البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

أبو محمد المقدسي: طاعة المتغلِّب عند أهل السنة مصلحة للعباد وليس رضًا بالظلم

المحتوي الرئيسي


أبو محمد المقدسي: طاعة المتغلِّب عند أهل السنة مصلحة للعباد وليس رضًا بالظلم
  • أبو محمد المقدسي
    27/11/2015 04:08

تحت عنوان (طاعة المتغلِّب عند أهل السنة والرشاد خضوع للشريعة ومصلحة للعباد وليس رضًا بالظلم أو خضوعًا للاستبداد) نشرت (مجموعة نخبة الفكر) مبحث كتبه أبو محمد المقدسي، الإسلامي الأردني المعروف.. طالع المقال:
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
 
موضوع طاعة الحاكم المتغلب موضوع قديم يتجدَّد كلما احتاج إليه الطغاة؛ فقد استُخدم هذا الموضوع واستُغل ولا زال يستغل لإخضاع المسلمين للطغاة، بل وللمرتدين واليهود والنصارى حين يتغلَّبون على بلاد المسلمين كما زعم بعض دعاة الإرجاء بزماننا في مقطع مسموع له، حتى فرح بمقالته اليهود وأثنوا عليه وعلى كلامه المقر لحكمهم والداعي للسمع والطاعة لهم!
 
واليوم نرى هذا الموضوع يُستغل ويُستخدم من بعض المتعاطفين مع جماعة الدولة لإخضاع الفصائل والجماعات والناس وتطويعهم للغلاة، وحثهم على بيعة خليفتهم المتغلب!!
 
قرأت ذلك لأكثر من كاتب ووجدت أنصار الدولة يُدندنون حوله في نقاشاتهم مع مخالفيهم فأحببت أن أُحرِّره وأُحقِّقه مختصرًا قدر الإمكان ليتمكن القارئ من مطالعته فيعرف جذره وفرعه.
 
- ليس في طاعة المتغلِّب إجماع للسلف:
 
مرجئة العصر وعلماء السلاطين هم من تولَّى كِبَر تدجين الناس للطغيان، وذلك بدندنتهم على هذه المسألة وادِّعائهم إجماع أهل السنة والسلف عليها، حتى صوَّروا علماء السلف وأئمة الأمة على أنهم كانوا أبواقًا للسلاطين، أو أوتادًا للظلم والاستبداد!
 
فهل فعلا كان علماء السلف كذلك؟
وهل الإجماع الـمُدَّعى صحيح في ذلك؟
 
لقد ضرب علماء السلف وأئمة الدين أنصع الأمثلة في إنكار المنكر وقول كلمة الحق في وجه الحكام والولاة الظلمة، ولم يكونوا كعلماء اليوم يُرقِّعون للطغيان أو يقفون بأبواب السلطان، والمتتبِّع لسيرهم وتراجمهم يرى ذلك واضحًا؛ فلا يحتاج الأمر هنا إلى الاستدلال عليه بحشد عشرات بل مئات المواقف لهم، ففي ذلك إطالة تُخرجنا عن أصل المسألة.
 
وتكفي الإشارة والتذكير بأن الأئمة الأربعة سُجنوا أو ضُربوا وابتُلوا لأشياء أنكروها على ولاة زمانهم.
 
بل إن المشهور من مذهب أبي حنيفة جواز قتال الظلمة وحكام الجور؛ فقد رد الإمام الجصاص وأغلظ القول على من ادَّعى أن أبا حنيفة يرى إمامة الفاسق، مُستدِلًا بمذهب أبي حنيفة في إنكار المنكر بالسيف، وتجويزه الخروج على أئمة الجور.
 
وقال: "وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تَغلَّب الظالمون على أمور الإسلام، فمن كان هذا مذهبه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق؟!" اهـ. [1]
 
وأشار إلى موقفه المؤيِّد لزيد بن علي في خروجه على الخليفة وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرًا بوجوب نُصرته والقتَال معه. وكذلك مساندته لمحمد الملقب بالنفس الزكية ودعوة الناس وحثهم على مناصرته ومبايعته، بل قال لأبي إسحاق الفزاري حينَ قَال له: لمَ أشرت على أَخي بالخروج مع إبراهيم حتى قُتل؟ قَال: "مَخْرَجُ أَخيك أَحبُّ إليَّ مِنْ مَخْرَجَك". وكان أَبو إسحاق قد خرج إلى البصرة.[2]
 
فقد رأى أن الخروج على أئمة الجور أولى من عموم الجهاد للكفار.
 
