البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

جذوة التجديد .. يكتبها حسين بن محمود

المحتوي الرئيسي


جذوة التجديد .. يكتبها حسين بن محمود
  • حسين بن محمود
    27/05/2015 05:31

يقال بأن الإنسان نتاج بيئته ، وهذه المقولة تكاد تكون من الدقة بمكان وإن كنا نؤمن بأن لكل قاعدة بشرية استثناء ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى معنى هذه القاعدة في قوله صلى الله عليه وسلم "فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه" (البخاري) ، فهذا التأثير البيئي نتج عنه انحراف فطرة الإنسان ، وبلغة العصر : "خلل في برمجة العقل" ، فهو بحاجة إلى إعادة "برمجة" لنعود به إلى الوضع الطبيعي في بداية صناعتة الأصلية التي تسمى "الفطرة" ..

كانت البيئة المتدينة في بلادنا الإسلامية هي الطاغية قبل عقود ، وإن كانت على دخن ، إلا أنها كانت بيئة نظيفة - في الغالب - خالية من المؤثرات الخارجية في أوساط العامة البسطاء ، ومع احتلال الغرب للدول الإسلامية وبداية الحرب التغريبية الحديثة : انسلخ الناس عن الدين بطريقة جماعية غريبة ، وأصبح الدين في نظر كثير من الناس شيئاً من الماضي الذي هو أساس التخلّف والرجعية التي تعيق اللحوق بركب الحضارة الأوروبية ، وحدث تفسّخ أخلاقي رهيب وانتشار للجهل الشرعي نتيجة الهجمة التغريبية الشرسة ..

تدرّج المفكرون والعلماء في محاربة هذه الظاهرة التغريبية : فبدؤوا بمحاولات تنزيه الشريعة عن بعض الأفكار التي زعموا أنها "دخيلة" عليها (كجهاد الطلب والولاء والبراء والحب والبغض في الله ، وبعض أحكام السياسة الشرعية) وكان "محمد عبده" و"الأفغاني" أبرز رجال هذه المرحلة ، ثم ارتقوا سلماً فبدؤوا بتبرير الأحكام الشرعية بتعبير دوني ، ثم حاولوا إقناع الناس بأنها مواكبة للعصر وعقدوا مقارنات بين نصوص الشرع والنظريات الحديثة في محاولة لاثبات أنها غير متصادمة ، ثم تدرجت المراحل إلى أن كانت النقلة النوعية في بعث مفهوم الاستعلاء الإيماني على يد أمثال سيد قطب والمودودي والندوي حيث أقروا جميع الأحكام الشرعية المنصوص عليها ، وبيّنوا سموّها وعلو منزلتها ، وهاجموا النظريات الغربية وفنّدوها وبينوا بطلانها ، وأظهروا عظمة الإسلام وعالميته وتفوقه النظري والتطبيقي في عصوره الذهبية ، وأنه راجع ليحكم العالم من جديد .. ثم كان بداية التطبيق الفعلي للمرحلة الأخيرة على يد المجاهدين في أفغانستان ومَن بعدهم ، وحمل كِبره الشيخ عبد الله عزام رحمه الله الذي خرج من مدرسة التوفيق ليكون استاذ مدرسة الاستعلاء الإسلامي ، وإن تعجب فاعجب من أمة زهدت في تراث هؤلاء المجددين !! ولا شك أن التراث النجدي في جزيرة العرب استعلائي منذ البداية ولكنه كان قطرياً حبيس القراطيس حتى امتزج حبره بواقع دم الجهاد والفكر التجديدي ..

