البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كتاب (الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة).. مناقشة أبو قتادة الفلسطيني

المحتوي الرئيسي


غلاف كتاب الدولة المستحيلة للدكتور وائل حلاق غلاف كتاب الدولة المستحيلة للدكتور وائل حلاق
  • عمر محمود أبو قتادة الفلسطيني
    29/01/2016 09:42

إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخليله، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المحجة البيضاء والطريق الواضح، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكَّبها إلا ضال.

أما بعد؛

فأهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم في لقاء جديد مع كتاب جديد ضمن مشروع "ألف كتاب قبل الممات". اليوم الكتاب الذي بين أيدينا للمناقشة هو كتاب الدكتور البروفيسور وائل حلاق الذي عنون له بكتاب (الدولة المستحيلة، الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي).

هذا الكتاب أيها الإخوة الأحبة من الكتب التي سنركز على مسألة من مسائل فن القراءة فيه. وهو أنني قلت في كتابي (فن القراءة) إياك أن تقرأ كتابًا بعد أن تقرأ نقده، بل عليك أولًا أن تقرأ الكتاب وتُقيِّمه من جهة نفسك، وتراه بعيدًا عن ضغط غيرك عليك، ثم بعد أن تنتهي منه تذهب إلى النقد فترى نفسك بين هؤلاء الناقدين؛ من  أنت؟ هل أصبت أم أخطأت؟ وُفِّقت أم حُرمت؟

وهذا الأمر مهم جدًا، في الحقيقة هذا الكتاب مع أن النقد والكلام عليه ليس كثيرًا جدًا ولكني وقعت في مصيدة الذين تكلموا عليه قبل أن آتي إلى الكتاب. وبالتالي أستطيع أن أقول بكل صراحة ووضوح أني ذهبت إلى هذا الكتاب وأنا متحامٍ؛ لأن عنوانه القصير وهو (الدولة المستحيلة) مُستفز، مستفز بمعنى الكلمة إذا أخذناه على ظاهره.

وكنت لم أطلع على الكتاب، ولم أطلع على عنوانه الكامل. لأن الكتاب يقول: (الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي)، وهذا العنوان هو العنوان الصحيح التام المعبِّر عن حقيقة هذا الكتاب. ولأكون صريحًا هذا البروفيسور لا يُحمِّل استحالة الدولة على الإسلام، وإذا حمَّلها فهو يُحمِّلها على طرفين:

الطرف الأول: يُحمِّلها على المسلمين، وهذا لا يُصرِّح فيه ولكنه يشير إليه.

والطرف الثاني: وهو مأزق الحداثة الأخلاقي؛ بناء الحداثة ورؤيتها للأخلاق هي المأزق والمشكلة، في كون الدولة الإسلامية كما يراها دولة ليس من معنى المستحيل أنها لن تكون ولكن من معنى أنها شاقة ومتعبة. والكاتب في فقرة خطيرة فيه يعترف بعدم الاستحالة، وكأنه أراد هذا العنوان استفزازًا للقارئ وتطمينًا للخصوم. كيف؟

العجيب أني رأيت هذا الكتاب لا يوجِّه خطابه قط للمسلمين، ودليل ذلك أنه حين يرى نفسه مستغرقًا في الخطاب يرى أن خصومه سيكونون أهل الحداثة، ويبدأ يبرر موقفه ليدافع عن رؤيته أنها ليست ماضوية وليست متشنِّجة وليست عدائية للحياة.

وبالتالي الذي يظن أن هذا الكتاب كما ظننت أنا؛ لأنه في الحقيقة أول عبارة أوحت للعنوان بأني ذهبت حتى في فهمي لموضوعه جملة في بعض العبارات وظننت أنه يذهب إلى الجانب القدري في موضوع الدولة. لأنكم تعلمون بأن موضوع الدولة من جهة شرعيته فشل؛ أي خصومة الدولة الإسلامية من جهة شرعيتها فشلت. والخطاب الموجود المناوئ لما يُسمى "الإسلام السياسي" بأن الإسلام عارٍ وغير كفؤ لإنتاج الدولة، وأن الإسلام ليس فيه دولة، أو أن الإسلام لا يُنتج دولة، كل هذه قد سقطت الآن ولم يعد أحد يقولها.

هناك التفات حولها كون الإسلام يمكن أن يخضع للدولة القومية، يمكن أن يخضع للحداثة، يمكن أن يخضع للدولة المدنية. هناك التفاف لكن لا يوجد الآن أحد يستطيع أن يُصرِّح فيُحترم بتصريحه بأن الدولة الإسلامية هي خرافة من جهة شرعية ومن جهة بيانية.

فأنا قلت أنه يمكن أمن هذا الرجل قد ذهب إلى الجانب القدري؛ وهو أن الدولة الإسلامية يستحيل أن تقوم من جهة قدرية. هذه رؤيتي الأولى للكتاب، بأنه يقول بأن الدولة الإسلامية ذات أفق أخلاقي عالٍ، وأن الواقع واقع دَنِس، وهذه عبارتي ولكن هذه الكلمة متغلغلة في كل الكتاب؛ لأن الحداثة هي حالة دنس تام، فارغة من الأخلاق، وفارغة من القيم، ويحكمها رأس المال، ويحكمها الاقتصاد.

وبالتالي يمكن أن يقول قائل بأن الكاتب أراد أن يقول لنا لا يمكن أن تنشأ الدولة على اعتبار بأن القدر أقوى منها، هذه جعلتني أشير إلى أنه يؤمن بنهاية التاريخ.

أعيد الكلام لأهميته، لأن هذا التطور له أهمية في النهاية كيف يصور الكتاب موضوع الدولة وما هي المشقة التي يجابهها المسلمون في إنشاء الدولة. وأنا أعيد هذا الكلام وربما يطول المجلس اليوم؛ لأن كل فقرة فيه اضطررت أن أكتب عليها مهمة، ما وجدت فقرة فيه من الحشو. وأي فقرة يلغيها القارئ لهذا الكتاب سيفوته خير كثير، ولن يستطيع أن يتصور الكتاب تصورًا صحيحًا. أنا أقول لكم هذا بصراحة.

أرجع فأقول لما فشلت الجهود الاستشراقية العلمانية الخبيثة بإفراغ الإسلام من الدولة من جهة شرعيتها قلت لعل هذا الكتاب جاء ليمنع وجود الدولة الإسلامية من جهة قدرية. لماذا؟ لأن العنوان هكذا (الدولة المستحيلة) أنها قدريًا لا يمكن أن توجد؛ لماذا؟ لأن الإسلام بأفقه الأخلاقي العالي وبتركيبة الدولة القائمة على قضيتين -كما يقول هو- على الشريعة وعلى التاريخ، وجود النموذج والمثال. والرجل مُعظِّم لتجربة الإسلام من جهة الدولة تعظيمًا شديدًا، وهو ناقد خطير لمفهوم الحداثة.

فأنا كنت أظن أنه يقول بأنه لما كانت الحداثة قد سيطرت بصورها الثلاثة كما سيأتي في كلامه عن الثلاثة قطاعات وكلها تعود إلى قطاع واحد وهو قطاع الاقتصاد، فسيطرت الحداثة. والحداثة بمعنى العلمانية في أفقها المتطور جدًا جدًا.

فلما سيطرت الحداثة بفراغها من عالم القيم، وارتباطها بعالم الاقتصاد، وفراغها من الجانب الأخلاقي تمامًا، مجرّدة من الأخلاق تمامًا، يُجابهها دولة إسلام قائمة على الأخلاق في أبعادها الكلية، إذًا لا يمكن أن تنشأ الدولة. هذه فورًا أنتجت لدي أن الرجل يؤمن بنهاية التاريخ بهذا التصور المطروح؛ لأنه حينئذ يقول قائل: لا يمكن أن ندمر الحداثة، وأن الحداثة هي قدرنا اللازم الذي تطورت فيه البشرية حتى وصلت إلى النموذج الأقوى فيما يمثله النظام الغربي الأمريكي والأوروبي، فهذا قدر لا يمكن الانفكاك منه، ليأتي الدعاة المسلمون لمصارعة هذه الحداثة فلن يستطيعوا التغلب عليها، إذًا ما معنى هذا الكلام؟ أنه يؤمن بنهاية التاريخ.

