاهدة بذلك، وكان من ألد أعداء شيخ الإسلام الذين يفتون بقتله، وبحل دمه، وبكفره رجل من فقهاء المالكية يقال له " ابن مخلوف"، مات ابن مخلوف في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فعلم بذلك تلميذه ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام، فجاء يهرول إلى شيخ الإسلام يبشره بموت أكبر أعدائه، وألد أعدائه وهو ابن مخلوف، يقول له: أبشر قد مات ابن مخلوف، فماذا صنع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؟ هل سجد سجدة الشكر وقال: الحمد الله الذي خلص المسلمين من شره؟ لم يقل ذلك، وما قال كما يقول بعضنا: حصاة ألقيت عن طريق المسلمين، مستريح ومستراح منه، لم يقل شيئاً من ذلك، بل يقول ابن القيم: فنهرني وتنكر لي، واسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له.

من منا يصنع ذلك أيها الإخوة؟ من منا يذهب إلى أهل خصمه إذا مات ويعزيهم ويقول: لا تكون لكم حاجة إلا كنت لكم مكانه، ويواسيهم، من منا يصنع ذلك؟ أصحاب النفوس الكبيرة يصنعون ذلك، يتجاوزون النفس، نعم أفتى بقتلك وكفرك لكن أنت أكبر من ذلك، تذهب إلى أهله وتواسيهم، ولو تحلينا بهذه الأخلاق لاستطعنا أن نكسب كثيراً من القلوب، لكننا قد نلعن هؤلاء الذين نختلف معهم سبعين لعنة، ونتعامل مع هؤلاء على قاعدة وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ سورة التوبة: 84، وهذه الآية قالها الله -عز وجل- في المنافقين، فقد نتعامل مع بعض من نختلف معهم من المسلمين بمثل هذا التعامل الصلف الحاد؛ فنكون بهذا أشداء على أهل الإيمان، والله وصف أصحاب نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأنهم رحماء بينهم، والله يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ سورة آل عمران: 159 عبد الله بن أبي رأس المنافقين قال في حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المهاجرين في غزوة المريسيع عند المشلل: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قال الأول: سمِّنْ كلبك يَأكُلك، يقول هذا في حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويقول أيضاً ظاناً أن خزائن السماوات والأرض بيده: لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا سورة المنافقون: 7 يقول أنتم الذين آويتموهم وأطعمتموهم فلا تنفقوا عليهم من أجل أن يتفرقوا عن بلادكم عن مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويبحثوا عن بلد آخر تؤويهم، هذا من أصحاب النفوس الصغيرة، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاحب نفس كبيرة، فلما مات ذهب إلى قبره، وأعطى ابنه قميصه -صلى الله عليه وسلم- ليكفن به، وقام على قبره يستغفر له حتى نهاه الله -عز وجل- عن ذلك، ولما نهاه الله بقوله: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ سورة التوبة: 80، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لهم لفعلت)(1) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، هذا في رجل لطالما آذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآذى المؤمنين، فهو الذي أفَك الإفك وسعى به، وتولى كبره، واتهم عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأبشع تهمة، وقال أقبح القول، ومع ذلك يعفو عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- ويصلي عليه، ويدفع قميصه لابنه ليكفن به، ثم يقوم على قبره يستغفر له، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم حاله، وهذا لا يفعله إلا القلوب الرحيمة الكبيرة الواسعة، وليس معنى ذلك تمييع قضية الولاء والبراء فهي أصلٌ ثابت كما ذكرت في أول هذا الكلام، لكن ينبغي أن نفرق بين أمرين بين شأن الولاء والبراء وبين حظ النفس، فالولاء والبراء ثابت في القلب، وأما النفس فدعها خلف ظهرك ولا تنتصر لها ولا تقف عندها؛ فالكبار لا يليق بهم أن يدوروا حول أنفسهم، حقد مع هذا، ومشكلة نفسية مع هذا، وقضية شخصية مع الثالث، وكما يقال وقفة نفس مع فلان، وما إلى ذلك من الأمور، فهذا لا يصلح أن يكون داعية، بل هذا يفسد أكثر مما يصلح، يدعو على هذا في ثلث الليل الآخر، ويلعن هذا، ويعلن صراحة بلا مواربة للآخر أنه لا يمكن أن يعفو عنه حتى يقف معه بين يدي حكم عدل وهو الله - سبحانه وتعالى - في يوم تشخص فيه الأبصار هكذا بعضهم يعبر، فمن كان بهذه المثابة فهو لا يصلح للدعوة بل عليه أن يدعو نفسه، وأن يعالج قلبه، ثم بعد ذلك يسعى في إصلاح الآخرين، لأن هذا إذا اشتغل بدعوتهم لربما أفسد أكثر مما يصلح، يصنع مشكلة مع هذا، وعداوة مع الآخر، فيتفرق المدعوون عنه، وينفضوا ويبقي وحده.

