البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أبو محمد المقدسي.. يكتب: فوائد قرآنية وتأملات سجونية

المحتوي الرئيسي


المنظر الجهادي الأردني أبو محمد المقدسي المنظر الجهادي الأردني أبو محمد المقدسي
  • أبو محمد المقدسي
    03/01/2016 12:05

هذه بعض الفوائد القرآنية والتأملات السجونية دونتها في سجني على هامش مصحفي أحببت أن أُتحف بها إخواني ..
 
1. فلنتعلم الإنصاف والخُلق الكريم من الأنبياء
تأملوا إنصاف يوسف؛ فقد ظلمه إخوانه وسرقوه من أبيه وألقوه في غيابة الجب، وباعوه بثمن بخس، وبَهَتُوه فقالوا عنه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، يقصدون ما ذكره المفسرون من أنه أخذ صنمًا لجده من أمه فكسره ورماه، فتأمل كيف بهتوه فسموا إنكاره للمنكر سرقة!، فظلموه بكل ما فعلوه وقالوه ولم ينصفوه ..
ومع ذلك كان منصفًا معهم: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾؛ فلم يُعمِّم عليهم الأخذ بل بعَّضه وحدده فقال: ﴿مَنْ وَجَدْنَا﴾، ولم يأخذهم بجريرة الفعل المنسوب لأخيهم، وتأمل عدله وصدقه ودقته وإنصافه في قوله: ﴿مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، فلم يقل: "من سرق متاعنا"؛ لأن أخاه لم يسرق بل وُضع الصواع في رَحْله، وأما قول فِتيانه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فإنه كان عن أمره وهو أيضًا صدق وإنصاف، إذ لم يقولوا: "قد سرقتم صواع الملك"؛ لأن يوسف يعلم أنهم لم يسرقوا، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وهو صدق؛ لأنهم استحقوا الوصف العام لفعلهم معه وهو صغير حين خدعوا أباه عنه فسرقوه وباعوه؛ أما أخوه فقد كان قد عرّفه بنفسه فلم يُفزعه ذلك، فكان صادقًا حتى في خصومته معهم عادلًا في تعامله وأنصفهم حتى وإن لم ينصفوه؛ لأن الإنصاف حلة الأشراف والأشراف أقل الأصناف .
أما الخلق الكريم فقمَّتُه عفوه عنهم بقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وبعد ذلك في مقام عِزِّه وذُلِّهم يوم خرُّوا له سُجَّدًا أضاف ذنبهم وفعلهم به إلى الشيطان ولم يضفه لهم، وأضاف إخوته إلى نفسه ولم ينفهم عنه في الخطاب فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، وتأمل إعراضه عن ذكر سيئتهم وفعلهم به وتقريعهم في هذا المقام حيث قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، ولم يقل: "إذ أخرجني من غيابة الجب" مع أنه أصعب من السجن وقد يكون فيه هلاكه لولا لطف الله، وذلك إعراضًا عن تقريع إخوانه وذكر ما يخزيهم في مقام عزه واجتماع شملهم به، والإغضاء والتغافل عن مثل هذا من خلق الكرام .
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام)، اللهم صلّ عليه وعلى نبينا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا .
 
2.  فلنتعلم من نهج جيوش الأنبياء 
يقول الله تعالى في سورة النمل في قصة نبي الله سليمان: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
توقفت عند ابتسامة سليمان لسماعه نداء النملة التي حذرت بني قومها كما قص الله علينا وتساءلت؛ ترى لماذا تبسّم سليمان ضاحكًا وشكر ربه لما سمع كلام النملة؟ 
إنه تبسمٌ وضحك يعبّر عن الرضا عن شيء ما، ويعزّز هذا المعنى ويقويه إتباعه التبسم والضحك بشكر الله، والطلب من الله أن يعينه على الشكر ويوفقه إليه، والتوفيق والإعانة على شكر نعمة الله نعمة زائدة أخرى من الله تحتاج إلى شكر آخر، كما يؤثر ذلك عن أبيه داود.. 
تدبرت الآيات فهداني الله إلى فائدة لطيفة عزيزة أراها متَّسقة مع السياق، وقد أوصى علماء التفسير على حمل معنى الآيات التي تكون حمَّالة أوجه على أحسن الوجوه لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، ويقول: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقد وجدت كثيرًا من علماء التفسير ركزوا في هذه الآية على فصاحة النملة وعلى تعدد أنواع البيان في ندائها حتى قال السيوطي في (معترك الأقران في إعجاز القرآن): "أنها جمعت أحد عشر جنسًا من الكلام" ثم أخذ في تعدادها، وذكر أنها أدَّت بذلك خمسة حقوق: "حق الله، وحق الرسول، وحقها هي، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان". اهـ.
وهذا قرأته لاحقا كما قرأت تركيز بعض المفسرين على معجزات سليمان من تكليم الطير ومعرفة لغات الدواب وتسخير الجان له ونحو ذلك، وانشغل آخرون بما لا فائدة فيه من البحث عن اسم هذه النملة واسم قبيلتها ووصفها ومكان الوادي وغيره .. 
ولما كان كلّ يبحث عما يُهمُّه ويغلب عليه همُّه فينظر غالبًا من زاوية همه وجهته، فيُذكّره ذلك ويُريه من الآيات ما قد يغفل عنه غيره، فقد فهمت من تبسُّم سليمان -عليه السلام- وضحكه وشكره نعمة الله عليه في هذا المقام أنَّ سببه كان تحديدًا هنا: إعذار النملة له ولجنده إن هم حطموا من لا يدخل مساكنه من النمل، بقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ فلهذا الإعذار والاعتذار قيمة ومعنى عظيم عند هذا النبي الصالح وقائد المجاهدين الموحدين آنذاك استوجب شكر الله، إذ فيه ثناء وتزكيه له ولجيشه وتبرئة ومدح حتى من الدواب .
فإن ذلك يعني أن سمعة هذا القائد وسمعة جيشه عند كل أحد أنه جيش صالح غير مفسد في الأرض، فهو لا يمكن بأيّ حال أن يقتل من لا يستحق القتل من أي ذي روح ولو كان دُوَيْبة كالنملة، اللهم إلا أن يكون ذلك خطأ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أما قتل العمد لغير المقاتل ولا الحربي ولا الصائل أو الضار المؤذي ونحوه؛ فليس قتله من هدي الجيش المسلم ولا من سبيل المجاهدين الذين يقتفون نهج الأنبياء..
والتوفيق إلى هذا الهدي وإلى التزامه وعدم الخروج عن نهجه نعمة من الله عظيمة على المجاهدين تستحق أن يشكروا الله عليها، وأن يشكرهم الناس بل والدواب عليها فيذكروهم بخير ويدافعون عنهم ويحسنون الظن بسيرتهم وجهادهم، كما أن مخالفتها والانحراف عنها والتفريط بها، مخالفة ومفسدة يستحق صاحبها الذم لأجلها، لأنها مخالفة متعدّية لا تضر بالبلاد والعباد وحسب، بل تضر بالدين والجهاد وتشوه سمعته وتصد عنه .
وذلك كله يدل على أن الواجب على كل مجاهد في سبيل الله وكل جماعة مجاهدة أن تحرص على أن تكون سمعتها وصيتها ونهجها كهذه السمعة، فتتقي الله في كل ما لا يستحق القتل وفي كل نفس معصومة بالأمان أو بالإيمان أو بأي وصف شرعي معتبر منصوص عليه في ديننا، إن كان فعلًا يهمها أن تكون على نهج الأنبياء.
 
3. فلنتعلم من الأنبياء تقديم همّ الدعوة على همّ الدفاع عن النفس 
 يقول الله تبارك وتعالى في قصة محاورة موسى لفرعون: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
هنا يرمي فرعون نبي الله موسى بالجنون على الملأ مستهزئًا به ليحرفه ويحيد به عن مسار تبليغ دعوته، ويشغله عن الدعوة إلى التوحيد بنفسه والدفاع عنها؛ فلا يلتفت موسى إلى ذلك الأذى ولا تهمه نفسه بقدر ما يهمه إبقاء المعركة والخصومة دينية، ولا يرضى أن تنقلب الخصومة إلى شخصية لأجل تبرئة نفسه؛ فلا يتوقف عند تهمة فرعون له بالجنون ولا يقطع دعوته لأجل الدفاع عن نفسه، بل يفوّت الفرصة على فرعون ولا يستجيب لاستدراجه، ويكتفي بالتعريض العابر في هذا المقام دون التصريح فيقول في رده عليهم: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
فكأنه يقول لهم: أنتم أولى بالجنون لأنكم تركتم التوحيد وعبادة رب المشرق والمغرب">المغرب إلى عبادة غيره، ولكنه لا يصرح برد الجنون عليهم تصريحًا، ولا ينشغل بذلك طويلًا لأن هذا ليس همه .
فالدفاع عن النفس من القواطع والمعوقات التي يحاول أعداء الداعية وخصومه إشغاله بها ببهته وتلفيق التهم له، والكذب والافتراء عليه لإشغاله بنفسه عن الدعوة، وقلب الخصومة من خصومة دينية في سبيل الله إلى خصومة شخصية في سبيل النفس .
وعلى الداعية أن لا يقع في مكائد أعدائه وأن لا يعوقه تشويشهم أو تحرفه عن دعوته طُعُوناتُهم في شخصه؛ وأن يكون الدفاع عن نفسه عنده ثانويًا، وأما دعوة التوحيد وتبليغها والدفاع عنها والجهاد من أجلها فينبغي أن يكون شغله الأصيل. .
ومن انشغل بالدفاع عن دين الله وجعل ذلك همه وقدم ذلك على الدفاع عن نفسه دافع الله عنه وسخَّر له من يدافع عنه في الغيب والشهادة؛ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
 