بل قال العلامة المعلمي في (التنكيل): "كان أبو حنيفة يستحِبُّ أو يُوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار" اهـ. [3]
 
وكذلك الإمام مالك؛ فقد روى ابن جرير عنه أنه أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبد الله بن الحسن حين خرج، فقيل له: "فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لـمُكرَه بيعة، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك ولزم مالك بيته"[4]، وقد ابتُلي مالك وأُوذي لأجل ذلك.
 
وكذلك قال ابن العربي: "وقد روى ابن القاسم عن مالك: إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدَّفعُ عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه، ينتقم الله من ظالم بمثله، ثم ينتقم الله من كليهما" اهـ. [5]
 
وقال القاضي عياض: "لو طَرَأَ عليه كفرٌ أو تغييرٌ للشرع أو بدعةٌ، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه، ونصب إمام عادل إنْ أمكنهم ذلك، فإن لَم يقع ذلك إلا لطائفة، وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب على المبتدع القيام إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحقَّقوا العجز، لَم يجب القيام، وليُهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفرّ بدينه. وقال بعضهم: يجب خلعه إلا أن يترتَّب عليه فتنةٌ وحرب". اهـ. [6]
 
وكذلك الإمام أحمد؛ فقد ذكر ابن أبي يعلى في (ذيل طبقات الحنابلة) عنه في رواية: "مَنْ دعا منهم إلى بدعة فلا تُجيبوه ولا كرامــة، وإن قَدِرتُم على خَلْعِه فافعلوا". [7]
 
والمشهور من مذهبه عدم الخروج على الإمام الجائر، لكن مرادي من إيراد القول الآخر له التعريف بأنه ليس له قول واحد في المسألة، فلعلَّ المنع يُحمل على عدم القدرة وترجُّح المفسدة وزيادة الشر والدماء.
 
وقد أثنى الإمام أحمد على أحمد بن نصر الخزاعي الذي دعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على الخليفة لبِدعته وفِسقه حتى قُتل، وقال الإمام أحمد في ابن نصر بعد مقتله: "رحمه الله، ما أسخاه! لقد جاد بنفسه لله". [8]
 
ولذلك وُجد في علماء الحنابلة من ذهب إلى القول بالخروج على الجائر كابن رزين، وابن عقيل، وابن الجوزي. [9]
 
وأما الشافعي؛ فقد ذكر التفتازاني [10] والزبيدي [11] وغيرهم أنَّ مذهبه كان جواز الخروج على حكام الجور.
 
وممن قال من مشاهير الشافعية بعزل الفاسق والخروج عليه الجويني، فقد قال عند مقالة من قال أن الإمامَ لا ينعزل بالفسق: "وهذا في نادر الفسق، فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق، وارتفعت الصيانةُ، ووضحَت الخيانةُ، فلا بدَّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإن أمكن كف يده، وتولية غيره بالصفات المعتبرة، فالبدار البدار، وإن لم يمكن ذلك لاستظهاره بالشوكة إلا بإراقة الدماء، ومصادمة الأهوال، فالوجه أن يقاس ما الناس مُندفعون إليه، مُبتَلَونَ به بما يعرض وقوعه، فإنْ كان الواقع الناجز أكثر مما يُتوقَّع، فيجب احتمال المتوقَّع، وإلا فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعيَّن الصبر والابتهال إلى الله تعالى" اهـ. [12]
 
وقد رد ابن حزم دعوى الإجماع على عدم الخروج على الجائر فقال: "ورأيت لبعض من نَصَّب نفسه للإمامة والكلام في الدين فصولًا، ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكلام، لو سكت عنه لكان أسلمَ له في أُخراه، بل الخَرَس كان أسلمَ له، وهو ابن مجاهد البصري المتكلّم الطائي، لا المقرئ، فإنه ادعى أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرج على أئمة الجور، فاستعظمتُ ذلك، ولعمري إنه لعظيم أن يكون قد علمَ أن مخالف الإجماع كافر، فيُلقي هذا إلى الناس، وقد علمَ أن أفاضل الصحابة وبقية السلف يومَ الحرَّةِ خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه، وأن الحسينَ بن عليّ ومن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضًا، رضي الله عن الخارجين عليه، ولعن قَتَلَتَهم. وأن الحسن البصري وأكابر التابعين خرجوا على الحجَّاج بسيوفهم، أترى هؤلاء كفروا؟ بل واللهِ من كفَّرهم فهو أحق بالكفر منهم، ولعمري لو كان اختلافًا -يخفى- لعذرناه، ولكنه مشهور يعرفه أكثر من في الأسواق، والمخدَّراتُ في خدورهنَّ لاشتهاره. ولكن يحق على المرء أن يَخطِمَ كلامه ويزُمَّه إلا بعد تحقيق وميزٍ، ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأن كلام المرء محسوب مكتوب مسؤول عنه يومَ القيامة مقلّدًا أجر من اتَّبعه عليه". اهـ. [13]
 