ولما مرض شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مرض الوفاة وأين؟ في المستشفى، في القصر، مرض مرض الوفاة في السجن، وقد منع عنه كل شيء حتى الأقلام والأوراق منعت منه لئلا يؤلف، بتحريض من هؤلاء المبتدعة من شيوخ الضلالة ومن الحسدة، كأن بعضهم قد تحرك ضميره فجاء إلى شيخ الإسلام وأين؟ في السجن الذي لا زال مأسوراً جاء إليه يعتذر إليه، ويلتمس منه أن يحلله، ما قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- آلآن في الصيف ضيعت اللبن، هلا كان ذلك أولاً؟، هيهات أن أعفو عنك، وأن أصفح، وأن أحللك! ما قال شيئاً من ذلك، بل قال: إني قد أحللتك، وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال: وإني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي كونه فعل ذلك مقلداً غيره.

أيها الإخوة: من كان بهذه المثابة فقلبه يتقطع من الغل، ولا ينام الليل لأنه يتقطر على هؤلاء الخصوم، ثم هو يموت ولم يقتص منهم ولم يأخذ بثأره، ولم يتشف من هؤلاء الأعداء، إنه يموت في السجن وهم يشمتون به، ويستريحون للخلاص من شخصه، ما قال: الآن أموت كمداً، " تعلم شفاء النفس قهر عدوها " كما يقول بعضهم، وإنما قال: قد أحللت الجميع.

بل أكثر من هذا لما وقع للملك الناصر انقلاب فذهب عليه ملكه؛ وكان الذي قام بهذا الانقلاب ملك يقال له المظفر ركن الدين بيبرس؛ وكان هؤلاء العلماء والفقهاء والقضاة والحسدة الذين لم يفتئوا، ولم يألوا جهداً في الوشاية بشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كانوا قد التفوا حول هذا الملك الجديد، وصاروا حاشية له، وأداروا ظهورهم للأول:

 

لك العز إن مولاك عز وأن يهن *** فأنت إلى بحبوحة الهون صائرُ

 

فتركوه وتوجهوا من جديد إلى هذا الملك الجديد، وصاروا حاشيته وجلسائه وندمائه، ثم استطاع الملك الناصر أن يسترد ملكه من جديد، فجاء وجلس على سرير ملكه، وأحضر هؤلاء القضاة والعلماء والفقهاء وأجلسهم بين يديه، وقد طأطئوا رؤوسهم، لا يدرون ماذا سيصنع بهم؟ ولا يعرفون كيف سيفتك بهم وينتقم منهم حينما أعرضوا عنه، والتفوا حول عدوه وخصمه؟ فهؤلاء ليس لهم وفاء في نظر هذا الملك، وبينما هم كذلك، وقد طأطئوا رؤوسهم يضربون أخماساً بأسداس إذ طلع عليهم رجل من بعيد ولم يميزوه في أول الأمر؛ فلما اقترب إذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان في السجن قد أمر الملك بإخراجه من جديد؛ ودعاه إلى مجلسه فأسقط في أيديهم، وقالوا: الآن يتم الانتقام بفتوى ونذبح على الطريقة الإسلامية كما يقال، فقام الملك يمشي إلى شيخ الإسلام توقيراً وتعظيماً في الظاهر لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ولم يكن من عادته ذلك هو يجرجره من سجن إلى سجن، فقام إليه يمشي مظهراً لتعظيمه، ثم عانقه وأخذه إلى شرفة وناحية في القصر وسارّره، وجلس يتحدث معه سراً فماذا قال له؟ قال له: ماذا تقول في هؤلاء؟ يقول شيخ الإسلام: فعلمت أنه قد حنق عليهم، وأنه أراد أن ينتقم لنفسه -فلاحظ فقه شيخ الإسلام– لا ينتقم لشيخ الإسلام ولا للدين، وإنما لأن هؤلاء قد تركوه وأعرضوا عنه يقول: فعلمت أنه قد حنق عليهم، وأراد أن ينتقم لنفسه، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، ولا قيام لملكك إلا بهم، فهم قضاة البلد وفقهائه، فأخرج لي أوراق وقراطيس من جيبه فيها فتاوى بخطوطهم يقول: انظر ماذا قالوا فيك؟ كفروه، وأفتوا بقتله، وهذه محفوظة بملفات، آن الأوان لإخراجها لفضحهم لينتقم لنفسه، المظنون لو كان الإنسان صاحب نفس صغيرة أن تأخذه العزة بالإثم، ويستطيع بكل سهولة أن يتدثر بدثار السنة والدفاع عن العقيدة: أن هؤلاء مبتدعة فنخلص منهم البلاد والعباد، فماذا قال شيخ الإسلام: قال أما أنا فهم في حل من جهتي قد عفوت عنهم، يقول: فسكَنت ما عنده - أي هدأه -، ثم بدأ شيخ الإسلام بعد ذلك يبث علمه في المساجد وفي الحلق والمجالس، وكثر أتباعه وناصروه ومؤيدوه، وبدأ أولئك الذين كانوا يتحركون في الكيد له، ويطعمون في النيل منه؛ يتلطفون به ليعتذروا إليه من سابقتهم، فماذا كان يقول؟ ما كان يقف مع كل واحد ويقول: هيهات، أو يحقق معه لماذا قلت وما الذي حملك على ذلك؟ لا، كان يقطع ذلك جميعاً، ويقول: قد جعلت الكل في حل مما جرى.