كثير من الناس اليوم يعيشون المراحل السابقة : فبعضهم لا زال يبرر ، وبعضهم يُنكر بعض الأحكام الشرعية المصادمة للنظريات الحديثة ، وبعضهم يحاول التوفيق بين الأمرين ، وبعضهم يلغي أحكاماً مقطوع بشرعيتها بزعم أنها لا تواكب العصر ، وهذه المدارس لا زالت باقية لها أثرها السلبي على الأمة الإسلامية من خلال الكتب الكثيرة المؤلفة في تلك الحقبة ، ومن خلال بعض العلماء والدعاة والمفكرين الذين لم يستوعبوا التغيير الحاصل في الأمة ، فبعضهم لم يع بأن الأمة تجاوزت تلك المراحل وهي في طريقها إلى التمكين بالإستعلاء الإيماني على جميع الأديان والنظريات والقوانين والأعراف الخارجة عن نطاق الشرع تحقيقاً لقول الله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة : 33) ، فلا تطلب شهادة حسن سلوك من غيرها ، ولا يهمها رضى الغير عن الأحكام الشرعية مع اليقين بأن الآخرين {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} فهي مؤمنة بوعد الله جل وعلا {وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة : 32) ..

هناك صراع خفي بين "السلمية" و"الجهاد" متمثل في تمسك البعض بثقافة المراحل السابقة في مقابل إرادة الآخر قطع العلائق بها والمضي قدماً في مراحل أكثر تطوراً وفاعلية ، فجيل "التوافق" والسلمية لا يستطيع الفكاك عن الماضي المتراكم في العقول والأوراق التي سُوّدت في المرحلة "التبريرية" للأمة ، أما جيل "الإستعلاء" والجهاد فإنه يريد حرق مرحلة التبرير والمضي قدماً للرجوع بالأمة إلى المراحل الذهبية بالقوة المادية والروحية التي بها ساد الإسلام في الأرض ، فمقولة "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" يقابلها قناعة بأن الأمة لا بد لها من مواكبة العصر والواقع بتغيير أو إلغاء بعض الأحكام الشرعية الثابتة !!

ما صنعه الحكّام في كثير من البلاد من منع الجيل التبريري مخاطبة ومخالطة الجيل الجديد - عن طريق منع الخطب والدروس والظهور والتأليف والسجن ، وربما القتل - خلق نوعاً من الإنقطاع والفراغ بين الجيلين ، وهذا الفراغ ملأه الواقع التكنلوجي المتمثل بالأشرطة المرئية والسمعية ثم الفضائيات والشبكة العالمية وبرامج التواصل الإجتماعي ، فهذا الفضاء التكنلوجي أوجد جيلاً مغايراً تماماً عن الجيل السابق حيث استطاع فكر "الإستعلاء" التغلغل فيه ليستقطب مزيداً من الأنصار الذين يحاولون الانعتاق من جيل التبرير والتبعية والسلمية التي رأوا أنها لم تحقق طموحاتهم ، وأنها تقيّد انطلاقتهم ، وهذا من أهم أسباب قيام "الربيع العربي" ..

استطاع الواقع التكنلوجي الجديد الهيمنة على الساحة ، وخلَق هذا الواقع شهرة كبيرة لبعض صغار العلماء والدعاة الذين يظهرون على الشاشات وفي البرامج ، مع تغييب شبه تام لكثير من الفقهاء والعلماء الذين هم أكثر رسوخاً في العلم وأحكم وأضبط للأمور ، وغياب هؤلاء عن الساحة أعطى المجال لكثير من غير المستحقين الظهور والكلام في شؤون الأمة ، وليت الأمر وقف عند العلماء والدعاة الصغار ، بل تعداه إلى الإعلاميين والعلمانيين (المرتدين) الذين يخوضون في أمور المسلمين العامة ، وهذا من الآثار الجانبية لهذه الظاهرة الجديدة انقلب إلى إيجابية بسبب سخط كثير من الشباب على هذه النماذج ..

السلبية التي وقع فيها الجيل "التكنلوجي" هو : غياب التربية العملية والتأصيلية في الغالب ، حيث نرى من التقلبات الفكرية والأخلاقية ما لم نره في الجيل السابق ، وسرعة التقلّب دليل عدم التأصيل الشرعي ، وهناك إشارات كثيرة على غياب القدوة العملية – كالجرأة على الاتهام والتجريح ، وربما البذاءة والفحش - فهذه السلبيات يصعب تجاوزها في ظل انعدام القدوات وغياب الوازع الأخلاقي الذي لا يتحصّل بالقراءة المجردة ، بل لا بد من القدوة الحاضرة الحية المخلصة ..