وهو حذّر في بداية الكتاب، فأنا ظننت أن هذا التحذير هو من قبيل ذرّ الرماد في العيون.

وهو لا يقول بهذا، لا يقول بأن الدولة المستحيلة -وهي الدولة الإسلامية- هي دولة لا يمكن أن تنشأ، لكن المعوقات داخليًا ليس من جهة قيم الإسلام في تحقيق دولة إسلامية قائمة على الأخلاق، لكنها من جهة قُدرة المسلمين على إنتاج ما بعد الحداثة. ماذا يعني هذا الكلام؟

يعني أنه يقول بأن المسلمين إذا أرادوا دولة إسلامية كما هي حقيقة مما تُفرزه الشريعة في قيمها العُليا، وكما تُفرزها تجربة الإسلام في إنشاء الدولة التاريخية العظيمة القائمة على الأخلاق لا بد أن يصلوا إلى قوة الأوربيين والأمريكان في إنتاج دولة الحداثة ضد الدولة التقليدية القديمة. هذا كلام من أروع ما يكون. وهذه حقيقة وهو يعترف بهذا، يقول: إذا أراد المسلمون إنتاج دولة فيجب أن يكون عندهم قدرة عظيمة هائلة تستطيع أن تُكنِّس الحداثة لتُنتج ما بعد الحداثة. هذه القدرة يشابهها تاريخيًا كما فعلت أوروبا وأمريكا في تكنيسها للنظام الكنسي والإقطاعي لتنتج دولة حداثية معاصرة. يعني يعتبر أن الإسلام هو خطوة عظيمة لما بعد الحداثة.

إذًا أي تصور يُنشئه هذا الكتاب أو عنوان هذا الكتاب خارج إطار قراءته كاملًا هو تصور خاطئ؛ هذا الكتاب مبني بناءً رياضيًا متكاملًا ولا يوجد فيه خرم. رجل ذكي، رجل قارئ جيد، رجل يضع الأمور في نِصابها، وكذلك صادق مع نفسه، وهو يطعن بقوة البيئة التي يعيش فيها.

الأسس التي أقام عليها الكتاب هي القضايا التالية:

القضية الأولى: تصوره لدولة الإسلام تصورًا صحيحًا، وفاق في ذلك من زعموا أنهم كتبوا عن الإسلام الحداثي.

هل هناك مسلمون أرادوا إسلامًا حداثيًا؟ الجواب: نعم. عندما نقرأ كتاب (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) للأستاذ راشد الغنوشي، هو يريد إسلامًا حداثيًا، وبالتالي تيار الأستاذ راشد الغنوشي في موضوع إنشاء الدولة المسلمة هو تيار حداثي، لكنه ليس تطويرًا للحداثة بمقدار طيّ وليّ الإسلام ليتوافق مع الحداثة.

انظر الرجل هذا نصراني وخبير وهو يفهم دولة الإسلام في أبعادها الصحيحة أكثر مما يكتبه المسلمون!.

وكذلك لما نقرأ طريقة تفكير الأستاذ حسن الترابي -ولا بأس أن نستخدم كلمة أستاذ احترامًا على قاعدة "عظيم الروم"-، لما يأتي إلى مفهوم الدولة هو يريد أن يوصل الدولة المسلمة إلى طريقة الفهم الحداثي للدولة، ولا يبقى بالإسلام ليكون انقلابًا عن حداثة، لأنه يطرح الحداثة بمفهومها الصحيح.

إذًا أولًا هذا الكتاب يُقيِّم دولة الإسلام تقييمًا صحيحًا، يقول بأن دولة الإسلام لا ترتكز فقط على الشريعة. كأنه حين قال هذه الكلمة وهي كلمة صحيحة، وهو رجل ذكي، وهو قارئ لأصول الفقه قراءة جيدة، لأنه في الحقيقة استخدام لفظ "الشريعة" أي الكتاب والسنة عند هؤلاء المؤوِّلين للإسلام هو شعار باطل. المقصود منه إلغاء تجربة الإسلام التاريخية، ولا يجعل هذه التجربة ضمن إنتاج الإسلام؛ ليبقى النص عاريًا من التجربة لتحقيق تطويعه.  

من هنا السلفية التي فهمها الكثيرون، وفي الحقيقة قبل أن يدخل على السلفية النجديُّون كانت هي ثورة على النص. يعني بعض المغاربة والجزائريون والتونسيون يقولون بأنهم كانوا يرون أن إمام السلفية هو محمد عبده! فالدعوة للعودة للكتاب والسنة هي دعوة مشبوهة في بعض صورها إذا جرّدناها من التجربة التاريخية.

ما الذي يحدد لك مفهوم النص؟ الواقع. يعني عندما نقول: الصحابة، عندما نقول: سيرة النبي، عندما نقول: ما فعله الخلفاء الراشدون. نحن جعلنا التجربة العمليّة مرجعًا لنا من أجل أن نعصم النص من التطويع أو كما يسمونه التأويل. يمكن أن يُتلعَّب به، وكأنه يدرك هذا، بل يدركه ويُصرّح فيه في بعض عباراته وإن كان من جانب آخر.

إذًا هو يجعل مرجعية الدولة الإسلامية أولًا الشريعة (الأحكام الشرعية)، ثانيًا صيرورة التاريخ (تجربة التاريخ). يقول بأن الدولة المسلمة في حس الرجل المسلم ليجعلها إسلامية موجودة في تصوره بكونها كائنًا وليس مجرد نص. فهناك عندما المسلم يقول: "دولة" فورًا ماذا يقفز إلى ذهنك؟ عمر بن الخطاب، أبو بكر، عثمان، علي، معاوية. هو يقول بأن هذه التجربة هي أرقى ما أنتجته البشرية وإن كان فيها إخفاقات. وهذا صحيح.

إذًا المرتكز الأول لمنطق هذا الكتاب وبناء هذا الكتاب أنه يقدم لنا تصورًا للدولة الإسلامية. ويجعل المرجعية الأولى هي قضية التأليه، وهذه وإن لم يتكلم في قضية الدار الآخرة لكنها حاضرة؛ لأن الدولة الإسلامية تقوم على أساس تأليه الله -عزَّ وجلَّ-، والشريعة مرتبطة بهذه القضية. وبالتالي ما هو الضاغط عند المسلم في تطبيقه للشريعة في الدولة الإسلامية؟ كونه عبدًا لله. هذه قضية أخلاقية. هذه لما يأتي إليها خلال ثنايا الكتاب في أن الفلسفة بكل إنتاجها -وهذه روعة من روعات هذا الكاتب- أن الفلسفة كلها أعجز من أن تُنشئ قيمًا أخلاقية، سبب هذا هو عدم وجود الثِّقل الذي يجعل لهذه القيم قوة فاعلية لدى الإنسان.

وبالتالي هو يُخرج كل الفلاسفة الذين يمكن أن يتحدثوا عن عالم -وليس عن قيم أخلاقية ذاتية أو قيم ذهنية-، لما يتحدث عن جميع فلاسفة الوجود من أولهم إلى آخرهم، وكلامه ذكي وأنا أتكلم عما أدركته في هذا الكتاب. عندما أتى إلى الفلاسفة رفع عنهم أي قيمة في إمكانية وجود حركة حياة تُسمى "الدولة" بمرتكز الأخلاق. بمعنى أنه يقول لا يمكن لأي فيلسوف وكما يقول: كلهم لا يمكن أن ينشؤوا دولة ذات بعد أخلاقي. لماذا؟ لأن أساس ذكر الفلسفة هو إنتاج الذات. ما هو الفكر؟ هو إنتاج الذات. والنص القرآني من أين؟ من الله. وإنتاج الذات لا يمكن أن يُنشئ هذه القوة الدافعة لتحمُّل الثقل الأخلاقي أمام الواقع.

ولذلك من يتصوّر أنه يمكن أن تُنشئ العلمانية -وبالمفهوم الثاني الحداثة- أي تصرف اقتصادي، سياسي، عسكري، ذا بعد أخلاقي، فهو مخطئ! وهذا بخلاف الدولة الإسلامية، لأنها مُنتَج إلهي، لأنها وضع إلهي باعتبارها شريعة منزلة من الله. و من هنا حصل الخلاف. الخلاف الشق الأكبر، انظر من يقول هذا الكلام من الذين يتكلمون عن الدولة الإسلامية؟ المتطرفون. من الذي يقول هذا الكلام الذي قلناه وأنا أتكلم في الجانب الإسلامي وليس في الجانب الآخر. من الذي يقول لا يمكن التقاء الحداثة مع الإسلام؟ من الذي يقول لا يمكن إنتاج الدولة الإسلامية ببعدها المدني الفلسفي الحداثي؟ الذين يُسمَّون بالمتطرفين، ما يقوله سيد قطب ومن هو على شاكلته. أما عامة من يتكلم عن الإسلام اليوم ببعده السياسي يريدون دمج الجاهلية مع الإسلام على شكل من الأشكال.