ما قسم الناس إلى فسطاطين: فسطاط الأولياء الذين نصروه وكانوا معه في وقت الشدة، وفسطاط الأعداء الذين يستحقون كل ذم وويلة، ما قسم الناس ولا امتحنهم هذا الامتحان، كان يقول: ليطو هذا البساط، وكتب رسالة إلى أصحابه وإخوانه في دمشق يذكرهم بهذا المعنى، يقول: أول ما أبدأ به ما يتعلق بي، فتعلمون أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، لا باطناً ولا ظاهراً، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة الإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخل الرجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً أو مخطئاً مذنباً، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفورٌ له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوة؛ فإني لا أسامح من آذاهم في هذا الباب، ثم يقول: وتعلمون أيضاً أن ما يجري من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوة، فليس ذلك غضاضة ولا نقصاً في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بعض، بل هو بعدما عمل به من التغليظ والتخشين أرفع قدراً، وأنبه ذكراً، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور إنما هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ولكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين، - ثم يذكرهم بالتعاون على البر والتقوى، ويذكرهم أيضاً بأن هؤلاء الذي غابوا عنه ولم يحضروا، ولم يسلموا عليه ولم يهنئوه على الخروج من الحبس أن هؤلاء لا يلحقهم لوم ولا عتب، وأن لهم من المنزلة والمكانة أضعاف أضعاف ما كان قبل ذلك، ويقول لهم مثل هذه القضايا يقع فيها من الاجتهاد فمن كان مجتهداً في طلب الصواب فهو مأجور، والله -عز وجل- يغفر له خطأه، ويقول: في مثل هذه المحن يحصل أشياء من نزغات الشيطان، فينبغي أن نترفع عن هذه الأشياء، وهذه أمور قد كثر فيها الكذب والمقالات المتنوعة، ويوصيهم ويذكرهم بقصة الإفك لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ سورة النــور: 11 وقد أظهر الله الحق وبيَّنه فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه عليِّ، أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي، وأما في حق الله فالله يتولى الجميع؛ إن شاء غفر لهم، وإن شاء عاقبهم، ولو كان أحد يشكر على سوء صنيعه لشكرت هؤلاء على سوء صنيعهم معي.

من منا يفعل هذا، من منا يتعامل مع الخصوم بهذه الطريقة، ولذلك كان ابن مخلوف وهو عدوه المالكي الذي ذكرته آنفاً يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية ما تركنا شيئاً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا، وبهذا نستطيع أن نكسب قلوب الناس ونكسب قلوب الأعداء فضلاً عن الأصحاب والأصدقاء، وحينما يكون حول العالم أو طالب العلم أو الداعية مجموعة من طلابه وتلامذته فيتعامل معه بطريقة تـنهبط فيها نفسه، ويتعلق بحظوظه النفسية الخاصة، فإن هؤلاء لا يمكن أن يستطيعوا أن يصبروا على الاستمرار والدوام معه، ولا يمكن أن ينتجوا عملاً تنتفع به الأمة، لأن هؤلاء سرعان ما ينفرط العقد ويتفرقون ويتحولون إلى أعداء يكاشرونه بالعداوة.