كل جيل لا بد أن يؤثر في الجيل التالي ، ويتفاوت التأثير بقوة المؤثّر ، وفي لحظات تأريخية حرجة يكون الانقطاع بين ثقافة الجيلين في مواضع هو المطلوب ، وهذا ما حصل في جيل التيه الإسرائيلي الذي انقطع ثقافياً عن الجيل الإنهزامي الذي تربى على العبدوية للفرعونية .. لعل هذا الجيل بحاجة إلى انقطاع من النوع الإنتقائي ليتحرر من الهزيمة النفسية المتراكمة ، وفي نفس الوقت : يحتاج إلى الالتقاء بتراث الجيل التأصيلي في الأخلاق والقيم السامية ..

أدرك الأعداء خطورة غياب التربية "التبريرية السلمية الوسطية" التي منعوها هذا الجيل ، وحاولوا تدارك الأمر بإيجاد حل وسط يربط بين الجيلين فيلجم انطلاقة الجيل الجديد مع إلغاء فاعلية تأصيل الجيل القديم .. اخترع هؤلاء نوعاً من القدوات التي تربط الشباب بمرحلة الإنهزامية برباط شرعي متلوّن ، فأتوا بعلماء ودعاة سخّروا لهم الإعلام وبذلوا لهم الأموال في سبيل اقناع الشباب بالرجوع إلى بيت الطاعة ومراحل التبرير الأولى ، وكان من بين أسحلة هؤلاء : "الجامية" ، وغالية "الصوفية" ، وبعض "تجّار الدين" ، وبعض المندسّين في الأوساط العلمية والإعلامية والفكرية ، وبعض الجماعات ومشايخهم الذي لا زالوا يعيشون لحظات التراث التبريري ويرتشفون منه ..

المؤسف أن جيل "الاستعلاء الإيماني" لم يتأصل التأصيل المطلوب ، وكثير من أفراد هذا الجيل يغلب عليه التسرّع المدفوع بالعاطفة المجردة ، وهذا ليس غريباً كون أكثر هذا الجيل من الشباب ، ولولا هذه السلبية لكان التأثير في المحيط أكبر بكثير مما نراه اليوم ، فبعض المواقف والأقوال منفرّة ، وبعضها ينم عن تخبّط ، وبعضها ليس بالمستوى الأخلاقي المطلوب ، فهذا الدين لا يمكن إن ينتشر إلا بسموّ أتباعه الفكري والأخلاقي والعملي ، وهناك بعض المحاولات القليلة الجادة للوصول إلى مراحل متطورة من السموّ ، ولكن يقابل هذا مكر وكيد العدو وتزييفه الكبير ومحاولاته المستميتة لتشويه صورة المرحلة الجديدة برميها بالغلو والتطرف والضلال والإرهاب والخارجية والعنف والسطحية والجهل والتنطّع والرجعية والهمجية والغباء والظلامية واللامنطقية وغيرها ، في محاولة مستميتة لصرف الناس عنها ..

تربى الجيل الذي تكوّن في الجهاد الأفغاني الأوّل على أيدي العلماء والدعاة فكان جيلاً فريداَ جمع بين التأصيل والتجديد ، أما الذين نشؤوا في الثغور وفي معسكرات الجهاد فلم يتلقوا – في الغالب - نفس التربية الفكرية والروحية وإن أتقنوا فن القتال وبلغوا مبلغاً من المنطق الإستعلائي ، فكان الجهد شخصياً في القراءة والتثقيف لم يصاحبه وجود قدوات حية تؤصّل المفاهيم والأخلاق فحصل نوع من الاضطراب تدارك بعضه بعض عقلاء هذا الجيل ..

نستطيع أن نلخص المراحل التي مر بها الجهاد الحديث في ثلاثة أطوار نسبة إلى أشهر الأسماء :
فالطور الأول : هو طور الشيخ "عبد الله عزام" رحمه الله ، وتميزت هذه الحقبة بتجديد فقه الجهاد وإحياءه في الأمة بعد اندراس ، فكان الشيخ عبد الله عزام رحمه الله "مجدد" فقه الجهاد في الأمة ..
الطور الثاني : طور الشيخ "أسامة بن لادن" رحمه الله ، وتميزت فترته بالتنظير العالمي ، والخروج العملي من طوق القطرية إلى العالمية ..
الطور الثالث : حقبة الأمير "الزرقاوي" رحمه الله ، وتميزت بالشدة والبأس والتنكيل بالعدو القريب قبل البعيد ، وبالتركيز على العملاء واستئصال شأفة الموالين للأعداء بعكس الطور الثاني الذي ركّز على العدو الأمريكي ..