4. فلنتعلم كثيرًا من الآداب والفوائد في طلب العلم وغيره من الأنبياء
 
في قصة موسى مع الخضر عليهما وعلى نبينا السلام فوائد كثيرة هذا شيء منها:
1- جواز تلقي العلم من العالم مشروطًا بشرط من طرف العالم؛ ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
2- جواز تلقي الفاضل العلم من المفضول؛ لأن موسى كليم الله ومن أولي العزم من الرسل والخضر نبي .
3- جواز الإنكار والرد على الشيخ والمعلم بأدب؛ ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا..﴾ فلم يمنعه كون الخضر أعلم منه أو معلمه أو شيخه أن ينكر عليه ما كان في ظاهره منكرًا مستيقنًا .
4- التأدب مع الشيخ وتوقيره والحرص على إعذاره وعدم التردد من الاعتذار له عند الحاجة؛ ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
5- عدم الصبر عن إنكار ما كان ظاهره منكرًا في الشريعة سمة أولي العزم من الأنبياء؛ فإن إنكار موسى الأول كان نسيانًا أما الثاني فمن غير نسيان .
6- قتل النفس بغير حق أعظم وأشد نكارة من إفساد الأموال؛ فقد قال موسى في خرق السفينة ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، بينما قال في قتل الغلام: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾. والأول أنكره نسيانًا وأما إنكاره الثاني فكان عمدًا خالف فيه شرط معلمه.
7- ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾؛  كان موسى حين سقى للمرأتين من أهل مدين أحوج إلى الطعام والضيافة منه حين أتى القرية مع الخضر ولكنه صبر ولم يسأل قوتًا، بل سقى لهما ابتداءً ولم يشترط على ذلك أجرًا؛ لأن ذلك السفر كان سفر هجرة وفرار من الظالمين فأعانه الله عليه وآواه ورزقه القوت دون أن يتكلف السؤال، أما القرية فقد سأل مع الخضر القوت واستطعما أهلها، وذلك ربما لأن سفره مع الخضر كان سفر تأديب وتعليم لذا فقد وُكِل إلى تكلُّف المشقة، ففيه أنه يُستحسن للمتعلم أن يمر في مرحلة التعب والمشقة والسهر ليتدرب ويتأهل على الصبر والجلد.
8- قتل الصبيان الصغار منكر مقرر في الشرائع والأديان السماوية كلها، وهو منكر صريح لا يحل السكوت عليه أو إقراره؛ ولذا أنكر موسى ذلك لما ظهر عنده أنه كذلك، ولا يستحل قتلهم إلا الغلاة أو الطغاة، ولذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما- لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان، قال له: "إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم" رواه أحمد. أي إن كنت كالخضر تعرف الكافر من المؤمن منهم فاقتل الكافر منهم، وأنت لا تعرفه قطعًا لأنه لا وحي معك كالخضر فلم يبقَ إلا التحريم .
9- نتعلم من القصة أدب أنبياء الله في كلامهم عن الله؛ ففي ما كان ظاهره الافساد والعيب نسب ذلك لنفسه فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وكذلك في قتل الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا..﴾، وأما في الطيب الذي ظاهره الإصلاح الكامل بلا فساد وهو بناء الجدار ليحفظ على اليتيمين مالهما قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. وفي صحيح مسلم في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والخير بيديك والشر ليس إليك)، هذا رغم أن الكل قد خَلَقَهُ الله، ولكن أدَّبنا الأنبياء أن لا ننسب الشر إلى الله .
10- وفي القصة أن الولد يُحفظ بصلاح الوالد من بعده؛ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
11- قول الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فيه أنه لا يجوز العدوان على أنفس الناس ودمائهم وأموالهم إلا بنص قطعي من الوحي، فهذه الآية تحكم ببطلان جميع القوانين الوضعية وجميع استحسانات من يُجيز شيئًا من العدوان بمجرد فكره وهواه، قال الشنقيطي: "أي: وإنما فعلته عن أمر الله -جل وعلا-، وأمر الله إنما يتحقق بطريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله -جل وعلا-، ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء/45]، و(إنما) صيغة حصر".  (أضواء البيان) [4 / 172، 173].
12- في القصة إثبات قاعدة: (احتمال الفساد الأدنى لدفع الفساد الأعلى)؛ فإن الخضر عمل بذلك حين نزع لوحًا من السفينة ليعيبها حفاظًا عليها كلها من مصادرة الملك الظالم، وقتل الغلام الذي طُبع كافرًا صيانة لدين والديه أن يكفرًا بسببه.
13- وفيها التنبيه على فقه المآلات والنظر في العواقب ونتائج الأعمال وتقدير فائدتها وثمرتها قبل الإقدام عليها؛ فذلك من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ومن أهملها فقد ضيَّع كثيرًا من الخير؛ فهذا الذي فعله الخضر وإن كان ظاهره الفساد إلا أن حقيقته عند النظر في مآلاته إصلاح وإحسان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنَّ خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفًا من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم وذلك جائز" اهـ.
 
5. فلنتعلم الأدب وقول التي هي أحسن من أنبياء الله ووصايا القرآن:
الاستهزاء والهزل أثناء البيان الشرعي من سمات الجاهلين:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؛ فبيَّن نبي الله أنه لا يستهزئ في سياق المطالب الدينية وأثناء بيان الأحكام الشرعية والكلام في المسائل الدينية إلا الجاهلون الذين ينبغي على المرء أن يستعيذ بالله من أن يكون من جملتهم.
أُمِر بنو إسرائيل في ميثاقهم أن يقولوا للناس حسنًا، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فتولى كثيرٌ منهم وهم معرضون. 
وأُمرت هذه الأمة بأن تقول التي هي أحسن لأنه من الشيطان أحصن؛ فقال الله تعالى لنا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، وأحسن: صيغة تفضيل، فعلى المرء المسلم أن يتخيّر أحسن الألفاظ والأساليب والطرق في الكلام والتعامل والتناظر والتخاصم إن أراد أن يتحصن من نزغات شياطين الإنس والجان.
في وصية لقمان لابنه قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وفي وصية الله لهذه الأمة زيادة حيث قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فزاد هنا اللام: ﴿لَمِنْ﴾ لتأكيد المدح بأن ذلك من عزم الأمور؛ لأن المطلوب في وصية لقمان مجرد الصبر على ما يترتب من أذى بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما هنا فقد ورد زيادة الترغيب بالمغفرة والصفح فوق الصبر على الأذى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ وهو مطلب زائد صعب على النفس، فلما زاد هذه الخصلة زاد تأكيد الوصف الممدوح باللام.
 
6. فلنتعلم تعظيم الله ونعرف عظمة ديننا من الأنبياء:
 ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
تأمل قول نبي الله عيسى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، وما فيه من أدب رفيع في خطاب الرب، ولم يقل في جوابه: "لم أقله"، وفرق شاسع بين الجوابين في حقيقة الأدب.
بينما صرَّح في نفي أن يكون قال لهم غير ما أمره به ربه من التوحيد الخالص: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ لأن في ذلك إثبات عبوديته وطاعته لمولاه، وتكذيب للنصارى في نسبة الألوهية إليه أو ادِّعاء أنه ابن الله .
ومن رفيع أدبه وتعظيمه لله أنه (رأى رجلًا يسرقُ فقال له أسرقتَ؟ قال: كلا واللهِ الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنتُ باللهِ، وكذبتْ عيني) رواه البخاري. فهذا سارق صدَّقه نبي الله وكذَّب عينه تعظيمًا لله حين حلف له بالله، وهناك من لا يرى ولو حلفت له بأعظم الأيمان ولا يصدق إلا ما أُشرب من هواه! .
 
ومن الفوائد القرآنية التي جاءت في سياق الكلام عن هذا النبي الكريم قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، فجاء اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- في بشارة عيسى بصيغة التفضيل (أحمد) ليعرف النصارى ومن أرسل إليهم عيسى أن دين أحمد الذي سيرسل به أفضل وأكمل وأحسن، وأنه هو أيضًا أفضل وأحمد من جميع الرسل، وكتابه يهدي إلى التي هي أقوم .
 
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.
في هذا رد على النصارى في دعوى أن المسيح أُرسل بالمحبة المطلقة العريّة من الولاء والبراء، وذلك بإيراد قصته في دعائه قومه ليكونوا أنصارًا لله في سورة الصف التي استفتحت بذكر محبة الله للذين يقاتلون في سبيله صفًا، وختمت بالدعوة إلى الانحياز إلى أنصار الله وتكثيرهم والانضمام إلى طائفتهم، ثم بيَّن لنا الله انقسام بني اسرائيل على إثر دعوة عيسى إلى طائفتين إحداهما عدوّة للأخرى. إذن في دينه موالاة ومعاداة  كما في ملة إبراهيم، والمعاداة أن تكون في عُدْوَة وعدوُّك في عُدْوَة أخرى، فصاروا فريقين؛ طائفة مؤمنة وطائفة كافرة، وأن الله أيد الذين آمنوا على عدوهم وجعل الظهور والعاقبة للمتقين، وهذا نحو قوله تعالى عن قوم صالح لما جاءهم بدعوة التوحيد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. 
 
7. الأنبياء لم تضرهم نصرة بعض عشيرتهم وأقوامهم لهم ولو بدوافع جاهلية:
الأنبياء لم تضرهم نصرة بعض عشيرتهم وأقوامهم لهم ولو بدوافع جاهلية ونسبية، فلا يعيب على من تأسى بهم واستفاد من مثل ذلك إلا جاهل أو مغالٍ؛ ومثل ذلك لو استفاد ممن ينصره من منطلقات مشابهة كحقوق الإنسان والإنسانية ودعاوى الحرية والديمقراطية .. مادام المستفيد لا يتضرَّر ولاؤه وبراؤه من هذه النصرة ولا يمتدح تلك الدعاوى الجاهلية ولا حرج عليه لو شكر لناصريه ولو كانوا كفارًا .
قال تعالى حاكيًا عن قوم شعيب -عليه السلام-: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ومَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91].
تُبيّن هذه الآية أن الله عصم نبيه شعيب من أذى قومه برهطه أي قبيلته، الذين كانوا على الكفر أيضًا، ولكن حموه من منطلقات الحمية القبلية، وأنه لا حرج على الداعية أن يستفيد من مثل هذه الحماية أو الحاضنة مادام دينه ظاهرًا ودعوته مُعلَنَة، ولا يضر ذلك في ولائه وبرائه أو يحرفه عن استقامة منهجه ولو كافأهم عليه بالشكر القولي أو العملي.
 
ومثل ذلك ما ذكره الله تعالى في نبي الله صالح وقومه: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وإنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: 49]، فبيَّن الله أن أعداء صالح كانوا يحاذرون أولياءه مع أنهم لم يكونوا على دينه، وأنهم لم يؤذوه إرضاءً لأوليائه، ولذلك تقاسموا أن يمكروا به سرًا، ثم يحلفوا لأوليائه أنهم ما آذوه ولا شهدوا مهلكه .
 
ومثل ذلك ما امتنَّ الله به على نبيه من أنه آواه إلى عمه الكافر الذي نصره وحماه من عادية كفار قريش فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾. 
قال الشنقيطي -رحمه الله:-"بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّ نبيه شعيبًا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار. وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله، ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر، كقوله في صالح وقومه: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ الآية، ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاءً وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عُصبته أنهم ما فعلوا به سوءًا، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفًا من عصبته. فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار، وقد قال تعالى لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾، أي: آواك بأن ضمَّك إلى عمك أبي طالب. وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين البتة، فكونه -جلَّ وعلا- يمتنّ على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر، ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب:
والله لن يَصِلُوا إليك بجمعهم ** حتى أُوسَّدَ في التراب دَفِينَا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** أبشر بذاك وَقرَّ منه عيونا
ولهذا لما كان نبي الله لوط -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ليس له عصبة في قومه الذين أُرسل إليهم ظهر فيه أثر عدم العصبة، بدليل قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية الكافرين. ولما ناصر بنو المطلب بن عبد مناف بني هاشم، ولم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف، وبنو نوفل بن عبد مناف عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين، فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: (إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) ومنع بني عبد شمس، وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي .
إلى قوله: "فهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يُعين المؤمن بالكافر لتعصُّبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين، وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)، وفي المثل: اجتَنِ الثمار وأَلقِ الخشبة في النار." اهـ مختصرًا من (أضواء البيان) .
وقد شكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمه نصرته وإيواءه له، فذكر أنه يشفع له يوم القيامة فيكون أخف أهل النار عذابًا، ولولا ذلك لكان في الدرك الأسفل من النار .
كما شكر للمطعم بن عدي الذي أجاره يوم رجع من الطائف فقال لابنه يوم بدر لما كلمه في أسارى بدر: (لَوْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُوكَ حيًّا فَأَتانَا فِيهِمْ شَفّعْنَاهُ). وفي رواية: (لَوْ أَنَّ أَبَاكَ كَانَ حَيًّا، أَوْ لَوْ أَنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ كَانَ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمِني فِي هَؤُلَاءِ النّتنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ‏)‏.
وهذا شكرٌ وذكرٌ لمعروف مشركٍ بعد وفاته لأنه نصر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأين المتنطع المنكر على من تأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك..؟! فضلًا عن المكفِّر بمثله لمن استعمله واستفاد منه .
لكن ينبغي على المتأسي أن لا يغفل عن حال النبي وسيرته ونهجه مع قومه وعمه من وضوح الدعوة وإظهار التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد وعدم الانحراف عن ذلك بسبب تلك النصرة .
 