ولم يقتصر إيذاء أهل البدع لشيخ الإسلام على ذلك بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- انفرد به بعض أهل البدع في ناحية من نواحي القاهرة وضربوه وشتموه، فتسامع الناس بذلك فخرج كثير من الأمراء والقادة والجنود والعامة والوجهاء يبحثون عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فوجدوه في مسجد على البحر وتجمعوا عنده، وتتابع آخرون صاروا يتلاحقون ويتسامعون، فاجتمعوا عنده وقالوا له: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا، ما قال لهم: نعم.. أنتم الذين تعرفون قدر علمائكم، ولا خير في أمة لا تعرف قدر علمائها، هؤلاء أهل بدع وضلالات أحرقوهم وأريحوا الناس منهم، ما قال هذا الكلام لأن القضية تتعلق بشخصه هو فماذا قال قال لهم: لأي شيء، قالوا: لأجلك، قال لهم: هذا ما يحق، قالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك - يعني لا نخرب الأحياء بكاملها بل نذهب إلى بيوتهم - فنقتلهم، ونخرب دورهم، فإنهم شوشوا على الناس -ولاحظ الملحظ الآخر الذي جاءوا من أجله-، في البداية الانتصار لشيخ الإسلام فرفض، ثم أعادوا الكرة بثوب آخر أنهم أثاروا فتنة وشوشوا على الناس فقال: هذا ما يحل، فقالوا: فهذا الذي فعلوه لك هل يحل؟، هذا شيء لا نصبر عليه، ولابد أن نذهب إليهم، ونقاتلهم على ما فعلوا، فكان ينهاهم ويزجرهم عن ذلك، فلما أكثروا عليه قال: إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني، ولم تستفتوني فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كيف شاء، فقالوا له: هذا الذي فعلوا بك هل هو حلال؟ قال: هذا الذي فعلوه قد يكونوا مثابين عليه مأجورين فيه، قالوا: فتكون أنت على الباطل، وهم على الحق، كيف تقول إنهم يأجرون على ذلك؟ فقال: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونوا مجتهدين مخطئين، ففعلوا ذلك باجتهادهم، والمجتهد المخطئ له أجر، -أناس يضربونه ويشتمونه ويؤذونه ببدنه، وهم من أهل الضلالات والأهواء والبدع، ويقول: إنهم قد يؤجرون، فأين نحن من مثل هؤلاء؟-، بل خرج عليه رجل من هؤلاء المبتدعة متفقه فانفرد بشيخ الإسلام في محلة وناحية لم يكن هناك أحد، فأساء الأدب إلى شيخ الإسلام وأسمعه ما يكره وشتمه، فعلم الناس بذلك، وبدؤوا يأتون لشيخ الإسلام يريدون الانتصار له، فسمع ذلك الرجل، فبدأ يتلطف ويرسل الوسائط يظن أن شيخ الإسلام سينتصر لنفسه، فكان شيخ الإسلام يرد بعبارة مختصرة يقول: أنا ما أنتصر لنفسي، يعني دعوا هذا الرجل يطمئن ويرتاح، وينام قرير العين، فإني لا أنتصر لنفسي، وهؤلاء قوم يختلف معهم شيخ الإسلام في مسائل تتعلق بالعقيدة والمنهج كما يقال، أما الخلاف في المسائل الفرعية فهذا يكون الحكم فيه كما سبق: سعة الصدر وهو أحرى بذلك وأولى لأن الخلاف في المسائل العلمية الاجتهادية الفرعية أمر سائغ، ولا يلحق المخالف فيه تضليل ولا تبديع، ولا ينسب إلى هوى إذا كان يقصد الحق، والناس طالما اختلفوا في مسائل الاجتهاد، ولكن أصحاب النفوس الصغيرة لربما احتدم النقاش معه فصار يلقاك بوجه آخر، وابتسامة مائلة من شق واحد، يضمر لك ضغينة، ويحمل عليك في نفسه لأنه قد اختلف معك في مسألة من مسائل الفروع.

الإمام الحافظ محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى-:

هذا الشافعي -رحمه الله- يقول عنه يونس الصدفي: ناظرته يوماً وهو يصفه بقوله ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.

العالم الوزير عبد الرحمن بن هبيرة -رحمه الله تعالى-:

وخذ هذا المثال الآخر العجيب العالم الوزير ابن هبيرة -رحمه الله-، نال العلم والفقه والوزارة معاً، وكان له مجلس حافل بالعلماء من أرباب المذاهب الأربعة، وبينما هو في مجلسه إذ ذكر مسألة من مفردات الإمام أحمد - يعني أن الإمام أحمد تفرد في هذه المسألة عن الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأبي حنيفة -، فقام فقيه من فقهاء المالكية يقال له أبو محمد الأشيري فقال: بل قال بهذا الإمام مالك، فقال ابن هبيرة -رحمه الله-: " هذه الكتب " وأحضرها، وإذا هي تنص على أن هذه المسألة من مفردات الإمام أحمد، فقال أبو محمد الأشيري: بل قال بذلك الإمام مالك، فتكلم العلماء الذين حضروا هذا المجلس فقالوا: بل هي من مفردات الإمام أحمد، قال: بل قال بذلك الإمام مالك، فغضب ابن هبيرة وقال: أبهيمة أنت؟، أما تسمع هؤلاء العلماء يصرحون بأنها من مفردات الإمام أحمد، والكتب شاهدة بذلك، ثم أنت تصر على قولك، فتفرق المجلس، (فهب أنك في هذا المجلس، هب أنك أحد الطرفين في مكان ابن هبيرة، أو في مكان الأشيري، ما هو في مجلس علماء، لو كنت أنت وهذا الإنسان وليس معكما ثالث، وقال لك: أبهيمة أنت هل ستلقاه بعدها؟ هل ستأتي إلى مجلسه وتحضر معه؟ ثم لو قال لك ذلك أمام الآخرين هل تنام تلك الليلة؟ هل تفكر بالرجوع إليه؟) فلما انعقد المجلس في اليوم الثاني جاء الفقيه المالكي وحضر كأن شيئاً لم يكن، وجاء ابن هبيرة، وجاء العلماء، فأراد القارئ على عادته أن يقرأ ثم يعلق الوزير ابن هبيرة، فقال له: قف، فإن الفقيه الأشيري قد بدر منه ما بدر بالأمس، وحملني ذلك على أن قلت له ما قلت، فليقل لي كما قلت له، فلست بخير منكم ولا أنا إلا كأحدكم ( فكيف كان أثر هذه الكلمات؟ وهي بالمجَّان لا نخسر عليها شيئاً، تجاوز بس هذه النفس وتغلب عليها)، ضج المجلس بالبكاء، وتأثروا جداً من هذه الأخلاق العالية الرفيعة، وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء؛ وجعل هذا الخصم الأشيري يعتذر ويقول: أنا المذنب، أنا الأولى بالاعتذار، والوزير ابن هبيرة يقول: القصاص القصاص، فتوفق أحد العلماء وقال: يا مولانا إذا أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير له: حكمه يحكم بما شاء، احكم بما تريد، فقال هذا الفقيه: نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي، فقال: قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك، فقال: عليّ بقيت دين منذ كنت بالشام، فقال الوزير ابن هبيرة: يعطى مئة دينار لإبراء ذمته وذمتي، فأحضر له المال، وقال له ابن هبيرة: عفا الله عنك وعني، وغفر الله لك ولي"، فهل نحن كذلك؟ إذا كنا في مجلس وحصلت قضية مثل هذه كيف ستكون نتائجها؟ عداوة إلى يوم الدين، وقلب يتقطع، ونفس حرقاء حراء على هذا الإنسان، نسأل الله العافية، كلمات لم يخسر فيها شيئاً بل ازداد رفعة، نحن نتحدث عنها بعد قرون وبعد مئات السنين، ولو أنه بقي مع نفسه فكيف سيكون حال هذه الصلة والعلاقة، ترفعوا أيها الإخوة وارتفعوا إلى أعلى وحلقوا، النفس يجذبها الطين، فتجردوا من الأهواء والحظوظ النفسانية، هذا في مسائل العلم، أما في أمور المعاش والعلاقات الاجتماعية والتجارية وغير ذلك مما يعايشه الإنسان صباح مساء، ولابد أن يجد فيه ما يجد من تقصير في حقه، ومظلمة وإساءة، وكلمة لربما لا يتحملها كثير من الناس، فكيف يصنع؟ اسأل نفسك أنت ولا تبحث في ذهنك وتذهب إلى إنسان آخر، اسأل نفسك ما موقفك حينما يبلغك أن فلاناً من الناس يتكلم في حقك، ويقع في عرضك، كيف تصنع؟ هل تعزم على عداوته ومقاطعته؟ الشافعي رحمه الله يوصينا بوصية في هذا المقام يقول إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه فإياك أن تبادره بالعداوة، لا تحكم مباشرة، وتتخذ هذا الإجراء فتقطع الولاية، فتكون ممن أزال يقينه بشك، فالثقة حاصلة متيقنة وهذا شك عارض، فلا يذهب اليقين بالشك، ولكن القه وقابله وقل له: بلغني عنك كذا وكذا، واحذر أن تسمي له المُبَلِّغ، فإن أنكر ذلك فقل: أنت أصدق وأبر، وإذا قال: لا أنا ما قلت، فلا تحصره في زاوية ضيقة كما يفعل بعض الناس، وقل له: أنت أصدق وأبر عندي، ولا تنقر ولا تحقق وتجاوز ذلك، يقول: وإن اعترف بذلك فقال: نعم أنا قلت، فقبل أن توجه إليه سؤالاً آخر يقول: إن رأيت له في ذلك وجهاً لعذر - يعني أنت قدَّرت له عذراً - فاقبل منه، وإن لم تر له عذر فقل له: ماذا أردت بما بلغني عنك؟ ماذا أردت بهذا الكلام الذي قلته في هذا المجلس؟ فإن ذكر ماله وجه من العذر فاقبل منه، وإن لم تر له لذلك وجهاً من العذر، وضاق عليك المسلك فحينئذٍ أثبتها عليه سيئة زلة، ثم ماذا؟ خطأ ثم أنت بعد ذلك بالخيار، إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة، وإن شئت عفوت عنه، والعفو أقرب للتقوى، وأبلغ في الكرم لقول الله -عز وجل-: وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ سورة الشورى: 40 فإن نازعتك نفسك بالمكافأة ففكر فيما سبق له لديك من الإحسان فعُدَّها، ثم ابدر له إحساناً لهذه السيئة، ولا تبخسن باقي إحسانه الثالت بهذه السيئة فإن ذلك الظلم بعينه.

( لعل القائل هو الإمام الشافعي يوصي بذلك يونس الصدفي): يا يونس، إذا كان لك صديق فشد يديك به، فإن اتخاذ الصديق صعب، ومفارقته سهل.