الفرق بين الحقبتين الأخيرتين سبّب إشكالاً في الساحة الجهادية : فمرحلة القتال الحصري "لهبل العصر" تصادم مع مرحلة تقديم قتال "خونة الداخل" ، ورغم أن الفكرة هي ذاتها ، إلا أننا اعتدنا أن نتخالف في الاختلاف !! إسقاط أمريكا سيُسقط العملاء تبعاً ، وإسقاط العملاء سيُسقط أمريكا تبعاً ، فأمريكا تحاربنا بأموالنا وبجيوشنا التي لولاها ما استطاعت محاربتنا ، والخونة يقاتلوننا بقوة أمريكا التي لولاها ما استطاعوا الصمود أمامنا ، والإشكال في كيفية إدارة هذا الخلاف وحصره في نطاقه الضيق والتوفيق بين الاجتهادين ..

الملاحظ أن أكثر الخلافات السياسية في الأمة ما تلبث أن تصبح منهجية عقدية يُعقد عليها الولاء والبراء : فالمذاهب الأربعة بدأت باختلاف اجتهادي فقهي من أئمة نبذوا الخلاف ، وسرعان ما تحول إلى جدل أصولي اختلفت فيه بعض مصادر التلقي وتمايزت المدارس بين أثر ورأي حتى وصل الأمر إلى اقتتال أصحاب المذاهب الأربعة فيما بينهم في فترات من التاريخ ، وحتى جعلنا أربعة منابر في الحرم للأربعة مذاهب ، وجاءت أسئلة إلى الفقهاء تستفسر عن حكم زواج الشافعي من المالكية أو الحنبلي من الحنفية !!
الخلاف الشيعي أصله سياسي تحوّل إلى رافضي عقدي مجوسي بسبب دخول أصحاب المآرب فيه ، وقابله الرأي الناصبي السياسي الأصل الذي استطاع العقلاء في الأمة استئصال شأفته !! الخارجية بدأت باجتهاد خاطئ وصرخة في مسجد الكوفة تحوّل بعدها إلى أصول وقواعد وعقائد جلبت على الأمة الويلات !! الصوفية بدأت كحركة تصفية للروح ونبذ للترف ما لبثت أن تحولت إلى بدع وخرافات نتيجة دخول الفلسفات الشرقية والغربية عليها ، فكل خلاف سياسي أو حتى مجرد خلاف في الرأي لم يُحصر في إطاره الصحيح يتحول إلى خلاف منهجي عقدي بسبب الدخلاء ، وبسبب حب الغلبة وكثرة الجدال وشهوة التمايز ، وقد سُئل أحد علماء الرافضة عن فقه "أئمة أهل البيت" فقال : "انظر ما يفعل أهل السنة واعمل خلافه" ..

الدارس لحركة التطور الحربي والفكري في الأمم لا بد أن يُدرك بأن هناك جيل رابع قادم سيكون أشد وأعنف وأكثر تركيزاً ، ونستطيع أن نستقرئ من تاريخ الأمة الإسلامية بأن الجيل الرابع – والذي هو قادم لا محالة - ربما يصل إلى قريب من الإرهاب "الخالدي" الذي ميّز سيف الله رضي الله عنه ، فالعالَم اليوم لم ير الإرهاب الإسلامي بعد ، ومن درس عهد الصحابة والفتوحات الإسلامية علم بأننا بعيدون كل البعد عن الإرهاب الإسلامي الأوّل ..
لقد تتبعت قتلى الكفار - المعلن عنهم - منذ بداية الجهاد الأفغاني ضد السوفييت ، ثم القتلى على يد "قاعدة الجهاد" ، مروراً بحرب البوسنة والشيشان ، والقتلى على يد "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا ، وحرب الصومال ومالي والفلبين ، والجهاد في فلسطين ، فوجدت أن جميع من قَتل المجاهدون في هذه الحروب من اليهود والنصارى والنصيرية والرافضة على مدار أربعين سنة لا يساوون نصف من قتل خالدٌ بن الوليد – رضي الله عنه - في ثلاثة أيام في معركة ألّيْس ، فكيف بمعركة "الفراض" التي قتل فيها خالد مائة ألف من الروم والفرس والعرب ، والله أعلم كم قتل المسلمون في اليرموك ، وهذا كله في بضعة أشهر !!