8. فلنتعلم الشكر والصبر من الأنبياء:
قال تعالى عن نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقال تعالى لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
وكان –صلى الله عليه وسلم- يوصي صحابته أن يقولوا دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
فلنستعن بالله على شكره، فلولاه سبحانه ما وفقنا لشكره، يروى عن داود -عليه السلام- أنه قال: "يا رب كيف أشكرك؟ وشكري لك نعمة منك تحتاج إلى شكر آخر؟، فقال الله: الآن شكرتني يا داود".
وكان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقوم حتى تتفطَّر قدماه، فيُقال له: "قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"، فيقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا).
تأمل جزاء الشكر في قصة سليمان في [سورة ص]، وتأمل جزاء الصبر في قصة أيوب فيها تجده واحدًا: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وقال في أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، ولذلك قال بعض السلف: "لأن أُعافى فأشكر، أحب إلي من أن أُبتلى فأصبر"؛ وذلك لأن جزاءهما واحد وفي الشكر زيادة عافية.
 فاسأل الله العافية وكن عبدًا شكورًا تنل جزاء الشاكرين الذي هو عين جزاء الصابرين إضافة للعافية .
يُضرب المثل بصبر أيوب، ومع ذلك فقد قرر العلماء أن صبر إبراهيم وإسماعيل على طاعة أمر الله في قصة الذبح أعظم، وصبر يوسف عن الوقوع فيما دعته إليه امرأة العزيز أعظم من صبر أيوب، وصبر يوسف عن مطاوعتها أعظم وأكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وسجنه؛ فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره فليس للعبد فيها حيلة إلا الصبر، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى وهو الغاية، إذ هو الصبر لله، والآخر هو الصبر على أقدار الله .
 
قسَّم بعض أهل العلم الصبر إلى:
الصبر لله: وهو نوعان:
1- صبر على طاعة الله.
2- والصبر عن معصيته .
 وصبر بالله: وهو الاستعانة بالله للتصبُّر والقيام بكل أنواع الصبر .
 وصبر على أقدار الله المؤلمة وسمَّاه بعضهم:"صبر على الله".
مستفاد من (مدارج السالكين)، وفيه أن أعظم أنواع الصبر الصبر لله؛ لأنه متعلق بألوهيته (العبادة) التي هي (غاية)، والصبر به متعلق بربوبيته (استعانة) وهو (وسيلة)، والغاية مرادة لنفسها، والوسيلة مرادة لغيرها. ولذلك قُدِّمت الغاية على الوسيلة في قوله تعالى:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
 
9. بعض صفات إبراهيم التي خوَّلته ليكون إمامًا للناس:
     قال تعالى عنه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقد قال سبحانه قبلها: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
فمراعاته للمطالب التي ابتلاه الله بها وإتمامه لها خوله لمنصب الإمامة .
فمن الصفات التي خولته لمنصب الإمامة أنه كان قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أمة: هنا بمعنى إمام يعلم الناس التوحيد والخير، وقد وردت أمة بمعنى: الملة كما في [الزخرف 23]، وبمعنى الزمن: كما في [يوسف 45] وبمعنى: الطائفة كما في [النحل 36]، وهذه هي معانيها الأربعة الواردة في القرآن .
والقنوت لله: الطاعة، والقانت: الخاشع المطيع .
والحنيف: هو المائل أو المنحرف قصدًا عن الشرك وأهله المحقق للتوحيد، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
 
ومن هذه الصفات التي ذكرها الله في نفس السياق واجتباه من أجلها أي اصطفاه: أنه كان ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
شاكرًا لأنعمه: جمع النعمة هنا جمع قلة (أَنْعُم)، بينما جمعها في سورة [لقمان آية 20] جمع كثرة (نِعَمَه)؛ وذلك لأن السياق في سورة لقمان والمقام مقام تعداد نعم الله وفضله على الناس فذكرها بجمع الكثرة: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾، وأما السياق في ذكر إبراهيم ففي مقام ذكر صفاته التي خولته ليجتبيه الله بها ويجعله إمامًا للناس ومنها شكر أنعم لله، ولما كان الإنسان لا يقدر على شكر نعم الله الكثيرة عليه ولا يطيق توفيتها شكرها، ولكنه قد يشكر بعضها مهما كان عابدًا قانتًا كإبراهيم؛ لذلك ذكرها سبحانه في هذا السياق بصيغة التقليل، فحين كان السياق في تعداد نعم الله على الخلق كثَّرها، ولما كانت النعمة المذكورة هنا هي المشكورة قلَّلها، وتأمل كيف أن هذا الشكر الخالص من هذا النبي الكريم الذي اجتباه الله واصطفاه وصيَّره أمة بسببه لا يوفي نعم الله كلها بل بالكاد يوفي بعض نعمه، ومع ذلك فإن الله أكرمه هذه الكرامة العظيمة فجعله إمامًا للناس، فالكريم يعطي الكثير على القليل، وشكر إبراهيم العملي والقولي كثير بالنسبة للعباد قليل في جنب نِعَم المعبود.
ومن أعظم ما ابتُلي ابراهيم به من المطالب فصبر عليه وبادر إليه؛ ما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾، والمقصود قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
فقد رزقه الله الغلام على الكِبَر، وابتلاه بهذا البلاء العظيم في أشد أوقات حاجته إليه ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾؛ أي بلغ مبلغ أن يعينه ويسعى معه، عندها جاءه الأمر بذبحه في المنام .
والمنام أدنى طرق الوحي كما هو معلوم ومع ذلك سارع الخليل إلى تلبية طلب أدنى طرق الوحي لأمر جلل عظيم وهو ذبح ابنه بوحي منام، وكم من الناس يتلون ويسمعون الآيات المحكمات القطعيات المتواترات تأمرهم وتنهاهم فيترددون في الاستجابة ويتلكَّؤون، ثم يتطلّعون للإمامة ويتشوَّفون لها ودون ذلك خرط القتاد.
 
وقد قال تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فمسارعته للتسليم لأمر الله واستجابته له أهَّلته لإمامة الناس .
وفي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اختتن إبراهيم -عليه السلام- وهو ابن ثمانين سنة بالقَدُّوم).
تأمل؛ أُمر بالختان في هذه السن  ابن ثمانين سنة فبادر لتنفيذ الأمر. وقد اختُلف بمعنى (القدوم) فقيل هو اسم مكان، والراجح أنه اسم آلة الحطّاب أو النجار، فقد روى أبو يعلى من طريق علي بن رباح قال: "أُمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم فاشتدَّ عليه، فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته، فقال: يا رب كرهت أن أؤخِّر أمرك".  
فمبادرته للختان في هذه السن ومسارعته لفعله بالآلة المذكورة حتى لا يؤخِّر أمرًا لله تُعرّفك ببعض الأوصاف التي خولته لمنصب الإمامة.
وأما قول إبراهيم لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فليس تأخيرًا أو مشورة في تنفيذ أمر الله فهو مستسلم منفّذ للأمر لا محالة، ولكنه بحكمته وعلمه أراد أن يُشرك ابنه في هذا الشرف العظيم اختيارًا واستسلامًا، ولذلك قال تعالى عنهما: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ فأشركهما في هذه الكرامة والاستسلام لله في هذا البلاء العظيم، وهذا بخلاف قصتهما في كتب اليهود والنصارى المحرفة اليوم حيث تحكي أن إبراهيم أخفى على ابنه الأمر وأوهمه بأنه سيذبح قربانًا ولم يُعلمه أن القربان هو وأنه ربطه حتى تمكن منه!!
يتبع ..
 
10. نتابع بعض صفات إبراهيم التي خولته ليكون إمامًا للناس:
 
الاستعانة بالله على طاعته، ودعاؤه سبحانه ليقبل الطاعة؛ إظهارًا للافتقار؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.[127 البقرة].
تأمل إلى هذا؛ الله -جل جلاله- هو الذي أمرهما بالقيام بهذا العمل (﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ..﴾ ومع أنهما قاما بعمل قد أمرهما الله به؛ أي أنه عمل محبوب مرضيٌّ من الله، مع ذلك يدعوان ويستغيثان الله أثناء قيامهما به أن يتقبله الله منهما ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ لأنهما يعلمان أن أداء العمل لا يلزم منه القبول إلا بتوفيق من الله .
وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والانكسار له من صفاة الأنبياء عموما مع أنهم مؤيَّدون من الله ومن المصطفين الأخيار؛ فوالدانا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
ونوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
ويوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وهكذا لو تتبعت سائر الانبياء تجد صفة الاستعانة بالله على طاعته وإظهار الافتقار إليه وإلى توفيقه وتسديده سمة بارزة، فالزمها تفُز إن شاء الله .
 
ومن صفاته أيضًا التضحية في سبيل الله بالنفس والولد والوالد والأهل والعشيرة والوطن.. وتجلى ذلك كله في سيرة إبراهيم ودعوته، وقد قص الله علينا قصته في تحطيم أصنام قومه وهو فتى، وتصدّيه لمناظرتهم وبذله النفس في ذلك حين ألقوه في النار فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأما التضحية بالولد فقد تقدم استجابته لرؤيا الوحي لذبح ابنه، ومثل ذلك لما أمره الله أن يُسكن هاجر وابنه اسماعيل في واد غير ذي زرع، فعل ذلك استجابة لأمر الله وتوكلًا عليه ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وكذلك الوطن فقد غادره مهاجرًا إلى الله ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، والوالد والعشيرة والقوم في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾، وقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، فاستعلى على هذه المحبوبات الطبيعية كلها في سبيل الله وقدم طاعة الله عليها .
 
ومن صفاته موالاة المؤمنين والاهتمام بأمرهم والدعاء والاستغفار لهم ونصرتهم في النوازل؛ وهذا الجانب من صفات إبراهيم أماته كثير ممن ركزوا على براءته من المشركين، وأغفلوا ما يقابله من موالاة المؤمنين، ويظهر اهتمام إبراهيم بالمؤمنين بدعائه لهم أن يُعلّمهم الله ويهديهم ويزكيهم ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وفي استغفاره لهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، وفي جداله لرسل ربه لما علم أنهم متوجهون لإهلاك قوم لوط يظهر جليًا حرصه على المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
قال سعيد بن جبير: "لما جاءه جبريل ومن معه، قالوا له: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾، قال لهم إبراهيم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتُهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: ثلاثون؟ قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا: لا. قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم -عليه السلام- عند ذلك:﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، فسكت عنهم واطمأنت نفسه" .
وقد مدح الله إبراهيم عند هذه المجادلة عن لوط فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
 
11. نتابع بعض صفات إبراهيم التي خولته ليكون إمامًا للناس:
 
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
فالحليم: المتأني البطيء الغضب الذي لا يعجل بالعقوبة، وقيل أنه وُصف بذلك لأن قومه آذوه وألقوه في النار ومع ذلك لم يدْعُ عليهم، فللدعاة أسوة حسنة في هذا النبي الكريم أن يصبروا على الأذى ويَحلِموا على الناس ويصبروا على دعوتهم.
والأوَّاه: هو التوَّاب أو الذي يعاتب نفسه على الذنب ويتأوَّه له، فهو كثير التوبة والأوبة إلى ربه، وقيل هو الداعي المتضرع الخاشع المتذلل لله والذي تظهر منه خشية الله .
والمنيب: الرجَّاع إلى الطاعة .
 
ومن صفاته أنه رشيد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، هداه الله وأرشده وألهمه الحجة في نصرة الحق ووهبه العقل المتزن والكامل في الحجاج، انظر كيف لا تضره مراوغة النمرود في المناظرة ولا تستفزه، ولا يضيع الوقت مع سفاسفه عندما يدّعي أنه يحيي ويميت فيخلط الشرعي بالكوني، بل يترك مماراته ومجاراته في ذلك وينقله فورًا إلى الكوني البحت فيقول له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
 
ومن صفاته أنه كان ثابت القلب، امتلأ قلبه من خشية الله فلم يبقَ فيه مكان لخوف غيره؛ فلم يكن يخاف المشركين أو طواغيتهم التي يخوِّفونه بها: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. 
 