بل ويذهب أكثر من هذا -وهذا في الفصول الأخيرة-، وهذا الرجل بريء من تهمة التعصب، هو يتكلم من جهة دراسة علمية، يقول بأن "من ظن أن دولة الحداثة المعاصرة هي دولة محايدة يمكن أن تُملأ بأي فكر ما، هو واهم جاهل". الكثير من المسلمين الآن ماذا يفعلون؟ يعملون ضمن دائرة الدولة الحديثة الموجودة يريدون أن يجعلوا فيها الإسلام. يعني يذهبون إلى البرلمان يريدون الإسلام، يذهبون إلى الإصلاح يريدون الإسلام لكن ضمن دائرة الدولة الحديثة، يقول: إن هؤلاء جهلة.

لا أدري هو يتكلم هذا الكلام بعد تجربة مرسي في مصر وتجربة حزب النهضة في تونس وهذه التجارب أم لا، أما المترجِم فيترجم الكتاب ولا شك بعد سقوط هذه التجارب، ولكن هذا لا يهمنا، التجارب ليست ذات دلالة كبيرة في هذا الكتاب. هو يعود إلى قضية تصوره للإسلام باعتباره بُعدًا أخلاقيًا مربوطًا بكون الإنسان عبدًا لله، وكون الدولة المعاصرة هي دولة مُنْتَجة مِن قِبل الذَّات -الإنسان-، ولا يمكن لدولة إذا أنتجها الإنسان أن تكون ذات بعد أخلاقي. لماذا؟ لأن الأخلاق ثِقل، والأخلاق مشقة، لا يمكن أن يلتزمها أصحاب المصالح.

باختصار في هذه النقطة؛ ما الذي يجعل المسلم يندفع إلى قوله {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}؟ الله. وإلا لو خرج هذا النص عن كونك عبدًا لله فلا يمكن أن تطبقه، لماذا أنا أُنظره إلى ميسرة؟ لماذا {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}؟

إذًا هذا الرجل يفهم جوهر ما معنى الدولة الإسلامية، ثم ثانيًا يفهم جوهر الحداثة. هذان ركنان أوليان لترابط هذا الكاتب رياضيًا.

النقطة الثالثة التي يدور حولها كذلك وهو أنه رتب الكتاب ترتيبًا منطقيًا. مشى مع الكتاب حتى النهاية، وكانت بدايته صادمة ونهايته أكثر صدمة.

وتوحي الكلمة الأولى بأن الإسلام أعجز من أن يُغيّر، وهو لا يقول هذا. الإسلام أعجز من أن يملك دولة، ولا يقول هذا. بل يقول لأن المسلمين إذا أرادوا إنتاج دولة في هذا العصر يجب أن يكون عندهم قوة، أن تكون عندهم إمكانية الذات وقدرة الذات وإبداعات الذات -كما يطلقها-، يكون عندهم هذه القدرة الهائلة ليتجاوزوا هذه الحداثة.

والنقطة الثانية يقول ذلك لأن الحداثة ليست حيادية وليست نظيفة، بل هي شرسة مقاتلة تملك أدوات الصراع التي فيها الإبادة للخصم.

إذًا ما هي الطريقة عنده لإنتاج الدولة؟ يمكن أن تنتج الدولة وهو يعترف بهذا، هذا خلاصة ما يمكن أن يُبنى عليه هذا الكتاب، هذه التقييمات التي عنده، وبعد ذلك يمكن أن تمر على كل فقرة لتصل إلى هذه النقطة النهائية.

النقطة المهمة في بداية الكتاب، هناك نقاط مهمة يجب أن يقرأها المرء بوعي ولا يذهب إلى النهايات بسرعة ولا يقف عند البدايات فقط، بل يجب أن يتسلسل مع هذا الكتاب.

يشرح طويلًا -وربما ست أو سبع ورقات، وهي كافية بالنسبة لهذا الكتاب أن أسميها طويلة- بأن هناك في وجود شيء اسمه "المركزية" -ولو أنكم رجعتم إلى كلام لي سابق من ثلاثين سنة فأنا أُدندن حول هذا-، وهو يحضر كلامًا للفلاسفة بأنه لا يمكن أن تنتج فرعًا هجينًا عن نسق المركزية. كيف؟ يقول ما دام أن العالم محكوم بمركزية وصاحب نسق مُعيَّن في قضية الحداثة التي هي البعد عن الأخلاق والقيم بما ذكرنا، فإن تصور البعض بإنشاء الدولة المسلمة التي هي ما بعد الحداثة ضمن هذا النسق الكلي للكون هذا مستحيل.

وهذا كلام صحيح، ومن أكبر الأدلة عليه الربا؛ أعطني الآن دولة يمكن أن تُسمى مسلمة دون خضوعها للنظام المالي العالمي الخاضع للربا. وتكلمنا مرة عن أسطورة إنشاء دينار الذهب الإسلامي –ارجعوا إليها-.

واجمعوا هذا الكلام مع كتاب (الحرب العالمية الرابعة) لما قال صاحبه: ما نخافه من عالم الشرق هو وجود قائد خارج خطوط الطول التي يتعامل معها العالم وخطوط العرض. والحقيقة لا يمكن أن تُنتَج دولة إسلامية إلا بهذه الطريقة. لماذا؟ وهو هنا لا يربط ولكن يُقرِّر من كلام عامة الفلاسفة بأنه لا يمكن أن تُنتَج دولة مسلمة بهذا التصور الإسلامي الراقي العظيم في داخل هذا النَّسق المربوط، هو سماه "الحداثة" ولكن نحن نسميه "الجاهلية". وهذه يهتم بها ويشرحها شرحًا طويلًا ومهمًا، ويأتي إليه ويقرر بأن الانعتاق من النظام الدولي المرسوم بأبعاده الثلاثة برأسه الوحيد وهو الاقتصاد، كأنه تنين رأسه الأكبر والأعظم التهامًا وإحراقًا وتدميرًا وسوءًا وقذارة وهو الاقتصاد، لا يمكن أن تنشئ دولة هجينة. وهو بهذا يشرح هذه النقطة كأنه يشرح عبارة كتاب (نذر العولمة) لعبد الحي زلوم، أن العالم عالم قاسٍ لا يرحم، وهذا نفي للحيادية لأنه يسحق من أمامه، ولأنه لا يمكن أن تقوم الحداثة إلا على هذا البُعد.

أُعيد وأقول كلمة، الرجل ليس من باب اليأس الذي يؤدي للكفر، وأقول لكم بأن كل جملة من الكتاب مهمة لأنني لولا جملة واحدة لظننته يقول بهذا، لولا فِقرة يُصرِّح بها لظننت أنه يريد أن يقول للمسلم أرِح بالك، العالم قاسٍ، والحداثة غير محايدة وهي مجرمة، وأنت ضعيف وصاحب بعد أخلاقي ولا يمكن أن تنتصر. وللأسف هذه يقولها بعض المسلمين، وهذه وجدناها حتى في بعض الذين يعملون في التيار الجهادي، ونراها تتكرر للأسف في كلمات بعض الناس، عندما يقولون: لماذا نجحت التجربة الفلانية وانتصر الخصوم؟ فيُعيدوها لقيمك الأخلاقية التي قيَّدت سلوكك في بلوغك إلى النصر، وقد انفلت منها خصمك غير الأخلاقي فوصل إلى المقصد.

تسمعون هذه كثيرًا صحيح؟ يأتي واحد يقول لماذا انتصرت الجماعة الفلانية؟ لأنها ذات أبعاد أخلاقية وقيمية، حتى تجدونها فيمن يعيش التجربة يقول: نحن ننتصر لأننا التزمنا بالأخلاق وغيرنا لم يلتزم بالأخلاق. لماذا لم تنجح؟ يقول لك: صاحبي رشى الناس وكذب عليهم واشترى الذمم واستخدم الكذب والخداع، وعاهَدَنا وفَجَر، إلى آخره. وأما نحن فالتزمنا بالقيم الأخلاقية، وبالنهاية القيم الأخلاقية قيّدت سلوكنا فكان هذا التقييد سببًا للفشل.!