لقد كان من حرص خالد على إرهاب العدو وعدم تفويت الفرصة ما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" : "أن باهان [من قادة الروم] طلب خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين [يوم اليرموك] ، فيجتمعا في مصلحة لهم ، فقال باهان : إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع ، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما ، وترجعون إلى بلادكم ، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها . فقال خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت ، غير أنا قوم نشرب الدماء ، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم ، فجئنا لذلك . فقال أصحاب باهان : هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب." (انتهى) ، فإن صح هذا عن خالد فهو من الكذب الجائز في الحرب لإدخال الرعب في قلوب الأعداء ، وما قطعه رأس مالك بن نويرة وجعله بين حجرين ووضع قدر عليه لطهي غداءه ، وضربه رقبة الفارسي والجلوس على ظهره وتناول غداءه بين الصفين إلا من هذا الباب ..

إن الطور الرابع المرتقب : هو طور الفتوحات الحقة وسقوط دول الردّة والدول "العظمى" على أيدي المسلمين ، وكما بكى الأعداء على موت أسامة بعد ظهور "الدولة الإسلامية" ، سيبكون دماً على "الدولة الإسلامية" وعلى حقبة "الزرقاوي" بعد ظهور الجيل الرابع ، ومن ظن أن الدولة الإسلامية عنيفة فهو لم يقرأ تأريخ الفتوحات الإسلامية ولا يعرف "أبا سليمان سيف الله خالد بن الوليد" رضي الله عنه ، فجنود الدولة الإسلامية مجرد هواة صغار مبتدؤون في الإرهاب مقارنة بالصحابة والتابعين ، وليقرأ من شاء فتوحات العراق ليعلم ما هو الإرهاب الإسلامي الحق ، ويعلم سبب حنق وغيظ مجوس فارس على المسلمين عامة ، وعلى عمر وخالد - رضي الله عنهما - خاصة ..

مرحلتنا هذه تقتضي وعياً كبيراً بمخططات العدو ، وتحتاج مراجعة جادة لسياسة الإستقطاب المبنية على العاطفة المجردة ، فلا بد من التأصيل الشرعي في جميع الجوانب : سواء الفقهية أو الأخلاقية أو الفكرية ، ولا يكون التأصيل إلا وفق منهج سلف الأمة في القرون الأولى ، وهذه المراجعة هي الأصعب من بين جميع الأعمال المرجوّة من هذا الجيل ، فكثيرة التخبطات ، وكثيرة الأخطاء رغم كثرة التضحيات وصدق النيات ، فلا بد من نظرة فاحصة شاملة لمكامن الخلل ، ولا بد من تصحيح المسار ، ولا بد من صياغة فكرة عامة تبيّن خطوات المرحلة المقبلة تكون مبنية على الوعي الكامل والإيمان الراسخ والمبادئ الحقة ، فلا يمكن السير في طريق مظلم .. لا بد من المصالحة الشاملة بين رفقاء الدرب وتفويت الفرصة على العدو الذي يطمع في إهدار الطاقات وحرف المسار وتوسيع رقعة الخلاف ، وبدون المراجعة والمصالحة : تبقى هذه الجموع في دائرة مغلقة قد تؤخر ظهور جيل الفتح ..