والمشكلة أيها الإخوة أحياناً أن الإنسان يحمل الكلام على أسوأ المحامل، والطرف الآخر لم يعلم بذلك، وهو خالي القلب تماماً، ولم يخطر له على بال هذه الظنون الأخرى التي ذهب بها فلان؛ ولربما تقطع ذاك غيظاً وحنقاً ولم يبت تلك الليلة، والآخر لم يفكر في شيء من ذلك لا في قليل ولا في كثير، نيته سالمة صحيحة لم يقصد الإساءة، والناس يتفاوتون في هذا، فمنهم من قد يحمل الإحسان -نسأل الله العافية- إلى إساءة، والكلمة الطيبة إلى جرح، ومنهم من يحمل الكلام الموهم والمحتمل إلى المحامل السيئة، ومنهم من يحمل الكلام الرديء على أحسن المحامل، والله -عز وجل- قد فاوت بين الخلق، فكما وزع بينهم الأرزاق وزع بينهم الأخلاق، وقد صدق رجاء بن حيوة -رحمه الله- حينما قال: " مَنْ لمْ يؤاخِ إلا مَنْ لا عَيْبَ فِيهِ قَلَّ صَدِيقُهُ، ومن لم يرض من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه "، والإنسان ظلوم جهول، ولابد أن تصدر منه أخطاء وتقصير، فإذا كان ينقر معك على كل قضية وكل كلمة وكل تصرف فهذا لاشك أنه أمر صعب جداً أيها الأخوان، سل نفسك ما موقفك ممن وشا بك وشاية سيئة سعى فيك وأراد الإيقاع بك والإساءة إليك ما موقفك منه هذه صفية أم المؤمنين لها جارية ذهبت إلى عمر متبرعة بوشاية وفرية صفية بنت حيي كانت من اليهود وأسلمت وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من أمهات المؤمنين ففي خلافة عمر ذهبت جارية لها إلى عمر تتبرع بوشاية تقول إن صفية تحب السبت وتصل اليهود هذه تهمة وهذه التهمة تعني ما خلاصته أنها لا زالت تحتفظ بلوثة يهودية السبت هو يوم اليهود عيد اليهود فمعنى ذلك أنها تعظمه بلوثة ورواسب بقيت في نفسها تحب السبت وتصل اليهود فعمر رضي الله عنه لم يعجل عليها ولم يقبل هذه الوشاية على أنها حقيقة ثابتة استدعى صفية وسألها عن ذلك فقالت أما السبت فلم أحبه منذ أن أبدلني الله به الجمعة وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها ثم قالت للجارية ما حملك على ما صنعتي لماذا فعلت ذلك ما تفرغت بعد ذلك للجارية وأرادت أن تصفي الحساب معها قالت ما حملك على ذلك قالت الشيطان قالت اذهبي فأنت حرة انتهى كل شيء انتهت المشكلة، وسل نفسك لو أنك رجعت إلى بيتك ووجدت أن البيت قد كسر، وأن المتاع قد سرق، أو وضعت يدك في جيبك فوجدت أن ما تحتفظ به من نقود وأوراق ووثائق قد نشلت وسرقت، أو خرجت إلى سيارتك فإذا هي قد كسرت وأخذ ما بها، ونثر زجاجها على قارعة الطريق، ماذا تصنع؟ هل تدعو على هذا الفاعل السارق المجرم بأن يشل الله يده ورجله، ويأخذ بصره وسمعه، ويجمد الدم في عروقه، وأن يجعله يتمنى الموت ثم لا يجده، هكذا نفعل أحياناً، أما ابن مسعود ومن كان على شاكلته من أصحاب النفوس الكبيرة فلم يكن يصنع ذلك، خرج من بيته، ووضع النقود في طية من طيات عمامته، وجلس عند بائع فاشترى منه طعاماً، ثم قال بيده هكذا: فوجد أن النقود قد سرقت، فقال ابن مسعود: لقد جلست وإنها لمعي ( استغرب وفوجئ )، فتجمع مجموعة من الناس كالعادة لمناصرته والتفاعل معه، وإبداء المشاعر والأحاسيس التي يوافقونه، أو التي يواسونه بهذا المصاب الذي وقع له، فجعلوا يدعون على هذا السارق، اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا، اللهم افعل به كذا، وجلس كل واحد منهم يدعو، أما ابن مسعود فقال: " اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه " فليس فيها لا اقطع يده ولا رجله، ولا شل أركانه، ولا خذ بصره وسمعه، ولا اجعله يتمنى الموت ولا يجده، ولا تجميد الدم في العروق، ولا شيء من ذلك إطلاقاً، دعا له بهذه الدعوات الطيبة، دعا له ولم يدع عليه، فما موقفك لو أنك دخلت أو خرجت فصادفك إنسان لم يحفظ لك حقاً، ولم يراع لك حرمة، فوجه إليك سهماً من لسانه فشتمك وأسمعك ما تكره ماذا تصنع؟ ترد عليه بالمثل فتنتقم، ويتحول إلى عدو، إن أصحاب النفوس الكبيرة في هذا الموقف يتذكرون قول الله -عز وجل-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة فصلت: 34 فهذا شعارهم.