لا أعلم كلمة مجرمة في هذا العصر مثل هذه الكلمة! وهي مناقضة لقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، ومناقضة لقوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}، القرآن يقول العاقبة للمتقين وأنت تقول بسبب التقوى وتقييدات التقوى امتنعتم من الوصول للهدف؟!

وبالتالي هذه أفرزت حسًا ما، بعضهم  ذهب إلى اليأس، ما دام أن خصمي يستخدم الأساليب الملتوية والفاجرة والكاذبة والجاهلية، وأنا أستخدم الأسلوب الأخلاقي والأسلوب الأخلاقي يُقيّدني من السلوك والعمل وإذًا هو في النهاية سيصل، وفي كل معركة سأُهزم لأن المعركة غير متكافئة لما تقدَّم من أدوات. فهذه صنعت اليأس.

وهناك من الناس من قال نحن لن نربح، وذهبوا إلى انتظار الآية الإلهية الغيبية، مجيء الرجل الـمُخلِّص من أجل أن تكون معه آلات السماء لتسُد أدوات الأرض. هم يريدون الكرامات الإلهية وأدوات السماء الغيبية من أجل أن تسد العجز أمام فجور وخصومة وكذب وافتراء وتحايل ومكر الخصم، فجلسوا ينتظرون. هؤلاء قِسم.

يقابلهم قسم آخر صاروا مثل غيرهم، يعني الأصل أن هذا الدين بقيمه الأخلاقية له هدف أخلاقي، هذا الدين هدفه أخلافي وله قيم أخلاقية. فلما رأوا أن القيم الأخلاقية لا توصِل إلى الهدف الأخلاقي أجازوا لأنفسهم سلوك غير الأفكار وتأويلها، فذهبوا يدرسون مناهج الخصوم لأخذها وتلبيسها لباس الإسلام؛ قال النبي كذا، فعل كذا، الحرب خدعة، ويمكن كذا، ويجوز كذا، فجعلوا يُلبسون الجاهلية لباس الإسلام تزويرًا، مع أن مصدر إنتاج أفكارهم وأعمالهم للوصول لأهداف الإسلام ليست إسلامية.

يقرأون التجارب الأخرى ويأخذونها إسلامية، من أجل هذا واجب علينا قراءة القرآن لنعلم أن الأنبياء وصلوا عن طريق الجانب الأخلاقي. واجب شرعي علينا يُعادل قراءة القرآن أن نقرأ سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأن سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي النموذج الحقيقي للوصول إلى الأهداف عبر قيم الإسلام. النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستخدم أي أسلوب يُعاب عليه، لا من جهة عدو ولا من جهة صديق. بل إنما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بقيمه الأخلاقية وصل إلى النهاية ووصل إلى النتيجة.

إذًا حين يأتي كاتب ويقول بأن الإسلام مُنتَج أخلاقي عظيم، لا يمكن أن يصل إليه من خلال واقع الحداثة السيء، هذا يمكن أن يكون مُيـَئِّسًا وهي إحدى صور الامتناع القَدَري. والكتاب لا يقول هذا، أريد أن أُبرِّئ الكتاب، يستطيع أن يقول أحد أي كلام عنه، لكن الرجل يعترف بأن الدولة الإسلامية يمكن أن تُطبَّق، ولكن صراعها شرس مع خصومها. وهو لا يُيئِّس الناس في إيجادها، لأن العنوان لا يوحي بهذا، والدليل قوله (الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي)؛ المشكلة في مأزق الحداثة الأخلاقي.

لا توجد جملة أو فقرة في الكتاب إلا ولها أهمية.

وهو قارئ للأصول كما علمت أنه قارئ للأصول الإسلامية، ومدرس للدراسات الإسلامية، وقارئ أصولي جيد، وهذا بيِّن من كتابه، حتى إنه يمدح البناء الـمُحكَم لأصول الفقه، يمدحها مدحًا دالًا على المعرفة وليس مجرد إطلاق، وهذا يدل على احترامه.

والكتاب لم يُكتب لنا، والدليل أنه كُتب للإنجليزي كدراسة علمية خاصة به وليس المقصود به نحن.

أنا سآتي إلى بعض الفقرات في الكتاب، والكتاب أشبه بكتب أصول الفقه التي تحتاج كل فقرة فيها إلى شرح.

لأؤكِّد لكم ما أقوله نقرأ الفقرات. أنا سأقرأ الفقرة الأخطر التي منعت من أي فهم في موضوع عدم إمكانية قيام الدولة، وهو لا يقول بأن الدولة لا يمكن أن تقوم ولكن انظر إلى شرطه:

يقول: "ومن هنا فإن البناء على تقنية الذات.."، يقول أحد إخواننا بأنه شرح لمن سأله كلمة معنى تقنية الذات: التقوى، أنا في الحقيقة أقول ربما هو أراد أن يوصل فكرة سريعة لكن لا تحتاج إلى هذا التفسير لأنها مفسرة في داخل النص. الحقيقة كلمة التقوى ربما هي عندما يتكلم بالإنجليزية أراد بها معنى، ولكنها لو نُقلت حرفيًا إلى الحس الإسلامي لن تفي بالغرض لبناء هذه الجملة بناءً معرفيًا تامًا.

ربما في الغرب كلمة التقوى تُفهم مفهوم الصدق في العمل، على قاعدته -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يُحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه). ولكن إذا نُقلت التقوى وتُرجمت بكلمة التقوى حرفيًا فسيكون في العبارة خدش؛ لأن التقوى أقرب ما تكون في الحس الإسلامي على معنى النُّسُك. الحس الإسلامي كلمة التقوى فيه لا تأتي على معنى إتقان العمل، القليل من الناس يربط كلمة التقوى بإتقان العمل. مع أن إتقان العمل هو من التقوى، لكن في الحس الإسلامي كلمة تقوى مربوطة بالنسك؛ يعني عابد، مصلي، صائم، مزكي، حاج، إلى آخره.

يقول: "ومن هنا فإن البناء على تقنيات الذات لا يتضمن بأي طريقة استعادة لمؤسسات الشريعة قبل العصر الحديث .."، كنت أتمنى أن يكون الكتاب سيئًا لأسب عليه لكن الكاتب يفرض نفسه بإيقاعه الراقي، وأنا لما قرأته بكيت على من يكتبون عن الإسلام، بكيت عليهم هذه الأيام! أين سيد قطب، أين أبو الأعلى المودودي، أين مالك بن نبي؟ هؤلاء فقدناهم. أن يُكتب على الإسلام بهذه الروح وهذه القوة في داخل الخطاب وهذا الفهم الواعي لحقيقة الإسلام.

راشد الغنوشي في كتابه (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) يؤنِّس الدولة. أنا أريد أن أسألكم عندما يأتي حسن الترابي يقول: وأنتم تعلمون حروب الردة لماذا قامت، هل هي لحق الحكومة النظام أم لحق الله؟ إذًا الجهاد هو حق الله، سواء كان جهاد كفار للدعوة إلى الله، أو قتال مرتدين لأنهم أرادوا الخروج من عبوديتهم لله. هذا مفهوم وكل مسلم يعرفه. فيأتي المفكر حسن الترابي ليقول بأن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قام بحروب الردة من أجل المحافظة على "النظام الإسلامي" وعلى "الدولة"، هذه الدولة شرسة، الدولة ذات بُعد إلهي نقاتل من أجلها ونُميت الناس حتى لا يخرجوا عن الدولة، الدولة صارت مقصدًا وغولًا بنفسها وتنينًا يجب أن يُحترم؟! وواحد يقول: لا بل إن الدولة خادمة لحق الله في الأرض.

من أقرب إحساسًا بها؟ من يقول بأن الدولة المسلمة هي ذات بعد إنساني أم أن الدولة المسلمة على قاعدة {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} من هو أقرب إلى الحس الإسلامي؟ بلا شك أن من يقول إن الدولة الإسلامية هي منتج من منتجات الكتاب والسنة لتحقيق {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.