وقد عدَّد ابن حزم طوائف من الصحابة والتابعين والعلماء والفضلاء الذين لم يخضعوا للخليفة المختار حين يَحيفُ ويَظلِم، فضلًا عن المتغلِّب، فرأوا الخروج على من رأوه ظالـمًا أو خرجوا فعلًا؛ فعدَّد طوائف سمَّاهم ليخرق بهم الإجماع الـمُدَّعى، فقال:
 
"وهذا قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها، وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة. وقول معاوية وعمرو، والنعمان بن بشير، وغيرهم ممن معهم من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول عبد الله بن الزبير، ومحمد والحسن بن علي، وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار القائمين يوم الحَرَّة، رضي الله عن جميعهم أجمعين. وقول كل من أقام على الفاسق الحجَّاج ومَن والاه، مِن الصحابة -رضي الله عن جميعهم- كأنس بن مالك. وكل مَنْ كان مِمَّن ذكرنا من أفاضل التابعين، كعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وابن البحتري الطائي، وعطاء السلمي الأزدي، والحسن البصري، ومالك بن دينار، ومسلم بن بشار، وأبي الحوراء، والشعبي وعبد الله بن غالب، وعقبة بن عبد الغافر بن صهبان، وماهان، والمطرف بن المغيرة، ابن شعبة، وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله، وأبي سح الهنائي، وطلق بن حبيب، والمطرف بن عبد الله بن الشخير، والنصر بن أنس، وعطاء بن السائب، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبي الحوسا، وجبلة بن زحر وغيرهم. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وكعبيد الله بن عمر، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله.
 
وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم. فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسلّ سيفه في إنكار ما رأوه منكرًا." اهـ. [14]
 
ثم جعل يردُّ على استدلال المخالفين في أحاديث احتجّوا بها، إلى أن قال: "ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره، والنصارى جنده، وألزم المسلمين الجزية، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح المسلمات للزنا، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم، وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مُقرٌّ بالإسلام، مُعلن به، لا يدع الصلاة؟
 
فإن قالوا: لا يجوز القيام عليه. قيل لهم: أنه لا يَدَعُ مُسلمًا إلا قتله جملة، وهذا إن تُرك أوجَب ضرورةً ألَّا يبقى إلّا هو وحده وأهل الكفر معه.
 
فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملة، وانسلخوا منه.
 
وإن قالوا: بل يُقام عليه ويُقاتل، وهو قولهم. قلنا لهم: فإن قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحدًا، وسبى من نسائهم كذلك، وأخذ من أموالهم كذلك. فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا. وإن أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك، ولا نزال نحطُّهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد، أو على غلبة امرأة واحدة، أو على أخذ مال أو على انتهاك نسوة بظلم. فإن فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا وتحكّموا بلا دليل، وهذا ما لا يجوز، وإن أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق." اهـ. [15]
 
وقال الجصاص: "وقد كان الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وسائر التَابعين يأْخذون أَرزاقهم من أَيدي هؤلاء الظلمة، لا على أَنهم كانوا يتولَّونهم ويرون إمامتهم، وإِنما كانوا يأْخذونها على أَنها حقوق لهم في أيدي قوم فجرة. وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم وقد ضربوا وجهَ الحجَّاج بالسيف، وخرج عليه من القُرَّاء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم، فَقَاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز ثمَ بالبصرة ثمَ بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة وهم خالعون لعبد الملك بن مروان لاعِنون لهم متبرِّئون منهم." اهـ. [16]
 
وفي خروج عبد الرحمن بن الأشعث في زمن ولاية الحجَّاج والذي آزره أكابر الفقهاء أمثال سعيد بن جبير والشعبي وابن أبي ليلى وغيرهم، وحرّضوا على القتال قبل الوَقْعة.
 