ومن صفاته أنه كما جاد بنفسه وولده وقومه ووطنه لله، فكذلك كان جوادًا يجود بأغلى ما عنده للضيفان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
والحنيذ: هو المشوي في حرّ الأرض بالرضف وهي الحجارة المحمَّاة، وهو من أفضل ما يكرم به الضيف وقد انتقاه سمينًا زيادة في إكرامهم.
كما قال تعالى في الذاريات: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، وقوله: "فراغ"؛ أي انسلّ خفية ليجهّز لهم قِراهم دون أن يُشعرهم أو يُحرجهم، وهذا من أدبه. وقوله: "فقربه إليهم" أيضًا من تحبُّبه للضيفين وحرصه على إكرامهم وعدم تكليفهم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ فقولهم: سلاما؛ بالنصب تقديره نسلّم سلامًا أي بتقدير فعل، وقوله: سلامٌ بالرفع تقدير سلام عليكم، أي بتقدير جملة اسمية، والاسم أثبت وأقوى من الفعل، فدلَّ هذا على أن إبراهيم -عليه السلام- رد تحية الملائكة بأحسن منها؛ لأن الجملة الاسمية أدلُّ في الثبوت والدوام والاستمرار.
 
ومن صفاته أنه كان صاحب قلب سليم، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وهو القلب الخالي من الشرك والشك، ويلزم من سلامة القلب من الشرك والشك اتصافه بأضدادها، من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله، وهواه تابعًا لرضى الله.
وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
وقال ابن القيم عن القلب السليم: "هو الذي قد سَلِم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره ".
 
12. وهذه أيضًا من صفات إبراهيم التي خولته ليكون إمامًا للناس:
 
ومن صفات إبراهيم أدبه في دعوة أبيه وإظهاره الحرص على هدايته والخوف عليه من إضلال الشيطان وعذاب النار ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا*  يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [سورة مريم].
تأمل تكراره مُستعطِفًا متأدِّبًا ﴿يَا أَبَتِ﴾ وإظهاره الخوف عليه من العذاب ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾.
وتأمل قوله جوابًا على توعُّد أبيه له بالرَّجم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾، وهو سلام المتاركة عن مقابلة السيئة بالسيئة؛ واستُدل به على جواز استعمال هذه اللفظة بالتنكير دون الألف واللام للكافر إن كان يُرجى تأليف قلبه، وكنحو سلام الإعراض ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
 
ومن صفاته ما قاله تعالى عنه وعن وآله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء].
فمن صفاته التي صيَّرته هو وآله أئمة يُقتدى بهم أنهم لا يهدون إلا بأمر الله ووحيه، فلا يقتبسون نورهم ولا هديهم ولا سيرتهم ولا خلقهم ولا نهجهم ودعوتهم وأمرهم ونهيم إلا من أمر الله، ويقومون بفعل الخيرات والمحافظة على الصلوات على أكمل وجوهها، ويزُكَّون أنفسهم وأموالهم وطعامهم ويتصفون بالعبادة لله والخشوع له.
 
ومن صفاته قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾.
"أولي الأيدي": أي أولي قوة في العبادة وطاعة الله، و"أولي الأبصار": أهل فقه وبصر في الدين .
و"المصطفين الأخيار": هم المخلَصين الذين أخلصهم الله بتذكر الرجوع إلى الله بتذكر الدار الآخرة، ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾، فمن أراد أن يكون من عباد الله المخلصين فليجعل ذكرى الدار الآخرة نصب عينيه ولن تضره فتنة إن شاء الله، فقد صرف الله تعالى الفتنة عن يوسف وعللها بذلك حين قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين .
ومن صفاته ما حكاه الله من دعائه وتوسله إلى الله بصفاته سبحانه وتوسله بخالص أعماله وبتوحيده، حيث قال قبل دعائه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، ثم دعا بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فقوله: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ يدل على صدق توكله على الله وإخلاصه لأن تقديم مفعولي (توكلنا) و(أنبنا) يفيد الاختصاص، فالمقصود: وعليك وحدك توكلنا وإليك وحدك أنبنا .
فشرع بالتوسل إليه تعالى بخالص أعماله، وعبوديته له تعالى، بين يدي سؤاله ودعائه ليكون أرجى في الإجابة والقبول.
﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ أي وإليك وحدك رجعنا بالاعتراف لك بكل ذنوبنا دون غيرك. وهذا الاعتراف لله والانكسار بين يديه من أعظم ما يُجاب به الدعاء.
وقوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: إليك وحدك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا، وفي تقديم الجار والمجرور (إليك) دلالة على الحصر والقصر في المصير، كما في التوكل والإنابة، وهذا كله دلالة على كمال توحيده، وإيمانه هو والذين معه .
وقوله ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تُظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيُفتنوا، أو: لا تُعذّبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك ..
وفي تكرار النداء بقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ إظهار للمبالغة في التضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث، وهذا يدلّ على شدّة إخلاصه في دينه، وكثرة توسّله إلى اللَّه تعالى في مطلوبه.
عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .
 
13. ﴿وتَعِيَهَا أذنٌ واعية﴾
الأُذُن الواعية هي التي تحفظ العلم وتفهمه، ومن الفوائد القرآنية في هذه الآية أن الله تعالى قال: ﴿أذنٌ واعية﴾ بالتوحيد والتنكير للدلالة على قلة الوُعَاة، ولِحَثّ الناس على الوعي بتذكيرهم بقلة من يعي منهم، وللدلالة أيضًا على أن الأذن الواحدة إذا وعيت وعقلت عن الله فهي المعتبرة المحمودة عنده وإنْ قلَّت .
 
قليل هم أولئك الذين يقرأون قراءة متأنية ويسمعون بذهن حاضر، وأقل منهم الذين يفهمون ويستوعبون ما يقرؤون ويسمعون، وأقل من هؤلاء وهؤلاء من ينقل ويبلّغ ما يقرأه ويسمعه ويفهمه كما هو؛ ليتشرف بالدخول في عموم دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نضَّرَ اللهُ امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مُبَلّغ أوعى من سامع ).
 
فأوّل وصاياه -صلى الله عليه وسلم- لطالب العلم هو حسن السماع، ثم الوعي لما يسمع، ثم الأداء كما سمع، وللسماع أصول وآداب كما أن للقراءة أصول وآداب.
 
قال الحسن بن علي يوصي ابنه: "يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص عليك من أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يُمسِك".
 
وكم من طالب حُرم العلم، وأخذ بأطراف المسائل دون أن يتمّها ويستوعبها بسبب سوء استماعه، ومن ثم قلة وعيه واستيعابه، والوعي والاستيعاب: الإحاطة بالأمر وحمله وتقبله كما يحمل الوعاء الشيء ويحيطه، ويتميّز طالب العلم من غيره بنوع أسئلته وبحسن استماعه وتريثه واستيعابه، فقد يأتيك بعض الشباب متعلّمًا سائلًا عن بعض المسائل فيُصلِيك بالأسئلة صَليًا!! وربما سأل في المسائل الخطيرة المتعلقة بالكفر والإيمان والدماء والحقوق ونحوها؛ فلا تكاد تبدأ بالإجابة حتى يقفز بك إلى سؤال جديد وهكذا.
 
هذا الصنف من الذين يريدون أن يبلعوا المسائل دون أن يهضموها هم أخوف ما يُخاف منهم على الدعوة والجهاد، فهم غالبًا من المشاركين في تشويههما واللغو فيهما شعروا أو من حيث لا يشعرون، فهم حين لا يَعُون ما يسمعون، يحملون أنصاف المسائل وأرباعها وأثمانها فينقلون الحق ناقصًا، ويطبقونه وينزلونه على أرض الواقع مشوّها، فيُعينون بذلك ويشاركون الكفار -قصدوا أو لم يقصدوا- في واحد من أساليب حربهم على الدين، قد تمالأوا عليه وذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، فإعلامهم يعمل وفق هذه الخطة؛ فترى الاحترافية والخبرات المتراكمة في صناعة الدَّجل وصناعة الكذب وصناعة الغلو والإرجاء في آن واحد، وصناعة التراجعات وصناعة جماعات الإسلام المعتدل وفق المقاييس الطاغوتية أو الأمريكية!! ويشارك إعلامهم ومؤسساتهم في ذلك أذنابٌ من مشايخ التَّجهُّم والإرجاء، يسعون جاهدين في تشويه دعوة التوحيد وفي تقبيح الجهاد والمجاهدين!!
 
ثم يأتي بعض الحمقى ليشاركوا هؤلاء وهؤلاء -شعروا أو من حيث لا يشعرون- في اللغو في الدين وتشويه الدعوة والجهاد بسوء استماعهم وسوء استيعابهم، ومن ثم بسوء نقلهم! وتطبيقهم، فإذا انضم إلى ذلك سوء القصد والإرادة، وشيء من أمراض القلوب كالغل والحسد وسوء الطوية، مع سوء الخُلُق؛ أورث ذلك خلطة عجيبة خبيثة مفسدة ضالة مضلة.
 
وغالب أهل الغلو وكذا أهل التجهم والإرجاء من خصوم هذه الدعوة يتعاطون هذه الخلطة العجيبة، وهم ممن يستمتع في الغالب ويتلذذ بها.
 
أما أهل الصدق وطلاب الحق الذين يهمهم أمر هذا الدين ويؤرّقهم ما آل إليه حاله، ويحملون همّ نصرته في الغداة والعشي؛ فلا يستسيغونها ويرونها كالعلقم، إذ لا يحسن بمن انتسب إلى هذه الدعوة ومثل جهاد الأمة ويريد وجه الله أن يتعاطاها أو يتعاطى بعضها بسوء استماعه ورداءة فهمه وتهافت نقولاته، فضلًا عن خبث الإرادة وسوء الطويّة الذي يورث مساوئ الأخلاق ويشغل بسفاسف الأمور ..
 
ولأجل وجود أمثال هؤلاء؛ ولأن في الأمة سمّاعون لهم، علّمنا الله -تبارك وتعالى- آدابًا تُجنّبنا آثار هذا اللغو وتدرأ عنا مفاسده من أهمها:
حسن السؤال وحسن الاستماع مع شهود القلب وحضوره؛ المؤدي إلى حسن الاستيعاب ومن ثم دقة النقل كما في الحديث أعلاه، ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
 
ومنها التثبُّت والتَّبين، وعدم تلقي الأخبار من غير العدول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
 
ومنها تمحيص مصادر الأخبار ووزنها بميزان الشرع، واستشارة العارفين والخبراء في محتواها: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
 
ومنها حسن الظن بالمسلمين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾،﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.
 
ومنها القيام بحقوق الأخوة باجتناب التجسس والبهتان والغيبة والنميمة والغش والخداع، ونحوها من الآفات والمحرمات.. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾.
 
ومنها استبدال تلك الآفات بالمناصحة والمراجعة المكاشفة، والذَّب عن أعراض المسلمين، (الدين النصيحة)، مع فهم واستيعاب حقيقة المناصحة بأنها نصرة كما سماها نبينا -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: (انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا)، وبيانه بأن نصرته ظالما أن تردّه عن ظلمه وخطئه .
 
ومنها عدم الفجور في الخصومة، فتلك خصلة من خصال أهل النفاق وليست من خصال المؤمنين فضلًا عن المنتسبين للدعوة أو الجهاد. ومن آثارها أن يقلب خصمك وينكس ثوابته كلها لتحقيق مآربه في الطعن بك وتشويهك ومحاولة إسقاطك، فالكذب يمسي مباحًا عنده!! والتدليس والتلبيس والتزوير وتسمية الأشياء بغير أسمائها والافتراء والبهتان يصبح أمرًا طبيعيًا لا يستحيى منه، فيحثوه حثوًا بلا كيل ولا ميزان!! والمبتدعة والسقط والهمل ومجروحو العدالة وعلماء السلاطين وإعلاميوهم يُصيَّرون بلمح البصر شهودًا عدولًا ورواة ضابطين تُقبل رواياتهم وتُروى وتُنشر ويُحتجُّ بها مادامت ضد الخصوم، وتصير وصايا ميكافيلي هي الضابطة للنهج والأخلاق والتصرفات لا أخلاق محمد -صلى الله عليه وسلم- .
 
وعند الله تجتمع الخصوم .
 