من أقرب هذا الذي يقوله وائل حلاق أم يقوله هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا الدولة إنسانية الطابع، وبالتالي تكون مجردة من الشريعة، وإذا وضعنا الشريعة فهي لبُعدها فقط الأخلاقي الضيِّق وليس لبنائها الأصلي المرتكز على أساس العبودية لله.

والرجل عميق في فهمه للفروق العميقة بين الإسلام وغيره؛ مثلًا موضوع مفهوم العقل يأتي إليه في فقرة سريعة، لا يمكن أن يفهم هذا الكتاب وصاحبه دون أن يكون فاهمًا لمفهوم العقل عند الإغريق وعند المسلمين. يعني أريد أن أقول إن كاتب هذا الكتاب متمكِّن من مادته ولا يرفع شعارات البطولة عندما يأتي بفكرة جميلة. ممكن أن تمر على أفكار تظنها عادية ولكنها تدل على عمق هذا الرجل، أنا أمدح رجلًا نصرانيًا ليس مسلمًا وهو لا يؤمن بالحداثة، لا أدري كيف يسلك أو كيف حياته، لكن هو في الأصل معروف أنه نصراني من فلسطين.

وكما قلت لكم أنني حزين ألَّا يوجد منتج إسلامي بمثل هذا الإتقان وهذا البناء. هذا الرجل يفهم ولو أنه خطيب جمعة لقال الناس يأَّسَنا أو أنه يريد أن نكون أبطالًا. هو في الحقيقة يريد من المسلم أن يكون أسطورة ليُغيِّر، أسطورة على غرار الكبار الذين يغيرون التاريخ.

يقول: "ومن هنا فإن البناء على تقنية الذات -يعني الإنتاج الذاتي لقضية الإتقان- لا يتضمن.."، ما هو الإبداع؟ هو الإنتاج على غير مثال، "ومن هنا فإن البناء على تقنيات الذات لا يتضمن بأي طريقة استعادة لمؤسسات الشريعة قبل العصر الحديث ولا لممارستها أو حتى نظامها التعليمي"، لو تركتكم عند هذه العبارة لقلتم إن الرجل يريد مثل المشايخ اليوم، كثير من المشايخ نجلس معهم وبعض المفكرين وحتى من يُسمون بأنهم سلفية على طريقة حزب التحرير -حزب التحرير في بناء الدولة سلفي، لأنه لا يرى إلا الطريقة السلفية حتى في بناء الدولة عندهم هو سلفي-، تجلس معهم يقولون: "الفقه الإسلامي منتج تاريخي لا ينفعنا ولا يحل المشكلة!"، وتجده يقول: "ولقد كُتب الفقه الإسلامي في عصور ناسبت صياغته وناسبت منتجه، ونحن نحتاج إلى فقه جديد وإبداع جديد!"، فلو وقفت على هذه الكلمة لظننت أنه منهم، يريد أن يقول أن الإبداع من خلال تقنية الذات. فمنتجك يجب أن يكون ذاتيًا، إبداعًا ذاتيًا، جِدَّة جديدة ذاتية.

يقول: يجب ألا تتضمن ولا يُمكن أن تتضمن إعادة صورة دولة مسلمة أُنتجت قديمًا، حتى الآن الكلام يوافقهم، كأنه يقول بأن الدولة الإسلامية يجب أن تتطوَّر لأن الدولة الإسلامية في بعدها التاريخي هي إنتاج قديم.

لكن انظر إليه ماذا يقول، لصدق هذا الرجل في طرحه يقول: "ومن هنا فإن البناء على تقنية الذات لا يتضمن بأي طريقة استعادة لمؤسسات الشريعة قبل العصر الحديث، ولا لممارستها أو حتى نظامها التعليمي، فهو مشروع أخلاقي من الطراز الأول"؛ فهذه الدولة الإسلامية التي تتصورونها لما ستهدم به الحداثة وتُنتج دولة إسلامية هو مشروع أخلاقي من الطراز الأول، عليه أن يكون منتجًا جديدًا.

وهو لا ينسى التاريخ، ويهتم به، يقول: "ومحاولة للبناء على الذات التاريخية من أجل التوجيه الأخلاقي، وهو مشروع للنقد الأخلاقي والتأني الأخلاقي والبديل الأخلاقي، ما يعني أنه مشروع يهدف إلى إيجاد فضاء أخلاقي للذات المسلمة في العالم الحديث وهي ذات -أي الذات المسلمة اليوم- لا تقل اغتربًا.."، أنت يا مسلم تشعر بالغربة أم لا؟ ألا تشعر بالقلق لما تشتري اللحم أنه ممكن يكون مذبوحًا على غير الطريقة الإسلامية؟ لما أنت تتعامل في أي عقد ألا تشعر باغتراب لما تُنشئ هذا العقد؟ لما تذهب لتتزوج ألا تخاف أن تكون زوجتك مبنية في داخلها بناءً علمانيًا وأنت لا تدري؟ ألا تعيش في اغتراب؟ ألا تعيش الاغتراب لما تذهب إلى عرس وأنت ملتزم إسلاميًا فتجد الاختلاط أو تجد الموسيقى تعيش غربة أم لا؟

قال عن هذه الذات المسلمة: "وهي ذات لا تقل اغترابًا عن نظيرتها الغربية جرَّاء الحداثة". هل الإنسان الغربي يعيش حالة اغتراب عندما صدمته الحداثة مما كان يعيشه في دولة تقليدية مبنية على الدين ومبنية على الكنيسة فجاءت الحداثة فدمرت هذا فعاش اغترابًا؟ يقول ما تعيشه أنت لما تريده من دولة إسلامية لما بعد الحداثة عاشاها قبلك من صُدم بالحداثة في عصره الكلاسيكي التقليدي.

"وعلى هذا الأساس فإن استعادة المصادر الأخلاقية الإسلامية تمثِّل مشروعًا حداثيًا بقدر الحداثة نفسها". الحداثة كانت ثورة على قيم الغرب، وبدّلت أصول الحياة كلها. هو يقول بأنه إذا أردت إسلامًا عليك أن تفعل ما فعلته الحداثة في الحياة، أي تدمير للأصول. وهي كمشروع حديث ما بعد حداثية أيضًا حتى النخاع. وبعبارة أوضح فإن ما بعد الحداثة تفترض الحداثة وتحاول أن تتجاوزها ولكنها تظل حداثة على الرغم من ذلك.

هذا النص وما بعده يفسره، لأن هذا الكلام أخاف كاتبه وذهب بعد ذلك يُدافع عن نفسه. يعني أنت الآن حتى تعيش في دولة إسلامية لا يوجد فيها ربا، ودولة إسلامية لا يوجد فيها دش يُدخل كل أوساخ الدنيا في بيتك، ودولة إسلامية تستطيع أن تعيش -كما قال- فضاءً إسلاميًا وفضاءً أخلاقيًا. ما دور الإسلامية عنده؟ أن تُوجِد فضاءً إسلاميًا للمسلم، إذًا عندها القدرة بأن تكون هي أقوى من سيطرة غيرها على العالم، يكون عندها قدرة على المجابهة. هذا هو الفهم الصحيح. وهو شَعَر بعد هذا النص بخوف، أنا متأكد!.

أنا مرات أضحك على المسلمين ومرات إخواننا من جماعة التبليغ كثيرًا ما يستخدمونها وبعض الخطباء على منوالهم، يقولون: وهؤلاء الكفرة وضعوا لنا شحم الخنزير في الأطعمة والبسكويت حتى يمنعوا قبول الدعاء من الله! هؤلاء صنعوا اللباس لنسائنا العاريات حتى يُمنع قبول دعاء وقبول الصلاة. والله لما صنعها المصنع ما كنت على باله، أنت لست في باله، هذا الموضوع لا يوجد إلا في ذهنك أنت.

هو يعترف أن الغرب في داخله -وهو يستبطِن هذا- يخاف الإسلام، وبالتالي كانت عنده المحاولة الأشد والأشق في أن يُدخل العالم الإسلامي في منظومته إدخالًا كليًا ليمنع إنتاج الإسلام في داخل بيئته. هو يعترف بهذا. ويعترف بأن الحالة الاستعمارية لم تُرِد فقط استغلالنا، ولكنها أرادت أن تُدخل العالم الإسلامي في منظومته ليمنع إنتاجًا أخلاقيًا كون الحداثة عدوًا للإنتاج الأخلاقي.