فممَّا قاله ابن أبي ليلى حين خطب في جيش ابن الأشعث يُحرِّضه: "أيها المؤمنون إنّه من رأى عُدْوانًا يُعمل به، ومُنكرًا يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أُجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونُوّر في قلبه اليقين، فقاتلوا هؤلاء المـُحلّين الـمُحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه". [17]
 
ومما قاله سعيد بن جبير: " قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم؛ على جَوْرِهم في الحكم وتجبُّرِهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة". [18]
 
ومما قاله الشعبي محرِّضًا: "يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج في قتالهم، فوالله ما أعلم قومًا على بسيط الأرض أَعْمَلَ بظُلم ولا أَجْوَرَ منهم في الحكم، فليكن بهم البِدَار". [19]
 
ولذلك وصف الحافظ ابن حجر هذا المذهب بأنه "مذهب للسلف قديم"، ففي ترجمة الحسن بن صالح بن حي -رحمه الله-: "وقولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه". [20]
 
واستقرار الأمر إن كان يعني به اشتهاره فنعم، أما حَمْلُ ذلك على الإجماع فخطأ؛ فقد عرفت أنَّ سادات الأمة على خلافه، ولذا قال: "وهذا مذهب للسلف قديم".
 
ونُقل عن ابن التين عن الداودي قال: "الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قُدِرَ على خَلْعِه بغير فتنة ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب الصبر. وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء". [21]
 
- مَنْ مَنَعَ الخروج على الظَّلَمَة استثنى مِنْ ذلك مَنْ فَحُش ظُلمه:
 
تقدَّم قول الجويني تعليقًا منه على قول: أن الإمامَ لا ينعزل بالفسق، قال: "وهذا في نادر الفسق، فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق، وارتفعت الصيانةُ، ووضحَت الخيانةُ، فلا بدَّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإن أمكن كف يده، وتولية غيره بالصفات المعتبرة، فالبدار البدار، وإن لم يمكن ذلك لاستظهاره بالشوكة إلا بإراقة الدماء، ومصادمة الأهوال، فالوجه أن يقاس ما الناس مندفعون إليه، مُبتَلونَ به بما يعرض وقوعه، فإن كانَ الواقع الناجز أكثر مما يتَوقَّع، فيجب احتمال المتوقَّع، وإلا فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الصبر والابتهال إلى الله تعالى" اهـ. [22]
 
وقال ابن الوزير اليماني: "بيان أن مـن منـع الخروج على الظلمة استثنى مـن ذلك مـن فحُش ظلمه وعظمت المفسدة بولايته، مثل يزيد بن معاوية، والحجَّاج بن يوسف، وأنه لم يَقُل أحد ممن يُعتدُّ به بـإمامة مَنْ هذا حاله، وإن ظن ذلك من لم يبحث من ظواهر بعض إطلاقهم، فقـد نصوا على بيان مرادهم، وخصوا عموم ألفاظهم، ويظهر ذلك بذكر ما أمكن من نصوصهم.."، إلى أن قال: "ومما يدل على ذلك أنه لما ادَّعى أبو عبد الله بن مجاهد الإجماع على تحريم الخروج على الظلمة، ردُّوا ذلك عليه وقبَّحوه، وكان ابن حزم -على تعصُّبه لبني أمية- ممن رد عليه، فكيف بغيره؟ واحتجَّ عليه ابن حزم بخروج الحسين بن علي -عليهما السلام- على يزيد بن معاوية، وبخروج ابن الأشعث ومن معه من كبار التابعين على الحجاج، ذكره في كتاب (الإجماع) له" اهـ. [23]

- خاتمة مهمة فيها زبدة المبحث:
 
- لا إجماع على وجوب الخضوع للمتغلِّب، وهذا الإجماع المدَّعى مخروق بخروج ساداتٍ من الصحابة والتابعين والعلماء على أمراء زمانهم.
 
- ما ذكره بعض أئمة أهل السنة في اختيارهم الخضوع للمتغلب هو اختيار اضطرار، ومن صحَّح ولايته لم يُصحِّحْها باعتبارها حُكمًا شرعيًا أصليًا، بل باعتبارها ضرورة لظرف طارئ.
 
- واختيارهم هذا هو من باب ارتكاب أخفِّ الضررين حين لا يتأتَّى دفعُهما جميعًا؛ فمن قدر على دفع ظلم الظالم بمفسدة أقل من مفسدته فالحكم عندها ينعكس والاختيار يكون لدفعه وتغييره.
 