14.  أمثلة من خطاب إبراهيم مع قومه:
قال تعالى في ذكر مناظرة إبراهيم لقومه في أصنامهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء].
هكذا كان إبراهيم يجادل قومه؛ فيواجههم ووالده فيهم ويخاطبهم بالتوحيد بصراحة منكرًا عليهم ما يعبدونه من أصنام وصراحته هذه التي تبطل أصنامهم وتعريها كانت منضبطة بالصدق والخلق والمروءة ..
فقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ذكر مفعول النفع ولم يذكر مفعول الضر، ليس فقط لتتوافق الفاصلة بنهايات الآي؛ بل لأن النفع ينشده الناس لأنفسهم أما الضر فهم لا ينشدونه لأنفسهم بل لغيرهم من الأعداء ويحاذرونه على أنفسهم فأطلقه ليشمل ذلك كله .
وأما جواب قوم إبراهيم على أسئلته بقولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فيُسمى (الِحيْدَة)؛ وهي طريق المهزوم في الجدل والمناظرة لأنهم كانوا بين جوابين؛ إما أن يقولوا: نعم يسمعونا وينفعونا ويضرونا فيشهد عليهم كل من سمع جوابهم بكذبهم، أو يقولوا: لا، فينفوا عن آلهتهم القدرة، وهكذا حاصرهم إبراهيم، فبأي الجوابين أجابوا كانت الحجة عليهم لإبراهيم، فحادوا عن كلامهم وعن أصل النقاش إلى جواب لا دخل له بسؤال إبراهيم فقالوا ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
فلما ظهر إفلاسهم أمام حجته قرّعهم وصارحهم وواجههم ببراءته ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
واستثناؤه من عدائه لما يعبدون هم وآباؤهم الأقدمون بقوله ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا من عدله ودقته وتحرزه أن يكون في آبائهم الأقدمين من عبد الله قبل أن تفسد عقيدة القوم وتنحرف، فتحرز من إطلاق العداوة واستثنى حتى لا تشمل معبوده الحق .
ومن الفوائد في سياق سورة الشعراء التي وردت فيها هذه الآيات أن كل الأنبياء فيها قالوا لقومهم بين يدي دعوتهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ إلا إبراهيم وموسى وهذا من أدبهما الجم:
أما إبراهيم فلأن أباه كان من المخاطبين فاستحيى أن يخاطبه بذلك، فالأدب يقتضي أن لا يخاطب الابن والده بمثل هذا خصوصًا، أما بلاغ التوحيد والبراءة ومن الأصنام والشرك والتنديد فلا يتنافى مع الأدب بل هو من قمة الأدب مع رب العالمين ..
وأما موسى فلأن فرعون رباه في قصره كما قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾، فلم يكن لائقًا أن يقول له: "وما أسألك عليه من أجر"؛ لأنه لا يليق في مروءة الناس أن يقول إنسان لمن رباه وكانت له عليه يد مثل ذلك، فتأمل الخلق والأدب وحسن استعمال التعبير في محله اللائق به ..
وهذا هدي الأنبياء والصالحين وأدب أهل المروءات عمومًا، حتى الكفار منهم يمنعهم ما يكون عليهم من يد من المخاطب أن يختاروا ما يتنافى مع المروءات من خطاب وردّ، ففي صلح الحديبية لما قال عروة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما أرى حولك إلا أوباشًا خليق أن يفروا"، وقال له أبو بكر: "امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟" فقال: "من ذا؟"، قالوا: أبو بكر.
قال: "أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجبتك".
فتأمل كيف يحفظ هذا الكافر لمروءته يد أبي بكر عليه ويتأدب ويحفظ لسانه في الرد عليه لأجل هذه اليد، رغم شدة المسبة التي سبه إياها أبو بكر، فهذا من مكارم الأخلاق التي يتعاطاها أهل المروءات..
فليتأمل مثل هذا من ينتسبون إلى الإسلام بل وللدعوة والجهاد ثم لا يحفظون عهدًا لشيوخهم الذين تضلَّعوا من كتاباتهم وحَبَوُا ودَرَجُوا على توجيهاتهم، وعند الخصومة لم يرعوا معهم أدبًا ولا خُلُقَا ولا مروءة!
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
 
15.  ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾:
وصف الله إبراهيم بقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾[ ﺍﻟﻨﺠﻢ:37 ]
هكذا أطلقها دون تحديد في أي شيء وفى، ويالها من كرامة إذ تُطلق ولا تُقيد!.
لذلك ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ: "ﻭﻓّﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﺷﺮﺍﺋﻊ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻭﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﺃُﻣﺮ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ" ﺍﻫـ.
ﻭﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻛﺜﻴﺮ: "ﻓﻘﺎﻡ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻷ‌ﻭﺍﻣﺮ، ﻭﺗﺮﻙ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﻮﺍﻫﻲ، ﻭﺑﻠَّﻎ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻤﺎﻡ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ، ﻓﺎﺳﺘﺤﻖ ﺑﻬﺬﺍ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺇﻣﺎﻣًﺎ ﻳُﻘﺘﺪﻯ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ ﻭﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻭﺃﻗﻮﺍﻟﻪ" ﺍﻫـ.
وﻫﺬﺍ ﺍﻟﺜﻨﺎﺀ من قبيل ما تقدم من قوله تعالى:﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ:124].
- فإﺑﺮﺍﻫﻴﻢ أتم وﻭﻓﻰ أﻭﺍﻣﺮ ﺭﺑﻪ وأوقن بأخباره، ﻭﺃﺧﻠﺺ ﺩﻳﻨﻪ ﻟﻠﻪ ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺍﺳﺘﺤﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ.
- ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻭﻓﻰ ﺑﺎﻟﺘﻮﺣﻴﺪ فصدع به وحققه عمليًا ﺃﺗﻢََّ ﺗﺤﻘﻴﻖ، ﺇﺫ ﺩﻋﺎ ﺃﺑﺎﻩ ﻭﻗﻮﻣﻪ كما قال ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [ﺍﻷ‌ﻧﺒﻴﺎﺀ: 51-56].
- ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻭﻓﻰ في البراءة من ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭأهله واعتزالهم كما ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ:﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾[ﻣﺮﻳﻢ: 48]
ﻭﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[ﺍﻟﻤﻤﺘﺤﻨﺔ:4].
- ﻭفي مقابل هذا ﻭﻓﻰ إبراهيم بولائه للمؤمنين؛ ﻭﻟﻬﺬﺍ جادل ﺍﻟﻤﻼ‌ﺋﻜﺔ ﻓﻴﻤﻦ ﺃُﺭﺳﻠﻮﺍ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻟﻴُﻨﺰﻟﻮﺍ ﻓﻴﻬﻢ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ، ﻭﻫﻢ ﻗﻮﻡ ﻟﻮﻁ، خوفًا على لوط -ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼ‌ﻡ- ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾[ﻫﻮﺩ:74-75]
ﻭفسره ﺗﻌﺎﻟﻰ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾[العنكبوت:31-32].
-  ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻭﻓﻰ ﻓﻰ توكله ﻋﻠﻰ مولاه؛ ﻟﻤﺎ ﺍﺑﺘﻼ‌ﻩ ﺍﻟﻠﻪ فعزم قومه ﻋﻠﻰ ﺇﺣﺮﺍﻗﻪ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ففوَّض ﺃﻣﺮﻩ ﺇﻟﻴﻪ فجعل الله النار عليه ﺑﺮﺩﺍ ﻭﺳﻼ‌ﻣًﺎ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾[ﺍﻷ‌ﻧﺒﻴﺎﺀ:68-70]  
وﻓﻲ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﺎﻝ: "ﻛﺎﻥ ﺁﺧﺮ ﻗﻮﻝ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﺣﻴﻦ ﺃﻟﻘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺣﺴﺒﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻧﻌﻢ ﺍﻟﻮﻛﻴﻞ".
-  ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ وفَّى: في اﺳﺘﺴﻼ‌ﻣﻪ ﻷ‌ﻣﺮ رﺑﻪ في ذبح ﺍﺑﻨﻪ في أحوج الأوقات له وأشدها تعلقًا به؛ ﻟﻤﺎ ﺑﻠﻎ ﻣﻌﻪ ﺍﻟﺴﻌﻲ، فاستجاب لهذا البلاء العظيم برؤيا رآها هي أدنى درجات الوحي، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﺨﺒﺮًﺍ ﻋﻨﻪ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [ﺍﻟﺼﺎﻓﺎﺕ: 102-107]
-  ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ وﻓﻰ ﺑﺴﻼ‌ﻣﺔ ﻗﻠﺒﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﺻﻐﻴﺮﻩ وﻛﺒﻴﺮﻩ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[ﺍﻟﺼﺎﻓﺎﺕ:84] ﺳﻠﻢ قلبه ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻖ ﺑﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ وتقديم أي شيء من المحبوبات عليه، كما سلم من الشُّبه ﺍﻟﺼﺎﺭﻓﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺸﻬﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﺩﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ.
-  ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻭﻓﻰ ﺑﻤﺠﺎﻫﺪﺗﻪ ﻷ‌ﻋﺪﺍﺀ ﺍﻟﻠﻪ، ليس بالقلب فقط بل وبيده ولسانه، ﻓﻜﺴﺮ ﺍﻷ‌ﺻﻨﺎﻡ ﺑﻴﺪﻩ ﻭﺟﺎﻫﺪﻫﻢ ﺑﻠﺴﺎﻧﻪ ﺑﺎﻹ‌ﻧﻜﺎﺭ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﺇﻋﻼ‌ﻥ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﻣﻨﻬﻢ ومما يعبدون من دون الله وأظهر لهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده.
 
ﻫﺬﺍ شيء ﻣﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ -ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼ‌ﻡ- ﺍﻟﺬﻱ ﻭﻓﻰ، فآتاه الله وأثابه عليه في الدنيا حسنة؛ فقال تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، تأمل كيف سمى الله هذه الكرامة حسنة! كرامة جعلته إمامًا في الدنيا حتى اختصمت فيه الملل كل ينسبه إليه، وحكم الله فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ﻭﺟﻌﻞ ﻟﻪ ﻟﺴﺎﻥ ﺻﺪﻕ ﻓﻲ ﺍﻵ‌ﺧﺮﻳ، ﻭﺟﻌﻞ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻛﻠﻤﺔ ﺑﺎﻗﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﻘﺒﻪ، ﻭﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ خاتم رسله وأمر أمته ﺑﺎﺗﺒﺎﻉ ملته. 
كل هذه الكرامة سماها الله (حسنة) هكذا أفردها، وهكذا هي بالنسبة لكرم الله العظيم،  فكيف بفضل الآخرة وكرامتها وحسناتها؟
اللهم إنا نسألك من فضلك في الدنيا والآخرة.
 