حينما كتب سيّد قطب – رحمه الله – كتابه "المستقبل لهذا الدين" لشباب الإسلام لم يكن يتصوّر أن "الطليعة" التي يخاطبها تمشي إلى المستقبل بخطى "السلمية" !! لقد كانت الطليعة المسلمة في عهده مجاهدة ترفض الظلم وتحمل السلاح في وجهه ، ولذلك كانت كلماته واضحة في آخر باب من الكتاب ، وأوضح منها ما جاء في كتابه "دراسات إسلامية" حيث قال : "إنه إسلام أو لا إسلام ... إسلام ، فهو كفاح لا يهدأ ، وجهاد لا ينقطع ، واستشهاد في سبيل الحق والعدل والمساواة ، أو لا إسلام ... [إلى أن قال] فالذين يؤمنون بالله حق الإيمان ، هم الذين يجاهدون في الله حق جهاده ، ثم هم الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا . وكلمة الله في هذه الأرض لا تتحقق إلا أن يُرفع البغي والظلم منها" (انتهى) ، وكلمة الله هي التوحيد الخالص الذي يحكم الأرض بموجب الشرع ، فالظلم المنافي لحكم الشارع لا يُرفع إلا بالجهاد ، وجهاد الظلم لا يحصل إلا بجهاد النفس ، وجهاد النفس لا يحصل إلا بالإيمان والتوحيد .. وكتب حسن البنا "رسالة الجهاد" لهذه الطليعة ، ولم تكن دعوته يوماً سلمية سلبية كما نراها اليوم ، بل كانت دعوة جهاد وقتال واستشهاد ، والناظر في تأريخ الإخوان - قبل فلسفة "السلمية" - يُدرك هذا جيدا !!

إن الجهاد هو ما يخشاه الغرب وملل الكفر في الأرض لأنهم ذاقوا حَرّ سوطه وحدّ سيفه قروناً طويلة ، وعندما قامت حركة جهادية إسلامية في الهند ضد الاحتلال البريطاني كان من مكر البريطانيين أن أبرزوا الهندوسي "المهاتما غاندي" بفلسفة "السلمية" و"الديمقراطية" ليسحبوا البساط من تحت أرجل المجاهدين ، وهذه حقيقة يجهلها الكثير من المسلمين ، فالهند تحررت بالجهاد ، وسرقَ "غاندي" ثمار دماء المسلمين بفلسفة "السلمية" التي روّج لها البريطانيون أنفسهم ، واستخدم البريطانيون من ينتمي اسماً للإسلام لحرب المجاهدين (كالقاديانية وغلاة الصوفية والفرق الباطنية) فهؤلاء حرّموا الجهاد ضد البريطانيين ، وكفّروا من يحاربهم ورموه بالضلال والظلامية والخارجية والرجعية والتخلّف ، فكانوا خير عون للصليبيين في بلاد المسلمين ، وانسحب البريطانيون من الهند ليتركوا خلفهم هنوداً متغرّبين كما فعلوا في بلاد العرب وسائر ما احتلوا من البلاد ، ونشروا كل ما من شأنه إماتة مفهوم الجهاد في أمة الإسلام لتبقى الدول تحت سلطتها إلى الأبد ..

إن الحرب التي تشنها الدول الصليبية ضد المفاهيم الشرعية هي أخطر الحروب ، وكل دولة تحاول الاستقلال والنأي بنفسها عن الغرب : لا تُحارَب إلا إذى حاولت إرجاع هذه المفاهيم في الشعوب المسلمة ، ولتكن الدولة شيوعية أو يسارية أو يمينية أو قومية أو شعوبية أو حتى إسلامية شكلية ، فكل هذا لا يعني الغرب بقدر ما يعنيهم غياب المفاهيم الشرعية عن الشعوب ، وخاصة مفهوم الجهاد والولاء والبراء وحقيقة التوحيد الخالص لله ، فهذه الحقائق الشرعية من أخطر ما تكون على العالم الكافر ، ولذلك تجدهم يراجعون المقررات الدراسية في الدول الإسلامية بين الفينة والأخرى ليحذفوا كل ما يمت لهذه المفاهيم بِصلة فتبقى الشعوب الإسلامية : "سلميّة" غير "هجومية" ، "حضارية" تؤمن بالمفاهيم والأعراف الدولية ، "تعايشية" تقبل "الآخر" ، و"ديمقراطية" "مدنية" لا تدعوا لتحكيم الشريعة الإسلامية ..