- مقصد من صحَّح ولاية المتغلب ودعا للخضوع له هو حقن دماء المسلمين، وهذا المقصد لا يتحقَّق حين يكون المتغلِّب كجماعة الدولة هم من يسفك الدماء ويقتل المخالف بعد أن يكفّره، ويستخفُّ حتى في دماء أتباعه يُفجّر أجسادهم هنا وهناك في أعمال لا تنطبق عليها شروط الأئمة الـمُعتَبرين التي قيدوا بها العمليات الاستشهادية، حتى صحَّ فيهم وصدق حديث المصطفى: (إن شر الرعاء الحطمة)[24].
 
- ما ذكره بعض أئمة أهل السنة في اختيارهم الخضوع للمتغلِّب هو فيمن لم يَفْحُش ويشتدّ جوره وفجوره[25]، فكيف بمن ضمَّ إلى جَوْرِه وسفكه للدماء تكفير المسلمين بغير الـمُكفِّرات الشرعية، والطعن في أعراضهم وتشويه دينهم وشريعتهم؟؟!
 
-أخيرًا؛ إن اختيار إقرار المتغلب وبيعته وتصحيح إمرته والخضوع له هو اختيار الضعيف وليس اختيار ذي القدرة والشوكة.
 
وإذا قُدر على تغيير المتغلب الباغي أو المفضول بإقامة من هو خير منه من غير فتنة وفساد جاز بل يجب حين يكون المسلم بعيدًا عن سلطان المتغلب ولا ضرر أو خوف يلحقه، فالواجب إقامة العدل وترسيخه قدر الإمكان.
 
وعليه فمن كان ضعيفًا لا يقدر على تغيير المنكر وكان تحت سلطان مسلم متغلِّب باغٍ أو ظالم، ويعلم أن في الخروج عليه مفسدة أعظم يختار له أهل السنة أن يكُفَّ يده ولا ينازع الأمر أهله، ولذلك أفتينا من اتصل بنا من الموصل ممن عاينوا مظالم جماعة الدولة وأوصيناهم إن كانوا ضعفاء لا يقدرون على تغيير انحرافات الدولة ولا يجدون سبيلًا للالتحاق بمن هم خير من جماعة الدولة، ويخشون على أنفسهم وعيالهم وأموالهم من بطش جماعة الدولة، أفتيناهم بأن يعملوا بما أوصى به العلماء في إمارة المتغلب حفظًا لدمائهم ودماء المسلمين. كما افتيناهم بجواز قتال الروافض مع جماعة الدولة إن لم يوجد من هو خير منهم، بناء على جواز الجهاد مع الفاجر عند عدم إمكان الجهاد مع من هو خير منه؛ فيُدفع معهم عن أعراض المسلمين ودمائهم، ويُقاتل معهم من هو شر منهم وأعظم ضررًا على أهل السنة.
 
وأما ذوو الشوكة ومن ليسوا تحت سلطان جماعة الدولة فلا نقول له بايع المتغلب وجاهد مع الفاجر مادام قادرًا على إقامة العادل والصالح والفاضل في أرضه، فتعدُّد الإمارات والدول لإيجاد الإمارة الصالحة والدولة السنية أهون وأقل مفسدة من تعظيم وترسيخ الإمارة الفاجرة والبِدعيَّة التي تشوّه الإسلام وتذبح المسلمين. وما دام يقدر على الجهاد تحت الراية السنية فلا يجاهد مع البدعية، ولا يجوز له أن يذوب في الإمارة الفاجرة الجائرة المغالية هو وفصيله فيُكثِّر سواد الظلم ويثبّت أركانه مختارًا، بل يعمل على إيجاد الدولة السُّنية التي تتحرَّى العدل، ويقاتل مع الصالحين ويكثر سواد من هو خير من جماعة الدولة وأجدى وأنفع للدين ولأهل الإسلام، ويشترط عليهم أن تكون الثمرة نصرة دين الله وتحكيم الشرع، فليس من الحكمة ولا من العقل أن يذوب الفاضل ذو الشوكة في المفضول أو الظالم وهو قادر على أن يشدّ أزر من هو خير منه ويقيم دولة عدل عوضًا عن دولة بغي وظلم وإجرام.
 