16. خلاصة وزبدة (ملة إبراهيم) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
تكلمنا سابقا عن فوائد قرآنية جليلة وعظيمة تتعلق بنبي الله إبراهيم، وبيّنا أن الفوائد والعبر والآيات المتعلقة بهذا النبي ودعوته وملته أنفع للمؤمنين من آية خلق السموات والأرض على عظمها، كما يظهر ذلك من مقارنة الآيتين 24 و44 في سورة العنكبوت، واليوم نختم حديثنا عن فوائد متعلقة بهذا النبي ببيان مختصر لملة إبراهيم.
 قال تعالى  في ملة إبراهيم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾
فالمطلوب في أصل ملة إبراهيم هو تحقيق ما تضمنته شهادة التوحيد في نفيها وإثباتها:
- وذلك بتحقيق التوحيد والانحياز إلى أهله في جانب الإثبات.
- والبراءة من الشرك وأهله في جانب النفي.
والنفي الذي يسميه بعض العلماء بـ(التخلية)؛ مقدم في تحقيق التوحيد على الإثبات الذي يسمونه بـ(التحلية)  كما في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
 وأيضا في التخلية نفسها هناك مقدم آخر؛ هو البراءة من المشركين العابدين لغير الله فتقدم على البراءة من الشرك نفسه والمعبودات التي تُعبد من دون الله، وذلك لأن كثيرًا من الناس لا يمانعون من البراءة من الشرك بل ويسهل تلقيهم البراءة من المعبودات الباطلة سواء كانت أصنامًا أو أوثانًا أو مناهج مناقضة لشرع الله أو تشريعات لم يأذن بها الله، لكن الصعوبة والخطورة في قبولهم وتحقيقهم للبراءة من عابديها أو أربابها ومشرعيها، فكم من إنسان يبرأ من الشرك ولا يبرأ من أهله، بل هو لهم ولي حميم ونصير مبين، ولذلك جاءت البراءة من الأقوام العابدين لغير الله مقدمة على البراءة من معبوداتهم الباطلة في آيات ملة إبراهيم هذه ﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وقد تكرر هذا التقديم في مواضع أخرى من كتاب الله لتأكيد هذا المعنى وتقريره، إذ التكرير يفيد التقرير، كنحو قوله تعالى عن إبراهيم أيضًا: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ فقدم اعتزالهم على اعتزال أوثانهم.
 وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وكذلك في قوله تعالى عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ فقدَّم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم.
 وقوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، فقدّم توجيه الأفّ لهم، على توجيهه إلى معبوداتهم الباطلة لأنه أهم.
ثم أكد هذا المعنى لأهميته وتفريط كثير من الخلق فيه فقال: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وتأمل قوله: ﴿وَبَدَا﴾ أي ظهر وبان، فمن أراد التأسي بملة إبراهيم وطريقته في الدعوة إلى الله وموقفه من الشرك وأهله ؛ فليُظهر بغضاءه لأعداء الله الذين يحاربون دينه ويعادون شرعه وتوحيده ويبغضون حدوده..
والعداوة: أن تكون أنت في عُدْوَة وعدوُّك في عُدْوة أخرى، وقدّمها على البغضاء لأنها أظهر، وعندما تُبدا وتُعلن؛ فإنها تستلزم المنازعة والمفارقة والمحاربة، وأما البغضاء فقد تكون بالقلب وقد تكون باللسان والجوارح كل بحسبه.
فأدنى درجات التوحيد التي لا يسلم المرء إلا بها وجود العداوة والبغضاء للشرك وأهله في القلب، وأعلاها وأكملها وذروة سنامها  الصدع بها وإبداؤها والتأسي فيها بإبراهيم ومن معه من النبيين ومن على طريقته من الدعاة والمصلحين.  
إذًا فالمطلوب لتحقيق هذه الملة العظيمة أمران:
- (البراءة من المشركين) وهو مقدم مؤكد.
- و(البراءة من الشرك).
 وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ذكره عن رجوع طوائف من أمته عن التوحيد وانتكاسها أن ذلك يكون من هذين البابين:
- إما باللحوق بالمشركين.
-  وإما بعبادة الأوثان.
 فقال في الحديث الذي يرويه الترمذي  والحاكم عن ثوبان: (لا تقوم الساعة حتى تلحق  قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد الأوثان)؛ فقدم اللحوق بالمشركين على عبادة الأوثان أيضًا؛ لأنه أكثر في الناس خصوصًا في أناس عرفوا التوحيد ودخلوا في الإسلام، فالخلل غالبا يأتيهم في اللحوق بأهل الشرك موالاة ومناصرة وانحيازًا إلى عُدْوَتهم.
هذا الكلام المختصر هنا كتبت فيه قبل قرابة ثلاثة عقود أول ما كتبته من كتاباتي في التوحيد، فيمكن لطالب الحق الرجوع إليه في كتابي (ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين) الذي يبين هذا التوحيد بجانبيه العلمي والعملي، هذا وقد كنت قد حشوته بأقاويل أئمة الدعوة النجدية لأن كتاباتهم آن ذاك كانت هي المورد الذي أغترف منه، فلم أخترع مقالة في دين الله جديدة في هذا الباب، ولا ابتدعت مذهبًا ليس من دين الله، فمن كان رادًا على كتابي فهو في الحقيقة رادٌّ على أولئك الأئمة، فليكن صريحًا في هذا وليكاشف قرّاءه فيه، مع العلم أني كنت تنبهت في وقت مبكر إلى بعض إطلاقات لهم قد يتخذها الغلاة مادة يسوّقون بها غلوهم؛ فقيّدتها وأوضحتها بكلامي أو بكلام لهم أو لبعض أحفادهم وأتباعهم.
هذا ولقد ادَّعى بعض من كان يوزع كتابي هذا ويمدحه ويثني عليه سابقًا قبل أن ينحرف إلى الغلو ويتعصب للغلاة، ادعى بعد اشتعال خصومتي مع الغلاة! أنه كتاب مسروق من كتب جهيمان -رحمه الله-، وهذه دعوى كاذبة تدل على جهله بكتب جهيمان الذي لم يكن يكفّر أكثر الحكام، فضلًا عن أنصارهم وأوليائهم وو.. وغيرهم ممن أعلنت براءتي منهم وكفري بهم في كتابي، وهذا وحده كافٍ بجعل هذا الكتاب في المشرق وذاك في المغرب">المغرب.
وقد نفع الله بكتابي هذا أقوامًا، صاروا قادة للمجاهدين وموجّهين ومعلّمين، وكانت تقر عيني حين كنت أراه في المضافات والمعسكرات وفي جبهات القتال، ولا زال إلى هذه اللحظة ينهل منه الموحدون، ويدرسه المجاهدون وإن جحد ذلك الجاحدون.
فالحمد لله أولًا وآخرًا، وأسأله سبحانه القبول.
 
ملحق (1):
تسجيلات مفرغة للشيخ أبي محمد المقدسي في نفس الباب
1. التزكية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول الله -عز وجل- في سياق دعوة نبي الله إبراهيم لذريته وأتباعه إنه دعا بقوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فقدَّم العلم على التزكية، وهذا ترتيب طبيعي لأنه يُقِّدم الوسيلة على الثمرة أو الوسيلة على الغاية؛ فالعلم وسيلة توصل إلى غاية عظيمة وهي التزكية، ولـمَّا امتن الله -عز وجل- على عباده المؤمنين بأن أخبرهم بأنه استجاب لدعوة هذا النبي الكريم فيهم، وذكر ذلك في ثلاثة مواضع نجده -سبحانه وتعالى- قد قدَّم التزكية على العلم وأكد ذلك بتكراره ثلاث مرات، والعلماء يقولون: التكرير يفيد التقرير.
قال الله -عز وجل- في آية أخرى في سورة البقرة: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، نعمة عظيمة تستحق الشكر قدَّم فيها التزكية على العلم.
وكرر ذلك في سورة آل عمران، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
وكرر ذلك في سورة الجمعة فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، فكرر ذلك في المواضع الثلاث مقدمًا للتزكية والتي هي الثمرة على الوسيلة التي هي العلم وذلك لعظم أهمية هذه الثمرة.
وحقيقة التزكية هي التوحيد؛ أعظم التزكية هي التوحيد، وإذا تعلم الإنسان العلم ولم يصل إلى هذه الثمرة فعلمه يكون وبالًا عليه ويكون حجّة عليه، والله -عز وجل- ما خلق الخلق ولا أرسل الرسل ولا أنزل الكتب إلا لأجل هذه الغاية العظيمة ألا وهي التوحيد، ولذلك قال -سبحانه وتعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
وفي مقابل هؤلاء المفلحين ذكر التُّعساء وذكر الأشقياء: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، المراد بهذه الآية "الزكاة" يعني التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد.
والله -عز وجل- قد بين التزكية الأخروية لدخول الجنة إنما تكون لمن حقَّق هذه التزكية في الدنيا، فقال -سبحانه وتعالى- في الطوائف الذين نقضوا عهد الله -عز وجل-: ﴿أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أسأل الله -عز وجل- أن يؤتي نفوسنا تقواها ويزكيها إنه خير من زكاها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 
2. ملة إبراهيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول الله -عز وجل- في سورة العنكبوت الآية (44): ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي السورة نفسها في الآية (24) في سياق ذكر إبراهيم وما جرى له مع قومة قال -سبحانه وتعالى-: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
فبالسماوات والأرض قال -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، مع عظيم خلق السماوات والأرض الذي دعانا الله -عز وجل- في آيات كثيرة بالقرآن لأن نتدبر بهِ ونتفكر به، بل قال في سورة غافر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ومع ذلك قال في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي سياق إبراهيم وملة إبراهيم ودعوة إبراهيم وما جرى له مع قومة وما في سيرته من الفوائد والحكم والعضات قال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن تدبرنا في سيرة هذا النبي الكريم وفي دعوته وفي ملته من الآيات والفوائد لنا ما هو أعظم من تدبرنا في خلق السماوات والأرض.
نسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا فيما يأتي من فوائد قرآنية تتعلق بهذا النبي الكريم ودعوته وملته عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
 
ملحق (2):
صور مفرغة للشيخ أبي محمد المقدسي في نفس الباب
 
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة]
قال المنافقون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فحصروا الإصلاح فيهم وفي شأنهم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾، (ألا) أداة استفتاح، ثم أكّد الجملة بأربع مؤكِّدات وهي: (ألا)، و(إن) وضمير الفصل (هم)، والجملة الاسمية. فقابل حصرهم بحصر أعظم منه وأوكد.
 
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحج: 40]
أكد الله وعده بنصر أنصاره بستة مؤكدات: خمسة لفظية وواحدة معنوية، ثم يتردد من يتردد في نصر دينه!
الخمسة اللفظية هي: واو القسم، واللام الموطِّئة للقسم، ونون التوكيد الثقيلة و(إن) المثقلة المؤكِدة، وتكرار اللام الموطئة للقسم في صفة القوة. 
والمعنوية: ختم الآية بصفتي القوة والعزة المستلزمين لنصرة وإعزاز أوليائه.
 
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة البقرة: 17]
قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل "بضوئهم"؛ رغم أن قال قبله ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾؛ لأن الضوء يُطلق على النور الكثير كما دل عليه قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، وأما النور فيطلق على الكثير والقليل، وعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس. فالقصد إزالة النور منهم أصلًا ولو كان قليلًا ولذلك قال تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
ولأن الضياء فيه إشراق وإحراق ولذلك وُصفت الشمس به، وكذلك كان حال المنافقين في الدنيا بسبب النفاق إذ يتلبَّسون ببعض شرائع الإسلام ويبطنون الكفر؛ فجمعوا بين إشراق الظاهر وإحراق الباطل، ويوم القيامة يذهب نور (الإشراق) وهم أحوج شيء إليه، ويبقى الإحراق ... اللهم أعذنا من النفاق.
 
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [سورة الصافات]
﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: تأتوننا من جهة الخير وباسمه، كان يشغلوهم بالمفضول عن الفاضل، أو بالمستحب عن الواجب، أو يصدونهم عن الحق باسم الحق، وبدعوى الخير والعمل الصالح، أو يلبسون عليهم الحق بتأويلات باطلة يزعمون أنها حق، أو كمن يستحل الدماء والأموال المعصومة بألفاظ شرعية ليست في محلها.
 
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [سورة الأعراف: 21]
الشيطان ضمَّن كلامه أنواعًا من التأكيد ليَغُرَّ أبوينا:
1- أكّده بالقسم.
2- وبـ(إنّ).
3- وقدَّم المعمول على العامل إيذانًا بالاختصاص؛ أي: نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها لكما لا إلي.
4- أتى باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد ليقول: إنّ النصح صفتي وسجيتي وليس أمرًا عارضًا.
5- إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم.
6- صوّر لهما أنه واحد من جملة ناصحين لهم، فالناصحون كثير وليس هو وحده. 
(انظر: مختصر إغاثة اللهفان لابن القيم).
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [سورة الإسراء:1]
قال شيخ الإسلام ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ : "فدل القرآن على بركة الشام في خمس آيات ..."، فذكر آية الأعراف ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وآية الإسراء، والأنبياء ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، وسبأ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، ثم قال: "والبركة تتناول البركة في الدين والبركة في الدنيا وكلاهما معلوم لا ريب فيه" اهـ.
 
﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [سورة إبراهيم:47]
يعني الوعد بالنصر على الكفار، وقدم الوعد ليعلم أنه لا يُخلف الوعد أصلًا على الإطلاق ثم قال: (رسله) ليُعلم أنه إذا كان لا يخلف وعد أحد من الناس فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟! فقدم الوعد أولًا لقصد الإطلاق ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص.
 
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الكهف:97]
في (المهتدِ) قال: (فهو) فأفرد، وفي (من يضلل) جمع فقال: (لهم) لأنهم أكثر كما بينه في قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وفي قوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. اللهم اجعلنا هداة مهتدين.
 
﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة:79]
في هذه الآية إشارة إلى أن من طهّر قلبه من المعاصي كان أفهم للقرآن، وأن من تدنَّس قلبه بالمعاصي كان أبعد فهمًا عن القرآن؛ لأنه إذا كانت الصحف التي بأيدي الملائكة لم يمكِّن اللهُ من مسّها إلا هؤلاء المطهرين؛ فكذلك تُنال معاني القرآن.
ولذلك استنبط شيخنا ابن تيمية من هذه الآية أن المعاصي سبب لعدم فهم القرآن.
وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فمن تطهّر من دنس المعاصي فتح الله عليه بفهم معاني القرآن، ومن تدنّس بالمعصية تشوَّش.
 
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [سورة الفرقان:37]
تأمل كيف قال: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ مع أن قوم نوح لم يأتهم غير نوح! فهذه دلالة على أن من كذب برسالة رسول فقد كذب برسالة الرسل جميعًا؛ لأن رسالتهم واحدة وهي: التوحيد. 
ومثل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، فجميع الرسل بُعثوا بالتوحيد وما تضمنه من نفي وإثبات؛ فمن كذب برسالة رسول فقد كذب رسالة جميع الرسل، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، فجميع الرسل بُعثوا بهذه الكلمة (لا إله إلا الله) وقد فسر الله تعالى ما تحتويه هذه الشهادة من نفي وإثبات بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
 
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ [سورة محمد]
هذه القراءة الأكثرين وهي قراءة متواترة كالقراءة المعروفة الأخرى (قُتِلوا) التي تبشّر الشهداء، والقراءة (قاتلوا) تدخل في هذه البشرى؛ كل من قاتل في سبيل الله وهو كما عرفه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، و(كلمة الله) هي التوحيد (لا إله إلا الله)، وتعني: لا معبود بحق ولا مشرّع بحق -فيما لا يجوز تشريعه- إلا الله. فليصحح كل مقاتل نيته، وليختصر فصيله ورايته وغايته مراعيًا ذلك؛ ليظفر بهذه البشرى.
اللهم اجعلنا من أهلها على القراءتين.
 
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب:23]
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ النَّحْب: النذر والعهد، ونحبهم: هو نذرهم الصادق في اللقاء، ومن صدق في اللقاء فقد يُقتل.
فصار يُفهم من قوله تعالى: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ أنه استشهد لا سيما إذا كان النحب نذر الصدق في جميع المواطن فإنه لا يقضيه إلا بالموت. والخلاصة: أن قضاء النحب هو الوفاء بالعهد، فقضى نحبه: أي أكمل الوفاء. اهـ من كلام شيخنا ابن تيمية مختصرًا.
 
﴿آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [سورة الملك:29]
تقديم الجار والمجرور (عليه) يفيد الاختصاص، فقوله: (عليه توكلنا) يوجب تخصيص التوكل على الله وحده، أما الإيمان فلما كان له أركان أخرى مع الإيمان بالله، لم يُقدّم الجار والمجرور (به) حتى لا يفيد الاختصاص، وليُعلم أننا نؤمن بالله ونؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
 
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال:33]
قال بعض السلف: "كان لنا أمنان من العذاب وهما: وجوده صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات ذهب الأمان الأول ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، وبقي الأمان الآخر ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾".
وفي استعمال الفعل (يعذبهم) في الأمان المؤقت، واستعمال الاسم (معذبهم) في الأمان الباقي.
 
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى].
قابل كل نعمة بشكل من جنسها:
يتيمًا فأوى = اليتيم فلا قهر.
ضالًا فهدى = السائل فلا تنهر (لذلك قيل هو المتعلم).
فأغنى = بنعمة ربك فحدث.
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في التحديث المأمور به قولان:
1- ذكر النعمة والإخبار بها فهو من شكرها.
2- الدعوة إلى الله وتبليغ توحيده ودينه.
والأمران مطلوبان.
 
ملحق (3):
تغريدات قصيرة للشيخ أبي محمد المقدسي في نفس الباب ( حتى تاريخ 1 يناير 2016 الموافق 21 ربيع الأول 1437)
 
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [سورة الكهف:28]
معناها: التفريط بمن نذر حياته لله، ويصبح ويمسي في سبيل الله، وطاعة المفرطين بدين الله واتباع أهوائهم، ودافعه: إرادة زينة الحياة الدنيا.
 
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [سورة طه]
(عقدة) بالتنكير: طلب حل بعضها ليفهم عنه البلاغ، ولم يهتم بالفصاحة الكاملة؛ فدل أنها ليست شرطًا للبلاغ والدعوة التعليم.
 
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء:60]
وقالوا عن نبينا بالسورة نفسها ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ﴾، فتعرية المعبودات الباطلة والبراءة منها ملة محمد وإبراهيم.
 
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الأسنراء72]
من عمي بالدنيا عن الحق فهو بالآخرة أشد عمى، ولذلك أمال أبو عمرو (أعمي) الأولى وأبقى الثانية كما هي.
 
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة:54]
لم يُرِد ذل الهوان الذي صاحبه ذليل بل أراد ذل اللين الذي صاحبه ذلول ولذلك عدَّاه بـأداة (على) ليتضمن فعل الرحمة والعطف والشفقة.
 
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة التوبة:128]
وفي قراءة (أنفَسِكم) أي والله من أنفَسنا، اللهم صلّ وسلم على محمد.
 
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [سورة الإسراء:23]
نهى عن التأفف وهو أدنى مراتب القول السيء. 
وأصل الأف: ما تحت الأظفار من وسخ، والتف: ما في الأذن منه.
 
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود:113]
الركون: هو الميل اليسير توعد عليه بمسيس النار وحرمان النصرة والولاية.
 
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الرعد:4]
يعقلون: العاقل هو من يَعْتَقِل نفسه ويحبسها عن هواها، ومنه قولهم: "اعتقل لسانه"؛ أي حبسه ومنعه من الكلام.
 
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الصافات:102]
في (ستجدني) السين تدل على التحقيق؛ فهو ثابت مصمم ومع ذلك لم يعتمد على نفسه بل رد الأمر لمشيئة لله واستعانة به.
 
﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة الأعراف]
الرحمن يُقصي المعصية ووسائلها ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ قال: (تلكما) للبعيد، والشيطان يقرّبها ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ استعمل: (هذه) للقريب.
 
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الحجر:94]
أي: بلغ جميع ما أُرسلت به؛ وافرق به بين الحق والباطل؛ من قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي يتفرقون؛ وإن انصدعت به قلوب كارهةً للحق كتصدع الزجاج.
 
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء:22]
السموات والأرض على اتساعها: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فكيف بقلبك الصغير إن كان فيه خشية ورجاء وتذلل وتعظيم لغير الله؟!
 
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [سورة الأعراف: 150]
إظهار وإعلان خصومات المسلمين وعقوباتهم؛ تُشمت الأعداء بالمسلمين، وتفتن البعض فينقلب مع الظالمين.
﴿ أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [سورة الحشر:11]
من وعد الكفار نصرتهم على المسلمين صار من إخوان الكفار.
 
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [سورة الفرقان:55]
أي: مظاهرًا لشياطين الإنس والجان على الله ودينه وأوليائه، فأظهر صفات الكافر: مظاهرة الطاغوت والطغيان على شريعة الرحمن.
 
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة:63]
المحادة: أن يكون شرع الله في حدّ، وتكون في حدّ مضاد ومعاد له.
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر:4]
المشاقّة: أن يكون شرع الله في شق وجهة، وتكون في شق آخر معاد له.
 
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة:98]
العداوة أو المعاداة: أن يكون شرع الله وأنصاره في عُدْوَة، وتكون في عدوة مضادة له.
 
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح:29]
لم يقتصر على ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ كي لا يُتوهَّم أن ذلك غلظة وفظاظة طبع وليس دينًا، فدفع ذلك بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
 
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون]
أفلحوا باشتغالهم بما يحبه الله من المعالي؛ وبإعراضهم عن اللغو والسفاسف.
 
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة:36]
الواجب مقابلة توحُّد واجتماع الكفار على أهل الجهاد بتوحّد مثله أو أشد منه.
 
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة التوبة:111]
قال ابن تيمية: "وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود".
ولا يعترض أو يمنّ، بل المن لله أن هداه.
وإن بِعْتَ العظيم فهذّب المبيع وزينه ونظفه من العيوب، أتعطيه الثمن معيبًا، والسلعة غالية لا عيب فيها؟!
 
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [سورة فصلت:47]
لم يبرأوا من شركائهم بالدنيا فيكفرون بهم يوم القيامة ويقولون: ما منا أحد يشهد اليوم أن لك شريكا.
 
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [سورة طه:2]
من اتبعه ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ولا يضيّق عليه؛ التضييق ليس فيه بل في الإعراض عنه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
 
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة:68]
أي: لا تحزن عليهم ولا تتأسف، ولا تُظهر الأسى على مصابهم فهم يستحقون ما أصابهم لفسقهم وطغيانهم، وقال: ﴿فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي لا يمكن، ولا يحل لي أن أحزن وأتحسر على هلاكهم؛ وقد استحقوا العذاب بظلمهم وطغيانهم، ففيه النهي عن إظهار الأسى لموت الكافرين ومن ذلك التعزية بهم.
 
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة المنافقون:10]
جاء في (أصَّدَّق) بتضعيفين للمبالغة والتكثير في وعده.
ولم يقل: "يا رب"؛ لأنه وقت عجلة واختصار، وليقترب من ربه بعد أن كان مُعرضًا.
 
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [سورة الحديد:13]
لم يقل: "تجدوا نورا" فليس ثمَّ نور، بل قال (فالتمسوا) وهو طلب وليس خبر يعلمنا تحري الصدق ولو مع الكاذب.
 
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [سورة طه:117]
التحذير من المعصية المخرجة متوجه لكليهما، أما حذر الشقاء بالدنيا فللرجل فهو لا هي من يجب سعيه على أهله.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة:134]
أي: صلاتكم إلى قبلة بيت المقدس فجعل الصلاة إيمانا، وفيه رد على المرجئة الذين لا يجعلون العمل من الإيمان.
 
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [سورة الكهف:22]
حيوان لاهث ضرب به مثل السوء؛ لكن ببركة رفقته للصالحين تكرر ذكره في أعظم الكتب إلى يوم القيامة.
 
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى:5]
لا تسأله أن يعطيك فقط بل وأن يرضيك، فبرضاك عنه وعن أقداره يرضى عنك.
 
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [سورة الأنبياء:63]
تضمن براءته كونه نسب كبره للأصنام ولم يطلقه أو يقل "إلهكم الكبير"، ونحوه قول النبي: (هرقل عظيم الروم) وليس العظيم.
 
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [سورة يوسف: 54]
ألو الألباب لا يَصْطَفُون بِطانة أو صِاحبًا يقربونهم إلا بعد الاختبار والامتحان؛ فبذلك يعز أو يهان.
 
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [سورة التوبة:10]
من لم يُراعِ حرمة الإسلام والولاء والعهد في عصمة الدم فهو أولى الناس بوصف (المعتدين).
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ:24]
جاء للهدى بحرف استعلاء (على) للدلالة على عزة أهله واستعلائهم، و(في) للضلال لانغماس أهله باستِفال.
 
﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [سورة الإسراء:71]
يُنادى يوم القيامة: (من كان يعبد شيئًا فليتبعه) فيتبع من يعبد الشمس الشمس، ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت..
 
