البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

الاستاذ محمد أسد.. سيرة عقل يبحث عن الإيمان (2)

المحتوي الرئيسي


الاستاذ محمد أسد.. سيرة عقل يبحث عن الإيمان (2)
  • محمد عدس
    19/01/2015 03:02

وعدت فى الحلقة السابقة أن أتناول آخر مرحلة من مسيرة عقل محمد أسد فى البحث عن الإيمان وهي مسجلة فى كتابى عنه تحت عنوان : "اللحظة الفارقة" .. حكاها لمجموعة من المصلين فى المسجد النبوي إستجابة لصديقه الشيخ الذى سأله عن اللحظة الفارقة التى جعلته يقرر إعلان إسلامه فورًا..؟ وللعلم فقد كان لمحمد أسد منزل فى المدينة المنورة منحه الفرصة كاملة ليستدعى أجمل ذكرياته التاريخية عن إشراقات الإسلام الأولى .. وأضواء السيرة النبوية العطرة .. ويتلمس مواطئ أقدام النبي فى طرقاتها .. ويتنسّم عبير أجواء المدينة التى احتضنت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وشهدت مجد الإسلام فى ذروة صموده وانتصاره ..

يحكي محمد أسد واقعة صادفته في برلين كان لها أثر فاصل علي موقفه من قضية الإيمان ، ورغم أنها واقعة بسيطة قد تمرّ علينا يوميًّا دون أن تلفت النظر ، إلا أنها أثارت عنده حالة من التوقّد الروحي كأنها شرارة من كهرباء ، أطلقت وهجًا مفاجئًا في العقل فرأي شيئًا لم يكن ليراه في الظروف المعتادة .. يصف هذه الواقعه فيقول :

" في يوم من أيام شهر أيلول (سبتمبر) سنة 1926 كنت مسافرًا مع زوجتي في قطار برلين .. فوقع نظري علي رجل يجلس أمامي متأنّقًا في ملبسه عليه آثار النعمة والثروة، وقد وضع علي ركبتيه حقيبة صغيرة أنيقة وفي إصبعه خاتم كبير من الماس .. غير أنني عندما حدّقت في وجهه شعرت بأنني أنظر إلي رجل تعيس .. فقد بدا عليه القلق ، بل نوعٌ من الشقاء النفسي العميق .. علي خلاف تام مع مظهره المرفّه ..

كان ينظر أمامه وكأنه ينظر إلي شيء بعيد .. ولكنها نظرات فارغة من المعني .. زاويتا شفتيه متقلّصتان إمتعاضًا أو ألمًا نفسيًّا بعيد الأغوار .. تحوّلت بنظري قليلًا فرأيت إلي جانبه سيدة بادية اللطف ولكن كانت تقاطيع وجهها هي أيضاً تعبّر عن شعور جُوّاني بعدم السعادة ، وكأنما كانت تفكر أو تعاني شيئا يسبب لها الألم .. ورغم ذلك كان ثغرها مُفْتَرًّا عما يشبه إبتسامه شاحبة جامدة .. أعتقد أنها إعتادت عليها .. ثم أخذت أجول ببصري في جميع الوجوه الأخري .. فلاحظت (مذهولا) أن وجوه الناس كلهم بدون استثناء تعبّر عن ألم دفين رغم أنهم جميعًا يرتدون ثيابًا حسنة وتبدو عليهم نعمة الحياة المادية والتغذية الجيدة ...

يتابع محمد أسد فيقول : في الحقيقة كان هذا المنظر غريبًا عليّ.. فأنا لم يسبق أن رأيت مثل هذا العدد الكبير من الوجوه التعسة من حولي .. ولعلها كانت موجودة ولكني لم أتبيّن هذا الإنطباع الشقي الحزين من قبل.. كان هذا الإنطباع شديد الوقْع علي نفسي لدرجة جعلتني أفصح لزوجتي عن الشعور الذي داهمني فجأة .. فشرعت هي أيضًا تنظر حولها بعيني رسام اعتاد دراسة القسمات البشرية .. ثم استدارت إلي وهي تقول مُبْدِيَةً دهشتها : إنك علي حق .. إنهم جميعًا يبدون وكأنهم يعانون عذاب الجحيم .. ولكني أتساءل : هل هم يدركون حقيقة ما يعتمل في قرارة أنفسهم .. ؟!

يقول محمد أسد : "كنت علي يقين أنهم لم يكونوا ليعلموا حقيقة ما هم فيه من عذاب وإلا لما كان بإمكانهم أن يواصلوا تبديد حياتهم كما يفعلون .. دون أي غاية أبعد من الرغبة في رفع (مستوي معيشتهم) .. دون أي أمل غير الاستحواذ علي المزيد من الملذّات المادية .. والمزيد من الممتلكات .. وربما المزيد من السلطة أيضًا ...

عندما عاد محمد أسد وزوجته إلي المنزل تصادف أن جذب نظره نسخة من المصحف مفتوحة علي مكتبه كان يقرأ فيها من قبل .. فرفع المصحف بطريقة آلية وهمّ بإغلاقه ليضعه جانبًا في مكانه المعتاد .. ولكن في هذه اللحظة وقع نظره علي الصفحة المفتوحة فجرت عيناه عليها سريعًا ليقرأ بصوت مهموس :

{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ }.