كتاب في هذه الصورة فاضح للاستشراق أيضًا، بحثت عن نَفَس استشراقي فيه فلم أجد، حتى أنني ظننت في أول وهلة أنه يستخدم عبارات استشراقية مثل فهمه للإسلام أنه قومية، ولكن وجدته بعد ذلك أنه أفرد فصلًا كاملًا في الكتاب يمنع إمكانية إقامة دولة إسلامية ضمن الظرف القومي، يقول: الإسلام عدو للقومية، بُعده الأخلاقي العالمي يمنع قضية أن يكون الإسلام قوميًا. وهذه من معوِّقات وجود الدولة. وهذا صحيح، من عدونا الآن نحن؟ ذهبت حتى القومية الآن عشائرية وعائلية!.

أنا ما رأيت رجلًا أكثر منه عداوة لما يُسمى الحداثة، مثله وجدت لكن أكثر منه لم أجد!

وهو يُفرِّق بين التنوير والحداثة؛ يقول: الحداثة عدوة للتنوير. قال: لو كانت الحداثة موافقة للتنوير لسمحت بوجود دولة إسلامية، الناس اختاروا الإسلام وقيمه تعجبهم فلماذا تريد أن تبلعهم؟

ما هو التنوير؟ الحرية والناس يختارون ما يريدون، فلو كانت الحداثة تلتقي مع التنوير أو في جوهرها تنويرية لسمحت للناس ان يختاروا ما يختارون ولكنها لا تسمح. الحداثة طاغوت لا يسمح إلا بتألُّه ذاته. ومن هنا يقابلها من آمن بتأليه الله.

الآن هو شعر أن الكلام صعب، وأن الكلام كأنه دعوة للثورة. إذا أردت أن تبني دولة إسلامية ماذا عليك؟ أن تهدم العالم كله، يجب أن تحارب مركزية العالم كله، سيُشكِّك في هذا المشروع كثير من المعلِّقين، خصوصًا من اعتاد منهم على التراث الليبرالي الغربي وقيمه.

من سيكون عدوًا للكتاب هذا؟ الذين يزعمون أنهم علمانيون وأنهم ليبراليون، ليبراليون أي الذين يؤمنون بحرية الإنسان، والليبرالية قسمان: ليبرالية صلبة لا تؤمن بوجود الله، وليبرالية تقول: الله أوجدنا لكن تخلى عنا وتركنا نعمل بمفردنا، بمعنى أنني حر أختار ما أريد، والعقل يُنتج ذاته ويُنتج ما يحب وما يكره، وبالتالي الشريعة ما يُنتجه هذا العقل.

"سيشكك في هذا المشروع كثير من المعلقين خصوصًا من اعتاد منهم على التراث الليبرالي الغربي وقيمه، وسيتهمونه -أي القائل- على الأقل بخطيئة الماضوية. وأعتقد بأن الكثير قد قيل في الفقرات السابقة لدحض هذه النظرة."، -يعني هو يريد أن يقول بعبارة أخرى مُرضية لهم بأن إنتاج الإسلام هو إنتاج أخلاقي الأصل أن يسمح به التنوير. فأنا لا أؤمن بإنتاج الماضي، لكن نحن ينبغي أن نكون تنويرين وبالتالي يُسمح بإنتاج حياة على أُسس أخلاق إلهية التي جاءت بها الشرائع.

"وأعتقد بأن الكثير قد قيل في الفقرات السابقة لدحض هذه النظرة، على الأقل بالنسبة إلى الذين يؤمنون بأن المشروع الليبرالي لا يحتكر الحقيقة. غير أنه لا تزال هناك جمهرة من المشككين وردهم المتوقع على المشروع الإسلامي للإحياء الأخلاقي هو أن هذا المشروع يظن ماضويًا ولا مكان له في العالم الحديث، وهو رد نجده حتى لدى أولئك الذين يناقشونه كموضوع علمي"، هل الأصل ماضوي أم غير ماضوي هذا ليس له قيمة في البحث، لأنه شيء خارج عن نطاق البحث.

قال: "ولذلك يتعين عليهم الآن التعامل مع هذه التهمة والكشف على المضامين الفكرية والمذهبية."، ويذهب إلى شرح هذا.

وكذلك مما يدل على رعبه من الحداثيين لأنه يعيش بينهم يقول مثلًا: "يتم دائمًا رفض استدعاء قاعدة أخلاقية في تراث تاريخ معين تستطيع أن تعلمنا شيئًا لإعادة تقويم انهماك المشروع الحداثي في تدمير الطبيعة على اعتبار أن ذلك الاستدعاء يتَّسِم بالماضوية."؛ يعني يقول إن البعض يرفض استدعاء قاعدة أخلاقية ماضوية حتى لو كانت هذه القاعدة تحمي وجودنا، وحياتنا.

يقول: "واعتبار أن ذلك الاستدعاء يتسم بالماضوية وحيث يُعتقد أن أدوات الحداثة التقدمية ممثَّلة في تطورها التقني تملك قدرات معالجة تلك الآثار المدمرة."؛ يقول إن هؤلاء الحداثيين يقولون لا ضرورة للماضي لأن الحداثة نفسها تملك مقومات تصحيح ذاتها.

هذا لأنه مشغول بهذا. لكن أنا أريد أن تنظروا إلى آخر جملة له في الكتاب لتعرفوا من هم أعداء هذا المشروع، "لا شك في أن العيش معًا في سلام على الأرض هو عمل شاق. وقد يكون يوتوبيا.."؛ يعني أسطورة، اليوتوبيا هي حالة ذهنية عقائدية خالية من المنطق، يقول: "وقد تكون يوتوبيا حديثة أخرى. بَيْدَ أن إخضاع الحداثة لنقد أخلاقي -أي إسلامي على حسب تفسير الكتاب، فهو يعترف أن الإسلام مُرتَكَزُه هو الأخلاق- يُعيد هيكلتها يبقى الحاجة الأساس لا لقيام حكم إسلامي فحسب بل لبقائنا المادي والروحي ليست الأزمة حكرًا على الحكم الإسلامي والمسلمين"؛ يقول بأننا من أجل أن نُقيم دولة حداثية حقيقية قائمة على الأخلاق، لا يوجد إنتاج يقوم على الأخلاق كما يقوم الإسلام، الباقي هو إنتاج ذاتي، وخلال الكتاب كله يكشف أن الفكر الفلسفي لا يمكن أن ينتج بعدًا أخلاقيًا.

يقول كلمة تحت الفصل السابع وهي مهمة جدًا: "النطاق المركزي للأخلاق".

هو في الحقيقة هل هو من الحياء؟ هل لأنهم ليسوا بشيء؟ هو لا يتكلم أبدًا طوال الكتاب عن أي حزب إسلامي أو جماعة إسلامية أو شخصية إسلامية في قضية طرحها للبناء الإسلامي صحيح أم خطأ، ممكن تقول إما أنه لا يرانا لكنه ينتقد نقدًا خفيفًا لبعض المظاهر. لكن هو لا يأتي مثلًا لجماعة إسلامية يقول انظر ماذا يكذبون، انظر ماذا يقولون.

"سنسلِّم هنا بأنه في حين تمثل هذه المشكلات تحديات مادية وعملية مهمة تستوجب التعامل معها بطرق تجريبية وعينية، فإنها تبقى كما طرح دوكاي في سياق مماثل أسئلة أخلاقية في الأساس؛ لأنها تنبع في النهاية من تشوُّه نظرتنا الأخلاقية إلى الطبيعة."، البناء العقدي للإنسان الغربي أساسه غلط فلا يمكن أن ينتج أخلاقًا. ولأنه لا يمكن حل تلك المشكلات بصورة مُرضية وحقيقية إلا من خلال تصحيح تلك النظرة.

كانوا دائمًا يسألون أطفال الغرب ما الفرق بين أخلاق الإسلام وبين الأخلاق الغربية؟ ودائمًا أُعلِّم أولادي وما زالت ابنتي تذكرها وتُذكِّرني بها وهي مرجعية الأخلاق، المسألة ليست قضية الصدق وعدم الصدق بل مرجعية الصدق؛ أنت تقول لأحد: الصدق ممنوع بأي مرجعية، في الغرب الصدق انتهت قيمة العُرف، العرف ضعيف جدًا ولا وجود له، العُرف أن الناس يعيبونه لأنه كذب أو ما شابه، عندنا الآن لو واحد كُشف أنه كاذب ماذا يفعل؟ يخجل من نفسه. لكن عندهم إذا كان واحد محترم بين ناس محترمين وكشفوا أنه كاذب هل يخجل أم لا يخجل؟ الغربي لا يخجل. ما هو السبب؟ الذي يخجل عندنا لأنه حس إسلامي.