زين العابدين علي بن الحسين -رحمه الله تعالى-:

ريحانة العابدين زين العابدين علي بن الحسين -رحمه الله- من أكابر التابعين، كان في مجلسه وعنده أصحابه من العلماء والأشراف والوجهاء وجميع طبقات المجتمع في مجلس حافل لأنه رجل عالم وهو أبو الفقراء، يصدع للناس في نوائبهم، فكان جالساً وكان بينه وبين بن عم له وهو حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب شيء مما يكون بين الناس، فلم يتمالك حسن بن حسن نفسه، وخرج عن طوره، وجاء يبحث عن زين العابدين، فوجده جالساً مع أصحابه في المسجد، فجاء إليه وما ترك شيئاً إلا قاله في حقه من الشتم وقبيح القول، وعلي بن الحسين ساكت لا يرد بشيء، فلما تشفى منه انصرف، ثم ذهب علي بن الحسين بعد أن أكمل مجلسه إلى بيته، فلما كان الليل ذهب زين العابدين إلى بيت حسن بن حسن، وفي مثل هذه المواقف المتوقع أنه يخفي تحت ثيابه ما يؤدبه به، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، بل جاء إلى بيته، وطرق عليه الباب، فلما خرج حسن بن حسن قال له: يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، السلام عليكم، وتركه، فهشمت هذه الكلمات العداوة المستحكمة في نفس حسن بن حسن، ولم يتمالك مشاعره، فتحولت مشاعر العداوة والبغض والكراهية والغضب إلى مشاعر أخرى معاكسة، فجعل يتبعه ويجري خلفه، والتزمه من خلفه، وجعل يبكي حتى رثي له، ثم قال: لا جرم لا عدت في أمر تكرهه، فقال له علي بن الحسين: وأنت في حل مما قلت لي.

في ليلتها لم يذهب ليتكلم ويبحث عن فرص الانتقام، فهل تفعل ذلك إن جاءك إنسان وشتمك وكنت في مجلس مناسبة أو في صالة أفراح فتسلط عليك إنسان، وأسمعك قبيح القول، فما موقفك من هذا الإنسان، إن كنت من أصحاب النفوس الكبيرة فستتجاوز النفس، ولهذا كان بعضهم يقول لمن يشتمه، ويبالغ في شتمه: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.

الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-:

لو أن إنساناً اعتدى عليك مباشرة بالضرب، أو الجرح، أو حاول قتلك، أو دس لك السم، أو غير ذلك، فكيف تصنع معه؟

عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- خامس الخلفاء الراشدين مرض مرض الوفاة، وسأل مجاهداً قال: ما يقول الناس في مرضي؟ قال: يقولون مسحور، قال: لا، ثم دعا غلاماً قال: ويحك ما حملك على أن سقيتني السم، يريد أن يبين له السبب؟ فقال: ألف دينار أعطيتها، وأن أعتق، فقال: هاتها فأخذها، ووضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب فأنت حر، لا يراك أحد.

هذا سم الخليفة، ويعرف أنه هو الذي فعل هذا، واعترف فماذا صنع به؟، قال له: اذهب فأنت حر.

الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تعالى-:

والإمام مالك -رحمه الله- ضرب وجلد حتى تخلعت يداه، وكان يصلي مسبل اليدين لما يجد من الألم، فلما جاء المنصور الخليفة العباسي وحج، وجاء إلى المدينة أراد أن يتجمل عندد الإمام مالك، فطلب من الإمام مالك أن يقتص ممن حبسه وضربه وهو جعفر بن سليمان، فماذا قال الإمام مالك؟ هل قال: فرصة لا يمكن أن تضيع؟ لا، بل قال: معاذ الله، ما قال هذا واحد من الظلمة نقتص منه ونؤدبه، لا، بل قال: معاذ الله الكبير لا ينتقم لنفسه

ولهذا ما انتقم النبي -صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط.

وخذ مثالاً آخر: دخل رجل يسأل فغضب ابن هبيرة، وقال للحاجب: أما قلت لك: أعط هذا عشرين ديناراً، ووقراً من الطعام، وقل له: لا تحضر عندي، فقال: قد أعطيناه، فقال: عد وأعطه، وقل له: لا تحضر، فلما انصرف الرجل، قال ابن هبيرة لأصحابه: هل عجبتم من هذا الجواب، والرد الذي رددت به، قالوا: نعم، قال: هذا الرجل الذي رأيتم قبل قليل كان شحنة في القرى - يعني أنه من الحاشرين، يرسل ليحضر أناس في قضية في جناية في تحقيق فيأخذ رؤساء القبائل، ويأخذ وجهاء البلد أو القرية ويحضرهم للسلطان، فكان شحنة في القرى -، فقتل قتيل في ناحية البلد التي فيها ابن هبيرة، فجاء هذا الرجل فأخذ مشايخ القرى، وأخذ ابن هبيرة مع الجماعة، وابن هبيرة على قدمه والرجل على فرس، فجعل يؤذي ابن هبيرة، ويمشيه مع الفرس، ثم ربطه وأخذ من كل واحد من هؤلاء قدراً من المال وسرحهم -والمسألة فوضى-، ثم جاء لابن هبيرة وقال: هات ما معك، قال: ما معي شيء، يقول: فانتهرني وضربني مقارع على رأسي، يقول: ولم أنقم عليه شيئاً من ذلك، لكني كنت أستأذن أن أصلي الفرض فأبى أن يأذن لي، فأنا أنقم عليه لأنه رفض أن يسمح لي بالصلاة - صلاة الفريضة -، حيث أدركتني في الطريق، يقول: وبعد ذلك جاء به ابن هبيرة وولاه على بعض العمل في إصلاح معايش الأمراء - يعني أملاكهم الخاصة - يديرها، فما انتقم منه ولم يقل: هذه الفرصة ذهبية.. لا، بل أعطاه وأكرمه وما انتصر لنفسه منه.