أخيًرا أحبُّ أن أُنوِّه إلى أنَّ الذي أعتقده أنا وكل من لا يؤمن بدين الديمقراطية الشركي؛ لكونه باطلًا شرعًا وكذلك عقلًا، لأنه طريق منقطع غير موصل لأهل الحق الساعين لتحكيم الشريعة، وتجارب المتساهلين والمميِّعين أكبر شاهد على ذلك، فقد طُردوا وحُرموا بل وسُجنوا وانقُلب عليهم حين وصلوا لسدة الحكم من خلال أغلبية صناديق الاقتراع، فكيف بغيرهم ممن يُوصَم بالتشدد أو يوصف بالتطرف والإرهاب؟
 
ولذلك فقناعتي أنه بعد عقود من حكم الطواغيت ومسخهم للشعوب وتشويههم لدينهم وثقافتهم وأفكارهم، وإفسادهم بشهوات الدنيا وشبهات علماء السوء، قناعتي أنه لن يُقام شرع الله بعد هذا الإقصاء ولن يُحكَّم دينه بعد هذا التَّعطيل الطويل إلا بالتغلُّب. ولا بد أن يضع المسلمون هذا في حُسبانهم، حتى إذا قام قائم لله ليُحكِّم شرع الله ويرُدَّ المظالم فنصره الله وتغلَّب، فواجب على المسلمين السمع والطاعة له؛ لأن هذا هو أعظم المصالح التي يجب على كل عالم وعاقل ترجيحُها واختيارُها، وأما أن ينتظروا تمكين الشرع وطالبيه برضى أعداء الشرع أو باختيار أهل حل وعقد رقابهم في ربقة الطواغيت، فدون ذلك خَرْطُ القَتَاد!
 
هذه قناعتي وقناعة كل عالم عارف لواقع اليوم وكيد أعداء الاسلام واجتماعهم على حربه والسعي في حشره وحبسه بين جدران المساجد، ولذلك تراني لم أُردّد ما ردَّده وخاض فيه بعض من ردّ على جماعة الدولة من مأخذ افتئاتهم على الأمة، لأني أعتقد أنه لا بد من افتئات أهل الجهاد في بادئ الأمر على الأمة الضائعة وعلى كل من لا يريد تحكيم الشرع، ومن ظن من أهل التوحيد والجهاد أن العالَم اليوم والطواغيت وعموم الناس سيُسلِّمونه مقاليد الحكم عن طيب خاطر، أو على طبق من ذهب مع باقات الورود، فهو واهم حالم لا يعرف حقيقة الواقع وطبيعة الحرب المعلنة على الإسلام وأهله.
 
ولذلك فلو أن جماعة الدولة كان ما يُؤخذ عليهم هو مجرَّد هذا الأمر -أعني الافتئات على العوام والطغام وعلماء السلطان- لما خالفناهم ولما عاديناهم، ولكنهم لم يكتفوا بأن افتأتوا على خيار المجاهدين الذين يشاركونهم بهدف تحكيم الشريعة وإقامة الخلافة، بل قاتلوهم وقتلوا خيارهم، ثم تطوَّروا فكفَّروهم، وكفَّروا كل من يقاتلهم وصار قتالهم لهم قتال ردة، ثم أبطلوا أنكحتهم وقذفوا نساءهم بالزنا إن هُنَّ بَقِيْنَ تحتهم، وكفَّروا كامل المنظومة التعليمية، إلى آخر ما اجترحوه من مصائب وطوّام تجعل العالم الفاهم يرجِّح دَفْعَ مَفْسَدتهم ورفض تغلّبهم، واختيار السعي لإيجاد المتغلِّب السُّني الأقوم والأفضل. ولا يشترط الكمال والعصمة له، فهذا لا يشترطه عاقل، لكن أن يغلب خيره شره وأن يحقق مقاصد الشريعة ويحفظ ضرورياتها ويحكم بالشريعة، ويؤدي الحقوق ويكف المظالم، فيرفع راية السنة ويقمع راية البدعة ويرحم الأمة التي طال رُسُوفها في قيود الطغيان.
 
هذا ما لزم التنبيه إليه حول هذه المسألة التي تُستغلُّ اليوم للتَّرويج لبيعة جماعة الدولة.
 