الشيخ من قبل خمس دقائق تكلم عن الكذب أنه حرام ويُلقى في جهنم وعيب وكذا، لكن في الغرب لا وجود لها. فمرجعية الأخلاق مهمة جدًا، قبل أن نبحث في قضية الأخلاق.

قال: "وهذه الحلول لها آثار مباشرة لا على إمكان الحكم الإسلامي في العالم الحديث فحسب، بل أيضًا وأساسًا على الدولة الحديثة والشرط الحديث الذي توجد فيه، وكما سنؤكد في هذه الصفحات الختامية فإن أكثر مشكلات الإسلام الحديث جوهرية ليست إسلامية بصورة حصرية -المشكلة ليست في الإسلام- بل هي في الواقع جزء أساس من المشروع الحديث نفسه في الشرق كما في الغرب."

هو هنا له عبارات مهمة لنا في نقده للخطاب الإسلامي، وهذا الكتاب كله قد أَجْمَلَه في عبارة في الأول، لكن هذه العبارة احتاجت إلى كل فقرة يقوم عليها ونحن اعترفنا له بالبناء المنطقي.

الحقيقة البعض يخجل من هذا الطرح ويترك البناء للنهاية حتى لا تنصرف عن الكتاب. لكن الرجل واثق من نفسه ولا يكتبه للتجارة. أطروحة هذا الكتاب بالغة البساطة؛ "إن مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة"، لو وقفنا عند هذه العبارة يقول هناك تناقض داخلي بين الدولة وبين المجتمع، أي بين قيم الإسلام العظيمة وبين المجتمع.

بحثت عن عبارة فيها نقد للمشروعات الإسلامية المعاصرة فما وجدت مثل هذه العبارة، يقول: "تفترض الخطابات الإسلامية الحديثة أن الدولة الحديثة أداة للحكم محايدة يمكن استخدامها في تنفيذ وظائف معينة طبقًا لخيارات -أي العقائد- قادتها وقراراتهم، كما تفترض أن بمقدور القادة أن يحولوا آلة حكم الدولة حين لا تُستخدم للقمع إلى ممثِّل لإرادة الشعب."؛ هو يشرح كلامًا رائعًا، يقول الدولة الحديثة هي دولة لا يمكن إلا أن تنطوي على بعد القمع وطمس الإسلام في الداخل؛ لأن الأخلاق تقوم على احترام الإنسان.

يعني المعنى الاقتصادي الذي تفرضه الدولة الحديثة هو لمصلحة الإنسان أم لسحق الإنسان؟ لسحق الإنسان. انظر إلى اثنين في المائة وهذا قبل ثلاثين أو أربعين سنة كان الاقتصاد بيد 2% في العالم، و98% عبيد لا قيمة لهم، فالأصل أن تُقلب الصوة أن تكون الحياة لخدمة الإنسان. ما الذي يمثل هذا؟ حين يكون عبدًا. حين يكون هناك مركز يعود إليه.

يُظن أن هذه الدولة هي مجرد أدوات يمكن أن تُستخدم لقمع الشعوب ويمكن أن تُستخدم لخير الشعوب. هو يقول لا الدولة الحديثة ليست كذلك، يقول: "..محددين بذلك ما ستكون عليه الدولة ديمقراطية أو ليبرالية، نظام اشتراكي أو دولة إسلامية تطبق القيم والمثاليات المتأصِّلة في القرآن وتلك التي حققها الرسول في دولته الصغيرة في المدينة. هكذا تنظر الخطابات الإسلامية الحديثة إلى الدولة الحديثة."، انظر بالله عليك إلى هذا العمق العجيب!. أنا أجزم أن من قرأ هذا الكتاب ولا يعرف كل عبارة ما هي مدلولها وكم بذل من جهود في إبانتها ستكون قراءته واهية، هذا يدل على فهمه ووعيه، انظر إلى المثل الذي ضربه لتعرف كم يحتاج إلى شرح.

إذًا كيف نظر الإسلاميون للدولة الحديثة؟ أنها محايدة. يمكن أن تملأها قمعًا، ويمكن أن تملأها ديكتاتورية، يمكن أن تملأها ديمقراطية، ويمكن أن تملأها إسلامًا. ويمكن أن تُدخل الدولة الإسلامية النبوية في هذا النموذج الحداثي. يقول: هذا فهم ساذج!

انظر إلى المثال هذا ما أرقاه، يقول: "هكذا تنظر الخطابات الإسلامية الحديثة إلى الدولة الحديثة كما نظر أرسطو والأرسطيُّون إلى المنطق أي كتقنية محايدة أو كأداة توجُّه التفكير السليم فيما يخص أي موضوع أو مشكلة في العالم."؛ ماذا قال الإسلاميون المناطقة؟ قالوا: "النحو يعصم اللسان من الخطأ واللحن، والمنطق يعصم العقل من الخطأ"، وبالتالي هذا المنطق هو إنتاج إنساني يجب أن يستخدمه كل أحد؛ البوذي والمسلم والنصراني والوثني. ووقع فيه المسلمون أم لم يقعوا؟ وصارت مقدمات أصول الفقه مقدمات منطقية أم لا؟ هو يُرجع المصدر هنا باللغة الإنجليزية إلى من؟ من تعتقدون أنه هو الذي هدم هذه النظرية وقال بأن المنطق الأرسطي ليس محايدًا وإنما هو خادم لعقيدة بل هو مُنتَج لمشكلة.

تذكرون كتاب (المرايا المحدبة)، لما قلنا أنه قال بأن النقد الغربي هو إنتاج أزمة نفسية غربية لا تتلاءم معنا. الإمام ابن تيمية يقول بأن المنطق الأرسطي هو حل لمشكلة زمنية تتعلق باليونان وهي السفسطائيين، يعني عندهم مشكلة السفسطائية وهي إثبات الشيء ونقيضه، جلس يقول تستطيع أنت أن تُثبت الشيء ونقيضه، وأن تثبته وأن تنفيه، فذهب أرسطو ووضع المنطق. هذا مُنتَج داخلي من خلال بيئة معينة وثقافة معينة، فذهب أرسطو وأنتج المنطق من أجل إيقاف هؤلاء. أخذه المسلمون باعتباره آلة محايدة تُستَخدم لردّ أي أحد. من بيّن هذا لنا؟ ابن تيمية. وقال بأن هذا منتج خاص بهم.

مثل قضية التصورات والتصديقات، يعني أرسطو قال: الأمور تُقسم إلى قسمين؛ تصديقات وتصورات. والتصورات لا تنشأ إلا بالحد والتصديقات الأخبار وما شابه ذلك إلى آخره. فلأجل هذا نشأ في الإسلام بأنه لا يمكن تصور شيء إلا من خلال الحدّ -يعني التعريف-. وجاء ابن تيمية ينقضه، وقال بأن أفضل طريقة لتصور الشيء هو المثال وليس الحد. يعني أنت لو جئت قلت ما الساعة؟ أردت أن تضع لها حدود التعريف وأركان التعريف وهي كذا وكذا، من أفضل هذه الصورة التي يقدمها لك التعريف أم المثال حين يقول لك هذه هي الساعة؟

أرسطو لا يرى طريقة لتصور الغيبيات إلا بالحد، ونقض هذا ابن تيمية.

يقول مثال هذا: "كما نظر أرسطو والأرسطيُّون إلى المنطق أي كتقنية محايدة أو أداة توجه التفكير السليم فيما يخص أي موضوع أو مشكلة في العالم، واستمر ذلك إلى أن أوضح المفكرون المسلمون أنفسهم بعد قرون من أرسطو أن منطقه الصوري ونظرية الكليات التي يقوم عليها متشبعة أصلًا بافتراضات ميتافيزيقية -يعني غيبية-، معيَّنة تحدد مسبقًا طبيعة مقدماتها وتحدد بالتالي طبيعة نتائجها، وأن مجرد استخدام هذا المنطق يعني تسليمًا قَبَليًا بنوع من الميتافيزيقيا سبق أن رفضه أغلب المفكرين المسلمين.".