واشترك ابن هبيرة هذا صاحب القلب الكبير قديماً قبل الوزارة مع رجل أعجمي في زراعة فوقع بينهما شيء، فقام هذا الأعجمي وضرب ابن هبيرة ضرباً مبرحاً، فلما ولي الوزارة استدعاه، وتوقع هذا الأعجمي التأديب والتعزير والانتقام، بل والقتل، فلما جيء به؛ أعطاه ووهب له وولاه ولاية، يقول عنه تلميذه ابن الجوزي -رحمه الله-: كان يملي علينا كتاب الإفصاح، فجاء رجلان أحدهما قد أسر الرجل الآخر، يقوده معه يقول: هذا قتل أخي فأقدني منه، أريد أن أقتص!! فقال: ابن هبيرة أقتلته، قال: نعم، جرى بيني وبينه مشادة فقتلته، فقال الخصم: سلمه لي، فقد أقر بالقتل، قال ابن هبيرة: أطلقوه ولا تقتلوه، قالوا: كيف ذلك وقد قتل أخانا؟، قال: فبعه لي!! فاشتراه منهم بأضعاف الدية بستمائة دينار، وسلم الذهب لهم، فلما ذهبوا قال له: اجلس، فجلس عنده، وأعطاه خمسين ديناراً، ثم ذهب، فتعجب ابن الجوزي ومن معه وقالوا: كيف تصنع مع هذا؟ رجل قتل إنسان، ادفعه إليهم يقتلونه، فلماذا تبالغ في رفع الدية؟، وتعوضهم هذا التعويض، ثم تعطيه؟ فقال: هل تعلمون أني لا أنظر بعيني اليمنى منذ أربعين سنة؟ قالوا: لا، قال: هذا الرجل مر بي قبل أربعين سنة، ومعه سلة فاكهة، فقال: احملها وكان معي كتاب في الفقه، فقلت: ليس هذا بعملي ابحث عن حمال، يقول: فغضب ولطمني وضربني، وقلع عيني ومضى، ولم أره إلا هذه الساعة"، فلاحظ الآن: هذا الرجل قاتل، يقتص منه؛ والحمد لله، فإنك لن تقتص أنت منه، ولن تقتله ولن تنتقم لنفسك بل دعهم يقتصون، يداك أوكتا وفوك نفخ، جنيت على نفسك والحمد لله الذي أوقعك بسوء عملك، لا بل فداه وأعطاه وأكرمه، فمن منا يفعل ذلك، يقول: " أردت أن أقابل إساءته بالإحسان ".

لو صادفت سباباً شتاماً في مكان في مدرستك أو في عملك في السوق؛ فقال لك كما قال رجل للأحنف بن قيس: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً!! فماذا قال الأحنف بن قيس؟ قال: لكنك إذا قلت عشراً لن تسمع واحدة

 

  قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم *** إن الجواب لباب الشـر مفتـاحُ

 

فالعفو عن جـاهل أو أحمق أدب *** وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ<

أخبار ذات صلة

في منتصفات العصر الاموي بدأت حركة الترجمة عن الحضارة اليونانية ، وكان مما ترجموه عنها علم المنطق الأرسطي،

ولأنه العلم ا ... المزيد

كراهية الشريعة ... تنعكس عند أصحابها في صورِ سلوكٍ ومواقف ولغةِ تعامل..فالموقف منها ليس سِرًا مستورًا في القلوب مغمورًا في النفوس ، ولكن كراهيتها حال ... المزيد

حتى يعرّفنا بالجولاني مَن يعرفُه سنكتفي بتعريفه هو نفسه بنفسه، التعريف الذي قدّمه بلسانه لا بلسان غيره (مستخرَجاً من تسجيل صوتي له غداة إعلانه الان ... المزيد

لاكوانا مدينة أمريكية صغيرة تقع على شاطئ البحيرات العظمى بالحدود الغربية لولاية نيو يورك بجوار شلالات نياجرا بمنطقة الحدود مع كندا ،في هذه المدينة ... المزيد

تعليقات