سائلا الله تعالى أن يُهيئ لهذه الأمة أمر رشد، يُعزّ فيه أولياؤه ويُذلّ فيه أعداؤه، ويؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر، ويُحكم فيه بكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
 
وكتبه/ أبو محمد المقدسي.
______________________________
[1] أحكام القرآن للجصاص (87/1).
[2] المرجع السابق.
[3] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/288).
[4] البداية والنهاية لابن كثير (13/257).
[5] أحكام القرآن (3/153).
[6] شرح النووي على مسلم (12/318).
[7] انظر: ذيل طبقات الحنابلة - للقاضي أبي الحسن محمد بن أبي يعلى الحنبلي (2/305).
[8] البداية والنهاية لابن كثير (14/316).
[9] انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (10/311).
[10] قال سعد الدين التفتازاني الشافعي في شرح العقائد النسفية (ص101): " وعن الشافعي -رحمه الله- أن الإمام ينعزل بالفسق والجور، وكذا كل قاضي وأمير. وأصل المسألة: أن الفسق ليس من أهل الولاية عند الشافعي -رحمه الله-لأنه لا ينظر لنفسه فكيف ينظر لغيره ؟!".
[11] قال السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشافعي في إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (2/233): " وأما الفسق فقد اختلف فيه على قولين: فالذي عليه الجمهور أنه لا يعزل به لأن ذلك قد تنشأ عنه فتنة هي أعظم من فسقه وذهب الشافعي في القديم إلى أنه ينعزل، وعليه اقتصر الماوردي في الأحكام السلطانية. وقال إمام الحرمين: إذا جار في وقت وظهر ظلمه وغشه ولم ينزجر عن سوء صنعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على رفعه وعزله ولو شهر السلاح ونصب الحروب".
[12] انظر: شرح النووي على مسلم (2/33).
[13] مراتب الإجماع - ص274.
[14] الفصل في الملل والأهواء والنحل (5/20).
[15] الفصل في الملل والأهواء والنحل (5/28).
[16] أحكام القرآن (88/1).
[17] انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري (3/635).
[18] المرجع السابق.
[19] المرجع السابق.
[20] تهذيب التهذيب (2/44).
[21] انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/12).
[22] سبق تخريجه.
[23] العواصم من القواصم من الذب عن سنة أبي القاسم (8/75).
[24] صحيح مسلم - ص492، حديث رقم: 1830، كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن ادخال المشقة عليهم.
[25] قال الشيخ حسن قائد (أبو يحيى الليبي) في كتاب (الدُّرَرُ الحَسَنِيَّةُ -ص52): "طبعًا من اعتقاد أهل السنة والجماعة الغزو مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا، ولكن العلماء فصّلوا في الفجور، فليس كل فجور يتساهل فيه، فقالوا: ينظر في فجور هذا الشخص، إذا كان فجوره راجعًا إلى نفسه، مثل رجل يشرب الخمر، ويظلم النَّاس في أكل الأموال حتى وإن كان متعديًّا، ولكن ليس متعلقًا بإمارة الحرب، فهذا يُغزى معه، وأما إذا كان فجوره متعديًّا، يعني يغزى مع شخص يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام، ويظلم النَّاس أثناء جهاده، فما دمت تحت ولايته فستشاركه حتمًا فيما يرتكبه، وذكر العلماء أيضًا من عُلِم منه الخيانة والغدر في الحرب، يعني إنسان يعطي العهد والوعد للكفرة ثم يغدر بهم، هذه هي عادته وطريقته، قالوا: هذا لا يُغزى معه، لأنك لا تستطيع أن تنفك عن الإثم ما دمت تحت ولايته". أهـ

أخبار ذات صلة

قال حساب "معتقلي الرأي" إن السلطات السعودية اعتقلت أحد أئمة الحرم المكي بسبب خطبة ألقاها تتعلق بالمنكرا ... المزيد

*.* ممكن تشترى ملابس العيد لأولادك دون أن تتفاخر أمام الناس بإن ثمنها كذا وكذا، فهناك من لا يستطع أن يشترى نصف ذلك ولا ربعه؟

*.* المزيد

يتواصل توافد جموع الحجاج على مشعر "منى" لقضاء يوم التروية بها، اليوم الأحد، الموافق الـ 8 من ذي المزيد

وعند تناول شيخنا الكريم تفسير قوله سبحانه فى "الفاتحة": "اهدنا الصراط ‏المستقيم" يقول: "بعد أن آمنتَ بالله سبحانه وتعالى إلهًا وربًّا و ... المزيد

ذكر الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس" العبرية، الخميس، أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابنيت&q ... المزيد

تعليقات