هذه كافية. أنا أردت أن أضرب لكم كيف ذهب إلى المثال ذهابًا. وهو يورد كلامًا كثيرًا أنا أختصر حتى لا أطيل عليكم.

انظر إلى شرح العولمة بعبارات شرحها سابقًا لكن يُجملها في هذه العبارات: "ملاحظات ختامية في شأن المأزق"؛ مأزق الحداثة. يقول: "ما دمنا افترضنا قيام حكم إسلامي لا بد أن نفترض أيضًا أن ذلك الحكم سيخضع للتحديات التي يطرحها العالم الـمُعوْلَم"؛ الآن العولمة هل هي إنتاج حتمي أم أنها مفروضة؟ مفروضة. يعني العالم لم يختارها باختياره وإنما الذي فرضها شركات عابرة للقارات. الشركات التي أنتجت التلفزيونات فجعلت الثقافة واحدة. الشركات التي أرادت أن تهدم القيم وتُمرِّر منتجاتها بكل أنواعها على داخل العوالم الأخرى التي لا يمكن أن تمر هذه المنتجات إلا من خلال تدمير القيم الخاصة لكل أمة.

عندما يريد الغربي أو شركة أن تسوِّق بضاعة ما، هذه البضاعة تختلف مع قيمك، لا بد أن تدمر قيمك حتى تمر البضاعة، إذًا ما الذي أنتج العولمة؟ هي الشركات العابرة للقارات.

"وكنا قد حددنا ثلاثة تحديات على الأقل: الطبيعة العسكرية للدول الإمبراطورية القوية.."، ما الذي يمنع من قيام حكم إسلامي؟ طبيعة الدولة المعاصرة الحداثية التي يسمونها حداثية وظنوها تنويرية، قال: "الطبيعة العسكرية للدول الإمبراطورية القوية"، لا أحد يستطيع الخروج عنها، وإذا أراد أن يخرج عنها يتدخل العسكر والبساطير.

"ثانيًا التغوُّلات الثقافية الخارجية"، اليوم ليس هناك إمكانية لإقفال الحدود، أنت تضع الدش فوق الدار فليس هناك إقفال لحدود الثقافة، "والسوق العالمية الرأسمالية الليبرالية الهائلة"؛ هذه لا يوجد فيها إقفال الحدود. هذه الثلاثة لا يمكن، هذه هذ العولمة، ولا يوجد حدود لا ذاتية في داخل المجتمعات ولا صناعية من خلال الحدود والسياسات وغير ذلك.

نقطة مهمة؛ هو يأتي إلى موضوع الجهاد ومعضلة بناء الدولة. تعرفون أن من أركان شرعية الحاكم والدولة عندنا أنها دولة جهاد، والعلماء افترضوا على الحاكم إذا لم يجاهد أن يُعزل لأن من شروط بناء الدولة الجهاد. تصور ماذا سيكون شكل الجهاد في دولة إسلامية في وسط هذه العولمة؟! ينبه عليها في صفحة (46): "لطالما سعى النموذج مثله مثل قواعده القانونية الخاصة والفنية إلى تحقيق تلك الغاية الأخلاقية، ففشل أحيانًا ونجح في أغلب الأحيان، وذلك بالتحديد هو ما جعله نظامًا نموذجيًا"، هذه كلمة "نموذجي" كلمة رائعة وجميلة ومُغرية ومدحيَّة، لكن لو قال: "نموذجًا واقعيًا" لكانت أقرب. يعني وجود دولة إسلامية كنموذج موجودة في عالم الواقع يجعل الإسلام واقعيًا، وهي دولة إسلامية ونحن نعترف أنها دولة إسلامية.

وأنا عندما قرأت هذه العبارة قلت لو أنه ضرب مثالًا بكتب الأموال. ككتاب (الأموال) لأبي عُبيد لو ذهبت إليه ما مصادر الدولة الإسلامية؟ ثلاثة أرباعها متعلقة بالجهاد. حتى ما لم يكن جهادًا كالخراج ما الذي أفرزه؟ الجهاد؛ الفيء، الغنيمة. يعني لما يأتي عالم يُحرِّم المكوس، لماذا حرم المكوس؟ لأن هناك منافذ أخرى. لما جاء في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} أغلق عليهم باب تجارة فكيف فتحها؟ {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، ما الذي قاله بعدها؟ كيف جاء الحل بعد أن أغلق عليهم أبوابًا اقتصادية؟ قال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} فتح الباب.

"لطالما سعى النموذج مثله مثل القواعد القانونية الخاصة والفنية إلى تحقيق تلك الغاية الأخلاقية ففشل أحيانًا ونجح في أغلب الأحيان، وذلك بالتحديد هو ما جعله نظامًا نموذجيًا وقد ارتكز النظام في مُجْمَله على مفهوم الجهاد ذي السمعة السيئة اليوم نظرًا إلى تعريفه بصورة حصرية في الفترة الأخيرة بصورة خاصة على أساس فكرة كارل سميث الشائعة عن السياسي.."، إلى آخره. عبارات فلسفية تحتاج إلى شرح طويل.

لما قرأت الكتاب تذكرت البنوك الإسلامية، كما أن الدولة المستحيلة بالمفهوم الذي طرحه كذلك البنوك الإسلامية بالمفهوم الموجود ضمن هذا العالم الربوي يصير بنوكًا إسلامية!

يكفي هذا أيها الإخوة الأحبة.

جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم، والحمد لله رب العالمين.

أرجو أن يُقرأ الكتاب من قبل إخواننا. وهذا علَّمنا -أعيد وأكرر- ألا نقرأ الكتب بعيون غيرنا، وعلينا أن نقرأها بأنفسنا. وهذا يؤكد لنا أنه لا يمكن إنتاج دولة إسلامية عن طريق ما يسمى بالإصلاحيين. هذا كلام فارغ، وهي ضروب من الخيال، ولا يمكن إنتاج دولة إسلامية حتى يتم ضرب المركز وضعضعته، وهذا يمكن أن تقرأه في كلامي في كتاب (صِبغة الله الصَّمَد) عند قوله {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} وصلح الحديبية، كون (صبغة الله الصمد) يفسر مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم، وكيف فسَّرت أن صلح الحديبية هو فتح عظيم من الله؛ ذلك لارتقاء دولة الإسلام أمام دولة الجاهلية من خلال صراع كلي وليس من خلال صراع جزئي، حتى يتم التوازن ثم بعد ذلك تتم الغلبة، إلى آخره.

الآن هل تتصورون أن دولة إسرائيل تزول من غير سقوط مركزية أمريكا؟ لا نتكلم عن دولة إسلامية. بالرغم أنه لن تعود دولة فلسطين إلا بدولة إسلامية، لكن لو أتينا لمن يريد أن يختصر الطريق ويريد أن يذهب إلى إزالة دولة إسرائيل ليختار الفلسطينيون كما يختار السوريون حاكمهم بعد سقوط نظام بشار ويختار الفلسطينيون نظامهم الذي يريدون بعد زوال دولة إسرائيل. هل تتصورون أن دولة إسرائيل تزول من غير زوال مركز الجاهلية؟

هذا هو الجواب. ولذلك نسأل الله أن ينصر المجاهدين. ونسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يؤيدهم.

ونحن على ثقة أننا لن نصل إلى اللحظة الحرجة في إزالة طواغيت الأرض وإقامة دولة الإسلام حتى يتوافق هذا قدريًا مع زوال سلطة المركز. وهذه يشرحها هو، يتكلم عن المركز في الفقرات الأولى في الصفحات الأولى تقريبًا من (40-45) في هذه الصفحات يتكلم فيها كلامًا شديدًا في قضية عدم إمكانية تحرُّر الفرع استقلالًا فيه بالقيم بعيدًا عن سلطة المركز حتى يسقط هذا المركز.

هذا الذي عندي وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

*المصدر: مؤسسة التحايا ، قسم التفريغ

أخبار ذات صلة

-1-

لو خُيِّرت بين خِلال الخير وصفات النجاح جميعاً فقيل لي "اختَرْ واحدة ودَعْ ما عداها" لاخترت الرحمة، لأنني إلى رحمة الله أحوجُ م ... المزيد

وصف الدكتور عبدالرحمن السديس، الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام وال المزيد

تعليقات