إن خطر قيام "دولة إسلامية" في العراق والشام لا يكمن في كونها إسلامية المبنى ، ولكن الخطر يكمن في المعنى الذي تؤمن به "الدول الإسلامية" : فقضية الخلافة معناها حكم جميع الأرض وتوحيد المسلمين تحت راية واحدة تذوب فيها جميع النظريات التي أنشأها اليهود والنصارى للتفريق بين الأمم ، و"الدولة" في طريقها إلى بناء جيل يتربى على التوحيد والجهاد والولاء والبراء وينبذ الشرك والسلمية ويكفر بالمواثيق والأعراف الدولية ، فهذه الجموع والجحافل أتت لإيقاف التمدد الجغرافي والزماني والعقدي للدولة الإسلامية من هذا المنطلق ، فليس الخطر أن تتمدد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا والأردن ولبنان وإيران وجزيرة العرب ومصر والمغرب وخراسان واليمن ، وإنما الخطر يكمن في عدم إيمانها بوقف هذا التمدد ، فالخلافة الإسلامية التقليدية حدودها من الصين إلى جنوب باريس ، ومن موسكو إلى أفريقيا الوسطى ، وهذه في أبجديات الدولة تعتبر حدوداً إسلامية إستعادتُها فرض عين على الأمة ، والدولة بصدد إيجاد جيل كامل في العراق وسوريا وغيرهما من بلاد العالم يؤمن نظرياً بهذا التمدد ويبذل الدم رخيصاً في سبيله ، ثم إيمان الدولة الراسخ بأن التمدد لا يقف عند هذه الحدود ، وإنما الفرض الكفائي يوجب عليها التمدد إلى ما وراء هذه الحدود حتى تُفتح روما ، وحتى تقوم الملاحم الكبرى التي جاءت في النصوص ، ومن ظن أن هذه أحلام تراود شباباً متحمساً فهو أبعد ما يكون عن الحقيقة ، فالدولة الإسلامية تعمل وفق هذه الحقائق الشرعية بوعي تام وعمل دؤوب وبخطط بعيدة المدى بعد أن كانت هذه الحقائق شعارات وأحلام تراود الكثير من المسلمين ، وهذا ما يجعل علماء وباحثوا الغرب يصرخون صبح مساء في محافلهم من هول المصيبة التي سقطت على رؤوسهم ..

إن النقلة النوعية التي أحدثها المفكرون والعلماء والمجاهدون في العقود الماضية تحتاج إلى شحنات جديدة تنجيها من الركود والجمود والانحراف ، وهذه الشحنات هي الأفكار والمواقف الكبيرة التي تدفع بعجلة التأريخ ، فكل مرحلة لها أفكارها ورجالها ومنطلقاتها .. لا بد من معرفة طبيعة المرحلة والتعامل معها وفق سياسة تجديدية تثير رمادها ، والتجديد بمعناه الشرعي : هو الرجوع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من عقيدة وجهاد .. كل رماد ينطفئ ، والنار بجذواتها ، والجذوة قد تكون فكرة أو جماعة أو معركة أو شخص استثنائي في تخصص ضروري يجدد للأمة أمر دينها ، وبداية إدراك طبيعة الرماد الخافت هو بداية الإنطلاقة نحو إشعال جذوة التجديد في الأمة ..

أخبار ذات صلة

الذين دعوا لإسقاط البشير لأخطائه العديدة بغض النظر عن البديل الإماراتي الصهيوني الذي كان واضحا للعيان..

هؤلاء لا يصلحون ل ... المزيد

وقفت في المقال السابق عند ذهابي لمقابلة الحاج/ مصطفى مشهور في منزله بعد طلبه ذلك بيومين، وبعد يوم من التقدُّم مباشرة للجنة الأحزاب، أي يوم ١١ / ١ / ١٩٩ ... المزيد

كنت قد قررت ألا أشارك حتى ولو بالتعليق

ولا على غيره إلا أن أضطر للإجابة على سؤال وخاصة في الأمور السياسية وذلك لأن رأيي في ... المزيد

دعا العاهل الأردني، عبدالله الثاني، إلى الحوار والتشاركية خلال لقاء جرى أمس الثلاثاء، ووصف بأنه “صريح وساخن&rdquo ... المزيد