يقول محمد أسد مُعلّقاً : " إعتراني الصمت للحظات قليلة وكان المصحف يهتز بين يديّ المرتعشتين .. فسلمته إلي زوجتي وقلت لها اقرئي هذه السورة .. أليس فيها إجابة علي ما رأيناه في القطار اليوم ..!؟ -نعم لقد كانت هي الإجابة القاطعة التي جعلت كل شك في عقلي يتهاوى ويأتي إلي نهايته .. الآن قد أيقنت بلا أدني شك أن هذا الكتاب مُوحي من الله الخالق .. وأنه رسالته الخالدة إلى سائر البشر فى جميع العصور .. فبرغم أنه موجود أمام الإنسان أكثر من ثلاثة عشر قرنا ، إلا أنه ( في ذلك الزمن السحيق ) قد أستشرف شيئًا أصبح الآن فقط حقيقة ماثلة مروّعة .. في هذا العصر الآلي المعقد الذي يكتنفه السراب .. !

لقد كان الطمع في المزيد من المال والثراء قائمًا علي مر العصور .. ولكن لا يمكن مقارنته بهذا الطمع الذي دمراليوم كل شيء خيّر في حياة الإنسان وأخلاقه .. وسخره عبدًا مسلوب الإرادة لشهوة المال .. وأصبح الإنسان عاجزاً مشلولاً أمام دوافع هذه الشهوة المتنامية أبدًا .. حيث تتجدد كل يوم الحاجة إلي اقتناء شئ جديد .. إنه الجوع الذي لا يشبع أبدا .. بل يسلّم الانسان من رغبة إلي رغبة ومن شهوة إلى شهوة أكبر منها دونما شبع أو رِيّ .. وهكذا تتقلص روح الإنسان وتتلاشي تحت وطأة الرغبات الشيطانية التي تهوي به أسفل سافلين .. "لترونّ الجحيم ثم لترونها عين اليقين..!!".

¤ يعتقد محمد أسد أن رؤية الجحيم في الشق الأول من الآية مُنصبّة علي الجحيم الدنيوي .. وأما رؤية الجحيم "عين اليقين" فتتعلق بجحيم الآخرة .. ثم يعقب علي ذلك قائلاً :

" لقد إنكشف لي الآن أنها ليست حكمة إنسانية توصّل إليها إنسان في الماضي السحيق بالجزيرة العربية .. فمهما كانت حكمة هذا الانسان بالغة ورائعة ، فإنه وحده لم يكن ليستطيع أن يدرك أبعاد هذا العذاب الأليم الواقع علي إنسان فى هذا القرن العشرين .. وأن يصوغه في هذه الصورة المذهلة المروّعة.. إنني في هذه الآية أسمع صوتًا من القرآن أعظم من صوت محمد صلي الله عليه وسلم" .

¤ محمد أسد لا يقصد هنا التقليل من شأن الحديث النبوي الشريف بأي حال ، وهو الداعي إلي الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بحذافيرها وبكل تفصيلة فيها بلا تراخٍ .. وإنما هو في موقف ترتيب لأولويات وتمييز لدرجات .. وشتان بين مقام الألوهية ومقام النبوة ...

** بهذه العبارات الخاتمة شعر محمد أسد أنه قد جاء إلي نهاية قصته .. وهو جالس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة يحكي ويتأمّل .. وقد شمل المكان سكون عميق تحت أضواء خافته تنبعث من المشاعل الزيتية المتدلية من سقف المسجد في سلاسل طويلة بين الأعمدة .. وكان صديقه الشيخ قد أحني رأسه علي صدره وأغلق عينيه .. يظن من لا يعرفه أنه مستغرق في النعاس .. ولكن محمد أسد يعرف الشيخ ويعلم أنه كان يستمع بإنصات عميق لما يقول .. محاولًا أن يضع هذا الكلام في إطار خبراته الواسعة بالناس والقلوب .. وبعد هُنَيْهَةٍ رفع رأسه وفتح عينيه وهو يقول :

"ثم ماذا .. بعد ذلك .. ماذا فعلت يا محمد" ؟..

فرد محمد أسد قائلًا : كان الشيء الواضح أمامي يا شيخ أن أتوجه باحثًا عن صديق لي مسلم من أصل هندي .. كان قائدًا لمجموعة من المسلمين في برلين .. أخبرته أنني أريد أن أعتنق الإسلام .. فمد يديه إليّ فوضعت يدي اليمني بينهما .. وفي حضور شاهدين نطقت بالشهادة ‏‎frown‎‏ رمز تعبيري أشهد ألَّا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ] ..

إنتهى الاقتباس.. وبدأت رحلة محمد أسد الثانية التى استغرقت بقية عمره (ستة وستون عاما) من الجهاد ، كرّسها فى خدمة الدعوة الإسلامية والعمل المتواصل على النهوض بالمسلمين .. والكشف عن كنوز الإسلام الكامنة فى الكتاب والسنة ؛ للمسلمين الغافلين ولأبناء الحضارة الغربية المستغرقة أرواحهم فى الوهم والضلال والتعاسة..

أخبار ذات صلة

كنت أود تأخير مقالى بعد العيد لكن تأخير البيان لايجوز عن وقت الحاجة

بفضل الله  منذ عشر سنوات أو أكثر وانا احذر وأنتقد عزمى بشارة فه ... المزيد

عديدة هي التحولات الجيوبوليتكية السحيقة في القطر العربي التي امتدت من الشرق إلى ليبيا و الهادفة إلى بلقنة المنطقة تنزيلا لبنود مخططات الظلاميين و ا ... المزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فمن السنن الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم سنة الأضحية ، وقد ثبت في السنة الصحيحة تحديد الشروط الواجب تو ... المزيد