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [سورة الرعد:18]
شبهها بالرماد لخفة وزنه، وسرعة تفرقه، ولأنه لا يُنبت، وكذلك أعمالهم لا وزن لها ولا تثبت ولا تنبت.
 
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة التوبة:43]
تبيّن الصادقين من الكاذبين مطلب له طرق شرعية لا ينبغي إهماله.
 
﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [سورة المائدة]
فالقرآن يعلمنا العدل والإنصاف حتى مع المخالف بالدين.
 
﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [سورة الأنبياء:66]
لما أحرجهم بالسؤال ولم يجدوا جوابًا حادوا عنه إلى:(حرقوه)، فالهروب بتغيير الموضوع أو إلى التهديد يسمى "الحيدة".
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [سورة الصافات:22]
ليس المراد زوجاتهم فقد يَكُنَّ مؤمنات كامرأة فرعون، وإنما المراد أشباههم وأمثالهم، وقيل هم أعوان الظلمة.
 
ما من نصير لدين محمد إلا وله نصيب من قوله تعالى:﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وما من عدو شانئ له إلا وله نصيب من قوله:﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
 
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [سورة النحل:90]
الأمر بالعدل أعلى وأحكم من الأمر بالمساواة؛ لأن المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات تنافي العدل.
ومما جاء في تفسير العدل: (أنه الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط).
 
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [سورة ق:37]
تبين أن من لا ينتفع بالذكرى فليس له قلب ينفعه بل مجرد مضخة للدم موجودة أيضًا عند الكفار والدواب.
 
سلسلة تغريدات تحت وسم (#نحن_أحق_بموسى)
 
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾
عن ابن عباس: "أوتاده هم جنوده الذين كانوا يشدون أمره"، فأوتاده هم جنده وأنصاره وأركان ملكه.
وقوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾
وفي قراءة ﴿ومن قِبَلَه﴾ أي قبيله وأتباعه وجنده وأنصاره فأشركهم بالخطيئة.
وأعظم الناس منّة على أخ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ﴾.
ومن فوائد الأخوة: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.
وقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى﴾
قالوا عنه؛ آدر: منتفخ الخصية، والاتهام بمثل هذا يدل على سفالة القوم وانحطاط أخلاقهم وولعهم بالسفاسف.
وقوله: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾
فعندما يفلس الطغاة من مقارعة الحق بالحجة والبرهان يحاولون تغييبه وحجبه عن الناس.
وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
قالها موسى ثقة بمولاه في أصعب الظروف؛ البحر أمامه وفرعون وجنده وراءه وقومه يضجون: إنا لمدركون، ثبات كالجبال!
﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾
في كتابنا ينكر موسى قتل طفل واحد، وكتبهم المحرفة تشرع قتل الأطفال فقد جاء لديهم: "وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف"!.
وقوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾
إعلام الطغاة لا يورد من الأخبار إلا ما يناسبه، لم يذكر ما عليهم من التسليم لموسى إن غلب.
كتابنا وصف معجزة يد موسى ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وكررها بالنمل والقصص وكتابهم المحرف قال: (برصاء) مع أن البرص نجس عندهم يطرد صاحبه!
 
﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ [سورة التوبة:126]
من لم يتعظ بالابتلاءات المتكررة فقد شابه الكفار في عدم الانتفاع بالذكرى والاعتبار.
 
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [سورة الأعراف:26]
وقوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾ يدل على أن التعري من التقوى والأخلاق الحميدة شر من التعري من الثياب، ولباس التقوى يستر المعايب خير مما تستر الثياب العورات وسخ الثياب قد يغسل بالماء أما دنس المعاصي فيمحى بالتوبة.
 
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال:64]
قال شيخ الإسلام: "أي حسبك وحسب المؤمنين"، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ في قراءة: (عباده).
 
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه:131]
 شبه نعيم الدنيا ومتاعها بالزهرة؛ لأن لها منظرًا حسنًا، وسريعٌ ذبولها.
 
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ:28]
أي: مانعًا يكفهم عن الكفر والمعصية، والهاء للمبالغة وهو أولى من تفسير كافّة بـ(جميعا)؛ لأن الأصل بالتأكيد التأخير.
 
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [سورة المائدة:49]
تدل على أن إعراض الإنسان عن حكم الله وتوليه عن الذكر بسبب ذنوبه، فتولي الإنسان عن حكم الله: إصابة من ذنب فالذنوب جراحات؛ ورب جرح وقع في مقتل.
 
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة طه:112]
(مِن) للتبعيض رفقاً ورحمة بالعباد؛ لأن الصالحات على الكمال أو على الوجه الذي يكافئ نعم الله لا يطيقها العباد.
 
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الأنعام:26]
كلما زاد مقدار الصدّ عن سبيل الله وتشويهه؛ زاد حرمان الصادّ من الهدى، وازداد ابتعاده عن سبيله.
 
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيَقتُلون ويُقتَلون﴾ [سورة التوبة:111]
قرأ حمزة والكسائي (فيُقتلون ويَقتُلون) بتقديم المفعول على الفاعل.
 
﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [سورة الكهف:29]
قوله الأول نحو قوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، هذا الأمر ورد للتهديد إذ أنه ليس أمرًا شرعيًا، فمعلوم أنه لا يشرع أن يعملوا بكل ما شاءوا.
 
﴿فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف:69]
عدم نسيان آلاء الله ونعمه وتذكّرها دوما وشكرها؛ سبب للتوفيق وطريق للفلاح.
﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [سورة يونس:30]
عام في جميع الخلائق بمعنى: ربهم وسيدهم، أما قوله: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ فهو خاص بالمؤمنين بمعنى: الولي والناصر.
 
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [سورة الفرقان:72]
من الكرامة الإعراض عن القبيح والاستحياء من مجاراة أهله تنزّها عن السفه؛ فالمروءة تأبى التلوث باللغو.
 
﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه:121]
فلم ينفعه عند معصيته شرف ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ﴾، ولا خصيصة ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ولا فخر ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وإنما انتفع  بانكسار وذل ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
 
﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [سورة الفتح:18]
إن كنتم تحرصون على تنّزل السكينة عليكم، وفتح من الله قريب فأصلحوا القلوب واصدقوا مع لله.
 
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [سورة فاطر: 10]
لم يقل: فليطلبها من الله؛ بل ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، وقدم اسمه ليفيد انحصار العزة جميعها به فلا عزة عند غيره فتُطلب.
 
﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال:45]
فلاح المجاهد؛ بذكر الله عند اللقاء ليس باللسان وحده؛ بل بأن يتذكره ويخشاه دوما فيحفظ حرماته.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [سورة البقرة:2]
يقول شيخنا ابن تيمية: "ما رأيت شيئًا يغذي العقل والروح، ويحفظ الجسم، ويضمن السعادة؛ أكثر من إدامة النظر في كتاب الله تعالى".
 
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [سورة المدثر: 37]
لم تذكر الآية واقفا؛ لأن من لم يتقدم بالأعمال الصالحة فإن لم يتأخر بالأعمال السيئة فهو في تأخر عن المتقدمين.
 
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 60]
المؤمن جمَعَ إحسانًا في خشية مع سوء ظنٍ بنفسه والمغرور حسَّن الظن بنفسه مع إساءته.
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج: 30]
حرمات الله: جمع حرمة وهو ما يجب احترامه كالدماء المعصومة، وقيل هي مغاضِبُه وتعظيمها: ترك اقتحامها.
 
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان: 52]
أمرنا أن نجاهد الطغيان بالقرآن جهادا كبيرا، فبدل أقوام قولا غير الذي قيل لهم؛ فجاهدوا بالقرآن عن الطغيان جهادًا كبيرًا!
 
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [سورة البقرة:235]
هو التعبد باسم الرقيب والعليم والحفيظ والسميع والبصير، الناس يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك وظاهرك.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الشعراء: 19]
التعيير بالأخطاء الشخصية لحرف وصرف الخصومة الشرعية إلى خصومة شخصية سنة فرعونية والموفق من لا ينساق لذلك.
﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [سورة الشعراء: 20]
الموفَّق يتجاوز عن الشخصي سريعا؛ ولا ينساق مع محاولات إشغاله عن دعوته بالدفاع عن نفسه وتشغله معالي الأمور عن سفسافها.
 
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [سورة القصص: 79]
يهتم المستخفون بعقول أتباعهم بالهالات والمونتاج والتصوير الهوليودي، ولا يهم الهداة المهديون إلا إيصال رسائلهم المهمة للناس.
 
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: 68]
الأخوّة الإيمانية أقوى من أخوّة الوطن والعشيرة والنسب، فهذه كلها تتقوّى بأخوة الإيمان أو تنفصم وتتفرق لها.
 
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [سورة الزخرف: 54]
فلا يليق بالموحد أن يكون مصفقًا للظلم مجادلًا عن الظالم ولو جاءه مرتديًا عمامة، فضلًا عن غيره.
 
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [سورة النور : 4]
٤ شهداء: أكبر نصاب للشهادة جُعل للزنا؛ دلالة أن صيانة سمعة وأعراض المسلمات مُعظَّم ومُقدَّم على تطبيق الحد.
 
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر : 38]
محبوسة بما كسبت، مرتهنة بما عملت، لا يُفكّ رهنها حتى يقتصَّ المظلوم، ولا يُخلى سبيلها حتى تؤدي الحقوق لا بالدراهم بل بحسنات وسيئات.
 
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة المنافقين : 1]
قيلت لأتقى الناس جهرة، فكان أسعد الناس بها. وتقولها لبعضهم فيراها شتيمة وتأخذه العزة بالإثم!
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [سورة القصص : 8]
يشارك الطاغية في الخطيئة حاشيته وأنصاره، وكذلك بالعاقبة ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
 
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة القصص : 37]
مِن نِعم الله الخفية على المرء أن يجعله مظلومًا يترقَّب النصر، ولا يجعله ظالمـًا يترقب المقت والانتقام.
 
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة : 5]
قدَّم المفعول ليفيد الحصر، أي :نعبدك وحدك، وبك وحدك نستعين، قال ابن تيمية: "هاتان الكلمتان يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء".
 
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المنافقون : 4]
لأنهم متورطون بجرائم وبخيانة وبكذب وبهتان؛ فهم يظنون أن كل كلمة تقال بهذه الأبواب تقصدهم، فهذه شهادة منهم على أنفسهم بالنفاق.
 
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الشعراء : 216]
المسلم لا تنقطع معه وشيجة الموالاة ولا يُتبرأ منه بالكلية، وإنما يبرأ من معصيته، وزجره بهجره لا يُخرجه من الموالاة.
 
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة : 191]
فتنة المسلم عن دينه وتوحيده أشد وأكبر من قتله ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، وهو إن قُتل مظلومًا ففي الجنة، وإن ارتد ففي النار.
 
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [سورة آل عمران : 152]
نزل هذا في زمن خير القرون بغزوة نبوية، وخرج في غزوة العسرة منافقون سخروا بالقراء وتآمروا على النبي ليقتلوه.
 
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة المجادلة : 6]
لا تنسَ معاصيك، وأَدِم البكاء على خطاياك، وحاسب نفسك قبل يوم الحساب.
 
ذو القعدة /1436/ من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

أخبار ذات صلة

فهل تفزع فيه للقربي من الله وتقبل ،

فلعل نفحة من ربنا تصيبنا فلا نشقي بعدها أبدا،

مع اول ليل ... المزيد

أعرب المغني السويدي من أصل لبناني، ماهر زين، عن فخره إزاء ما يقدمه الشعب التركي، والرئيس رجب طيب المزيد

أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، اليوم الخميس، مقتل 10 من مقاتلي حركة "الشباب" ... المزيد

لقيت إشادة القس ستيفان ليندكويست رئيس منطقة اليسار في اتحاد الكنيسة السويدية، بأخلاق المسلمين تفاعلا على مواقع المزيد

تعليقات